Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Yusuf 12:31–38
12:31–32Page 239
فَلَمَّا سَمِعَتۡ بِمَكۡرِهِنَّ أَرۡسَلَتۡ إِلَيۡهِنَّ وَأَعۡتَدَتۡ لَهُنَّ مُتَّكَـٔٗا وَءَاتَتۡ كُلَّ وَٰحِدَةٖ مِّنۡهُنَّ سِكِّينٗا وَقَالَتِ ٱخۡرُجۡ عَلَيۡهِنَّۖ فَلَمَّا رَأَيۡنَهُۥٓ أَكۡبَرۡنَهُۥ وَقَطَّعۡنَ أَيۡدِيَهُنَّ وَقُلۡنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا مَلَكٞ كَرِيمٞ ٣١
So when she heard of their scheming, she sent for them and prepared for them a banquet and gave each one of them a knife and said [to Joseph], "Come out before them." And when they saw him, they greatly admired him and cut their hands1 and said, "Perfect is Allāh!2 This is not a man; this is none but a noble angel."
قَالَتۡ فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمۡتُنَّنِي فِيهِۖ وَلَقَدۡ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفۡسِهِۦ فَٱسۡتَعۡصَمَۖ وَلَئِن لَّمۡ يَفۡعَلۡ مَآ ءَامُرُهُۥ لَيُسۡجَنَنَّ وَلَيَكُونٗا مِّنَ ٱلصَّٰغِرِينَ ٣٢
She said, "That is the one about whom you blamed me. And I certainly sought to seduce him, but he firmly refused; and if he will not do what I order him, he will surely be imprisoned and will be of those debased."
﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أرْسَلَتْ إلَيْهِنَّ وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئًا وآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّينًا وقالَتُ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ وقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ وقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿قالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ولَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ ولَيَكُونَنْ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾
حَقُّ سَمِعَ أنْ يُعَدّى إلى المَسْمُوعِ بِنَفْسِهِ، فَتَعْدِيَتُهُ بِالباءِ هُنا إمّا لِأنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى أُخْبِرَتْ، كَقَوْلِ المَثَلِ: ”تَسْمَعُ بِالمُعِيدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ“ أيْ تُخْبَرُ عَنْهُ. وإمّا أنْ تَكُونَ الباءُ مَزِيدَةً لِلتَّوْكِيدِ مِثْلَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] .
صفحة ٢٦٢
وأطْلَقَ عَلى كَلامِهِنَّ اسْمَ المَكْرِ، قِيلَ: لِأنَّهُنَّ أرَدْنَ بِذَلِكَ أنْ يَبْلُغَ قَوْلُهُنَّ إلَيْهِا فَيُغْرِيَها بِعَرْضِها يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلَيْهِنَّ فَيَرَيْنَ جَمالَهُ لِأنَّهُنَّ أحْبَبْنَ أنْ يَرَيْنَهُ. وقِيلَ: لِأنَّهُنَّ قُلْنَهُ خُفْيَةً فَأشْبَهَ المَكْرَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُطْلِقَ عَلى قَوْلِهِنَّ اسْمُ المَكْرِ لِأنَّهُنَّ قُلْنَهُ في صُورَةِ الإنْكارِ وهُنَّ يُضْمِرْنَ حَسَدَها عَلى اقْتِناءِ مِثْلِهِ، إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشَّغَفُ بِالعَبْدِ في عادَتِهِمْ غَيْرَ مُنْكَرٍ.
﴿وأعْتَدَتْ﴾: أصْلُهُ أعْدَدَتْ، أُبْدِلَتِ الدّالُ الأُولى تاءً، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ٣٧] في سُورَةِ النِّساءِ.
والمُتَّكَأُ: مَحَلُّ الِاتِّكاءِ. والِاتِّكاءُ: جَلْسَةٌ قَرِيبَةٌ مِنَ الِاضْطِجاعِ عَلى الجَنْبِ مَعَ انْتِصابٍ قَلِيلٍ في النِّصْفِ الأعْلى. وإنَّما يَكُونُ الِاتِّكاءُ إذا أُرِيدَ إطالَةُ المُكْثِ والِاسْتِراحَةِ، أيْ أحْضَرَتْ لَهُنَّ نَمارِقَ يَتَّكِئْنَ عَلَيْها لِتَناوُلِ طَعامٍ. وكانَ أهْلُ التَّرَفِ يَأْكُلُونَ مُتَّكِئِينَ كَما كانَتْ عادَةً لِلرُّومانِ، ولَمْ تَزَلْ أسِرَّةُ اتِّكائِهِمْ مَوْجُودَةً في دِيارِ الآثارِ. وقالَ النَّبِيُّ ﷺ «أمّا أنا فَلا آكُلُ مُتَّكِئًا» .
ومَعْنى ﴿آتَتْ﴾ [الكهف: ٣٣] أمَرَتْ خَدَمَها بِالإيتاءِ كَقَوْلِهِ: ﴿يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ [غافر: ٣٦]
والسِّكِّينُ: آلَةُ قَطْعِ اللَّحْمِ وغَيْرِهِ. قِيلَ: أحْضَرَتْ لَهُنَّ أُتْرُجًّا ومَوْزًا فَحَضَرْنَ واتَّكَأْنَ، وقَدْ حَذَفَ هَذانِ الفِعْلانِ إيجازًا. وأعْطَتْ كُلَّ واحِدَةٍ سِكِّينًا لِقَشْرِ الثِّمارِ.
وقَوْلُهُا ﴿اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ كانَ في بَيْتٍ آخَرَ وكانَ لا يَدْخُلُ عَلَيْها إلّا بِإذْنِها. وعُدِّيَ فِعْلُ الخُرُوجِ بِحَرْفِ عَلى لِأنَّهُ ضُمًّنَ مَعْنى ”ادْخُلْ“ لِأنَّ المَقْصُودَ دُخُولُهُ عَلَيْهِنَّ لا مُجَرَّدَ خُرُوجِهِ مِنَ البَيْتِ الَّذِي هو فِيهِ.
ومَعْنى ﴿أكْبَرْنَهُ﴾ أعْظَمْنَهُ، أيْ أعَظَمْنَ جَمالَهُ وشَمائِلَهُ، فالهَمْزَةُ فِيهِ لِلْعَدِّ، أيْ أعْدَدْنَهُ كَبِيرًا. وأُطْلِقَ الكِبَرُ عَلى عَظِيمِ الصِّفاتِ تَشْبِيهًا لِوَفْرَةِ الصِّفاتِ بِعِظَمِ الذّاتِ.
صفحة ٢٦٣
وتَقْطِيعُ أيْدِيَهُنَّ كانَ مِنَ الذُّهُولِ. أيْ أجْرَيْنَ السَّكاكِينَ عَلى أيْدِيهِنَّ يَحْسَبْنَ أنَّهُنَّ يَقْطَعْنَ الفَواكِهَ. وأُرِيدَ بِالقَطْعِ الجَرْحُ، أُطْلِقَ عَلَيْهِ القَطْعُ مَجازًا لِلْمُبالَغَةِ في شِدَّتِهِ حَتّى كَأنَّهُ قَطَعَ قِطْعَةً مِن لَحْمِ اليَدِ.
و﴿حاشَ لِلَّهِ﴾ تَرْكِيبٌ عَرَبِيٌّ جَرى مَجْرى المَثَلِ يُرادُ مِنهُ إبْطالُ شَيْءٍ عَنْ شَيْءٍ وبَراءَتُهُ مِنهُ. وأصْلُ ”حاشا“ فِعْلٌ يَدُلُّ عَلى المُباعَدَةِ عَنْ شَيْءٍ، ثُمَّ يُعامَلُ مُعامَلَةَ الحَرْفِ فَيُجَرُّ بِهِ في الِاسْتِثْناءِ فَيُقْتَصِرُ عَلَيْهِ تارَةً. وقَدْ يُوصَلُ بِهِ اسْمُ الجَلالَةِ فَيَصِيرُ كاليَمِينِ عَلى النَّفْيِ يُقالُ: حاشا اللَّهَ، أيْ أُحاشِيَهُ عَنْ أنْ يَكْذِبَ، كَما يُقالُ: لا أُقْسِمُ. وقَدْ تُزادُ فِيهِ لامُ الجَرِّ فَيُقالُ: حاشا لِلَّهِ وحاشَ لِلَّهِ، بِحَذْفِ الألِفِ، أيْ حاشا لِأجْلِهِ، أيْ لِخَوْفِهِ أنْ أكْذِبَ. حُكِيَ بِهَذا التَّرْكِيبِ كَلامٌ قالَتْهُ النِّسْوَةُ يَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى في لُغَةِ القِبْطِ حِكايَةً بِالمَعْنى.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ”حاشا لِلَّهِ“ بِإثْباتِ ألْفِ حاشا في الوَصْلِ. وقَرَأ البَقِيَّةَ بِحَذْفِها فِيهِ. واتَّفَقُوا عَلى الحَذْفِ في حالَةِ الوَقْفِ.
وقَوْلُهُنَّ ﴿ما هَذا بَشَرًا﴾ مُبالَغَةٌ في فَوْتِهِ مَحاسِنَ البَشَرِ، فَمَعْناهُ التَّفْضِيلُ في مَحاسِنِ البَشَرِ، وهو ضِدُّ مَعْنى التَّشابُهِ في بابِ التَّشْبِيهِ.
ثُمَّ شَبَّهْنَهُ بِواحِدٍ مِنَ المَلائِكَةِ بِطَرِيقَةِ حَصْرِهِ في جِنْسِ المَلائِكَةِ تَشْبِيهًا بَلِيغًا مُؤَكَّدًا. وكانَ القِبْطُ يَعْتَقِدُونَ وُجُودَ مَوْجُوداتٍ عُلْوِيَّةٍ هي مِن جِنْسِ الأرْواحِ العُلْوِيَّةِ، ويُعَبِّرُونَ عَنْها بِالآلِهَةِ أوْ قُضاةِ يَوْمَ الجَزاءِ، ويَجْعَلُونَ لَها صُوَرًا، ولَعَلَّهم كانُوا يَتَوَخَّوْنَ أنْ تَكُونَ ذَواتًا حَسَنَةً. ومِنها ما هي مُدافِعَةٌ عَنِ المَيِّتِ يَوْمَ الجَزاءِ. فَأطْلَقَ في الآيَةِ اسْمَ المَلَكِ عَلى ما كانَتْ حَقِيقَتُهُ مُماثِلَةً لِحَقِيقَةِ مُسَمّى المَلَكِ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ تَقْرِيبًا لِأفْهامِ السّامِعِينَ.
فَهَذا التَّشْبِيهُ مِن تَشْبِيهِ المَحْسُوسِ بِالمُتَخَيَّلِ، كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
ومَسْنُونَةُ زُرْقٍ كَأنْيابِ أغْوالِ
صفحة ٢٦٤
والفاءُ في ﴿فَذَلِكُنَّ﴾ فاءُ الفَصِيحَةِ، أيْ إنْ كانَ هَذا كَما زَعَمْتُنَّ مَلَكًا فَهو الَّذِي بَلَغَكُنَّ خَبَرُهُ فَلُمْتُنَّنِي فِيهِ.
و﴿لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ ”في“ لِلتَّعْلِيلِ، مِثْلَ «دَخَلَتِ امْرَأةٌ النّارَ في هِرَّةٍ» . وهُنالِكَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: في شَأْنِهِ أوْ في مَحَبَّتِهِ.
والإشارَةُ بِـ ذَلِكُنَّ لِتَمْيِيزِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، إذْ كُنَّ لَمْ يَرَيْنَهُ قَبْلُ. والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالمَوْصُولِيَّةِ لِعَدَمِ عِلْمِ النِّسْوَةِ بِشَيْءٍ مِن مُعَرِّفاتِهِ غَيْرَ تِلْكَ الصِّلَةِ، وقَدْ باحَتْ لَهُنَّ بِأنَّها راوَدَتْهُ لِأنَّها رَأتْ مِنهُنَّ الِافْتِنانَ بِهِ فَعَلِمَتْ أنَّهُنَّ قَدْ عَذَرْنَها. والظّاهِرُ أنَّهُنَّ كُنَّ خَلائِلَ لَها فَلَمْ تَكْتُمْ عَنْهُنَّ أمْرَها.
واسْتَعْصَمَ: مُبالَغَةٌ في عَصَمَ نَفْسَهُ، فالسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ، مِثْلَ: اسْتَمْسَكَ واسْتَجْمَعَ الرَّأْيَ واسْتَجابَ. فالمَعْنى: أنَّهُ امْتَنَعَ امْتِناعَ مَعْصُومٍ، أيْ جاعِلًا المُراوَدَةَ خَطِيئَةً عَصَمَ نَفْسَهُ مِنها.
ولَمْ تَزَلْ مُصَمِّمَةً عَلى مُراوَدَتِهِ تَصْرِيحًا بِفَرْطِ حُبِّها إيّاهُ، واسْتِشْماخًا بِعَظَمَتِها، وأنْ لا يَعْصِيَ أمْرَها، فَأكَّدَتْ حُصُولَ سِجْنِهِ بِنُونَيِ التَّوْكِيدِ، وقَدْ قالَتْ ذَلِكَ بِمَسْمَعٍ مِنهُ إرْهابًا لَهُ.
وحُذِفَ عائِدُ صِلَةِ ﴿ما آمُرُهُ﴾ وهو ضَمِيرٌ مَجْرُورٌ بِالباءِ عَلى نَزْعِ الخافِضِ مِثْلَ: أمَرْتُكَ الخَيْرَ. . .
والسَّجْنُ بِفَتْحِ السِّينِ: قِياسُ مَصْدَرِ سَجَنَهُ، بِمَعْنى الحَبْسِ في مَكانٍ مُحِيطٍ لا يَخْرُجُ مِنهُ. ولَمْ أرَهُ في كَلامِهِمْ بِفَتْحِ السِّينِ إلّا في قِراءَةِ يَعْقُوبَ هَذِهِ الآيَةَ. والسِّجْنُ بِكَسْرِ السِّينِ: اسْمٌ لِلْبَيْتِ الَّذِي يُسْجَنُ فِيهِ، كَأنَّهم سَمَّوْهُ بِصِيغَةِ المَفْعُولِ كالذَّبْحِ وأرادُوا المَسْجُونَ فِيهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُا آنِفًا ﴿إلّا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٥]
والصّاغِرُ: الذَّلِيلُ. وتَرْكِيبُ ﴿مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ أقْوى في مَعْنى الوَصْفِ بِالصَّغارِ مِن أنْ يُقالَ: ولَيَكُونَنَّ صاغِرًا، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى:
صفحة ٢٦٥
﴿قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ: ﴿وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] في آخِرِ سُورَةِ بَراءَةَ.
وإعْدادُ المُتَّكَأِ لَهُنَّ، وبَوْحُها بِسِرِّها لَهُنَّ يَدُلُّ عَلى أنَّهُنَّ كُنَّ مِن خَلائِلِها.
12:33–34Page 239
قَالَ رَبِّ ٱلسِّجۡنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدۡعُونَنِيٓ إِلَيۡهِۖ وَإِلَّا تَصۡرِفۡ عَنِّي كَيۡدَهُنَّ أَصۡبُ إِلَيۡهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ ٣٣
He said, "My Lord, prison is more to my liking than that to which they invite me. And if You do not avert from me their plan, I might incline toward them and [thus] be of the ignorant."
فَٱسۡتَجَابَ لَهُۥ رَبُّهُۥ فَصَرَفَ عَنۡهُ كَيۡدَهُنَّۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٣٤
So his Lord responded to him and averted from him their plan. Indeed, He is the Hearing, the Knowing.
﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ وإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أصْبُ إلَيْهِنَّ وأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ ﴿فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ؛ لِأنَّ ما حُكِيَ قَبْلَهُ مَقامُ شِدَّةٍ مِن شَأْنِهِ أنْ يَسْألَ سامِعُهُ عَنْ حالِ تَلَقِّي يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فِيهِ لِكَلامِ امْرَأةِ العَزِيزِ.
وهَذا الكَلامُ مُناجاةٌ لِرَبِّهِ الَّذِي هو شاهِدُهم، فالظّاهِرُ أنَّهُ قالَ هَذا القَوْلَ في نَفْسِهِ. ويُحْتَمَلُ أنَّهُ جَهَرَ بِهِ في مَلَئِهِنَّ تَأْيِيسًا لَهُنَّ مِن أنْ يَفْعَلَ ما تَأْمُرُهُ بِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ السِّجْنُ بِكَسْرِ السِّينِ. وقَرَأهُ يَعْقُوبُ وحْدَهُ بِفَتْحِ السِّينِ عَلى مَعْنى المَصْدَرِ، أيْ إنَّ السَّجْنَ أحَبُّ إلَيَّ. وفَضَّلَ السَّجْنَ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الألَمِ والشِّدَّةِ وضِيقِ النَّفَسِ عَلى ما يَدْعُونَهُ إلَيْهِ مِنَ الِاسْتِمْتاعِ بِالمَرْأةِ الحَسَنَةِ النَّفِيسَةِ عَلى ما فِيهِ مِنَ اللَّذَّةِ ولَكِنَّ كُرْهَهُ لِفِعْلِ الحَرامِ فَضُلَ عِنْدَهُ مُقاساةُ السِّجْنِ. فَلَمّا عَلِمَ أنَّهُ لا مَحِيصَ مِن أحَدِ الأمْرَيْنِ صارَ السَّجْنُ مَحْبُوبًا إلَيْهِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ يُخَلِّصُهُ مِنَ الوُقُوعِ في الحَرامِ فَهي مَحَبَّةٌ ناشِئَةٌ عَنْ مُلاءَمَةِ الفِكْرِ، كَمَحَبَّةِ الشُّجاعِ الحَرْبَ.
فالإخْبارُ بِأنَّ السِّجْنَ أحَبُّ إلَيْهِ مِنَ الِاسْتِمْتاعِ بِالمَرْأةِ مُسْتَعْمَلٌ في إنْشاءِ الرِّضى بِالسِّجْنِ في مَرْضاةِ اللَّهِ - تَعالى - والتَّباعُدِ عَنْ مَحارِمِهِ، إذْ لا فائِدَةَ في إخْبارِ مَن يَعْلَمُ ما في نَفْسِهِ فاسْمُ التَّفْضِيلِ عَلى حَقِيقَتِهِ ولا داعِيَ إلى تَأْوِيلِهِ بِمَسْلُوبِ المُفاضَلَةِ.
صفحة ٢٦٦
وعَبَّرَ عَمّا عَرَضَتْهُ المَرْأةُ بِالمَوْصُولِيَّةِ لِما في الصِّلَةِ مِنَ الإيماءِ إلى كَوْنِ المَطْلُوبِ حالَةً هي مَظَنَّةُ الطَّواعِيَةِ؛ لِأنْ تُمالِئَ النّاسُ عَلى طَلَبِ الشَّيْءِ مِن شَأْنِهِ أنْ يُوَطِّنَ نَفْسَ المَطْلُوبِ لِلْفِعْلِ، فَأظْهَرَ أنَّ تَمالُئَهُنَّ عَلى طَلَبِهِنَّ مِنهُ امْتِثالُ أمْرِ المَرْأةِ لَمْ يَفُلَّ مِن صارِمِ عَزْمِهِ عَلى المُمانَعَةِ، وجَعَلَ ذَلِكَ تَمْهِيدًا لِسُؤالِ العِصْمَةِ مِنَ الوُقُوعِ في شَرَكِ كَيْدِهِنَّ، فانْتَقَلَ مِن ذِكْرِ الرِّضى بِوَعِيدِها إلى سُؤالِ العِصْمَةِ مِن كَيْدِها.
وأسْنَدَ فِعْلَ ﴿يَدْعُونَنِي﴾ إلى نُونِ النِّسْوَةِ، فالواوُ الَّذِي فِيهِ هو حَرْفٌ أصْلِيٌّ ولَيْسَتْ واوُ الجَماعَةِ، والنُّونُ لَيْسَتْ نُونُ رَفْعٍ لِأنَّهُ مَبْنِيٌّ لِاتِّصالِهِ بِنُونِ النِّسْوَةِ، ووَزْنُهُ يَفْعَلْنَ. وأسْنَدَ الفِعْلَ إلى ضَمِيرِ جَمْعِ النِّساءِ مَعَ أنَّ الَّتِي دَعَتْهُ امْرَأةٌ واحِدَةٌ، إمّا لِأنَّ تِلْكَ الدَّعْوَةَ مِن رَغَباتِ صِنْفِ النِّساءِ فَيَكُونُ عَلى وزانِ جَمْعِ الضَّمِيرِ في كَيْدِهِنَّ، وإمّا لِأنَّ النِّسْوَةَ اللّاتِي جَمَعَتْهُنَّ امْرَأةُ العَزِيزِ لَمّا سَمِعْنَ كَلامَها تَمالَأْنَ عَلى لَوْمِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وتَحْرِيضِهِ عَلى إجابَةِ الدّاعِيَةِ، وتَحْذِيرِهِ مِن وعِيدِها بِالسِّجْنِ. وعَلى وزانِ هَذا يَكُونُ القَوْلُ في جَمْعِ الضَّمِيرِ في كَيْدَهُنَّ أيْ كَيْدَ صِنْفِ النِّساءِ، مِثْلَ قَوْلِ العَزِيزِ ﴿إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨]، أيْ كَيْدَ هَؤُلاءِ النِّسْوَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّخَوُّفِ والتَّوَقُّعِ التِجاءً إلى اللَّهِ ومُلازَمَةً لِلْأدَبِ نَحْوَ رَبِّهِ بِالتَّبَرُّؤِ مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ والخَشْيَةِ مِن تُقَلُّبِ القَلْبِ ومِنَ الفِتْنَةِ بِالمَيْلِ إلى اللَّذَّةِ الحَرامِ. فالخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في الدُّعاءِ، ولِذَلِكَ فَرَّعَ عَنْهُ جُمْلَةَ ﴿فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ﴾
ومَعْنى أصْبُ أمِلْ. والصَّبْوُ: المَيْلُ إلى المَحْبُوبِ.
والجاهِلُونَ: سُفَهاءُ الأحْلامِ، فالجَهْلُ هُنا مُقابِلُ الحِلْمِ. والقَوْلُ في أنَّ مُبالَغَةَ ﴿وأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ أكْثَرُ مِن أكُنْ جاهِلًا كالقَوْلِ في ﴿ولَيَكُونَنْ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ [يوسف: ٣٢]
صفحة ٢٦٧
وعَطْفُ جُمْلَةِ ﴿فاسْتَجابَ﴾ بِفاءِ التَّعْقِيبِ إشارَةٌ إلى أنَّ اللَّهَ عَجَّلَ إجابَةَ دُعائِهِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿وإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ . واسْتَجابَ: مُبالَغَةٌ في أجابَ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَعْصَمَ﴾ [يوسف: ٣٢]
وصَرْفُ كَيْدِهِنَّ عَنْهُ صَرْفُ أثَرِهِ، وذَلِكَ بِأنْ ثَبَّتَهُ عَلى العِصْمَةِ فَلَمْ يَنْخَدِعْ لِكَيْدِها ولا لِكَيْدِ خَلائِلِها في أضْيَقِ الأوْقاتِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ في مَوْضِعِ العِلَّةِ لِـ اسْتَجابَ المَعْطُوفِ بِفاءِ التَّعْقِيبِ، أيْ أجابَ دُعاءَهُ بِدُونِ مُهْلَةٍ لِأنَّهُ سَرِيعُ الإجابَةِ وعَلِيمٌ بِالضَّمائِرِ الخالِصَةِ. فالسَّمْعُ مُسْتَعْمَلٌ في إجابَةِ المَطْلُوبِ، يُقالُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ. وتَأْكِيدُهُ بِضَمِيرِ الفَصْلِ لِتَحْقِيقِ ذَلِكَ المَعْنى.
12:35Page 239
ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا رَأَوُاْ ٱلۡأٓيَٰتِ لَيَسۡجُنُنَّهُۥ حَتَّىٰ حِينٖ ٣٥
Then it appeared to them after they had seen the signs1 that he [i.e., al-ʿAzeez] should surely imprison him for a time.2
﴿ثُمَّ بَدا لَهم مِّن بَعْدَ ما رَأوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ﴾
ثُمَّ هُنا لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ، كَما هو شَأْنُها في عَطْفِ الجُمَلِ فَإنَّ ما بَدا لَهم أعْجَبُ بَعْدَ ما تَحَقَّقَتْ بَراءَتُهُ. وإنَّما بَدا لَهم أنْ يَسْجُنُوا يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ شاعَتِ القالَةُ عَنِ امْرَأةِ العَزِيزِ في شَأْنِهِ فَكانَ ذَلِكَ عَقِبَ انْصِرافِ النِّسْوَةِ لِأنَّها خَشِيَتْ إنْ هُنَّ انْصَرَفْنَ أنْ تَشِيعَ القالَةُ في شَأْنِها وشَأْنِ بَراءَةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَرامَتْ أنْ تُغَطِّيَ ذَلِكَ بِسِجْنِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَتّى يَظْهَرَ في صُورَةِ المُجْرِمِينَ بِإرادَتِهِ السُّوءَ بِامْرَأةِ العَزِيزِ، وهي تَرْمِي بِذَلِكَ إلى تَطْوِيعِهِ لَها. ولَعَلَّها أرادَتْ أنْ تُوهِمَ النّاسَ بِأنَّ مُراوَدَتَهُ إيّاها وقَعَتْ يَوْمَ ذَلِكَ المَجْمَعِ، وأنْ تُوهِمَ أنَّهُنَّ شَواهِدُ عَلى يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
والضَّمِيرُ في لَهم لِجَماعَةِ العَزِيزِ مِن مُشِيرٍ وآمِرٍ.
وجُمْلَةُ ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وهي مُعَلِّقَةُ فِعْلَ بَدا عَنِ العَمَلِ فِيما بَعْدَهُ لِأجْلِ لامِ القَسَمِ لِأنَّ ما بَعْدَ لامِ القَسَمِ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ. وفِيهِ
صفحة ٢٦٨
دَلِيلٌ لِلْمَعْمُولِ المَحْذُوفِ إذِ التَّحْقِيقُ أنَّ التَّعْلِيقَ لا يَخْتَصُّ بِأفْعالِ الظَّنِّ، وهو مَذْهَبُ يُونُسَ بْنِ حَبِيبٍ؛ لِأنَّ سَبَبَ التَّعْلِيقِ وُجُودُ أداةٍ لَها صَدْرُ الكَلامِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلُهُ.
والتَّقْدِيرُ: بَدا لَهم ما يَدُلُّ عَلَيْهِ هَذا القَسَمُ، أيْ بَدا لَهم تَأْكِيدُ أنْ يَسْجُنُوهُ.
وذَكَرَ في المُغْنِي في آخِرِ الجُمَلِ الَّتِي لَها مَحَلٌّ مِنَ الإعْرابِ: وُقُوعَ الخِلافِ في الفاعِلِ ونائِبِ الفاعِلِ، هَلْ يَكُونُ جُمْلَةً ؟ فَأجازَهُ هِشامُ وثَعْلَبٌ مُطْلَقًا، وأجازَهُ الفَرّاءُ وجَماعَةٌ إذا كانَ الفِعْلُ قَلْبِيًّا ووُجِدَ مُعَلَّقٌ، وحَمَلُوا الآيَةَ عَلَيْهِ، ونُسِبَ إلى سِيبَوَيْهِ. وهو يُئَوَّلُ إلى مَعْنى التَّعْلِيقِ، والتَّعْلِيقُ أنْسَبُ بِالمَعْنى.
والحِينُ: زَمَنٌ غَيْرُ مَحْدُودٍ، فَإنْ كانَ ﴿حَتّى حِينٍ﴾ مِن كَلامِهِمْ كانَ المَعْنى: أنَّهم أمَرُوا بِسَجْنِهِ سَجْنًا غَيْرَ مُؤَجَّلِ المُدَّةِ. وإنْ كانَ مِنَ الحِكايَةِ كانَ القُرْآنُ قَدْ أبْهَمَ المُدَّةَ الَّتِي أذِنُوا بِسِجْنِهِ إلَيْها إذْ لا يَتَعَلَّقُ فِيها الغَرَضُ مِنَ القِصَّةِ.
والآياتُ: دَلائِلُ صِدْقِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكَذِبِ امْرَأةِ العَزِيزِ.
12:36Page 239
وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجۡنَ فَتَيَانِۖ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّيٓ أَرَىٰنِيٓ أَعۡصِرُ خَمۡرٗاۖ وَقَالَ ٱلۡأٓخَرُ إِنِّيٓ أَرَىٰنِيٓ أَحۡمِلُ فَوۡقَ رَأۡسِي خُبۡزٗا تَأۡكُلُ ٱلطَّيۡرُ مِنۡهُۖ نَبِّئۡنَا بِتَأۡوِيلِهِۦٓۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٣٦
And there entered the prison with him two young men. One of them said, "Indeed, I have seen myself [in a dream] pressing [grapes for] wine." The other said, "Indeed, I have seen myself carrying upon my head [some] bread, from which the birds were eating. Inform us of its interpretation; indeed, we see you to be of those who do good."
﴿ودَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أحَدُهُما إنِّيَ أرانِيَ أعْصِرُ خَمْرًا وقالَ الآخَرُ إنِّيَ أرانِيَ أحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنهُ نَبَئِنا بِتَأْوِيلِهِ إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ اتَّفَقَ جَمِيعُ القُرّاءِ عَلى كَسْرِ سِينِ السِّجْنَ هُنا بِمَعْنى البَيْتِ الَّذِي يُسْجَنُ فِيهِ؛ لِأنَّ الدُّخُولَ لا يُناسِبُ أنْ يَتَعَلَّقَ إلّا بِالمَكانِ لا بِالمَصْدَرِ.
وهَذانَ الفَتَيانِ هُما ساقَيِ المَلِكِ وخَبّازُهُ غَضِبَ عَلَيْهِما المَلِكُ فَأمَرَ بِسَجْنِهِما. قِيلَ: اتُّهِما بِتَسْمِيمِ المَلِكِ في الشَّرابِ والطَّعامِ.
وجُمْلَةُ ﴿قالَ أحَدُهُما﴾ ابْتِداءُ مُحاوَرَةٍ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ القَوْلِ.
صفحة ٢٦٩
وكانَ تَعْبِيرُ الرُّؤْيا مِن فُنُونِ عُلَمائِهِمْ فَلِذَلِكَ أيَّدَ اللَّهُ بِهِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَيْنَهم.
وهَذانَ الفَتَيانِ تَوَسَّما مِن يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَمالَ العَقْلِ والفَهْمِ فَظَنّا أنَّهُ يُحْسِنُ تَعْبِيرَ الرُّؤْيا ولَمْ يَكُونا عَلِما مِنهُ ذَلِكَ مِن قَبْلُ، وقَدْ صادَفا الصَّوابَ، ولِذَلِكَ قالا ﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾، أيِ المُحْسِنِينَ التَّعْبِيرَ، أوِ المُحْسِنِينَ الفَهْمَ.
والإحْسانُ: الإتْقانُ، يُقالُ: هو لا يُحْسِنُ القِراءَةَ، أيْ لا يُتْقِنُها. ومِن عادَةِ المَساجِينِ حِكايَةُ المَرائِي الَّتِي يَرَوْنَها، لِفِقْدانِهِمُ الأخْبارَ الَّتِي هي وسائِلُ المُحادَثَةِ والمُحاوَرَةِ، ولِأنَّهم يَتَفاءَلُونَ بِما عَسى أنْ يُبَشِّرَهم بِالخَلاصِ في المُسْتَقْبَلِ. وكانَ عِلْمُ تَعْبِيرِ الرُّؤْيا مِنَ العُلُومِ الَّتِي يَشْتَغِلُ بِها كَهَنَةُ المِصْرِيِّينَ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعالى - حِكايَةً عَنْ مَلِكِ مِصْرَ ﴿أفْتُونِي في رُؤْيايَ إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] كَما سَيَأْتِي.
والعَصْرُ: الضَّغْطُ بِاليَدِ أوْ بِحَجْرٍ أوْ نَحْوِهِ عَلى شَيْءٍ فِيهِ رُطُوبَةٌ لِإخْراجِ ما فِيهِ مِنَ المائِعِ زَيْتٍ أوْ ماءٍ. والعَصِيرُ: ما يُسْتَخْرَجُ مِنَ المَعْصُورِ سُمِّيَ بِاسْمِ مَحَلِّهِ، أيْ مَعْصُورٍ مِن كَذا.
والخُبْزُ: اسْمٌ لِقِطْعَةٍ مِن دَقِيقِ البُرِّ أوِ الشَّعِيرِ أوْ نَحْوِهِما يُعْجَنُ بِالماءِ ويُوضَعُ قُرْبَ النّارِ حَتّى يَنْضُجَ لِيُؤْكَلَ، ويُسَمّى رَغِيفًا أيْضًا.
والضَّمِيرُ في ﴿بِتَأْوِيلِهِ﴾ لِلْمَذْكُورِ، أوْ لِلْمَرْئِيِّ بِاعْتِبارِ الجِنْسِ.
صفحة ٢٧٠
وجُمْلَةُ ﴿إنّا نَراكَ﴾ تَعْلِيلٌ لِانْتِفاءِ المُسْتَفادِ مِن ﴿نَبِّئْنا﴾
12:37–38Page 239
قَالَ لَا يَأۡتِيكُمَا طَعَامٞ تُرۡزَقَانِهِۦٓ إِلَّا نَبَّأۡتُكُمَا بِتَأۡوِيلِهِۦ قَبۡلَ أَن يَأۡتِيَكُمَاۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيٓۚ إِنِّي تَرَكۡتُ مِلَّةَ قَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ كَٰفِرُونَ ٣٧
He said, "You will not receive food that is provided to you except that I will inform you of its interpretation before it comes to you. That is from what my Lord has taught me. Indeed, I have left the religion of a people who do not believe in Allāh, and they, in the Hereafter, are disbelievers.
وَٱتَّبَعۡتُ مِلَّةَ ءَابَآءِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۚ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشۡرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۚ ذَٰلِكَ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ عَلَيۡنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشۡكُرُونَ ٣٨
And I have followed the religion of my fathers, Abraham, Isaac and Jacob. And it was not for us to associate anything with Allāh. That is from the favor of Allāh upon us and upon the people, but most of the people are not grateful.
”﴿قالَ لا يَأْتِيَكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إلّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُما ذالِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّيَ إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ ﴿واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِيَ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أنَّ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾“
جُمْلَةُ ﴿قالَ لا يَأْتِيكُما﴾ جَوابٌ عَنْ كَلامِهِما فَفُصِّلَتْ عَلى أُسْلُوبِ حِكايَةِ جُمَلِ التَّحاوُرِ.
أرادَ بِهَذا الجَوابِ أنْ يَفْتَرِضَ إقْبالَهُما عَلَيْهِ ومُلازِمَةَ الحَدِيثِ مَعَهُ إذْ هُما يَتَرَقَّبانِ تَعْبِيرَهُ الرُّؤْيا فَيُدْمَجُ في ذَلِكَ دَعَوْتُهُما إلى الإيمانِ الصَّحِيحِ مَعَ الوَعْدِ بِأنَّهُ يَعْبُرُ لَهُما رُؤْياهُما غَيْرَ بَعِيدٍ، وجَعَلَ لِذَلِكَ وقْتًا مَعْلُومًا لَهم، وهو وقْتُ إحْضارِ طَعامِ المَساجِينِ إذْ لَيْسَ لَهم في السِّجْنِ حَوادِثُ يُوَقِّتُونَ بِها، ولِأنَّ انْطِباقَ الأبْوابِ وإحاطَةَ الجُدْرانِ يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ رُؤْيَةِ الشَّمْسِ، فَلَيْسَ لَهم إلّا حَوادِثُ أحْوالِهِمْ مِن طَعامٍ أوْ نَوْمٍ أوْ هُبُوبٍ مِنهُ.
ويُظْهِرُ أنَّ أمَدَ إتْيانِ الطَّعامِ حِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُما﴾ مِن تَعْجِيلِهِ لَهُما تَأْوِيلَ رُؤْياهُما وأنَّهُ لا يَتَرَيَّثُ في ذَلِكَ.
ووَصْفُ الطَّعامِ بِجُمْلَةِ تُرْزَقانِهِ تَصْرِيحٌ بِالضَّبْطِ بِأنَّهُ طَعامٌ مَعْلُومُ الوَقْتِ لا تَرَقُّبَ طَعامٍ يُهْدى لَهُما بِحَيْثُ لا يَنْضَبِطُ حُصُولُهُ.
صفحة ٢٧١
وحَقِيقَةُ الرِّزْقِ: ما بِهِ النَّفْعُ، ويُطْلَقُ عَلى الطَّعامِ كَقَوْلِهِ: ﴿وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧] أيْ طَعامًا، وقَوْلِهِ في سُورَةِ الأعْرافِ ﴿أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٠]، وقَوْلِهِ: ﴿ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] . ويُطْلَقُ عَلى الإنْفاقِ المُتَعارَفِ كَقَوْلِهِ: ﴿وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥] . ومِن هُنا يُطْلَقُ عَلى العَطاءِ المُوَقَّتِ، يُقالُ: كانَ بَنُو فُلانٍ مِن مُرْتَزِقَةِ الجُنْدِ، ورِزْقُ الجُنْدِ كَذا كُلَّ يَوْمٍ.
وضَمِيرُ (بِتَأْوِيلِهِ) عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (بِتَأْوِيلِهِ) الأوَّلِ، وهو المَرْئِيُّ أوِ المَنامُ. ولا يَنْبَغِي أنْ يَعُودَ إلى طَعامٍ إذْ لا يَحْسُنُ إطْلاقُ التَّأْوِيلِ عَنِ الأنْباءِ بِأسْماءِ أصْنافِ الطَّعامِ خِلافًا لِما سَلَكَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن أحْوالٍ مُتَعَدِّدَةٍ تُناسِبُ الغَرَضَ، وهي حالُ الإنْباءِ بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيا وحالُ عَدَمِهِ، أيْ لا يَأْتِي الطَّعامُ المُعْتادُ إلّا في حالِ أنِّي قَدْ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِ رُؤْياكُما، أيْ لا في حالِ عَدَمِهِ. فالقَصْرُ المُسْتَفادُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ إضافِيٌّ.
وجُرِّدَتْ جُمْلَةُ الحالِ مِنَ الواوِ ”وقَدْ“ مَعَ أنَّها ماضِيَةٌ اكْتِفاءً بِرَبْطِ الِاسْتِثْناءِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولا يَقْطَعُونَ وادِيًا إلّا كُتِبَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢١]
وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ؛ لِأنَّ وعْدَهُ بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيا في وقْتٍ قَرِيبٍ يُثِيرُ عَجَبَ السّائِلِينَ عَنْ قُوَّةِ عِلْمِهِ وعَنِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي حَصَلَ بِها هَذا العِلْمُ، فَيُجِيبُ بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا عَلَّمَهُ اللَّهُ تَخَلُّصًا إلى دَعْوَتِهِما لِلْإيمانِ بِإلَهٍ واحِدٍ. وكانَ القِبْطُ مُشْرِكِينَ يَدِينُونَ بِتَعَدُّدِ الآلِهَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ إيذانٌ بِأنَّهُ عَلَّمَهُ عُلُومًا أُخْرى، وهي عُلُومُ الشَّرِيعَةِ والحِكْمَةِ والِاقْتِصادِ والأمانَةِ كَما قالَ ﴿اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]
وزادَ في الِاسْتِينافِ البَيانِيِّ جُمْلَةَ ﴿إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ لِأنَّ الإخْبارَ بِأنَّ اللَّهَ عَلَّمَهُ التَّأْوِيلَ وعُلُومًا أُخْرى مِمّا يُثِيرُ السُّؤالَ عَنْ وسِيلَةِ
صفحة ٢٧٢
حُصُولِ هَذا العِلْمِ، فَأخْبَرَ بِأنَّ سَبَبَ عِنايَةِ اللَّهِ بِهِ أنَّهُ انْفَرَدَ في ذَلِكَ المَكانِ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ وتَرَكَ مِلَّةَ أهْلِ المَدِينَةِ، فَأرادَ اللَّهُ اخْتِيارَهُ لِهَدْيِهِمْ، ويَجُوزُ كَوْنُ الجُمْلَةِ تَعْلِيلًا.
والمِلَّةُ: الدِّينُ، تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [الأنعام: ١٦١] في سُورَةِ الأنْعامِ.
وأرادَ بِالقَوْمِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ما يَشْمَلُ الكَنْعانِيِّينَ الَّذِينَ نَشَأ فِيهِمْ والقِبْطَ الَّذِينَ شَبَّ بَيْنَهم، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلّا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها﴾ [يوسف: ٤٠]، أوْ أرادَ الكَنْعانِيِّينَ خاصَّةً، وهُمُ الَّذِينَ نَشَأ فِيهِمْ تَعْرِيضًا بِالقِبْطِ الَّذِينَ ماثَلُوهم في الإشْراكِ. وأرادَ بِهَذا أنْ لا يُواجِهَهم بِالتَّشْنِيعِ اسْتِنْزالًا لِطائِرِ نُفُورِهِمْ مِن مَوْعِظَتِهِ.
وزِيادَةُ ضَمِيرِ الفَصْلِ في قَوْلِهِ: ﴿هم كافِرُونَ﴾ أرادَ بِهِ تَخْصِيصَ قَوْمٍ مِنهم بِذَلِكَ وهُمُ الكَنْعانِيُّونَ؛ لِأنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَ البَعْثَ مِثْلَ كُفّارِ العَرَبِ. وأرادَ بِذَلِكَ إخْراجَ القِبْطِ لِأنَّ القِبْطَ وإنْ كانُوا مُشْرِكِينَ فَقَدْ كانُوا يُثْبِتُونَ بَعْثَ الأرْواحِ والجَزاءِ.
والتَّرْكُ: عَدَمُ الأخْذِ لِلشَّيْءِ مَعَ إمْكانِهِ. أشارَ بِهِ إلى أنَّهُ لَمْ يَتْبَعْ مِلَّةَ القِبْطِ مَعَ حُلُولِهِ بَيْنَهم، وكَوْنُ مَوْلاهُ مُتَدَيِّنًا بِها.
وذَكَرَ آباءَهُ تَعْلِيمًا بِفَضْلِهِمْ، وإظْهارًا لِسابِقِيَّةِ الصَّلاحِ فِيهِ، وأنَّهُ مُتَسَلْسِلٌ مِن آبائِهِ، وقَدْ عَقَلَهُ مِن أوَّلِ نَشْأتِهِ ثُمَّ تَأيَّدَ بِما عَلَّمَهُ رَبُّهُ فَحَصَلَ لَهُ بِذَلِكَ الشَّرَفُ العِظامِيُّ والشَّرَفُ العِصامِيُّ. ولِذَلِكَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ لَمّا سُئِلَ عَنْ أكْرَمِ النّاسِ: «يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ نَبِيُّ ابْنُ نَبِيِّ ابْنِ نَبِيِّ ابْنِ نَبِيٍّ» . ومِثْلَ هَذِهِ السِّلْسِلَةِ في النُّبُوَّةِ لَمْ يَجْتَمِعْ لِأحَدٍ غَيْرَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذا كانَ المُرادُ بِالنُّبُوءَةِ أكْمَلَها وهو الرِّسالَةُ، أوْ إذا كانَ إخْوَةُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - غَيْرَ أنْبِياءٍ عَلى رَأْيِ فَرِيقٍ مِنَ العُلَماءِ.
صفحة ٢٧٣
وأرادَ بِاتِّباعِ مِلَّةِ آبائِهِ اتِّباعَها في أُصُولِها قَبْلَ أنْ يُعْطى النُّبُوَّةَ إذا كانَ فِيما إذا كانَ فِيما أُوحِيَ إلَيْهِ زِيادَةٌ عَلى ما أُوحِيَ بِهِ إلى آبائِهِ مِن تَعْبِيرِ الرُّؤْيا والِاقْتِصادِ؛ أوْ أنَّ نُبُوءَتَهُ كانَتْ بِوَحْيٍ مِثْلَ ما أُوحِيَ بِهِ إلى آبائِهِ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]
وذِكْرُ السَّلَفِ الصّالِحِ في الحَقِّ يَزِيدُ دَلِيلَ الحَقِّ تَمَكُّنًا، وذِكْرُ ضِدِّهِمْ في الباطِلِ لِقَصْدِ عَدَمِ الحُجَّةِ بِهِمْ بِمُجَرَّدِهِمْ. كَما في قَوْلِهِ الآتِي ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلّا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكُمْ﴾ [يوسف: ٤٠]
وجُمْلَةُ ﴿ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ في قُوَّةِ البَيانِ لِما اقْتَضَتْهُ جُمْلَةُ ﴿واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي﴾ مِن كَوْنِ التَّوْحِيدِ صارَ كالسَّجِيَّةِ لَهم عُرِفَ بِها أسْلافُهم بَيْنَ الأُمَمِ، وعَرَّفَهم بِها لِنَفْسِهِ في هَذِهِ الفُرْصَةِ. ولا يَخْفى ما تَقْتَضِيهِ صِيغَةُ الجُحُودِ مِن مُبالَغَةِ انْتِفاءِ الوَصْفِ عَلى المَوْصُوفِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ﴾ [آل عمران: ٧٩] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وعِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦] في آخِرِ سُورَةِ العُقُودِ.
ومِن في قَوْلِهِ: مِن شَيْءٍ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ. وأُدْخِلَتْ عَلى المَقْصُودِ بِالنَّفْيِ.
وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا﴾ زِيادَةٌ في الِاسْتِئْنافِ والبَيانِ لِقَصْدِ التَّرْغِيبِ في اتِّباعِ دِينِ التَّوْحِيدِ بِأنَّهُ فَضْلٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿وعَلى النّاسِ﴾ أيِ الَّذِينَ يَتْبَعُونَهم، وهو المَقْصُودُ مِنَ التَّرْغِيبِ بِالجُمْلَةِ.
وأتى الِاسْتِدْراكُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ لِلتَّصْرِيحِ بِأنَّ حالَ المُخاطَبِينَ في إشْراكِهِمْ حالُ مَن يَكْفُرُ نِعْمَةَ اللَّهِ؛ لِأنَّ إرْسالَ الهُداةِ نِعْمَةٌ يَنْبَغِي أنْ يَنْظُرَ النّاسُ فِيها فَيَعْلَمُوا أنَّ ما يَدْعُونَهم إلَيْهِ خَيْرٌ وإنْقاذٌ لَهم مِنَ
صفحة ٢٧٤
الِانْحِطاطِ في الدُّنْيا والعَذابِ في الآخِرَةِ، ولِأنَّ الإعْراضَ عَنِ النَّظَرِ في أدِلَّةِ صِدْقِ الرُّسُلِ كُفْرٌ بِنِعْمَةِ العَقْلِ والنَّظَرِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences