Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Yusuf 12:47–55
12:47–49Page 241
قَالَ تَزۡرَعُونَ سَبۡعَ سِنِينَ دَأَبٗا فَمَا حَصَدتُّمۡ فَذَرُوهُ فِي سُنۢبُلِهِۦٓ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّا تَأۡكُلُونَ ٤٧
[Joseph] said, "You will plant for seven years consecutively; and what you harvest leave in its spikes, except a little from which you will eat.
ثُمَّ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ سَبۡعٞ شِدَادٞ يَأۡكُلۡنَ مَا قَدَّمۡتُمۡ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّا تُحۡصِنُونَ ٤٨
Then will come after that seven difficult [years] which will consume what you advanced [i.e., saved] for them, except a little from which you will store.
ثُمَّ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ عَامٞ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعۡصِرُونَ ٤٩
Then will come after that a year in which the people will be given rain and in which they will press [olives and grapes]."
صفحة ٢٨٦
﴿قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأْبًا فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ إلّا قَلِيلًا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إلّا قَلِيلًا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ وفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾
عَبَرَ الرُّؤْيا بِجَمِيعِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ، فالبَقَراتُ لِسِنِينِ الزِّراعَةِ؛ لِأنَّ البَقَرَةَ تُتَّخَذُ لِلْإثْمارِ. والسِمَنُ رَمْزٌ لِلْخِصْبِ. والعَجَفُ رَمْزٌ لِلْقَحْطِ. والسُّنْبُلاتُ رَمْزٌ لِلْأقْواتِ؛ فالسُّنْبُلاتُ الخُضْرُ رَمْزٌ لِطَعامٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، وكَوْنُها سَبْعًا رَمَزٌ لِلِانْتِفاعِ بِهِ في السَّبْعِ السِّنِينَ، فَكُلُّ سُنْبُلَةٍ رَمْزٌ لِطَعامِ سَنَةٍ، فَذَلِكَ يَقْتاتُونَهُ في تِلْكَ السِّنِينِ جَدِيدًا.
والسُّنْبُلاتُ اليابِساتُ رَمْزٌ لِما يُدَّخَرُ، وكَوْنُها سَبْعًا رَمْزٌ لِادِّخارِها في سَبْعِ سِنِينَ لِأنَّ البَقَراتِ العِجافَ أكَلَتِ البَقَراتِ السِّمانَ، وتَأْوِيلُ ذَلِكَ: أنَّ سِنِي الجَدْبِ أتَتْ عَلى ما أثْمَرَتْهُ سِنُو الخِصْبِ.
وقَوْلُهُ: (تَزْرَعُونَ) خَبَرٌ عَمّا يَكُونُ مِن عَمَلِهِمْ، وذَلِكَ أنَّ الزَّرْعَ عادَتُهم، فَذِكْرُهُ إيّاهُ تَمْهِيدٌ لِلْكَلامِ الآتِي ولِذَلِكَ قَيَّدَهُ بِـ دَأبًا
والدَّأبُ: العادَةُ والِاسْتِمْرارُ عَلَيْها. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [آل عمران: ١١] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ يَزْرَعُونَ، أيْ كَدَأْبِكم. وقَدْ مَزَجَ تَعْبِيرَهُ بِإرْشادٍ جَلِيلٍ لِأحْوالِ التَّمْوِينِ والِادِّخارِ لِمَصْلَحَةِ الأُمَّةِ. وهو مَنامٌ حِكْمَتُهُ كانَتْ رُؤْيا المَلِكِ لُطْفًا مِنَ اللَّهِ بِالأُمَّةِ الَّتِي آوَتْ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ووَحْيًا أوْحاهُ اللَّهُ إلى يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِواسِطَةِ رُؤْيا المَلِكِ، كَما أوْحى إلى سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِواسِطَةِ الطَّيْرِ. ولَعَلَّ المَلِكَ قَدِ اسْتَعَدَّ لِلصَّلاحِ والإيمانِ.
صفحة ٢٨٧
وكانَ ما أشارَ بِهِ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى المَلِكِ مِنَ الِادِّخارِ تَمْهِيدًا لِشَرْعِ ادِّخارِ الأقْواتِ لِلتَّمْوِينِ، كَما كانَ الوَفاءُ في الكَيْلِ والمِيزانِ ابْتِداءَ دَعْوَةِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وأشارَ إلى إبْقاءِ ما فَضُلَ عَنْ أقْواتِهِمْ في سُنْبُلِهِ لِيَكُونَ أسْلَمَ لَهُ مِن إصابَةِ السُّوسِ الَّذِي يُصِيبُ الحَبَّ إذا تَراكَمَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ فَإذا كانَ في سُنْبُلِهِ دُفِعَ عَنْهُ السُّوسُ، وأشارَ عَلَيْهِمْ بِتَقْلِيلِ ما يَأْكُلُونَ في سَنَواتِ الخِصْبِ لِادِّخارِ ما فَضُلَ عَنْ ذَلِكَ لِزَمَنِ الشِّدَّةِ، فَقالَ ﴿إلّا قَلِيلًا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾
والشِّدادُ: وصْفٌ لِسِنِي الجَدْبِ؛ لِأنَّ الجَدْبَ حاصِلٌ فِيها، فَوَصَفَها بِالشِّدَّةِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ.
وأطْلَقَ الأكْلَ في قَوْلِهِ: يَأْكُلْنَ عَلى الإفْناءِ، كالَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] . وإسْنادُهُ بِهَذا الإطْلاقِ إلى السِّنِينَ إسْنادُ مَجازٍ عَقْلِيٍّ؛ لِأنَّهُنَّ زَمَنُ وُقُوعِ الفَناءِ.
والإحْصانُ: الإحْرازُ والِادِّخارُ، أيِ الوَضْعُ في الحِصْنِ وهو المَطْمُورُ. والمَعْنى: أنَّ تِلْكَ السِّنِينَ المُجْدِبَةَ يَفْنى فِيها ما ادُّخِرَ لَها إلّا قَلِيلًا مِنهُ يَبْقى في الأهْراءِ. وهَذا تَحْرِيضٌ عَلى اسْتِكْثارِ الِادِّخارِ.
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ﴾ فَهو بِشارَةٌ وإدِّخارٌ لِمَسَرَّةِ الأمَلِ بَعْدَ الكَلامِ المُؤَيِّسِ، وهو مِن لازِمِ انْتِهاءِ مُدَّةِ الشِّدَّةِ، ومِن سُنَنِ اللَّهِ - تَعالى - في حُصُولِ اليُسْرِ بَعْدَ العُسْرِ.
ويُغاثُ مَعْناهُ يُعْطَوْنَ الغَيْثَ، وهو المَطَرُ. والعَصْرُ: عَصْرُ الأعْنابِ خُمُورًا. وتَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ: يَعْصِرُ خَمْرًا
12:50Page 241
وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ ٱئۡتُونِي بِهِۦۖ فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ٱرۡجِعۡ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسۡـَٔلۡهُ مَا بَالُ ٱلنِّسۡوَةِ ٱلَّٰتِي قَطَّعۡنَ أَيۡدِيَهُنَّۚ إِنَّ رَبِّي بِكَيۡدِهِنَّ عَلِيمٞ ٥٠
And the king said, "Bring him to me." But when the messenger came to him, [Joseph] said, "Return to your master and ask him what is the case of the women who cut their hands. Indeed, my Lord is Knowing of their plan."
صفحة ٢٨٨
﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ الّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾
قالَ المَلِكُ: ائْتُونِي بِهِ لَمّا أبْلَغَهُ السّاقِي صُورَةَ التَّعْبِيرِ. والخِطابِ لِلْمَلَأِ لِيُرْسِلُوا مَن يُعِينُونَهُ لِجَلْبِهِ. ولِذَلِكَ فَرَّعَ عَلَيْهِ ﴿فَلَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ﴾ . فالتَّقْدِيرُ: فَأرْسَلُوا رَسُولًا مِنهم. وضَمِيرا الغائِبِ في قَوْلِهِ: (بِهِ) وقَوْلِهِ: (جاءَهُ) عائِدانِ إلى يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ. وضَمِيرُ قالَ المُسْتَتِرُ كَذَلِكَ.
وقَدْ أبى يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الخُرُوجَ مِنَ السِّجْنِ قَبْلَ أنْ تَثْبُتَ بَراءَتُهُ مِمّا رُمِيَ بِهِ في بَيْتِ العَزِيزِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ قَدْ بَلَغَ المَلِكَ لا مَحالَةَ لِئَلّا يَكُونَ تَبْرِيزُهُ في التَّعْبِيرِ المُوجِبِ لِإطْلاقِهِ مِنَ السِّجْنِ كالشَّفِيعِ فِيهِ فَيَبْقى حَدِيثُ قَرَفِهِ بِما قُرِفَ بِهِ فاشِيًا في النّاسِ فَيَتَسَلَّقُ بِهِ الحاسِدُونَ إلى انْتِقاصِ شَأْنِهِ عِنْدَ المَلِكِ يَوْمًا ما، فَإنَّ تَبْرِئَةَ العِرْضِ مِنَ التُّهَمِ الباطِلَةِ مَقْصِدٌ شَرْعِيٌّ، ولِيَكُونَ حُضُورُهُ لَدى المَلِكِ مَرْمُوقًا بِعَيْنٍ لا تَنْظُرُ إلَيْهِ بِشائِبَةِ نَقْصٍ.
وجَعَلَ طَرِيقَ تَقْرِيرِ بَراءَتِهِ مُفْتَتَحَةً بِالسُّؤالِ عَنِ الخَبَرِ لِإعادَةِ ذِكْرِهِ مِن أوَّلِهِ، فَمَعْنى فاسْألْهُ بَلِّغْ إلَيْهِ سُؤالًا مِن قِبَلِي. وهَذِهِ حِكْمَةٌ عَظِيمَةٌ تَحِقُّ بِأنْ يُؤْتَسى بِها. وهي تَطَلُّبُ المَسْجُونِ باطِلًا أنْ يَبْقى في السِّجْنِ حَتّى تَتَبَيَّنَ بَراءَتُهُ مِنَ السَّبَبِ الَّذِي سُجِنَ لِأجْلِهِ، وهي راجِعَةٌ إلى التَّحَلِّي بِالصَّبْرِ حَتّى يَظْهَرَ النَّصْرُ.
وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَوْ لَبِثْتُ ما لَبِثَ يُوسُفُ في السِّجْنِ لَأجَبْتُ الدّاعِيَ»، أيْ داعِيَ المَلِكِ وهو الرَّسُولُ الَّذِي في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ﴾، أيْ لَمّا راجَعْتُ المَلِكَ. فَهَذِهِ إحْدى الآياتِ والعِبَرِ الَّتِي أشارَ إلَيْها قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وإخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ﴾ [يوسف: ٧]
صفحة ٢٨٩
والسُّؤالُ: مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْبِيهِ دُونَ طَلَبِ الفَهْمِ؛ لِأنَّ السّائِلَ عالِمٌ بِالأمْرِ المَسْئُولِ عَنْهُ وإنَّما يُرِيدُ السّائِلُ حَثَّ المَسْئُولِ عَنْ عِلْمِ الخَبَرِ. وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النبإ: ١]
وجُعِلَ السُّؤالُ عَنِ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ دُونَ امْرَأةِ العَزِيزِ تَسْهِيلًا لِلْكَشْفِ عَنْ أمْرِها؛ لِأنَّ ذِكْرَها مَعَ مَكانَةِ زَوْجِها مِنَ المَلِكِ رُبَّما يَصْرِفُ المَلِكَ عَنِ الكَشْفِ رَعْيًا لِلْعَزِيزِ، ولِأنَّ حَدِيثَ المُتَّكَأِ شاعَ بَيْنَ النِّساءِ وأصْبَحَتْ قَضِيَّةُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَشْهُورَةً بِذَلِكَ اليَوْمِ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [يوسف: ٣٥]، ولِأنَّ النِّسْوَةَ كُنَّ شَواهِدَ عَلى إقْرارِ امْرَأةِ العَزِيزِ بِأنَّها راوَدَتْ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ نَفْسِهِ. فَلا جَرَمَ كانَ طَلَبُ الكَشْفِ عَنْ أُولَئِكَ النِّسْوَةِ مُنْتَهى الحِكْمَةِ في البَحْثِ وغايَةِ الإيجازِ في الخِطابِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ مِن كَلامِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ. وهي تَذْيِيلٌ وتَعْرِيضٌ بِأنَّ الكَشْفَ المَطْلُوبَ سَيَنْجَلِي عَنْ بَراءَتِهِ وظُهُورِ كَيْدِ الكائِداتِ لَهُ ثِقَةً بِاللَّهِ رَبِّهِ أنَّهُ ناصِرُهُ.
وإضافَةُ كَيْدٍ إلى ضَمِيرِ النِّسْوَةِ لِأدْنى مُلابَسَةٍ لِأنَّ الكَيْدَ واقِعٌ مِن بَعْضِهِنَّ، وهي امْرَأةُ العَزِيزِ في غَرَضِها مِن جَمْعِ النِّسْوَةِ فَأُضِيفَ إلى ضَمِيرِ جَماعَتِهِنَّ قَصْدًا لِلْإبْهامِ المُعَيَّنِ عَلى التِّبْيانِ.
12:51Page 241
قَالَ مَا خَطۡبُكُنَّ إِذۡ رَٰوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفۡسِهِۦۚ قُلۡنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا عَلِمۡنَا عَلَيۡهِ مِن سُوٓءٖۚ قَالَتِ ٱمۡرَأَتُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡـَٰٔنَ حَصۡحَصَ ٱلۡحَقُّ أَنَا۠ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفۡسِهِۦ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٥١
Said [the king to the women], "What was your condition when you sought to seduce Joseph?" They said, "Perfect is Allāh!1 We know about him no evil." The wife of al-ʿAzeez said, "Now the truth has become evident. It was I who sought to seduce him, and indeed, he is of the truthful.
﴿قالَ ما خَطْبُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قالَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾
جُمْلَةُ ﴿قالَ ما خَطْبُكُنَّ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ الجُمَلَ الَّتِي سَبَقَتْها تُثِيرُ سُؤالًا في نَفْسِ السّامِعِ عَمّا حَصَلَ مِنَ المَلِكِ لَمّا أُبْلِغَ إلَيْهِ اقْتِراحُ يُوسُفَ
صفحة ٢٩٠
- عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ شِدَّةِ تَشَوُّقِهِ إلى حُضُورِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، أيْ قالَ المَلِكُ لِلنِّسْوَةِ.
ووُقُوعُ هَذا بَعْدَ جُمْلَةِ ﴿ارْجِعْ إلى رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٥٠] إلى آخِرِها مُؤْذِنٌ بِكَلامٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: فَرَجَعَ فَأخْبَرَ المَلِكَ فَأحْضَرَ المَلِكُ النِّسْوَةَ اللّائِي كانَتْ جَمَعَتْهُنَّ امْرَأةُ العَزِيزِ لَمّا أعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئًا فَقالَ لَهُنَّ ﴿ما خَطْبُكُنَّ﴾ إلى آخِرِهِ.
وأُسْنِدَتِ المُراوَدَةُ إلى ضَمِيرِ النِّسْوَةِ لِوُقُوعِها مِن بَعْضِهِنَّ غَيْرَ مُعَيِّنٍ، أوْ لِأنَّ القالَةَ الَّتِي شاعَتْ في المَدِينَةِ كانَتْ مَخْلُوطَةً ظَنًّا أنَّ المُراوَدَةَ وقَعَتْ في مَجْلِسِ المُتَّكَأِ.
والخَطْبُ: الشَّأْنُ المُهِمُّ مِن حالَةٍ أوْ حادِثَةٍ. قِيلَ: سُمِّيَ خَطْبًا لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يُخاطِبَ المَرْءُ صاحِبَهُ بِالتَّساؤُلِ عَنْهُ. وقِيلَ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ الخُطْبَةِ. أيْ يَخْطُبُ فِيهِ. وإنَّما تَكُونُ الخُطْبَةُ في أمْرٍ عَظِيمٍ، فَأصْلُهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيْ مَخْطُوبٌ فِيهِ.
وجُمْلَةُ (قُلْنَ) مَفْصُولَةٌ لِأجْلِ كَوْنِها حِكايَةَ جَوابٍ عَنْ كَلامِ المَلِكِ. أيْ قالَتِ النِّسْوَةُ عَدا امْرَأةِ العَزِيزِ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدُ ﴿قالَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ﴾
و﴿حاشَ لِلَّهِ﴾ مُبالَغَةٌ في النَّفْيِ والتَّنْزِيهِ. والمَقْصُودُ: التَّبَرُّؤُ مِمّا نُسِبَ إلَيْهِنَّ مِنَ المُراوَدَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها آنِفًا واخْتِلافُ القُرّاءِ فِيها.
وجُمْلَةُ ﴿ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِإجْمالِ النَّفْيِ الَّذِي في ﴿حاشَ لِلَّهِ﴾ . وهي جامِعَةٌ لِنَفْيِ مُراوَدَتِهِنَّ إيّاهُ ومُراوَدَتِهِ إيّاهُنَّ لِأنَّ الحالَتَيْنِ مِن أحْوالِ السُّوءِ.
ونَفْيُ عِلْمِهِنَّ ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ نَفْيِ دَعْوَتِهِنَّ إيّاهُ إلى السُّوءِ ونَفْيِ دَعْوَتِهِ إيّاهُنَّ إلَيْهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَوْ وقَعَ لَكانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُنَّ، ثُمَّ إنَّهُنَّ لَمْ يَزِدْنَ في الشَّهادَةِ عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِسُؤالِ المَلِكِ فَلَمْ يَتَعَرَّضْنَ لِإقْرارِ امْرَأةِ العَزِيزِ في مَجْلِسِهِنَّ بِأنَّها راوَدَتْهُ
صفحة ٢٩١
عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ، خَشْيَةً مِنها، أوْ مَوَدَّةً لَها، فاقْتَصَرْنَ عَلى جَوابِ ما سُئِلْنَ عَنْهُ.
وهَذا يَدُلُّ عَلى كَلامٍ مَحْذُوفٍ وهو أنَّ امْرَأةَ العَزِيزِ كانَتْ مِن جُمْلَةِ النِّسْوَةِ اللّائِي أحْضَرَهُنَّ المَلِكُ. ولَمْ يَشْمَلْها قَوْلُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ما بالُ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٥٠] لِأنَّها لَمْ تَقْطَعْ يَدَها مَعَهُنَّ، ولَكِنْ شَمَلَها كَلامُ المَلِكِ إذْ قالَ ﴿إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ فَإنَّ المُراوَدَةَ إنَّما وقَعَتْ مِنَ امْرَأةِ العَزِيزِ دُونَ النِّسْوَةِ اللّاتِي أعَدَّتْ لَهُنَّ مُتَّكَئًا، فَفي الكَلامِ إيجازُ حَذْفٍ.
وجُمْلَةُ ﴿قالَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ﴾ مَفْصُولَةٌ لِأنَّها حِكايَةُ جَوابٍ عَنْ سُؤالِ المَلِكِ.
والآنَ: ظَرْفٌ لِلزَّمانِ الحاضِرِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٦] في سُورَةِ الأنْفالِ.
وحَصْحَصَ: ثَبَتَ واسْتَقَرَّ.
والحَقُّ: هو بَراءَةُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِمّا رَمَتْهُ بِهِ امْرَأةُ العَزِيزِ. وإنَّما ثَبَتَ حِينَئِذٍ لِأنَّهُ كانَ مَحَلَّ قِيلَ وقالَ وشَكٍّ، فَزالَ ذَلِكَ بِاعْتِرافِها بِما وقَعَ.
والتَّعْبِيرُ بِالماضِي مَعَ أنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ إلّا مِن إقْرارِها الَّذِي لَمْ يَسْبِقْ لِأنَّهُ قَرِيبُ الوُقُوعِ فَهو لِتَقْرِيبِ زَمَنِ الحالِ مِنَ المُضِيِّ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ثُبُوتَ الحَقِّ بِقَوْلِ النِّسْوَةِ ﴿ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ﴾ فَيَكُونُ الماضِي عَلى حَقِيقَتِهِ. وتَقْدِيمُ اسْمِ الزَّمانِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاخْتِصاصِ، أيِ الآنَ لا قَبْلَهُ لِدَلالَةٍ عَلى أنَّ ما قَبْلَ ذَلِكَ الزَّمانِ كانَ زَمَنٌ باطِلٌ وهو زَمَنُ تُهْمَةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالمُراوَدَةِ، فالقَصْرُ قَصْرُ تَعْيِينٍ إذْ كانَ المَلِكُ لا يَدْرِي أيُّ الوَقْتَيْنِ وقْتُ الصِّدْقِ أهُوَ وقْتُ اعْتِرافِ النِّسْوَةِ بِنَزاهَةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أمْ هو وقْتُ رَمْيِ امْرَأةِ العَزِيزِ إيّاهُ بِالمُراوَدَةِ.
صفحة ٢٩٢
وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في جُمْلَةِ ﴿أنا راوَدْتُهُ﴾ لِلْقَصْرِ، لِإبْطالِ أنْ يَكُونَ النِّسْوَةُ راوَدْنَ. فَهَذا إقْرارٌ مِنها عَلى نَفْسِها، وشَهادَةٌ لِغَيْرِها بِالبَراءَةِ، وزادَتْ فَأكَّدَتْ صِدْقَهُ بِـ ”إنَّ“ واللّامِ.
وصِيغَةِ ﴿مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٢٧] كَما تَقَدَّمَ في نَظائِرِها، مِنها قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿قُلْ لا أتَّبِعُ أهْواءَكم قَدْ ضَلَلْتُ إذًا وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ٥٦] في سُورَةِ الأنْعامِ.
12:52Page 241
ذَٰلِكَ لِيَعۡلَمَ أَنِّي لَمۡ أَخُنۡهُ بِٱلۡغَيۡبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي كَيۡدَ ٱلۡخَآئِنِينَ ٥٢
That is so he [i.e., al-ʿAzeez] will know that I did not betray him in [his] absence and that Allāh does not guide the plan of betrayers.
﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾
ظاهِرُ نَظْمِ الكَلامِ أنَّ الجُمْلَةَ مِن قَوْلِ امْرَأةِ العَزِيزِ، وعَلى ذَلِكَ حَمَلَهُ الأقَلُّ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وعَزاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ إلى فِرْقَةٍ مِن أهْلِ التَّأْوِيلِ، ونُسِبَ إلى الجُبّائِيِّ، واخْتارَهُ الماوَرْدِيُّ، وهو في مَوْقِعِ العِلَّةِ لِما تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ ﴿أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف: ٥١] وما عُطِفَ عَلَيْها مِن إقْرارٍ بِبَراءَةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِما كانَتْ رَمَتْهُ بِهِ، فالإشارَةُ بِذَلِكَ إلى الإقْرارِ المُسْتَفادِ مِن جُمْلَةِ ﴿أنا راوَدْتُهُ﴾ [يوسف: ٥١] أيْ ذَلِكَ الإقْرارُ لِيَعْلَمَ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنِّي لَمْ أخُنْهُ.
واللّامُ في لِيَعْلَمَ لامُ كَيْ، والفِعْلُ بَعْدَها مَنصُوبٌ بِـأنْ مُضْمَرَةٍ، فَهو في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ، وهو خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ.
والباءُ في بِالغَيْبِ لِلْمُلابَسَةِ أوْ لِلظَّرْفِيَّةِ، أيْ في غَيْبَتِهِ، أيْ لَمْ أرْمِهِ بِما يَقْدَحُ فِيهِ في مَغِيبِهِ. ومَحَلُّ المَجْرُورِ في مَحَلِّ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ.
والخِيانَةُ: هي تُهْمَتُهُ بِمُحاوَلَةِ السُّوءِ مَعَها كَذِبًا؛ لِأنَّ الكَذِبَ ضِدَّ أمانَةِ القَوْلِ بِالحَقِّ.
والتَّعْرِيفُ في الغَيْبِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ. تَمَدَّحَتْ بِعَدَمِ الخِيانَةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ إذْ نَفَتِ الخِيانَةَ في المَغِيبِ وهو حائِلٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ دِفاعِهِ عَنْ نَفْسِهِ، وحالَةُ
صفحة ٢٩٣
المَغِيبِ أمْكَنُ لِمَزِيدِ الخِيانَةِ أنْ يَخُونَ فِيها مِن حالَةِ الحَضْرَةِ؛ لِأنَّ الحاضِرَ قَدْ يَتَفَطَّنُ لِقَصْدِ الخائِنِ فَيَدْفَعُ خِيانَتَهُ بِالحُجَّةِ.
وأنَّ ﴿اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى لِيَعْلَمَ وهو عِلَّةٌ ثانِيَةٌ لِإصْداعِها بِالحَقِّ، أيْ ولِأنَّ ﴿اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ . والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ الفائِدَةِ وهو كَوْنُ المُتَكَلِّمِ عالِمًا بِمَضْمُونِ الكَلامِ؛ لِأنَّ عِلَّةَ إقْرارِها هو عِلْمُها بِأنَّ ﴿اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ .
ومَعْنى ﴿لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ لا يُنَفِّذُهُ ولا يُسَدِّدُهُ. فَأُطْلِقَتِ الهِدايَةُ الَّتِي هي الإرْشادُ إلى الطَّرِيقِ المُوَصِّلَةِ عَلى تَيْسِيرِ الوُصُولِ، وأُطْلِقَ نَفْيُها عَلى نَفْيِ ذَلِكَ التَّيْسِيرِ، أيْ إنَّ سُنَّةَ اللَّهِ في الكَوْنِ جَرَتْ عَلى أنَّ فُنُونَ الباطِلِ وإنْ راجَتْ أوائِلُها لا تَلْبَثُ أنْ تَنْقَشِعَ ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذا هو زاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨]
والكَيْدُ: تَقَدَّمَ.
12:53Page 242
۞ وَمَآ أُبَرِّئُ نَفۡسِيٓۚ إِنَّ ٱلنَّفۡسَ لَأَمَّارَةُۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّيٓۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٥٣
And I do not acquit myself. Indeed, the soul is a persistent enjoiner of evil, except those upon which my Lord has mercy. Indeed, my Lord is Forgiving and Merciful."1
صفحة ٥
﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِيَ إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ إلّا ما رَحِمَ رَبِّيَ إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
ظاهِرُ تَرْتِيبِ الكَلامِ أنَّ هَذا مِن كَلامِ امْرَأةِ العَزِيزِ، مَضَتْ في بَقِيَّةِ إقْرارِها فَقالَتْ ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾، وذَلِكَ كالِاحْتِراسِ مِمّا يَقْتَضِيهِ قَوْلُها ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥٢] مِن أنَّ تَبْرِئَةَ نَفْسِها مِن هَذا الذَّنْبِ العَظِيمِ ادِّعاءٌ بِأنَّ نَفْسَها بَرِيئَةٌ بَراءَةً عامَّةً فَقالَتْ ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ أيْ ما أُبَرِّئُ نَفْسِي مِن مُحاوَلَةِ هَذا الإثْمِ؛ لِأنَّ النَّفْسَ أمّارَةٌ بِالسُّوءِ وقَدْ أمَرَتْنِي بِالسُّوءِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَقَعْ.
فالواوُ الَّتِي في الجُمْلَةِ اسْتِئْنافِيَّةٌ، والجُمْلَةُ ابْتِدائِيَّةٌ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾، أيْ لا أدَّعِي بَراءَةَ نَفْسِي مِنِ ارْتِكابِ الذَّنْبِ؛ لِأنَّ النُّفُوسَ كَثِيرَةُ الأمْرِ بِالسُّوءِ.
والِاسْتِثْناءُ في ﴿إلّا ما رَحِمَ رَبِّي﴾ اسْتِثْناءٌ مِن عُمُومِ الأزْمانِ، أيْ أزْمانِ وُقُوعِ السُّوءِ، بِناءً عَلى أنَّ أمْرَ النَّفْسِ بِهِ يَبْعَثُ عَلى ارْتِكابِهِ في كُلِّ الأوْقاتِ إلّا وقْتَ رَحْمَةِ اللَّهِ عَبْدَهُ، أيْ رَحْمَتُهُ بِأنْ يُقَيِّضَ لَهُ ما يَصْرِفُهُ عَنْ فِعْلِ السُّوءِ، أوْ يُقَيِّضُ حائِلًا بَيْنَهُ وبَيْنَ فِعْلِ السُّوءِ، كَما جَعَلَ إبايَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إجابَتِها إلى ما دَعَتْهُ إلَيْهِ حائِلًا بَيْنَها وبَيْنَ التَّوَرُّطِ في هَذا الإثْمِ، وذَلِكَ لُطْفٌ مِنَ اللَّهِ بِهِما.
ولِذَلِكَ ذَيَّلَتْهُ بِجُمْلَةِ ﴿إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ثَناءً عَلى اللَّهِ بِأنَّهُ شَدِيدُ المَغْفِرَةِ لِمَن أذْنَبَ، وشَدِيدُ الرَّحْمَةِ لِعَبْدِهِ إذا أرادَ صَرْفَهُ عَنِ الذَّنْبِ.
صفحة ٦
وهَذا يَقْتَضِي أنَّ قَوْمَها يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ويُحَرِّمُونَ الحَرامَ، وذَلِكَ لا يُنافِي أنَّهم كانُوا مُشْرِكِينَ فَإنَّ المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ أيْضًا. قالَ تَعالى ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] وكانُوا يَعْرِفُونَ البِرَّ والذَّنْبَ.
وفِي اعْتِرافِ امْرَأةِ العَزِيزِ بِحَضْرَةِ المَلِكِ عِبْرَةٌ بِفَضِيلَةِ الِاعْتِرافِ بِالحَقِّ، وتَبْرِئَةُ البَرِيءِ مِمّا أُلْصِقَ بِهِ، ومِن خَشْيَةِ عِقابِ اللَّهِ الخائِنِينَ.
وقِيلَ: هَذا الكَلامُ كَلامُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ ﴿ارْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٥٠] الآيَةَ.
وقَوْلُهُ ﴿قالَ ما خَطْبُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٥١] إلى قَوْلِهِ ﴿وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢] اعْتِراضٌ في خِلالِ كَلامِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وبِذَلِكَ فَسَّرَها مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وأبُو صالِحٍ وابْنُ جُرَيْجٍ والحَسَنُ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ وابْنُ جُبَيْرٍ، واقْتَصَرَ عَلَيْهِ الطَّبَرِيُّ. قالَ في الكَشّافِ: وكَفى بِالمَعْنى دَلِيلًا قائِدًا إلى أنْ يُجْعَلَ مِن كَلامِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٠٩] ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكُمْ﴾ [الأعراف: ١١٠] ثُمَّ قالَ ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ [الأعراف: ١١٠] وهو مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ يُخاطِبُهم ويَسْتَشِيرُهم اهـ.
يُرِيدُ أنَّ مَعْنى هَذِهِ الجُمْلَةِ ألْيَقُ بِأنْ يَكُونَ مِن كَلامِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ مِن شَأْنِهِ أنْ يَصْدُرَ عَنْ قَلْبٍ مَلِيءٍ بِالمَعْرِفَةِ.
وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ ضَمِيرُ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ ﴿لَمْ أخُنْهُ﴾ [يوسف: ٥٢] عائِدًا إلى مَعْلُومٍ مِن مَقامِ القَضِيَّةِ وهو العَزِيزُ، أيْ لَمْ أخُنْ سَيِّدِي في حُرْمَتِهِ حالَ مَغِيبِهِ.
ويَكُونُ مَعْنى ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ إلَخْ. . مِثْلَ ما تَقَدَّمَ قَصَدَ بِهِ التَّواضُعَ، أيْ لَسْتُ أقُولُ هَذا ادِّعاءً بِأنَّ نَفْسِي بَرِيئَةٌ مِنِ ارْتِكابِ الذُّنُوبِ إلّا مُدَّةَ رَحْمَةِ اللَّهِ النَّفْسَ بِتَوْفِيقِها لِأكُفَّ عَنِ السُّوءِ، أيْ أنِّي لَمْ أفْعَلْ ما اتُّهِمْتُ بِهِ وأنا لَسْتُ بِمَعْصُومٍ
12:54–55Page 242
وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ ٱئۡتُونِي بِهِۦٓ أَسۡتَخۡلِصۡهُ لِنَفۡسِيۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُۥ قَالَ إِنَّكَ ٱلۡيَوۡمَ لَدَيۡنَا مَكِينٌ أَمِينٞ ٥٤
And the king said, "Bring him to me; I will appoint him exclusively for myself." And when he spoke to him, he said, "Indeed, you are today established [in position] and trusted."
قَالَ ٱجۡعَلۡنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلۡأَرۡضِۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٞ ٥٥
[Joseph] said, "Appoint me over the storehouses of the land. Indeed, I will be a knowing guardian."
صفحة ٧
﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ السِّينُ والتّاءُ في ”أسْتَخْلِصْهُ“ لِلْمُبالَغَةِ. مِثْلَها في اسْتَجابَ واسْتَأْجَرَ. والمَعْنى أجْعَلُهُ خالِصًا لِنَفْسِي، أيْ خاصًّا بِي لا يُشارِكُنِي فِيهِ أحَدٌ، وهَذا كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ اتِّصالِهِ بِهِ والعَمَلِ مَعَهُ. وقَدْ دَلَّ المَلِكَ عَلى اسْتِحْقاقِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَقْرِيبَهُ مِنهُ ما ظَهَرَ مِن حِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ، وصَبْرِهِ عَلى تَحَمُّلِ المَشاقِّ، وحُسْنِ خُلُقِهِ ونَزاهَتِهِ، فَكُلُّ ذَلِكَ أوْجَبَ اصْطِفاءَهُ.
وجُمْلَةُ ﴿فَلَمّا كَلَّمَهُ﴾ مُفَرَّعَةٌ عَلى جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ دَلَّ عَلَيْها ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾، والتَّقْدِيرُ: فَأتَوْهُ بِهِ، أيْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَحَضَرَ لَدَيْهِ وكَلَّمَهُ فَلَمّا كَلَّمَهُ.
والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في ”كَلَّمَهُ“ عائِدٌ إلى المَلِكِ، فالمُكَلِّمُ هو يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَلَّمَ المَلِكَ كَلامًا أعْجَبَ المَلِكَ بِما فِيهِ مِن حِكْمَةٍ وأدَبٍ. ولِذَلِكَ فَجُمْلَةُ ﴿قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ جَوابُ (لَمّا)، والقائِلُ هو المَلِكُ لا مَحالَةَ.
والمَكِينُ: صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن مَكُنَ بِضَمِّ الكافِ إذا صارَ ذا مَكانَةٍ، وهي المَرْتَبَةُ العَظِيمَةُ، وهي مُشْتَقَّةٌ مِنَ المَكانِ.
والأمِينُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ مَأْمُونٍ عَلى شَيْءٍ. أيْ مَوْثُوقٍ بِهِ في حِفْظِهِ.
وتَرَتُّبُ هَذا القَوْلِ عَلى تَكْلِيمِهِ إيّاهُ دالٌّ عَلى أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَلَّمَ المَلِكَ كَلامَ حَكِيمٍ أدِيبٍ فَلَمّا رَأى حُسْنَ مَنطِقِهِ وبَلاغَةَ قَوْلِهِ وأصالَةَ رَأْيِهِ رَآهُ أهْلًا لِثِقَتِهِ وتَقْرِيبِهِ مِنهُ.
صفحة ٨
وهَذِهِ صِيغَةُ تَوْلِيَةٍ جامِعَةٌ لِكُلِّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ ولِيُّ الأمْرِ مِنَ الخِصالِ؛ لِأنَّ المَكانَةَ تَقْتَضِي العِلْمَ والقُدْرَةَ، إذْ بِالعِلْمِ يَتَمَكَّنُ مِن مَعْرِفَةِ الخَيْرِ والقَصْدِ إلَيْهِ، وبِالقُدْرَةِ يَسْتَطِيعُ فِعْلَ ما يَبْدُو لَهُ مِنَ الخَيْرِ، والأمانَةُ تَسْتَدْعِي الحِكْمَةَ والعَدالَةَ، إذْ بِالحِكْمَةِ يُؤْثِرُ الأفْعالَ ويَتْرُكُ الهُوّاتِ الباطِلَةَ، وبِالعَدالَةِ يُوصِلُ الحُقُوقَ إلى أهْلِها. وهَذا التَّنْوِيهُ بِشَأْنِهِ والثَّناءُ عَلَيْهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهُ يُرِيدُ الِاسْتِعانَةَ بِهِ في أُمُورِ مَمْلَكَتِهِ وبِأنْ يَقْتَرِحَ عَلَيْهِ ما يَرْجُو مِن خَيْرٍ، فَلِذَلِكَ أجابَهُ بِقَوْلِهِ ﴿اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ .
وجُمْلَةُ ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ حِكايَةُ جَوابِهِ لِكَلامِ المَلِكِ ولِذَلِكَ فُصِّلَتْ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَراتِ.
و(عَلى) هُنا لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ، وهو التَّصَرُّفُ والتَّمَكُّنُ، أيِ اجْعَلْنِي مُتَصَرِّفًا في خَزائِنِ الأرْضِ.
و”خَزائِنُ“ جَمْعُ خِزانَةٍ بِكَسْرِ الخاءِ، أيِ البَيْتُ الَّذِي يُخْتَزَنُ فِيهِ الحُبُوبُ والأمْوالُ. والتَّعْرِيفُ في الأرْضِ تَعْرِيفُ العَهْدِ، وهي الأرْضُ المَعْهُودَةُ لَهم، أيْ أرْضُ مِصْرَ. والمُرادُ مِن ﴿خَزائِنِ الأرْضِ﴾ خَزائِنُ كانَتْ مَوْجُودَةً، وهي خَزائِنُ الأمْوالِ؛ إذْ لا يَخْلُو سُلْطانٌ مِن خَزائِنَ مَعْدُودَةٍ لِنَوائِبِ بِلادِهِ لا الخَزائِنُ الَّتِي زِيدَتْ مِن بَعْدُ لِخَزْنِ الأقْواتِ اسْتِعْدادًا لِلسَّنَواتِ المُعَبَّرِ عَنْها بِقَوْلِهِ ﴿مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ [يوسف: ٤٨] .
واقْتِراحُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ إعْدادٌ لِنَفْسِهِ لِلْقِيامِ بِمَصالِحِ الأُمَّةِ عَلى سُنَّةِ أهْلِ الفَضْلِ والكَمالِ مِنِ ارْتِياحِ نُفُوسِهِمْ لِلْعَمَلِ في المَصالِحِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَسْألْ مالًا لِنَفْسِهِ ولا عَرَضًا مِن مَتاعِ الدُّنْيا، ولَكِنْ سَألَ أنْ يُوَلِّيَهُ خَزائِنَ المَمْلَكَةِ لِيَحْفَظَ الأمْوالَ ويَعْدِلَ في تَوْزِيعِها ويَرْفُقَ بِالأُمَّةِ في جَمْعِها وإبْلاغِها لِمَحالِّها.
صفحة ٩
وعَلَّلَ طَلَبَهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ المُفِيدُ تَعْلِيلَ ما قَبْلَها لِوُقُوعِ إنَّ في صَدْرِ الجُمْلَةِ فَإنَّهُ عَلِمَ أنَّهُ اتَّصَفَ بِصِفَتَيْنِ يَعْسُرُ حُصُولُ إحْداهُما في النّاسِ بَلْ كِلْتَيْهِما، وهُما: الحِفْظُ لِما يَلِيهِ، والعِلْمُ بِتَدْبِيرِ ما يَتَوَلّاهُ، لِيَعْلَمَ المَلِكُ أنَّ مَكانَتَهُ لَدَيْهِ وائْتِمانَهُ إيّاهُ قَدْ صادَفا مَحَلَّهُما وأهْلَهُما، وأنَّهُ حَقِيقٌ بِهِما لِأنَّهُ مُتَّصِفٌ بِما يَفِي بِواجِبِهِما، وذَلِكَ صِفَةُ الحِفْظِ المُحَقِّقِ لِلِائْتِمانِ، وصِفَةُ العِلْمِ المُحَقِّقِ لِلْمَكانَةِ. وفي هَذا تَعْرِيفٌ بِفَضْلِهِ لِيَهْتَدِيَ النّاسُ إلى اتِّباعِهِ. وهَذا مِن قَبِيلِ الحِسْبَةِ.
وشَبَّهَ ابْنُ عَطِيَّةَ بِمَقامِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا مَقامَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في دُخُولِهِ في الخِلافَةِ مَعَ نَهْيِهِ المُسْتَشِيرَ لَهُ مِنَ الأنْصارِ مِن أنْ يَتَأمَّرَ عَلى اثْنَيْنِ. قُلْتُ: وهو تَشْبِيهٌ رَشِيقٌ، إذْ كِلاهُما صِدِّيقٌ.
وهَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ لِوُجُوبِ عَرْضِ المَرْءِ نَفْسَهُ لِوِلايَةِ عَمَلٍ مِن أُمُورِ الأُمَّةِ إذا عَلِمَ أنَّهُ لا يَصْلُحُ لَهُ غَيْرُهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِنَ النُّصْحِ لِلْأُمَّةِ، وخاصَّةً إذا لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يُتَّهَمُ عَلى إيثارِ مَنفَعَةٍ عَلى مَصْلَحَةِ الأُمَّةِ. وقَدْ عَلِمَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ أفْضَلُ النّاسِ هُنالِكَ لِأنَّهُ كانَ المُؤْمِنَ الوَحِيدَ في ذَلِكَ القُطْرِ، فَهو لِإيمانِهِ بِاللَّهِ يَبُثُّ أُصُولَ الفَضائِلِ الَّتِي تَقْتَضِيها شَرِيعَةُ آبائِهِ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَلا يُعارِضُ هَذا ما جاءَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يا عَبْدَ الرَّحْمَنِ لا تَسْألِ الإمارَةَ فَإنَّكَ إنْ أُعْطِيتَها عَنْ مَسْألَةٍ وُكِلْتَ إلَيْها وإنْ أُعْطِيتَها عَنْ غَيْرِ مَسْألَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْها»؛ لِأنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ لَمْ يَكُنْ مُنْفَرِدًا بِالفَضْلِ مِن بَيْنِ أمْثالِهِ ولا راجِحًا عَلى جَمِيعِهِمْ.
ومِن هَذِهِ الآيَةِ أخَذَ فُقَهاءُ المَذْهَبِ جَوازَ طَلَبِ القَضاءِ لِمَن يَعْلَمُ أنَّهُ أهْلٌ وأنَّهُ إنْ لَمْ يُوَلَّ ضاعَتِ الحُقُوقُ. قالَ المازِرِيُّ: يَجِبُ عَلى مَن هو أهْلُ الِاجْتِهادِ والعَدالَةِ السَّعْيُ في طَلَبِ القَضاءِ إنَّ عَلِمَ أنَّهُ إنْ لَمْ يَلِهِ ضاعَتِ الحُقُوقُ
صفحة ١٠
أوْ ولِيَهُ مَن لا يَحِلُّ أنْ يُوَلّى. وكَذَلِكَ إنْ كانَ ولِيَهُ مَن لا تَحِلُّ تَوْلِيَتُهُ ولا سَبِيلَ لِعَزْلِهِ إلّا بِطَلَبِ أهْلِهِ.
وقالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ: لَمْ أقِفْ عَلى هَذا لِأحَدٍ مِن قُدَماءِ أهْلِ المَذْهَبِ غَيْرِ المازِرِيِّ.
وقالَ عِياضٌ في كِتابِ الإمارَةِ، أيْ مِن شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ، ما ظاهِرُهُ الِاتِّفاقُ عَلى جَوازِ الطَّلَبِ في هَذِهِ الحالَةِ، وظاهِرُ كَلامِ ابْنِ رُشْدٍ في المُقَدِّماتِ حُرْمَةُ الطَّلَبِ مُطْلَقًا. قالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ: وإنَّما رَأيْتُ مِثْلَ ما نَقَلَ المازِرِيُّ أوْ قَرِيبًا مِنهُ لِلْغَزّالِيِّ في الوَجِيزِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences