Ibn 'AshurYusuf · 12:16–22

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Yusuf 12:16–22

12:16–17Page 237

وَجَآءُوٓ أَبَاهُمۡ عِشَآءٗ يَبۡكُونَ ١٦

And they came to their father at night, weeping.

قَالُواْ يَٰٓأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبۡنَا نَسۡتَبِقُ وَتَرَكۡنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَٰعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذِّئۡبُۖ وَمَآ أَنتَ بِمُؤۡمِنٖ لَّنَا وَلَوۡ كُنَّا صَٰدِقِينَ ١٧

They said, "O our father, indeed we went racing each other and left Joseph with our possessions, and a wolf ate him. But you would not believe us, even if we were truthful."

﴿وجاءُوا أباهم عِشاءً يَبْكُونَ﴾ ﴿قالُوا يا أبانا إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأكَلَهُ الذِّئْبُ وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ولَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ ﴿وجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف: ١٨]

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ [يوسف: ١٥] عَطْفُ جُزْءِ القِصَّةِ.

صفحة ٢٣٦

والعِشاءُ: وقْتُ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ الباقِي مِن بَقايا شُعاعِ الشَّمْسِ بَعْدَ غُرُوبِها.

والبُكاءُ: خُرُوجُ الدُّمُوعِ مِنَ العَيْنَيْنِ عِنْدَ الحُزْنِ والأسَفِ والقَهْرِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [التوبة: ٨٢] . وقَدْ أُطْلِقَ هُنا عَلى البُكاءِ المُصْطَنَعِ وهو التَّباكِي. وإنَّما اصْطَنَعُوا البُكاءَ تَمْوِيهًا عَلى أبِيهِمْ لِئَلّا يَظُنُّ بِهِمْ أنَّهُمُ اغْتالُوا يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ولَعَلَّهم كانَتْ لَهم مَقْدِرَةٌ عَلى البُكاءِ مَعَ عَدَمِ وِجْدانِ مُوجِبِهِ، وفي النّاسِ عَجائِبُ مِنَ التَّمْوِيهِ والكَيْدِ. ومِنَ النّاسِ مَن تَتَأثَّرُ أعْصابُهم بِتَخَيُّلِ الشَّيْءِ ومُحاكاتِهِ فَيَعْتَرِيهِمْ ما يَعْتَرِي النّاسَ بِالحَقِيقَةِ.

وبَعْضُ المُتَظَلِّمِينَ بِالباطِلِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وفِطْنَةُ الحاكِمِ لا تَنْخَدِعُ لِمِثْلِ هَذِهِ الحِيَلِ ولا تَنُوطُ بِها حُكْمًا، وإنَّما يُناطُ الحُكْمُ بِالبَيِّنَةِ.

جاءَتِ امْرَأةٌ إلى شُرَيْحٍ تُخاصِمُ في شَيْءٍ وكانَتْ مُبْطِلَةً فَجَعَلَتْ تَبْكِي، وأظْهَرَ شُرَيْحٌ عَدَمَ الِاطْمِئْنانِ لِدَعْواها، فَقِيلَ لَهُ: أما تَراها تَبْكِي ؟ فَقالَ: قَدْ جاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أباهم عِشاءً يَبْكُونَ وهم ظَلَمَةٌ كَذَبَةٌ. لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَقْضِيَ إلّا بِالحَقِّ. قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: قالَ عُلَماؤُنا: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ بُكاءَ المَرْءِ لا يَدُلُّ عَلى صِدْقِ مَقالِهِ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ تَصَنُّعًا. ومِنَ الخَلْقِ مَن لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ ومِنهم مَن يَقْدِرُ.

قُلْتُ: ومِنَ الأمْثالِ (دُمُوعُ الفاجِرِ بِيَدَيْهِ) وهَذِهِ عِبْرَةٌ في هَذِهِ العِبْرَةِ.

والِاسْتِباقُ: افْتِعالٌ مِنَ السَّبْقِ وهو هُنا بِمَعْنى التَّسابُقِ قالَ في الكَشّافِ: والِافْتِعالُ والتَّفاعُلُ يَشْتَرِكانِ كالِانْتِضالِ والتَّناضُلِ، والِارْتِماءِ والتَّرامِي، أيْ فَهو بِمَعْنى المُفاعَلَةِ. ولِذَلِكَ يُقالُ: السِّباقُ أيْضًا. كَما يُقالُ النِّضالُ والرِّماءُ.

والمُرادُ: الِاسْتِباقُ بِالجَرْيِ عَلى الأرْجُلِ، وذَلِكَ مِن مَرَحِ الشَّبابِ ولَعِبِهِمْ.

والمَتاعُ: ما يُتَمَتَّعُ أيْ يُنْتَفَعُ بِهِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أسْلِحَتِكم وأمْتِعَتِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] في سُورَةِ النِّساءِ. والمُرادُ بِهِ هُنا ثَقَلُهم مِنَ الثِّيابِ والآنِيَةِ والزّادِ.

صفحة ٢٣٧

ومَعْنى ﴿فَأكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ قَتَلَهُ وأكَلَ مِنهُ، وفِعْلُ الأكْلِ يَتَعَلَّقُ بِاسْمِ الشَّيْءِ. والمُرادُ بَعْضُهُ. يُقالُ: أكَلَهُ الأسَدُ إذا أكَلَ مِنهُ. قالَ - تَعالى: ﴿وما أكَلَ السَّبُعُ﴾ [المائدة: ٣] عَطْفًا عَلى المَنهِيّاتِ عَنْ أنْ يُؤْكَلَ مِنها، أيْ بِقَتْلِها.

ومِن كَلامِ عُمَرَ حِينَ طَعَنَهُ أبُو لُؤْلُؤَةَ ”أكَلَنِي الكَلْبُ“، أيْ عَضَّنِي.

والمُرادُ بِالذِّئْبِ جَمْعٌ مِنَ الذِّئابِ عَلى ما عَرَفْتَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٣]؛ بِحَيْثُ لَمْ يَتْرُكِ الذِّئابُ مِنهُ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُولُوا فَدَفَنّاهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ الفائِدَةِ. وهو أنَّ المُتَكَلِّمَ عَلِمَ بِمَضْمُونِ الخَبَرِ. وهو تَعْرِيضٌ بِأنَّهم صادِقُونَ فِيما ادَّعَوْهُ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أباهم لا يُصَدِّقُهم فِيهِ، فَلَمْ يَكُونُوا طامِعِينَ بِتَصْدِيقِهِ إيّاهم.

وفِعْلُ الإيمانِ يُعَدّى بِاللّامِ إلى المُصَدَّقِ بِفَتْحِ الدّالِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦] . وتَقَدَمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ﴾ [يونس: ٨٣] في سُورَةِ يُونُسَ.

وجُمْلَةُ ﴿ولَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ فالواوُ واوُ الحالِ. (ولَوِ) اتِّصالِيَّةٌ، وهي تُفِيدُ أنَّ مَضْمُونَ ما بَعْدَها هو أبْعَدُ الأحْوالِ عَنْ تَحَقُّقِ مَضْمُونِ ما قَبْلَها في ذَلِكَ الحالِ. والتَّقْدِيرُ: وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ولَوْ كُنّا صادِقِينَ في نَفْسِ الأمْرِ، أيْ نَحْنُ نَعْلَمُ انْتِفاءَ إيمانِكَ لَنا في الحالَيْنِ فَلا نَطْمَعُ أنَّ نُمَوِّهَ عَلَيْكَ.

ولَيْسَ يَلْزَمُ تَقْدِيرُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ هو ضِدُّ الشَّرْطِ المَنطُوقِ بِهِ لِأنَّ ذَلِكَ تَقْدِيرٌ لِمُجَرَّدِ التَّنْبِيهِ عَلى جَعْلِ الواوِ لِلْحالِ مَعَ ”لَوْ وإنْ“ الوَصْلِيَّتَيْنِ ولَيْسَ يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ التَّقْدِيرُ في كُلِّ مَوْضِعٍ، ألا تَرى قَوْلَ المَعَرِّي:

وإنِّي وإنْ كُنْتُ الأخِيرَ زَمانُهُ لَآتٍ بِما لَمْ تَسْتَطِعْهُ الأوائِلُ

كَيْفَ لا يَسْتَقِيمُ تَقْدِيرُ إنِّي إنْ كُنْتُ المُتَقَدِّمَ زَمانُهُ بَلْ وإنْ كُنْتُ الأخِيرَ زَمانُهُ، فَشَرْطُ (لَوِ) الوَصْلِيَّةُ و(إنْ) الوَصْلِيَّةُ لَيْسَ لَهُما مَفْهُومُ مُخالَفَةٍ؛

صفحة ٢٣٨

لِأنَّ الشَّرْطَ مَعَهُما لَيْسَ لِلتَّقْيِيدِ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ (لَوِ) الوَصْلِيَّةِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وعِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا﴾ [آل عمران: ٩١] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

وجُمْلَةُ ﴿وجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ﴾ [يوسف: ١٨] في مَوْضِعِ الحالِ. ولَمّا كانَ الدَّمُ مُلَطَّخًا بِهِ القَمِيصُ وكانُوا قَدْ جاءُوا مُصاحِبِينَ لِلْقَمِيصِ فَقَدْ جاءُوا بِالدَّمِ عَلى القَمِيصِ.

ووَصَفُ الدَّمِ بِالكَذِبِ وصْفٌ بِالمَصْدَرِ، والمَصْدَرُ هُنا بِمَعْنى المَفْعُولِ كالخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ، أيْ مَكْذُوبٍ كَوْنُهُ دَمَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ هو دَمُ جَدْيٍ، فَهو دَمٌ حَقًّا لَكِنَّهُ لَيْسَ الدَّمُ المَزْعُومُ. ولا شَكَّ في أنَّهم لَمْ يَتْرُكُوا كَيْفِيَّةً مِن كَيْفِيّاتِ تَمْوِيهِ الدَّمِ وحالَةِ القَمِيصِ بِحالِ قَمِيصِ مَن يَأْكُلُهُ الذِّئْبُ مِن آثارِ تَخْرِيقٍ وتَمْزِيقٍ مِمّا لا تَخْلُو عَنْهُ حالَةُ افْتِراسِ الذِّئْبِ، وأنَّهم أفْطَنُ مِن أنْ يَفُوتَهم ذَلِكَ وهم عُصْبَةٌ لا يَعْزُبُ عَنْ مَجْمُوعِهِمْ مِثْلُ ذَلِكَ. فَما قالَهُ بَعْضُ أصْحابِ التَّفْسِيرِ مِن أنَّ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ لِأبْنائِهِ: ما رَأيْتُ كاليَوْمِ ذِئْبًا أحْلَمُ مِن هَذا، أكَلَ ابْنِي ولَمْ يُمَزِّقْ قَمِيصَهُ، فَذَلِكَ مِن تَظَرُّفاتِ القَصَصِ.

وقَوْلُهُ: ﴿عَلى قَمِيصِهِ﴾ [يوسف: ١٨] حالٌ مِن (دَمٍ) فَقُدِّمَ عَلى صاحِبِ الحالِ.

12:18Page 237

وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِۦ بِدَمٖ كَذِبٖۚ قَالَ بَلۡ سَوَّلَتۡ لَكُمۡ أَنفُسُكُمۡ أَمۡرٗاۖ فَصَبۡرٞ جَمِيلٞۖ وَٱللَّهُ ٱلۡمُسۡتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ ١٨

And they brought upon his shirt false blood.1 [Jacob] said, "Rather, your souls have enticed you to something, so patience is most fitting. And Allāh is the one sought for help against that which you describe."

﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾

حَرْفُ الإضْرابِ إبْطالٌ لِدَعْواهم أنَّ الذِّئْبَ أكَلَهُ فَقَدْ صَرَّحَ لَهم بِكَذِبِهِمْ.

والتَّسْوِيلُ: التَّسْهِيلُ وتَزْيِينُ النَّفْسِ ما تَحْرِصُ عَلى حُصُولِهِ.

والإبْهامُ الَّذِي في كَلِمَةِ (أمْرًا) يَحْتَمِلُ عِدَّةَ أشْياءَ مِمّا يُمْكِنُ أنْ يُؤْذُوا بِهِ

صفحة ٢٣٩

يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ: مِن قَتْلٍ، أوْ بَيْعٍ، أوْ تَغْرِيبٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ تَعْيِينَ ما فَعَلُوهُ. وتَنْكِيرُ (أمْرًا) لِلتَّهْوِيلِ.

وفُرِّعَ عَلى ذَلِكَ إنْشاءُ التَّصَبُّرِ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ نائِبٌ مَنابَ اصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا. عَدَلَ بِهِ عَنِ النَّصْبِ إلى الرَّفْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ والدَّوامِ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ﴾ [هود: ٦٩] في سُورَةِ هُودٍ. ويَكُونُ ذَلِكَ اعْتِراضًا في أثْناءِ خِطابِ أبْنائِهِ، أوْ يَكُونُ تَقْدِيرُ: اصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا، عَلى أنَّهُ خِطابٌ لِنَفْسِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صَبْرٌ جَمِيلٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ، أيْ فَأمْرِي صَبْرٌ. أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ كَذَلِكَ. والمَعْنى عَلى الإنْشاءِ أوْقَعُ، وتَقَدَّمَ الصَّبْرُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

ووَصْفُ جَمِيلٌ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وصْفًا كاشِفًا إذِ الصَّبْرُ كُلُّهُ حَسَنٌ دُونَ الجَزَعِ. كَما قالَ إبْراهِيمُ بْنُ كُنَيفٍ النَّبْهانِيُّ:

تَصَبَّرْ فَإنَّ الصَّبْرَ بِالحُرِّ أجْمَلُ ولَيْسَ عَلى رَيْبِ الزَّمانِ مُعَوَّلُ

أيْ: أجْمَلُ مِنَ الجَزَعِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وصْفًا مُخَصَّصًا. وقَدْ فُسِّرَ الصَّبْرُ الجَمِيلُ بِالَّذِي لا يُخالِطُهُ جَزَعٌ.

والجَمالُ: حُسْنُ الشَّيْءِ في صِفاتِ مَحاسِنِ صِنْفِهِ، فَجَمالُ الصَّبْرِ أحْسَنُ أحْوالِهِ، وهو أنْ لا يُقارِنُهُ شَيْءٌ يُقَلِّلُ خَصائِصَ ماهِيَّتِهِ.

وفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ مَرَّ بِامْرَأةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ فَقالَ لَها: اتَّقِي اللَّهَ واصْبِرِي، فَقالَتْ: إلَيْكَ عَنِّي فَإنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي - ولَمْ تَعْرِفْهُ - فَلَمّا انْصَرَفَ مَرَّ بِها رَجُلٌ، فَقالَ لَها: إنَّهُ النَّبِيءُ ﷺ . فَأتَتْ بابَ النَّبِيِّ ﷺ

صفحة ٢٤٠

فَقالَتْ: لَمْ أعْرِفْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ: إنَّما الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولى»، أيِ الصَّبْرُ الكامِلُ.

وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ فَتَكُونُ مُحْتَمِلَةً لِلْمَعْنَيَيْنِ المَذْكُورَيْنِ مِن إنْشاءِ الِاسْتِعانَةِ أوِ الإخْبارِ بِحُصُولِ اسْتِعانَتِهِ بِاللَّهِ عَلى تَحَمُّلِ الصَّبْرِ عَلى ذَلِكَ، أوْ أرادَ الِاسْتِعانَةَ بِاللَّهِ لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى الخَلاصِ مِمّا أحاطَ بِهِ.

والتَّعْبِيرُ عَمّا أصابَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِما تَصِفُونَ في غايَةِ البَلاغَةِ لِأنَّهُ كانَ واثِقًا بِأنَّهم كاذِبُونَ في الصِّفَةِ وواثِقًا بِأنَّهم ألْحَقُوا بِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ضُرًّا فَلَمّا لَمْ يَتَعَيَّنْ عِنْدَهُ المُصابُ أجْمَلَ التَّعْبِيرَ عَنْهُ إجْمالًا مُوَجَّهًا لِأنَّهم يَحْسَبُونَ أنَّ ما يَصِفُونَهُ هو مَوْتُهُ بِأكْلِ الذِّئْبِ إيّاهُ ويَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يُرِيدُ أنَّ ما يَصِفُونَهُ هو المُصابُ الواقِعُ الَّذِي وصَفُوهُ وصْفًا كاذِبًا. فَهو قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] .

وإنَّما فَوَّضَ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الأمْرَ إلى اللَّهِ ولَمْ يَسْعَ لِلْكَشْفِ عَنْ مَصِيرِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّهُ عَلِمَ تَعَذُّرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِكِبَرِ سِنِّهِ، ولِأنَّهُ لا عَضُدَ لَهُ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلى أبْنائِهِ أُولَئِكَ. وقَدْ صارُوا هُمُ السّاعِينَ في البُعْدِ بَيْنَهُ وبَيْنَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَأيِسَ مِنِ اسْتِطاعَةِ الكَشْفِ عَنْ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِدُونِهِمْ، ألا تَرى أنَّهُ لَمّا وجَدَ مِنهم فُرْصَةً قالَ لَهُمُ ﴿اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ﴾ [يوسف: ٨٧] .

12:19Page 237

وَجَآءَتۡ سَيَّارَةٞ فَأَرۡسَلُواْ وَارِدَهُمۡ فَأَدۡلَىٰ دَلۡوَهُۥۖ قَالَ يَٰبُشۡرَىٰ هَٰذَا غُلَٰمٞۚ وَأَسَرُّوهُ بِضَٰعَةٗۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ ١٩

And there came a company of travelers; then they sent their water drawer, and he let down his bucket. He said, "Good news! Here is a boy." And they concealed him, [taking him] as merchandise;1 and Allāh was Knowing of what they did.

صفحة ٢٤١

﴿وجاءَتْ سَيّارَةٌ فَأرْسَلُوا وارِدَهم فَأدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرايَ هَذا غُلامٌ وأسَرُّوهُ بِضاعَةً واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى ﴿وجاءُوا أباهم عِشاءً يَبْكُونَ﴾ [يوسف: ١٦] عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ. وهَذا رُجُوعٌ إلى ما جَرى في شَأْنِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، والمَعْنى: وجاءَتِ الجُبَّ.

و﴿السَّيّارَةِ﴾ [يوسف: ١٠] تَقَدَّمَ آنِفًا.

والوارِدُ: الَّذِي يَرِدُ الماءَ لِيَسْتَقِيَ لِلْقَوْمِ.

والإدْلاءُ: إرْسالُ الدَّلْوِ في البِئْرِ لِنَزْعِ الماءِ.

والدَّلْوُ: ظَرْفٌ كَبِيرٌ مِن جِلْدٍ مَخِيطٍ لَهُ خُرْطُومٌ في أسْفَلِهِ يَكُونُ مَطْوِيًّا عَلى ظاهِرِ الظَّرْفِ بِسَبَبِ شَدِّهِ بِحَبْلٍ مُقارِنٍ لِلْحَبْلِ المُعَلَّقَةِ فِيهِ الدَّلْوُ. والدَّلْوُ مُؤَنَّثَةٌ.

وجُمْلَةُ ”قالَ يا بُشْرايَ“ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ ذِكْرَ إدْلاءِ الدَّلْوِ يُهَيِّئُ السّامِعَ لِلسُّؤالِ عَمّا جَرى حِينَئِذٍ فَيَقَعُ جَوابُهُ ”قالَ يا بُشْرايَ“ .

والبُشْرى: تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤] في سُورَةِ يُونُسَ.

ونِداءُ البُشْرى مَجازٌ؛ لِأنَّ البُشْرى لا تُنادى، ولَكِنَّها شُبِّهَتْ بِالعاقِلِ الغائِبِ الَّذِي احْتِيجَ إلَيْهِ فَيُنادى كَأنَّهُ يُقالُ لَهُ: هَذا آنُ حُضُورِكَ. ومِنهُ: يا حَسْرَتا، وياعَجَبًا، فَهي مَكْنِيَّةٌ وحَرْفُ النِّداءِ تَخْيِيلٌ أوْ تَبَعِيَّةٌ.

والمَعْنى: أنَّهُ فَرِحَ وابْتَهَجَ بِالعُثُورِ عَلى غُلامٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”يا بُشْرايَ“ بِإضافَةِ البُشْرى إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِدُونِ إضافَةٍ.

صفحة ٢٤٢

واسْمُ الإشارَةِ عائِدٌ إلى ذاتِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ خاطَبَ الوارِدُ بَقِيَّةَ السَّيّارَةِ، ولَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَ ذاتَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ أصْعَدَهُ الوارِدُ مِنَ الجُبِّ، إذْ لَوْ كانُوا يَرَوْنَهُ لَما كانَتْ فائِدَةٌ لِتَعْرِيفِهِمْ بِأنَّهُ غُلامٌ إذِ المُشاهَدَةُ كافِيَةٌ عَنِ الإعْلامِ، فَتَعَيَّنَ أيْضًا أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُشاهِدِينَ شَبَحَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ ظَهَرَ مِنَ الجُبِّ، فالظّاهِرُ أنَّ اسْمَ الإشارَةِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ لا يُقْصَدُ بِهِ الدَّلالَةُ عَلى ذاتٍ مُعَيَّنَةٍ مَرْئِيَّةٍ بَلْ يُقْصَدُ بِهِ إشْعارُ السّامِعِ بِأنَّهُ قَدْ حَصَلَ شَيْءٌ فَرِحَ بِهِ غَيْرُ مُتَرَقَّبٍ، كَما يَقُولُ الصّائِدُ لِرِفاقِهِ: هَذا غَزالٌ ! وكَما يَقُولُ الغائِصُ: هَذِهِ صَدَفَةٌ ! أوْ لُؤْلُؤَةٌ ! ويَقُولُ الحافِرُ لِلْبِئْرِ: هَذا الماءُ ! قالَ النّابِغَةُ يَصِفُ الصّائِدَ وكِلابَهُ وفَرَسَهُ:

يَقُولُ راكِبُهُ الجِنِّيُّ مُرْتَفِقًـا هَذا لَكِنْ ولَحْمُ الشّاةِ مَحْجُورُ

وكانَ الغائِصُونَ إذا وجَدُوا لُؤْلُؤَةً يَصِيحُونَ. قالَ النّابِغَةُ:

أوْ دُرَّةُ صَدَفاتِهِ غَوّاصُهَـا ∗∗∗ بَهِجٌ مَتى يَرَها يُهِلُّ ويَسْجُدُ

والمَعْنى: وجَدْتُ في البِئْرِ غُلامًا، فَهو لُقَطَةٌ، فَيَكُونُ عَبْدًا لِمَنِ التَقَطَهُ. وذَلِكَ سَبَبُ ابْتِهاجِهِ بِقَوْلِهِ: ”﴿يا بُشْرايَ هَذا غُلامٌ﴾“ .

والغُلامُ: مِن سِنِّهِ بَيْنَ العَشْرِ والعِشْرِينَ. وكانَ سِنُّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَوْمَئِذٍ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً.

وكانَ هَؤُلاءِ السَّيّارَةُ مِنَ الإسْماعِيلِيِّنَ كَما في التَّوْراةِ، أيْ أبْناءُ إسْماعِيلَ بْنِ إبْراهِيمَ. وقِيلَ: كانُوا مِن أهْلِ مَدْيَنَ وكانَ مَجِيئُهُمُ الجُبَّ لِلِاسْتِقاءِ مِنها، ولَمْ يَشْعُرْ بِهِمْ إخْوَةُ يُوسُفَ إذْ كانُوا قَدِ ابْتَعَدُوا عَنِ الجُبِّ.

ومَعْنى أسَرُّوهُ أخْفَوْهُ. والضَّمِيرُ لِلسَّيّارَةِ لا مَحالَةَ، أيْ أخْفَوْا يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، أيْ خَبَرُ التِقاطِهِ خَشْيَةَ أنْ يَكُونَ مِن وِلْدانِ بَعْضِ الأحْياءِ القَرِيبَةِ مِنَ الماءِ قَدْ تَرَدّى في الجُبِّ، فَإذا عَلِمَ أهْلُهُ بِخَبَرِهِ طَلَبُوهُ وانْتَزَعُوهُ

صفحة ٢٤٣

مِنهم لِأنَّهم تَوَسَّمُوا مِنهُ مَخائِلَ أبْناءِ البُيُوتِ، وكانَ الشَّأْنُ أنْ يَعْرِفُوا مَن كانَ قَرِيبًا مِن ذَلِكَ الجُبِّ ويُعْلِنُوا كَما هو الشَّأْنُ في التَّعْرِيفِ بِاللُّقَطَةِ، ولِذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ: ﴿وأسَرُّوهُ﴾ بِأنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أخْبَرَهم بِقِصَّتِهِ، فَأعْرَضُوا عَنْ ذَلِكَ طَمَعًا في أنْ يَبِيعُوهُ. وذَلِكَ مِن فِقْدانِ الدِّينِ بَيْنَهم أوْ لِعَدَمِ العَمَلِ بِالدِّينِ.

و﴿بِضاعَةً﴾ مَنصُوبُ عَلى الحالِ المُقَدَّرَةِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في أسَرُّوهُ، أيْ جَعَلُوهُ بِضاعَةً. والبِضاعَةُ: عُرُوضُ التِّجارَةِ ومَتاعُها، أيْ عَزَمُوا عَلى بَيْعِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، أيْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ مِنِ اسْتِرْقاقِ مَن لَيْسَ لَهم حَقٌّ في اسْتِرْقاقِهِ، ومَن كانَ حَقُّهُ أنْ يَسْألُوا عَنْ قَوْمِهِ ويُبَلِّغُوهُ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم قَدْ عَلِمُوا خَبَرَهُ، أوْ كانَ مِن حَقِّهِمْ أنْ يَسْألُوهُ لِأنَّهُ كانَ مُسْتَطِيعًا أنْ يُخْبِرَهم بِخَبَرِهِ.

وفِي عُثُورِ السَّيّارَةِ عَلى الجُبِّ الَّذِي فِيهِ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - آيَةٌ مِن لُطْفِ اللَّهِ بِهِ.

12:20Page 237

وَشَرَوۡهُ بِثَمَنِۭ بَخۡسٖ دَرَٰهِمَ مَعۡدُودَةٖ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّٰهِدِينَ ٢٠

And they sold him for a reduced price - a few dirhams - and they were, concerning him, of those content with little.

﴿وشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ﴾

مَعْنى شَرَوْهُ باعُوهُ. يُقالُ: شَرى كَما يُقالُ: باعَ، ويُقالُ: اشْتَرى كَما يُقالُ: ابْتاعَ. ومِثْلُهُما رَهَنَ وارْتَهَنَ، وعاوَضَ واعْتاضَ، وكَرى واكْتَرى.

والأصْلُ في ذَلِكَ وأمْثالِهِ أنَّ الفِعْلَ لِلْحَدَثِ والِافْتِعالَ لِمُطاوَعَةِ الحَدَثِ.

ومَن فَسَّرَ شَرَوْهُ بِاشْتَرَوْهُ أخْطَأ خَطَأً أوْقَعَهُ فِيهِ سُوءُ تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ . وما ادَّعاهُ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ شَرى واشْتَرى مُتَرادِفانِ في مَعْنَيَيْهِما يَغْلِبُ عَلى ظَنِّي أنَّهُ وهَمَ إذْ لا دَلِيلَ يَدُلُّ عَلَيْهِ.

صفحة ٢٤٤

والبَخْسُ: أصْلُهُ مَصْدَرُ بَخَسَهُ إذا نَقَصَهُ عَنْ قِيمَةِ شَيْئِهِ. وهو هُنا بِمَعْنى المَبْخُوسِ كالخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ. وتَقَدَّمَ فِعْلُ البَخْسِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولا يَبْخَسْ مِنهُ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٨٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

و﴿دَراهِمَ﴾ بَدَلٌ مِن ثَمَنٍ وهي جُمَعُ دِرْهَمٍ، وهو المَسْكُوكُ. وهو مُعَرَّبٌ عَنِ الفارِسِيَّةِ كَما في صِحاحِ الجَوْهَرِيِّ.

وقَدْ أغْفَلَهُ الَّذِينَ جَمَعُوا ما هو مُعَرَّبٌ في القُرْآنِ كالسُّيُوطِيِّ في الإتْقانِ.

و﴿مَعْدُودَةٍ﴾ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِها قَلِيلَةً لِأنَّ الشَّيْءَ القَلِيلَ يَسْهُلُ عَدُّهُ فَإذا كَثُرَ صارَ تَقْدِيرُهُ بِالوَزْنِ أوِ الكَيْلِ. ويُقالُ في الكِنايَةِ عَنِ الكَثْرَةِ: لا يُعَدُّ.

وضَمائِرُ الجَمْعِ كُلُّها لِلسَّيّارَةِ عَلى أصَحِّ التَّفاسِيرِ.

والزَّهادَةُ: قِلَّةُ الرَّغْبَةِ في حُصُولِ الشَّيْءِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَرْغَبَ فِيهِ، أوْ قِلَّةُ الرَّغْبَةِ في عِوَضِهِ كَما هُنا، أيْ كانَ السَّيّارَةُ غَيْرَ راغِبِينَ في إغْلاءِ ثَمَنِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . ولَعَلَّ سَبَبَ ذَلِكَ قِلَّةُ مَعْرِفَتِهِمْ بِالأسْعارِ.

وصَوْغُ الإخْبارِ عَنْ زَهادَتِهِمْ فِيهِ بِصِيغَةِ ﴿مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ أشَدُّ مُبالَغَةً مِمّا لَوْ أخْبَرَ بِكانُوا فِيهِ زاهِدِينَ؛ لِأنَّ جَعْلَهم مِن فَرِيقٍ زاهِدِينَ يُنْبِي بِأنَّهم جَرَوْا في زُهْدِهِمْ في أمْثالِهِ عَلى سُنَنِ أمْثالِهِمُ البُسَطاءِ الَّذِينَ لا يُقَدِّرُونَ قَدْرَ نَفائِسِ الأُمُورِ.

وفِيهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿الزّاهِدِينَ﴾ و”ألْ“ حَرفٌ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ، ولَيْسَتِ اسْمًا مَوْصُولًا خِلافًا لِأكْثَرِ النُّحاةِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ ”ألِ“ الدّاخِلَةَ عَلى الأسْماءِ المُشْتَقَّةِ اسْمًا مَوْصُولًا ما لَمْ يَتَحَقَّقْ عَهْدٌ وتَمَسَّكُوا بِعِلَلٍ واهِيَةٍ وخالَفَهُمُ الأخْفَشُ والمازِنِيُّ.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى عامِلِهِ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ المَزْهُودِ فِيهِ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى ضَعْفِ تَوَسُّمِهِمْ وبَصارَتِهِمْ مَعَ الرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.

12:21Page 237

وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشۡتَرَىٰهُ مِن مِّصۡرَ لِٱمۡرَأَتِهِۦٓ أَكۡرِمِي مَثۡوَىٰهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوۡ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدٗاۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِۚ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِۦ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٢١

And the one from Egypt1 who bought him said to his wife, "Make his residence comfortable. Perhaps he will benefit us, or we will adopt him as a son." And thus, We established Joseph in the land that We might teach him the interpretation of events [i.e., dreams]. And Allāh is predominant over His affair, but most of the people do not know.

صفحة ٢٤٥

﴿وقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِن مِصْرَ لِامْرَأتِهِ أكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾

﴿الَّذِي اشْتَراهُ﴾ مُرادٌ مِنهُ الَّذِي دَفَعَ الثَّمَنَ فَمَلَكَهُ وإنْ كانَ لَمْ يَتَوَلَّ الِاشْتِراءَ بِنَفْسِهِ، فَإنَّ فِعْلَ الِاشْتِراءِ لا يَدُلُّ إلّا عَلى دَفْعِ العِوَضِ، بِحَيْثُ إنَّ إسْنادَ الِاشْتِراءِ لِمَن يَتَوَلّى إعْطاءَ الثَّمَنِ وتَبسَلُّمَ المَبِيعِ إذا لَمْ يَكُنْ هو مالِكُ الثَّمَنِ ومالِكُ المَبِيعِ يَكُونُ إسْنادًا مَجازِيًّا، ولِذَلِكَ يَكْتُبُ المُوَثِّقُونَ في مِثْلِ هَذا أنَّ شِراءَهُ لِفُلانٍ.

والَّذِي اشْتَرى يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَجُلٌ اسْمُهُ (فُوطِيفارُ) رَئِيسُ شُرْطَةِ مَلِكِ مِصْرَ، وهو والِي مَدِينَةِ مِصْرَ، ولُقِّبَ في هَذِهِ السُّورَةِ بِالعَزِيزِ، وسَيَأْتِي.

ومَدِينَةُ مِصْرَ هي (مَنفِيسُ) ويُقالُ (مَنفُ) وهي قاعِدَةُ مِصْرَ السُّفْلى الَّتِي يَحْكُمُها قَبائِلُ مِنَ الكَنْعانِيِّينَ عُرِفُوا عِنْدَ القِبْطِ باسِمِ (الهِكْسُوسُ) أيِ الرُّعاةُ. وكانَتْ مِصْرُ العُلْيا المَعْرُوفَةُ اليَوْمَ بِالصَّعِيدِ تَحْتَ حُكْمِ فَراعِنَةِ القِبْطِ. وكانَتْ مَدِينَتُها (ثِيبَةَ) أوْ (طِيبَةَ)، وهي اليَوْمَ خَرابٌ ومَوْضِعُها يُسَمّى الأقْصُرُ، جَمْعُ قَصْرٍ؛ لِأنَّ بِها أطْلالَ القُصُورِ القَدِيمَةِ، أيِ الهَياكِلُ. وكانَتْ حُكُومَةُ مِصْرَ العُلْيا أيامَئِذٍ مُسْتَضْعَفَةً لِغَلَبَةِ الكَنْعانِيِّينَ عَلى مُعْظَمِ القُطْرِ وأجْوَدِهِ.

وامْرَأتُهُ تُسَمّى في كُتُبِ العَرَبِ (زَلِيخا) بِفَتْحِ الزّايِ وكَسْرِ اللّامِ وقَصْرِ آخِرِهِ وسَمّاها اليَهُودُ راعِيلَ. و(﴿مِن مِصْرَ﴾) صِفَةٌ لِـ ﴿الَّذِي اشْتَراهُ﴾ .

و﴿لِامْرَأتِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ قالَ أوْ بِـ اشْتَراهُ أوْ يَتَنازَعُهُ كِلا الفِعْلَيْنِ، فَيَكُونُ اشْتَراهُ لِيَهَبَهُ لَها لِتَتَّخِذَهُ ولَدًا. وهَذا يَقْتَضِي أنَّهُما لَمْ يَكُنْ لَهُما ولَدٌ.

وامْرَأتُهُ: مَعْناهُ زَوْجُهُ، فَإنَّ الزَّوْجَةَ يُطْلَقُ عَلَيْها اسْمُ المَرْأةِ ويُرادُ مِنهُ مَعْنى الزَّوْجَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [هود: ٧١] .

صفحة ٢٤٦

والمَثْوى: حَقِيقَتُهُ المَحَلُّ الَّذِي يَثْوِي المَرْءُ، أيْ يَرْجِعُ إلَيْهِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالَ النّارُ مَثْواكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢٨] في سُورَةِ الأنْعامِ. وهو هُنا كِنايَةٌ عَنْ حالِ الإقامَةِ عِنْدَهُما لِأنَّ المَرْءَ يُثَوى إلى مَنزِلِ إقامَتِهِ.

فالمَعْنى: اجْعَلِي إقامَتَهُ عِنْدَكِ كَرِيمَةً، أيْ كامِلَةً في نَوْعِها. أرادَ أنْ يُجْعَلَ الإحْسانُ إلَيْهِ سَبَبًا في اجْتِلابِ مَحَبَّتِهِ إيّاهُما ونُصْحِهِ لَهُما فَيَنْفَعُهُما، أوْ يَتَّخِذانِهِ ولَدًا فَيَبَرُّ بِهِما وذَلِكَ أشَدُّ تَقْرِيبًا. ولَعَلَّهُ كانَ آيِسًا مِن وِلادَةِ زَوْجِهِ. وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِحُسْنِ تَفَرُّسِهِ في مَلامِحِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - المُؤْذِنَةِ بِالكَمالِ، وكَيْفَ لا يَكُونُ رَجُلًا ذا فِراسَةٍ وقَدْ جَعَلَهُ المَلِكُ رَئِيسَ شُرْطَتِهِ، فَقَدْ كانَ المُلُوكُ أهْلَ حَذَرٍ فَلا يُوَلُّونَ أُمُورَهم غَيْرَ الأكْفاءِ.

* * *

﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ ولِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ واللَّهُ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾

إنْ أجْرَيْنا اسْمَ الإشارَةِ عَلى قِياسِ كَثِيرٍ مِن أمْثالِهِ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ كانَتِ الإشارَةُ إلى التَّمْكِينِ المُسْتَفادِ مِن ﴿مَكَّنّا لِيُوسُفَ﴾ تَنْوِيهًا بِأنَّ ذَلِكَ التَّمْكِينَ بَلَغَ غايَةَ ما يُطْلَبُ مِن نَوْعِهِ بِحَيْثُ لَوْ أُرِيدَ تَشْبِيهُهُ بِتَمْكِينٍ أتَمَّ مِنهُ لَما كانَ إلّا أنْ يُشَبَّهَ بِنَفْسِهِ عَلى نَحْوِ قَوْلِ النّابِغَةِ:

والسَّفاهَةُ كاسْمِها

فَيَكُونُ الكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ. والتَّقْدِيرُ: مَكَّنا لِيُوسُفَ تَمْكِينًا كَذَلِكَ التَّمْكِينِ.

وإنْ أجْرَيْنا عَلى ما يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ كانَتْ لِحاصِلِ المَذْكُورِ آنِفًا، وهو ما يُفِيدُهُ عُثُورُ السَّيّارَةِ عَلَيْهِ مِن أنَّهُ إنْجاءٌ لَهُ عَجِيبُ الحُصُولِ بِمُصادَقَةِ عَدَمِ

صفحة ٢٤٧

الإسْراعِ بِانْتِشالِهِ مِنَ الجُبِّ، أيْ مَكَّنا لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَمْكِينًا مِن صُنْعِنا مِثْلَ ذَلِكَ الإنْجاءِ الَّذِي نَجَّيْناهُ، فَتَكُونُ الكافُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن مَصْدَرٍ مَأْخُوذٍ مِن مَكَّنّا. ونَظِيرُهُ ﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨] في سُورَةِ الأنْعامِ.

والتَّمْكِينُ في الأرْضِ هَنا مُرادٌ بِهِ ابْتِداؤُهُ وتَقْدِيرُ أوَّلِ أجْزائِهِ، فَيُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِحُلُولِهِ مَحَلَّ العِنايَةِ مِن عَزِيزِ مِصْرَ قَدْ خَطَّ لَهُ مُسْتَقْبَلَ تَمْكِينِهِ مِنَ الأرْضِ بِالوَجْهِ الأتَمِّ الَّذِي أُشِيرَ لَهُ بِقَوْلِهِ - تَعالى - بَعْدُ ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ﴾ [يوسف: ٥٦]، فَما ذُكِرَ هُنالِكَ هو كَرَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ مِمّا هُنا، وهو تَمامُهُ.

وعَطَفَ عَلى وكَذَلِكَ عِلَّةً لِمَعْنًى مُسْتَفادٍ مِنَ الكَلامِ، وهو الإيتاءُ، تِلْكَ العِلَّةُ هي ﴿ولِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ لِأنَّ اللَّهَ لَمّا قَدَّرَ في سابِقِ عِلْمِهِ أنْ يَجْعَلَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عالِمًا بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيا وأنْ يَجْعَلَهُ نَبِيًّا أنْجاهُ مِنَ الهَلاكِ، ومَكَّنَ لَهُ في الأرْضِ تَهْيِئَةً لِأسْبابِ مُرادِ اللَّهِ.

وتَقَدَّمَ مَعْنى تَأْوِيلِ الأحادِيثِ آنِفًا عِنْدَ ذِكْرِ قَوْلِ أبِيهِ لَهُ ﴿ويُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ [يوسف: ٦] أيْ تَعْبِيرِ الرُّؤْيا.

وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ في آخِرِ الكَلامِ، وتَذْيِيلٌ؛ لِأنَّ مَفْهُومَها عامٌّ يَشْمَلُ غَلَبَ اللَّهِ إخْوَةَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِإبْطالِ كَيْدِهِمْ، وضَمِيرُ أمْرِهِ عائِدٌ لِاسْمِ الجَلالَةِ.

وحَرْفُ عَلى بَعْدَ مادَّةِ الغَلَبِ ونَحْوِها يَدْخُلُ عَلى الشَّيْءِ الَّذِي يُتَوَقَّعُ فِيهِ النِّزاعُ، كَقَوْلِهِمْ: غَلَبْناهم عَلى الماءِ.

و”أمْرُ اللَّهِ“ هو ما قَدَّرَهُ وأرادَهُ، فَمَن سَعى إلى عَمَلٍ يُخالِفُ ما أرادَهُ اللَّهُ فَحالُهُ كَحالِ المُنازِعِ عَلى أنْ يُحَقِّقَ الأمْرَ الَّذِي أرادَهُ ويَمْنَعَ حُصُولَ مُرادِ اللَّهِ - تَعالى - ولا يَكُونُ إلّا ما أرادَهُ اللَّهُ - تَعالى - فَشَأْنُ اللَّهِ - تَعالى - كَحالِ الغالِبِ لِمُنازِعِهِ. والمَعْنى واللَّهُ مُتَمِّمٌ ما قَدَّرَهُ، ولِذَلِكَ

صفحة ٢٤٨

عَقَّبَهُ بِالِاسْتِدْراكِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ اسْتِدْراكًا عَلى ما يَقْتَضِيهِ هَذا الحُكْمُ مِن كَوْنِهِ حَقِيقَةً ثابِتَةً شَأْنُها أنْ لا تُجْهَلَ لِأنَّ عَلَيْها شَواهِدَ مِن أحْوالِ الحَدَثانِ، ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ مَعَ ظُهُورِهِ.

12:22Page 237

وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥٓ ءَاتَيۡنَٰهُ حُكۡمٗا وَعِلۡمٗاۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٢٢

And when he [i.e., Joseph] reached maturity, We gave him judgement and knowledge. And thus We reward the doers of good.

﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾

هَذا إخْبارٌ عَنِ اصْطِفاءِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلنُّبُوءَةِ. ذُكِرَ هُنا في ذِكْرِ مَبْدَأِ حُلُولِهِ بِمِصْرَ لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ مِنَّةِ اللَّهِ عَلَيْهِ بِتَمْكِينِهِ في الأرْضِ وتَعْلِيمِهِ تَأْوِيلَ الأحادِيثِ.

والأشُدُّ: القُوَّةُ. وفُسِّرَ بِبُلُوغِهِ ما بَيْنَ خَمْسٍ وثَلاثِينَ سَنَةً إلى أرْبَعِينَ.

والحُكْمُ والحِكْمَةُ مُتَرادِفانِ، وهو: عِلْمُ حَقائِقِ الأشْياءِ والعَمَلُ بِالصّالِحِ واجْتِنابُ ضِدِّهِ. وأُرِيدَ بِهِ هُنا النُّبُوءَةُ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى - في ذِكْرِ داوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ ﴿وكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] . والمُرادُ بِالعِلْمِ عِلْمٌ زائِدٌ عَلى النُّبُوءَةِ.

وتَنْكِيرُ عِلْمًا لِلنَّوْعِيَّةِ، أوْ لِلتَّعْظِيمِ. والمُرادُ: عِلْمُ تَعْبِيرِ الرُّؤْيا، كَما سَيَأْتِي في قَوْلِهِ - تَعالى - عَنْهُ ﴿ذَلِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ [يوسف: ٣٧] .

وقالَ فَخْرُ الدِّينِ: الحُكْمُ: الحِكْمَةُ العَمَلِيَّةُ لِأنَّها حُكْمٌ عَلى هُدى النَّفْسِ. والعِلْمُ: الحِكْمَةُ النَّظَرِيَّةُ.

والقَوْلُ في ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ كالقَوْلِ في نَظِيرِهِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وفِي ذِكْرِ المُحْسِنِينَ إيماءٌ إلى أنَّ إحْسانَهُ هو سَبَبُ جَزائِهِ بِتِلْكَ النِّعْمَةِ.

صفحة ٢٤٩

وفِي هَذا الَّذِي دَبَّرَهُ اللَّهُ - تَعالى - تَصْرِيحٌ بِآيَةٍ مِنَ الآياتِ الَّتِي كانَتْ في يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وإخْوَتِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском