Ibn 'AshurAl‑Falaq · 113:1–5

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

الفلق

Al-Falaq

The Daybreak · Meccan · 5 ayahs

113:1–2Page 604

قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلۡفَلَقِ ١

Say, "I seek refuge in the Lord of daybreak

مِن شَرِّ مَا خَلَقَ ٢

From the evil of that which He created

﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ ﴿مِن شَرِّ ما خَلَقَ﴾

الأمْرُ بِالقَوْلِ يَقْتَضِي المُحافَظَةَ عَلى هَذِهِ الألْفاظِ لِأنَّها الَّتِي عَيَّنَها اللَّهُ لِلنَّبِيءِ ﷺ لِيَتَعَوَّذَ بِها فَإجاباتُها مَرْجُوَّةٌ، إذْ لَيْسَ هَذا المَقُولُ مُشْتَمِلًا عَلى شَيْءٍ يُكَلَّفُ بِهِ أوْ يُعْمَلُ حَتّى يَكُونَ المُرادُ: قُلْ لَهم كَذا كَما في قَوْلِهِ: (﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١])، وإنَّما هو إنْشاءُ مَعْنًى في النَّفْسِ تَدُلُّ عَلَيْهِ هَذِهِ الأقْوالُ الخاصَّةُ.

وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في أنَّهُ سَألَ النَّبِيءَ ﷺ عَنِ المُعَوِّذَتَيْنِ فَقالَ: (قِيلَ لِي قُلْ، فَقُلْتُ لَكم فَقُولُوا) . يُرِيدُ بِذَلِكَ المُحافَظَةَ عَلى هَذِهِ الألْفاظِ لِلتَّعَوُّذِ، وإذْ قَدْ كانَتْ مِنَ القُرْآنِ فالمُحافَظَةُ عَلى ألْفاظِها مُتَعَيِّنَةٌ والتَّعَوُّذُ يَحْصُلُ بِمَعْناها وبِألْفاظِها حَتّى كَلِمَةِ (قُلْ) .

والخِطابُ في (قُلْ) لِلنَّبِيءِ ﷺ وإذَ قَدْ كانَ قُرْآنًا كانَ خِطابُ النَّبِيءِ ﷺ بِهِ يَشْمَلُ الأُمَّةَ حَيْثُ لا دَلِيلَ عَلى تَخْصِيصِهِ بِهِ؛ فَلِذَلِكَ أمَرَ النَّبِيءُ ﷺ بَعْضَ أصْحابِهِ بِالتَّعَوُّذِ بِهَذِهِ السُّورَةِ، ولِذَلِكَ أيْضًا كانَ يُعَوِّذُ بِهِما الحَسَنَ والحُسَيْنَ كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ، فَتَكُونُ صِيغَةُ الأمْرِ المُوَجَّهَةُ إلى المُخاطَبِ مُسْتَعْمَلَةً في مَعْنَيَيِ الخِطابِ مِن تَوَجُّهِهِ إلى مُعَيَّنٍ وهو الأصْلُ، ومِن إرادَةِ كُلِّ مَن يَصِحُّ خِطابُهُ وهو

صفحة ٦٢٦

طَرِيقٌ مِن طُرُقِ الخِطابِ تَدُلُّ عَلى قَصْدِهِ القَرائِنُ، فَيَكُونُ مِنِ اسْتِعْمالِ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ.

واسْتِعْمالُ صِيغَةِ التَّكَلُّمِ في فِعْلِ (أعُوذُ) يَتْبَعُ ما يُرادُ بِصِيغَةِ الخِطابِ في فِعْلِ (قُلْ) فَهو مَأْمُورٌ بِهِ لِكُلِّ مَن يُرِيدُ التَّعَوُّذَ بِها.

وأمّا تَعْوِيذُ قارِئِها غَيْرَهُ بِها كَما ورَدَ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ يُعَوِّذُ بِالمُعَوِّذَتَيْنِ الحَسَنَ والحُسَيْنَ» . وما رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «(إنَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ يَنْفُثُ عَلى نَفْسِهِ في المَرَضِ الَّذِي ماتَ فِيهِ بِالمُعَوِّذاتِ، فَلَمّا ثَقُلَ كُنْتُ أنْفُثُ عَلَيْهِ بِهِنَّ وأمْسَحُ بِيَدِ نَفْسِهِ لِبَرَكَتِها»)؛ فَلِذَلِكَ عَلى نِيَّةِ النِّيابَةِ عَمَّنْ لا يُحْسِنُ أنْ يُعَوِّذَ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ بِتِلْكَ الكَلِماتِ لِعَجْزٍ أوْ صِغَرٍ أوْ عَدَمِ حِفْظٍ.

والعَوْذُ: اللَّجْأُ إلى شَيْءٍ يَقِي مَن يَلْجَأُ إلَيْهِ ما يَخافُهُ، يُقالُ: عاذَ بِفُلانٍ، وعاذَ بِحِصْنٍ، ويُقالُ: اسْتَعاذَ، إذا سَألَ غَيْرَهُ أنْ يُعِيذَهُ قالَ تَعالى: ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] . وعاذَ مِن كَذا، إذا صارَ إلى ما يُعِيذُهُ مِنهُ. قالَ تَعالى: ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] .

والفَلَقُ: الصُّبْحُ، وهو فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِثْلَ الصَّمَدِ؛ لِأنَّ اللَّيْلَ شُبِّهَ بِشَيْءٍ مُغْلَقٍ يَنْفَلِقُ عَنِ الصُّبْحِ، وحَقِيقَةُ الفَلْقِ: الِانْشِقاقُ عَنْ باطِنِ شَيْءٍ، واسْتُعِيرَ لِظُهُورِ الصُّبْحِ بَعْدَ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ. وهَذا مِثْلَ اسْتِعارَةِ الإخْراجِ لِظُهُورِ النُّورِ بَعْدَ الظَّلامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأغْطَشَ لَيْلَها وأخْرَجَ ضُحاها﴾ [النازعات: ٢٩]، واسْتِعارَةِ السَّلْخِ لَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ [يس: ٣٧] .

ورَبُّ الفَلَقِ: هو اللَّهُ؛ لِأنَّهُ الَّذِي خَلَقَ أسْبابَ ظُهُورِ الصُّبْحِ، وتَخْصِيصُ وصْفِ اللَّهِ بِأنَّهُ رَبُّ الفَلَقِ دُونَ وصْفٍ آخَرَ؛ لِأنَّ شَرًّا كَثِيرًا يَحْدُثُ في اللَّيْلِ مِن لُصُوصٍ، وسِباعٍ، وذَواتِ سُمُومٍ، وتَعَذُّرِ السَّيْرِ، وعُسْرِ النَّجْدَةِ، وبُعْدِ الِاسْتِغاثَةِ واشْتِدادِ آلامِ المَرْضى، حَتّى ظَنَّ بَعْضُ أهْلِ الضَّلالَةِ اللَّيْلَ إلَهَ الشَّرِّ.

والمَعْنى: أعُوذُ بِفالِقِ الصُّبْحِ مَنجاةً مِن شُرُورِ اللَّيْلِ، فَإنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُنْجِيَنِي في اللَّيْلِ مِنَ الشَّرِّ كَما أنْجى أهْلَ الأرْضِ كُلَّهم بِأنْ خَلَقَ لَهُمُ الصُّبْحَ، فَوُصِفَ اللَّهُ بِالصِّفَةِ الَّتِي فِيها تَمْهِيدٌ لِلْإجابَةِ.

113:3Page 604

وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ٣

And from the evil of darkness when it settles

صفحة ٦٢٧

﴿ومِن شَرِّ غاسِقٍ إذا وقَبَ﴾

عَطْفُ أشْياءَ خاصَّةٍ هي مِمّا شَمِلَهُ عُمُومُ ﴿مِن شَرِّ ما خَلَقَ﴾ [الفلق: ٢]، وهي ثَلاثَةُ أنْواعٍ مِن أنْواعِ الشُّرُورِ: أحَدُهُما: وقْتٌ يَغْلِبُ وُقُوعُ الشَّرِّ فِيهِ وهو اللَّيْلُ.

والثّانِي: صِنْفٌ مِنَ النّاسِ أُقِيمَتْ صِناعَتُهم عَلى إرادَةِ الشَّرِّ بِالغَيْرِ.

والثّالِثُ: صِنْفٌ مِنَ النّاسِ ذُو خُلُقٍ مِن شَأْنِهِ أنْ يَبْعَثَ عَلى إلْحاقِ الأذى بِمَن تَعَلَّقَ بِهِ.

وأُعِيدَتْ كَلِمَةُ ﴿مِن شَرِّ﴾ [الفلق: ٢] بَعْدَ حَرْفِ العَطْفِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ، وفي الجُمْلَتَيْنِ المَعْطُوفَتَيْنِ عَلَيْها مَعَ أنَّ حَرْفَ العَطْفِ مُغْنٍ عَنْ إعادَةِ العامِلِ قَصْدًا لِتَأْكِيدِ الدُّعاءِ تَعَرُّضًا لِلْإجابَةِ، وهَذا مِنَ الِابْتِهالِ فَيُناسِبُهُ الإطْنابُ.

والغاسِقُ: وصْفُ اللَّيْلِ إذا اشْتَدَّتْ ظُلْمَتُهُ، يُقالُ: غَسَقَ اللَّيْلُ يَغْسِقُ، إذا أظْلَمَ، قالَ تَعالى: ﴿إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨] . فالغاسِقُ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ لِظُهُورِهِ مِن مَعْنى وصْفِهِ مِثْلَ الجَوارِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ﴾ [الشورى: ٣٢] وتَنْكِيرُ غاسِقٍ لِلجِّنْسِ؛ لِأنَّ المُرادَ جِنْسُ اللَّيْلِ.

وتَنْكِيرُ (غاسِقٍ) في مَقامِ الدُّعاءِ يُرادُ بِهِ العُمُومُ؛ لِأنَّ مَقامَ الدُّعاءِ يُناسِبُ التَّعْمِيمَ. ومِنهُ قَوْلُ الحَرِيرِيِّ في المَقامَةِ الخامِسَةِ: ”يا أهْلَ ذا المَعْنى وُقِيتُمْ ضُرًّا“ أيْ: وُقِيتُمْ كُلَّ ضُرٍّ.

وإضافَةُ الشَّرِّ إلى غاسِقٍ مِن إضافَةِ الِاسْمِ إلى زَمانِهِ عَلى مَعْنى (في) كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [سبإ: ٣٣] .

واللَّيْلُ: تَكْثُرُ فِيهِ حَوادِثُ السُّوءِ مِنَ اللُّصُوصِ والسِّباعِ والهَوامِّ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.

وتَقْيِيدُ ذَلِكَ بِظَرْفِ ﴿إذا وقَبَ﴾ أيْ: إذا اشْتَدَّتْ ظُلْمَتُهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ وقْتٌ يَتَحَيَّنُهُ الشُّطّارُ وأصْحابُ الدَّعارَةِ والعَيْثِ، لِتَحَقُّقِ غَلَبَةِ الغَفْلَةِ والنَّوْمِ عَلى النّاسِ فِيهِ، يُقالُ: أغْدَرَ اللَّيْلُ؛ لِأنَّهُ إذا اشْتَدَّ ظَلامُهُ كَثُرَ الغَدْرُ فِيهِ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّهُ أغْدَرُ، أيْ: صارَ ذا غَدْرٍ عَلى طَرِيقِ المَجازِ العَقْلِيِّ.

صفحة ٦٢٨

ومَعْنى (وقَبَ) دَخَلَ وتَغَلْغَلَ في الشَّيْءِ، ومِنهُ الوَقْبَةُ: اسْمُ النُّقْرَةِ في الصَّخْرَةِ يَجْتَمِعُ فِيها الماءُ، ووَقَبَتِ الشَّمْسُ غابَتْ، خَصَّ بِالتَّعَوُّذِ أشَدَّ أوْقاتِ اللَّيْلِ تَوَقُّعًا لِحُصُولِ المَكْرُوهِ.

113:4Page 604

وَمِن شَرِّ ٱلنَّفَّٰثَٰتِ فِي ٱلۡعُقَدِ ٤

And from the evil of the blowers in knots1

﴿ومِن شَرِّ النَّفّاثاتِ في العُقَدِ﴾

هَذا النَّوْعُ الثّانِي مِنَ الأنْواعِ الخاصَّةِ المَعْطُوفَةِ عَلى العامِّ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِن شَرِّ ما خَلَقَ﴾ [الفلق: ٢] . وعَطْفُ ﴿شَرِّ النَّفّاثاتِ في العُقَدِ﴾ عَلى شَرِّ اللَّيْلِ؛ لِأنَّ اللَّيْلَ وقْتٌ يَتَحَيَّنُ فِيهِ السَّحَرَةُ إجْراءَ شَعْوَذَتِهِمْ لِئَلّا يَطَّلِعَ عَلَيْهِمْ أحَدٌ.

والنَّفْثُ: نَفْخٌ مَعَ تَحْرِيكِ اللِّسانِ بِدُونِ إخْراجِ رِيقٍ، فَهو أقَلُّ مِنَ التُّفْلِ، يَفْعَلُهُ السَّحَرَةُ إذا وضَعُوا عِلاجَ سِحْرِهِمْ في شَيْءٍ وعَقَدُوا عَلَيْهِ عُقَدًا ثُمَّ نَفَثُوا عَلَيْها.

فالمُرادُ بِـ ﴿النَّفّاثاتِ في العُقَدِ﴾ النِّساءُ السّاحِراتُ، وإنَّما جِيءَ بِصِفَةِ المُؤَنَّثِ؛ لِأنَّ الغالِبَ عِنْدَ العَرَبِ أنْ يَتَعاطى السِّحْرَ النِّساءُ؛ لِأنَّ نِساءَهم لا شُغْلَ لَهُنَّ بَعْدَ تَهْيِئَةِ لَوازِمِ الطَّعامِ والماءِ والنَّظافَةِ؛ فَلِذَلِكَ يَكْثُرُ انْكِبابُهُنَّ عَلى مِثْلِ هاتِهِ السَّفاسِفِ مِنَ السِّحْرِ والتَّكَهُّنِ ونَحْوِ ذَلِكَ، فالأوْهامُ الباطِلَةُ تَتَفَشّى بَيْنَهُنَّ، وكانَ العَرَبُ يَزْعُمُونَ أنَّ الغُولَ ساحِرَةٌ مِنَ الجِنِّ. ووَرَدَ في خَبَرِ هِجْرَةِ الحَبَشَةِ أنَّ عِمارَةَ بْنَ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ اتُّهِمَ بِزَوْجَةِ النَّجاشِيِّ، وأنَّ النَّجاشِيَّ دَعا لَهُ السَّواحِرَ فَنَفَخْنَ في إحْلِيلِهِ فَصارَ مَسْلُوبَ العَقْلِ هائِمًا عَلى وجْهِهِ ولَحِقَ بِالوُحُوشِ. والعُقَدُ: جَمْعُ عُقْدَةٍ وهي رَبْطٌ في خَيْطٍ أوْ وتَرٍ يَزْعُمُ السَّحَرَةُ أنَّهُ سِحْرُ المَسْحُورِ يَسْتَمِرُّ ما دامَتْ تِلْكَ العُقْدَةُ مَعْقُودَةً، ولِذَلِكَ يَخافُونَ مِن حَلِّها فَيَدْفِنُونَها أوْ يُخَبِّئُونَها في مَحَلٍّ لا يُهْتَدى إلَيْهِ. أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِالِاسْتِعاذَةِ مِن شَرِّ السَّحَرَةِ؛ لِأنَّهُ ضَمِنَ لَهُ أنْ لا يَلْحَقَهُ شَرُّ السَّحَرَةِ، وذَلِكَ إبْطالٌ لِقَوْلِ المُشْرِكِينَ في أكاذِيبِهِمْ إنَّهُ مَسْحُورٌ، قالَ تَعالى: ﴿وقالَ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الفرقان: ٨] .

وجُمْلَةُ القَوْلِ هُنا: أنَّهُ لَمّا كانَ الأصَحُّ أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ فَإنَّ النَّبِيءَ ﷺ مَأْمُونٌ مِن أنْ يُصِيبَهُ شَرُّ النَّفّاثاتِ؛ لِأنَّ اللَّهَ أعاذَهُ مِنها.

صفحة ٦٢٩

وأمّا السِّحْرُ فَقَدْ بَسَطْنا القَوْلَ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وإنَّما جُعِلَتِ الِاسْتِعاذَةُ مِنَ النَّفّاثاتِ لا مِنَ النَّفْثِ، فَلَمْ يَقُلْ: إذا نَفَثْنَ في العُقَدِ، لِلْإشارَةِ إلى أنَّ نَفْثَهُنَّ في العُقَدِ لَيْسَ بِشَيْءٍ يَجْلِبُ ضُرًّا بِذاتِهِ، وإنَّما يَجْلِبُ الضُّرَّ النّافِثاتُ وهُنَّ مُتَعاطِياتُ السِّحْرِ؛ لِأنَّ السّاحِرَ يَحْرِصُ عَلى أنْ لا يَتْرُكَ شَيْئًا مِمّا يُحَقِّقُ لَهُ ما يَعْمَلُهُ لِأجْلِهِ إلّا احْتالَ عَلى إيصالِهِ إلَيْهِ، فَرُبَّما وضَعَ لَهُ في طَعامِهِ أوْ شَرابِهِ عَناصِرَ مُفْسِدَةً لِلْعَقْلِ أوْ مُهْلِكَةً بِقَصْدٍ أوْ غَيْرِ قَصْدٍ، أوْ قاذُوراتٍ يُفْسِدُ اخْتِلاطُها بِالجَسَدِ بَعْضَ عَناصِرِ انْتِظامِ الجِسْمِ يَخْتَلُّ بِها نَشاطُهُ أوْ إرادَتُهُ، ورُبَّما أغْرى بِهِ مَن يَغْتالُهُ أوْ مَن يَتَجَسَّسُ عَلى أحْوالِهِ لِيُرِيَ لِمَن يَسْألُونَهُ السِّحْرَ أنَّ سِحْرَهُ لا يَخْتَلِفُ ولا يُخْطِئُ.

وتَعْرِيفُ (النَّفّاثاتِ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ وهو في مَعْنى النَّكِرَةِ لا تَفاوُتَ في المَعْنى بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ومِن شَرِّ غاسِقٍ﴾ [الفلق: ٣] وقَوْلِهِ: ﴿ومِن شَرِّ حاسِدٍ﴾ [الفلق: ٥]، وإنَّما أُوثِرَ لَفْظُ النَّفّاثاتِ بِالتَّعْرِيفِ؛ لِأنَّ التَّعْرِيفَ في مِثْلِهِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ حَقِيقَةٌ مَعْلُومَةٌ لِلسّامِعِ مِثْلَ التَّعْرِيفِ في قَوْلِهِمْ (أرْسَلَها العِراكَ) كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢] في سُورَةِ الفاتِحَةِ.

وتَعْرِيفُ (النَّفّاثاتِ) بِاللّامِ إشارَةٌ إلى أنَّهُنَّ مَعْهُوداتٌ بَيْنَ العَرَبِ.

113:5Page 604

وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ٥

And from the evil of an envier when he envies."

﴿ومِن شَرِّ حاسِدٍ إذا حَسَدَ﴾

عُطِفَ شَرُّ الحاسِدِ عَلى شَرِّ السّاحِرِ المَعْطُوفِ عَلى شَرِّ اللَّيْلِ، لِمُناسَبَةٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ مُباشَرَةً، وبَيْنَهُ وبَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِواسِطَتِهِ، فَإنَّ مِمّا يَدْعُو الحاسِدَ إلى أذى المَحْسُودِ أنْ يَتَطَلَّبَ حُصُولَ أذاهُ لِتَوَهُّمِ أنَّ السِّحْرَ يُزِيلُ النِّعْمَةَ الَّتِي حَسَدَهُ عَلَيْها، ولِأنَّ ثَوْرانَ وِجْدانِ الجَسَدِ يَكْثُرُ في وقْتِ اللَّيْلِ؛ لِأنَّ اللَّيْلَ وقْتُ الخُلْوَةِ وخُطُورِ الخَواطِرِ النَّفْسِيَّةِ والتَّفَكُّرِ في الأحْوالِ الحافَّةِ بِالحاسِدِ والمَحْسُودِ.

والحَسَدُ: إحْساسٌ نَفْسانِيٌّ مُرَكَّبٌ مِنِ اسْتِحْسانِ نِعْمَةٍ في الغَيْرِ مَعَ تَمَنِّي زَوالِها عَنْهُ لِأجْلِ غَيْرَةٍ عَلى اخْتِصاصِ الغَيْرِ بِتِلْكَ الحالَةِ أوْ عَلى مُشارَكَتِهِ الحاسِدَ فِيها. وقَدْ يُطْلَقُ اسْمُ الحَسَدِ عَلى الغِبْطَةِ مَجازًا.

صفحة ٦٣٠

والغِبْطَةُ: تَمَنِّي المَرْءِ أنْ يَكُونَ لَهُ مِنَ الخَيْرِ مِثْلُ ما لِمَن يَرُوقُ حالُهُ في نَظَرِهِ، وهو مَحْمَلُ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «لا حَسَدَ إلّا في اثْنَتَيْنِ» أيْ: لا غِبْطَةَ، أيْ: لا تُحَقَّقُ الغِبْطَةُ إلّا في تَيْنِكَ الخَصْلَتَيْنِ، وقَدْ بَيَّنَ شِهابُ الدِّينِ القَرافِيُّ الفَرْقَ بَيْنَ الحَسَدِ والغِبْطَةِ في الفَرْقِ الثّامِنِ والخَمْسِينَ والمِائَتَيْنِ.

فَقَدْ يَغْلِبُ الحَسَدُ صَبْرَ الحاسِدِ وأناتَهُ فَيَحْمِلُهُ عَلى إيصالِ الأذى لِلْمَحْسُودِ بِإتْلافِ أسْبابِ نِعْمَتِهِ أوْ إهْلاكِها رَأْسًا. وقَدْ كانَ الحَسَدُ أوَّلَ أسْبابِ الجِناياتِ في الدُّنْيا، إذْ حَسَدَ أحَدُ ابْنَيْ آدَمَ أخاهُ عَلى أنْ قُبِلَ قُرْبانُهُ ولَمْ يُقْبَلْ قُرْبانُ الآخَرِ، كَما قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ العُقُودِ.

وتَقْيِيدُ الِاسْتِعاذَةِ مِن شَرِّهِ بِوَقْتِ ﴿إذا حَسَدَ﴾ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَنْدَفِعُ إلى عَمَلِ الشَّرِّ بِالمَحْسُودِ حِينَ يَجِيشُ الحَسَدُ في نَفْسِهِ فَتَتَحَرَّكُ لَهُ الحِيَلُ والنَّوايا لِإلْحاقِ الضُّرِّ بِهِ. والمُرادُ مِنَ الحَسَدِ في قَوْلِهِ: ﴿إذا حَسَدَ﴾ حَسَدٌ خاصٌّ وهو البالِغُ أشَدَّ حَقِيقَتِهِ فَلا إشْكالَ في تَقْيِيدِ الحَسَدِ بِـ (حَسَدَ) وذَلِكَ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِيكَرِبَ:

وبَدَتْ لَمِيسُ كَأنَّها بَدْرُ السَّماءِ إذا تَبَدّى

أيْ: تَجَلّى واضِحًا مُنِيرًا.

ولَمّا كانَ الحَسَدُ يَسْتَلْزِمُ كَوْنَ المَحْسُودِ في حالَةٍ حَسَنَةٍ، كَثُرَ في كَلامِ العَرَبِ الكِنايَةُ عَنِ السَّيِّدِ بِالمَحْسُودِ، وبِعَكْسِهِ الكِنايَةُ عَنْ سَيِّئِ الحالِ بِالحاسِدِ، وعَلَيْهِ قَوْلُ أبِي الأسْوَدِ:

حَسَدُوا الفَتى أنْ لَمْ يَنالُوا سَعْيَهُ ∗∗∗ فالقَوْمُ أعْداءٌ لَهُ وخُصُومُ

كَضَرائِرِ الحَسْناءِ قُلْنَ لِوَجْهِها ∗∗∗ حَسَدًا وبُغْضًا إنَّهُ لَمَشُومُ

وقَوْلُ بَشّارِ بْنِ بُرْدٍ:

إنْ يَحْسُدُونِي فَإنِّي غَيْرُ لائِمِهِمْ ∗∗∗ قَبْلِي مِنَ النّاسِ أهْلُ الفَضْلِ قَدْ حُسِدُوا

فَدامَ لِيَ ولَهم ما بِي وما بِهِمُ ∗∗∗ وماتَ أكْثَرُنا غَيْظًا بِما يَجِدُ

* * *

صفحة ٦٣١

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِسُورَةُ النّاسِ

تَقَدَّمَ عِنْدَ تَفْسِيرِ أوَّلِ سُورَةِ الفَلَقِ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ سَمّى سُورَةَ النّاسِ (قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ») .

وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الفَلَقِ أنَّها وسُورَةَ النّاسِ تُسَمَّيانِ (المُعَوِّذَتَيْنِ)، و(المُشَقْشِقَتَيْنِ) بِتَقْدِيمِ الشِّينِ عَلى القافَيْنِ، وتَقَدَّمَ أيْضًا أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ والقُرْطُبِيَّ ذَكَرا أنَّهُما تُسَمَّيانِ (المُقَشْقِشَتَيْنِ) بِتَقْدِيمِ القافَيْنِ عَلى الشِّينَيْنِ، وعَنْوَنَها ابْنُ عَطِيَّةَ في المُحَرِّرِ الوَجِيزِ (سُورَةَ المُعَوِّذَةِ الثّانِيَةِ) بِإضافَةِ (سُورَةُ) إلى (المُعَوِّذَةِ) مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ. وعَنْوَنَهُما التِّرْمِذِيُّ (المُعَوِّذَتَيْنِ)، وعَنْوَنَها البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ (سُورَةَ قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ) .

وفِي مَصاحِفِنا القَدِيمَةِ والحَدِيثَةِ المَغْرِبِيَّةِ والمَشْرِقِيَّةِ تَسْمِيَةُ هَذِهِ السُّورَةِ (سُورَةَ النّاسِ) وكَذَلِكَ أكْثَرُ كُتُبِ التَّفْسِيرِ.

وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الَّذِينَ قالُوا في سُورَةِ الفَلَقِ إنَّها مَكِّيَّةٌ، ومَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الَّذِينَ قالُوا في سُورَةِ الفَلَقِ إنَّها مَدَنِيَّةٌ. والصَّحِيحُ أنَّهُما نَزَلَتا مُتَعاقِبَتَيْنِ، فالخِلافُ في إحْداهُما كالخِلافِ في الأُخْرى.

وقالَ في الإتْقانِ: إنَّ سَبَبَ نُزُولِها قِصَّةُ سِحْرِ لَبِيدِ بْنِ الأعْصَمِ، وأنَّها نَزَلَتْ مَعَ (سُورَةِ الفَلَقِ) وقَدْ سَبَقَهُ عَلى ذَلِكَ القُرْطُبِيُّ والواحِدِيُّ، وقَدْ عَلِمْتَ تَزْيِيفَهُ في سُورَةِ الفَلَقِ.

وعَلى الصَّحِيحِ مِن أنَّها مَكِّيَّةٌ فَقَدْ عُدَّتِ الحادِيَةَ والعِشْرِينَ مِنَ السُّوَرِ، نَزَلَتْ عَقِبَ سُورَةِ الفَلَقِ وقَبْلَ سُورَةِ الإخْلاصِ.

صفحة ٦٣٢

وعَدَدُ آيِها سِتُّ آياتٍ، وذَكَرَ في الإتْقانِ قَوْلًا: إنَّها سَبْعُ آياتٍ ولَيْسَ مَعْزُوًّا لِأهْلِ العَدَدِ.

* * *

إرْشادُ النَّبِيءِ ﷺ لِأنْ يَتَعَوَّذَ بِاللَّهِ رَبِّهِ مِن شَرِّ الوَسْواسِ الَّذِي يُحاوِلُ إفْسادَ عَمِلِ النَّبِيءِ ﷺ، وإفْسادَ إرْشادِهِ ويُلْقِي في نُفُوسِ النّاسِ الإعْراضَ عَنْ دَعْوَتِهِ. وفي هَذا الأمْرِ إيماءٌ إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى مُعِيذُهُ مِن ذَلِكَ فَعاصِمُهُ في نَفْسِهِ مِن تَسَلُّطِ وسْوَسَةِ الوَسْواسِ عَلَيْهِ، ومُتَمِّمُ دَعْوَتِهِ حَتّى تَعُمَّ في النّاسِ. ويَتْبَعُ ذَلِكَ تَعْلِيمُ المُسْلِمِينَ التَّعَوُّذَ بِذَلِكَ، فَيَكُونُ لَهم مِن هَذا التَّعَوُّذِ ما هو حَظُّهم، ومِن قابِلِيَّةِ التَّعَرُّضِ إلى الوَسْواسِ، ومِنَ السَّلامَةِ مِنهُ بِمِقْدارِ مَراتِبِهِمْ في الزُّلْفى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском