Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Yusuf 12:5–9
12:5Page 236
قَالَ يَٰبُنَيَّ لَا تَقۡصُصۡ رُءۡيَاكَ عَلَىٰٓ إِخۡوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيۡدًاۖ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لِلۡإِنسَٰنِ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٥
He said, "O my son, do not relate your vision to your brothers or they will contrive against you a plan. Indeed Satan, to man, is a manifest enemy.
﴿قالَ يا بُنَيِّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إنَّ الشَّيْطانَ لِلْإنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾
جاءَتِ الجُمْلَةُ مَفْصُولَةً عَنِ الَّتِي قَبْلَها عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَراتِ. وقَدْ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والنِّداءُ مَعَ حُضُورِ المُخاطَبِ مُسْتَعْمَلٌ في طَلَبِ إحْضارِ الذِّهْنِ اهْتِمامًا بِالغَرَضِ المُخاطَبِ فِيهِ.
و(بُنَيِّ) - بِكَسْرِ الياءِ المُشَدَّدَةِ - تَصْغِيرُ ابْنٍ مَعَ إضافَتِهِ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ وأصْلُهُ بُنَيْوِي أوْ بُنَيْيِي عَلى الخِلافِ في أنَّ لامَ ابْنٍ المُلْتَزَمَ عَدَمُ ظُهُورِها هي واوٌ أمْ ياءٌ. وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ فَإنَّها أُدْغِمَتْ فِيها ياءُ التَّصْغِيرِ بَعْدَ قَلْبِ الواوِ ياءً لِتَقارُبِ الياءِ والواوِ، أوْ لِتَماثُلِهِما فَصارَ ”بُنَيِّي“ . وقَدِ اجْتَمَعَ ثَلاثُ ياءاتٍ فَلَزِمَ حَذْفُ واحِدَةٍ مِنها فَحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ لُزُومًا وأُلْقِيَتِ الكَسْرَةُ
صفحة ٢١٣
الَّتِي اجْتُلِبَتْ لِأجْلِها عَلى ياءِ التَّصْغِيرِ دَلالَةً عَلى الياءِ المَحْذُوفَةِ. وحَذْفُ ياءِ المُتَكَلِّمِ مِنَ المُنادى المُضافِ شائِعٌ. وبِخاصَّةٍ إذا كانَ في إبْقائِها ثِقَلٌ كَما هُنا؛ لِأنَّ التِقاءَ ياءاتٍ ثَلاثٍ فِيهِ ثِقَلٌ.
وهَذا التَّصْغِيرُ كِنايَةٌ عَنْ تَحْبِيبٍ وشَفَقَةٍ. نَزَّلَ الكَبِيرَ مَنزِلَةَ الصَّغِيرِ لِأنَّ شَأْنَ الصَّغِيرِ أنْ يُحَبَّ ويُشْفَقَ عَلَيْهِ. وفي ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ إمْحاضِ النُّصْحِ لَهُ.
والقَصُّ: حِكايَةُ الرُّؤْيا. يُقالُ: قَصَّ الرُّؤْيا إذا حَكاها وأخْبَرَ بِها. وهو جاءَ مِنَ القَصَصِ كَما عَلِمْتَ آنِفًا.
والرُّؤْيا - بِألِفِ التَّأْنِيثِ - هي: رُؤْيَةُ الصُّوَرِ في النَّوْمِ، فَرَّقُوا بَيْنَها وبَيْنَ رُؤْيَةِ اليَقَظَةِ بِاخْتِلافِ عَلامَتَيِ التَّأْنِيثِ، وهي بِوَزْنِ البُشْرى والبُقْيا.
وقَدْ عَلِمَ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - العَشَرَةَ كانُوا يَغارُونَ مِنهُ لِفَرْطِ فَضْلِهِ عَلَيْهِمْ خُلُقًا وخَلْقًا، وعَلِمَ أنَّهم يُعَبِّرُونَ الرُّؤْيا إجْمالًا وتَفْصِيلًا، وعَلِمَ أنَّ تِلْكَ الرُّؤْيا تُؤْذِنُ بِرِفْعَةٍ يَنالُها يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى إخْوَتِهِ الَّذِينَ هم أحَدَ عَشَرَ فَخَشِيَ إنْ قَصَّها يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلَيْهِمْ أنْ تَشْتَدَّ بِهِمُ الغَيْرَةُ إلى حَدِّ الحَسَدِ، وأنْ يَعْبُرُوها عَلى وجْهِها فَيَنْشَأُ فِيهِمْ شَرُّ الحاسِدِ إذا حَسَدَ، فَيَكِيدُوا لَهُ كَيْدًا لِيَسْلَمُوا مِن تَفَوُّقِهِ عَلَيْهِمْ وفَضْلِهِ فِيهِمْ.
والكَيْدُ: إخْفاءُ عَمَلٍ يَضُرُّ المَكِيدَ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٣] في سُورَةِ الأعْرافِ.
واللّامُ في (لَكَ) لِتَأْكِيدِ صِلَةِ الفِعْلِ بِمَفْعُولِهِ كَقَوْلِهِ: شَكَرْتُ لَكَ النُّعْمى.
وتَنْوِينُ كَيْدًا لِلتَّعْظِيمِ والتَّهْوِيلِ زِيادَةٌ في تَحْذِيرِهِ مِن قَصِّ الرُّؤْيا عَلَيْهِمْ.
وقَصَدَ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن ذَلِكَ نَجاةَ ابْنِهِ مِن أضْرارٍ تَلْحَقُهُ، ولَيْسَ قَصْدُهُ إبْطالَ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الرُّؤْيا فَإنَّهُ يَقَعُ بَعْدَ أضْرارٍ ومَشاقَّ. وكانَ يَعْلَمُ أنَّ بَنِيهِ لَمْ يَبْلُغُوا في العِلْمِ مَبْلَغَ غَوْصِ النَّظَرِ المُفْضِي إلى أنَّ الرُّؤْيا إنْ كانَتْ
صفحة ٢١٤
دالَّةً عَلى خَيْرٍ عَظِيمٍ يَنالُهُ فَهي خَبَرٌ إلَهِيٌّ، وهو لا يَجُوزُ عَلَيْهِ عَدَمُ المُطابَقَةِ لِلْواقِعِ في المُسْتَقْبَلِ، بَلْ لَعَلَّهم يَحْسَبُونَها مِنَ الإنْذارِ بِالأسْبابِ الطَّبِيعِيَّةِ الَّتِي يَزُولُ تَسَبُّبُها بِتَعْطِيلِ بَعْضِها.
وقَوْلُ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَذا لِابْنِهِ تَحْذِيرٌ لَهُ مَعَ ثِقَتِهِ بِأنَّ التَّحْذِيرَ لا يُثِيرُ في نَفْسِهِ كَراهَةً لِإخْوَتِهِ لِأنَّهُ وثِقَ مِنهُ بِكَمالِ العَقْلِ، وصَفاءِ السَّرِيرَةِ، ومَكارِمِ الخُلُقِ. ومَن كانَ حالُهُ هَكَذا كانَ سَمْحًا، عاذِرًا، مُعْرِضًا عَنِ الزَّلّاتِ، عالِمًا بِأثَرِ الصَّبْرِ في رِفْعَةِ الشَّأْنِ، ولِذَلِكَ قالَ لِإخْوَتِهِ ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠] وقالَ ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢] . وقَدْ قالَ أحَدُ ابْنَيْ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأخِيهِ الَّذِي قالَ لَهُ لِأقْتُلُنَّكَ حَسَدًا ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لِأقْتُلَكَ إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٨] . فَلا يُشْكِلُ كَيْفَ حَذَّرَ يَعْقُوبُ يُوسُفَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - مِن كَيْدِ إخْوَتِهِ، ولِذَلِكَ عَقَّبَ كَلامَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لِلْإنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ لِيَعْلَمَ أنَّهُ ما حَذَّرَهُ إلّا مِن نَزْغِ الشَّيْطانِ في نُفُوسِ إخْوَتِهِ. وهَذا «كاعْتِذارِ النَّبِيِّ ﷺ لِلرَّجُلَيْنِ مِنَ الأنْصارِ اللَّذَيْنِ لَقِياهُ لَيْلًا وهو يُشَيِّعُ زَوْجَهُ أُمَّ المُؤْمِنِينَ إلى بَيْتِها فَلَمّا رَأياهُ ولَّيا، فَقالَ: عَلى رِسْلِكُما إنَّها صَفِيَّةُ، فَقالا: سُبْحانَ اللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ وأكْبَرا ذَلِكَ، فَقالَ لَهُما: إنَّ الشَّيْطانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرى الدَّمِ وإنِّي خَشِيتُ أنْ يَقْذِفَ في نُفُوسِكُما» . فَهَذِهِ آيَةُ عِبْرَةٍ بِتَوَسُّمِ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أحْوالَ أبْنائِهِ وارْتِيائِهِ أنْ يَكُفَّ كَيْدَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ.
فَجُمْلَةُ ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لِلْإنْسانِ﴾ إلَخْ واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ عَنْ قَصِّ الرُّؤْيا عَلى إخْوَتِهِ. وعَداوَةُ الشَّيْطانِ لِجِنْسِ الإنْسانِ تَحْمِلُهُ عَلى أنْ يَدْفَعَهم إلى إضْرارِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ.
وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَقُصَّ رُؤْياهُ عَلى إخْوَتِهِ وهو
صفحة ٢١٥
المُناسِبُ لِكَمالِهِ الَّذِي يَبْعَثُهُ عَلى طاعَةِ أمْرِ أبِيهِ. ووَقَعَ في الإسْرائِيلِيّاتِ أنَّهُ قَصَّها عَلَيْهِمْ فَحَسَدُوهُ.
12:6Page 236
وَكَذَٰلِكَ يَجۡتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكَ وَعَلَىٰٓ ءَالِ يَعۡقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَا عَلَىٰٓ أَبَوَيۡكَ مِن قَبۡلُ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَۚ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٦
And thus will your Lord choose you and teach you the interpretation of narratives [i.e., events or dreams] and complete His favor upon you and upon the family of Jacob, as He completed it upon your fathers before, Abraham and Isaac. Indeed, your Lord is Knowing and Wise."
﴿وكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ويُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أتَمَّها عَلى أبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ إنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
عَطَفَ هَذا الكَلامَ عَلى تَحْذِيرِهِ مِن قَصِّ الرُّؤْيا عَلى إخْوَتِهِ إعْلامًا لَهُ بِعُلُوِّ قَدْرِهِ ومُسْتَقْبَلِ كَمالِهِ، كَيْ يَزِيدَ تَمَلِّيًا مِن سُمُوِّ الأخْلاقِ فَيَتَّسِعُ صَدْرُهُ لِاحْتِمالِ أذى إخْوَتِهِ، وصَفْحًا عَنْ غَيْرَتِهِمْ مِنهُ وحَسَدِهِمْ إيّاهُ لِيَتَمَحَّضَ تَحْذِيرُهُ لِلصَّلاحِ، وتَنْتَفِي عَنْهُ مَفْسَدَةُ إثارَةِ البَغْضاءِ ونَحْوِها، حِكْمَةً نَبَوِيَّةً عَظِيمَةً وطِبًّا رُوحانِيًّا ناجِعًا.
والإشارَةُ في قَوْلِهِ: وكَذَلِكَ إلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الرُّؤْيا مِنَ العِنايَةِ الرَّبّانِيَّةِ بِهِ، أيْ ومِثْلُ ذَلِكَ الِاجْتِباءِ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ في المُسْتَقْبَلِ، والتَّشْبِيهُ هُنا تَشْبِيهُ تَعْلِيلٍ لِأنَّهُ تَشْبِيهُ أحَدِ المَعْلُولَيْنِ بِالآخَرِ لِاتِّحادِ العِلَّةِ. ومَوْقِعُ الجارِّ والمَجْرُورِ مَوْقِعَ المَفْعُولِ المُطْلَقِ لِـ (يَجْتَبِيكَ) المُبَيِّنِ لِنَوْعِ الِاجْتِباءِ ووَجْهِهِ.
والِاجْتِباءُ: الِاخْتِيارُ والِاصْطِفاءُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: واجْتَبَيْناهم في سُورَةِ الأنْعامِ، أيِ اخْتِيارُهُ مِن بَيْنِ إخْوَتِهِ، أوْ مِن بَيْنِ كَثِيرٍ مِن خَلْقِهِ. وقَدْ عَلِمَ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَلِكَ بِتَعْبِيرِ الرُّؤْيا ودَلالَتِها عَلى رِفْعَةِ شَأْنٍ في المُسْتَقْبَلِ فَتِلْكَ إذا ضُمَّتْ إلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الفَضائِلِ آلَتْ إلى اجْتِباءِ اللَّهِ إيّاهُ، وذَلِكَ يُؤْذِنُ بِنُبُوءَتِهِ. وإنَّما عَلِمَ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّ رِفْعَةَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في مُسْتَقْبَلِهِ رِفْعَةٌ إلَهِيَّةٌ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ نِعَمَ اللَّهِ - تَعالى - مُتَناسِبَةٌ فَلَمّا كانَ ما ابْتَدَأهُ مِنَ النِّعَمِ اجْتِباءً وكَمالًا نَفْسِيًّا تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ ما يَلْحَقُ بِها، مِن نَوْعِها.
صفحة ٢١٦
ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الِارْتِقاءَ النَّفْسانِيَّ الَّذِي هو مِنَ الوارِداتِ الإلَهِيَّةِ غايَتُهُ أنْ يَبْلُغَ بِصاحِبِهِ إلى النُّبُوَّةِ أوِ الحِكْمَةِ فَلِذَلِكَ عَلِمَ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّ اللَّهَ سَيُعَلِّمُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ؛ لِأنَّ مُسَبِّبَ الشَّيْءِ مُسَبَّبٌ عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَتَعْلِيمُ التَّأْوِيلِ ناشِئٌ عَنِ التَّشْبِيهِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: وكَذَلِكَ، ولِأنَّ اهْتِمامَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِرُؤْياهُ وعَرْضِها عَلى أبِيهِ دَلَّ أباهُ عَلى أنَّ اللَّهَ أوْدَعَ في نَفْسِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الِاعْتِناءَ بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيا وتَعْبِيرِها. وهَذِهِ آيَةُ عِبْرَةٍ بِحالِ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ ابْنِهِ إذْ أشْعَرَهُ بِما تَوَسَّمَهُ مِن عِنايَةِ اللَّهِ بِهِ لِيَزْدادَ إقْبالًا عَلى الكَمالِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ .
والتَّأْوِيلُ: إرْجاعُ الشَّيْءِ إلى حَقِيقَتِهِ ودَلِيلِهِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] .
والأحادِيثُ: يَصِحُّ أنْ يَكُونَ جَمْعَ حَدِيثٍ بِمَعْنى الشَّيْءِ الحادِثِ، فَتَأْوِيلُ الأحادِيثِ: إرْجاعُ الحَوادِثِ إلى عِلَلِها وأسْبابِها بِإدْراكِ حَقائِقِها عَلى التَّمامِ، وهو المَعْنِيُّ بِالحِكْمَةِ، وذَلِكَ بِالِاسْتِدْلالِ بِأصْنافِ المَوْجُوداتِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ الأحادِيثُ جَمْعَ حَدِيثٍ بِمَعْنى الخَبَرِ المُتَحَدَّثِ بِهِ، فالتَّأْوِيلُ تَعْبِيرُ الرُّؤْيا. سُمِّيَتْ أحادِيثُ لِأنَّ المُرائِيَ يَتَحَدَّثُ بِها الرّاءُونَ وعَلى هَذا المَعْنى حَمَلَها بَعْضُ المُفَسِّرِينَ. واسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ في آخِرِ القِصَّةِ ﴿وقالَ يا أبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ١٠٠] . ولَعَلَّ كِلا المَعْنَيَيْنِ مُرادٌ بِناءً عَلى صِحَّةِ اسْتِعْمالِ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ وهو الأصَحُّ، أوْ يَكُونُ اخْتِيارُ هَذا اللَّفْظِ إيجازًا مُعْجِزًا، إذْ يَكُونُ قَدْ حُكِيَ بِهِ كَلامٌ طَوِيلٌ صَدَرَ مِن يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِلُغَتِهِ يُعَبِّرُ عَنْ تَأْوِيلِ الأشْياءِ بِجَمِيعِ تِلْكَ المَعانِي.
وإتْمامُ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ هو إعْطاؤُهُ أفْضَلَ النِّعَمِ وهي نِعْمَةُ النُّبُوَّةِ، أوْ هو ضَمِيمُهُ المُلْكَ إلى النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، فَيَكُونُ المُرادُ إتْمامُ نِعْمَةِ الِاجْتِباءِ الأُخْرَوِيِّ بِنِعْمَةِ المَجْدِ الدُّنْيَوِيِّ.
صفحة ٢١٧
وعَلِمَ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَلِكَ مِن دَلالَةِ الرُّؤْيا عَلى سُجُودِ الكَواكِبِ والنَّيِّرَيْنِ لَهُ، وقَدْ عَلِمَ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَأْوِيلَ تِلْكَ بِإخْوَتِهِ وأبَوَيْهِ أوْ زَوْجِ أبِيهِ وهي خالَةُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وعَلِمَ مِن تَمْثِيلِهِمْ في الرُّؤْيا أنَّهم حِينَ يَسْجُدُونَ لَهُ يَكُونُ أُخُوَتُهُ قَدْ نالُوا النُّبُوءَةَ، وبِذَلِكَ عَلِمَ أيْضًا أنَّ اللَّهَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلى إخْوَتِهِ وعَلى زَوْجِ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالصَّدِيقِيَّةِ إذْ كانَتْ زَوْجَةُ نَبِيٍّ. فالمُرادُ مِن آلِ يَعْقُوبَ خاصَّتُهم وهم أبْناؤُهُ وزَوْجُهُ، وإنْ كانَ المُرادُ بِإتْمامِ النِّعْمَةِ لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إعْطاءُ المُلْكِ فَإتْمامِها عَلى آلِ يَعْقُوبَ هو أنْ زادَهم عَلى ما أعْطاهم مِنَ الفَضْلِ نِعْمَةَ قَرابَةِ المَلِكِ، فَيَصِحُّ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن آلِهِ جَمِيعَ قَرابَتِهِ.
والتَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ: ﴿كَما أتَمَّها عَلى أبَوَيْكَ مِن قَبْلُ﴾ تَذْكِيرٌ لَهُ بِنِعَمٍ سابِقَةٍ، ولَيْسَ مِمّا دَلَّتْ عَلَيْهِ الرُّؤْيا. ثُمَّ إنْ كانَ المُرادُ مِن إتْمامِ النِّعْمَةِ النُّبُوءَةَ فالتَّشْبِيهُ تامٌّ، وإنْ كانَ المُرادُ مِن إتْمامِ النِّعْمَةِ المُلْكَ فالتَّشْبِيهُ في إتْمامِ النِّعْمَةِ عَلى الإطْلاقِ.
وجَعَلَ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - أبَوَيْنِ لَهُ لِأنَّ لَهُما وِلادَةً عَلَيْهِ، فَهُما أبَواهُ الأعْلَيانِ بِقَرِينَةِ المَقامِ كَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ» .
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ بِتَمْجِيدِ هَذِهِ النِّعَمِ، وأنَّها كائِنَةٌ عَلى وفْقِ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ، فَعَلِمُهُ هو عِلْمُهُ بِالنُّفُوسِ الصّالِحَةِ لِهَذِهِ الفَضائِلِ لِأنَّهُ خَلَقَها لِقَبُولِ ذَلِكَ فَعَلِمُهُ بِها سابِقٌ، وحِكْمَتُهُ وضْعُ النِّعَمِ في مَواضِعِها المُناسِبَةِ.
وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِـ إنَّ لِلِاهْتِمامِ لا لِلتَّأْكِيدِ إذْ لا يَشُكُّ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في عِلْمِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ. والِاهْتِمامُ ذَرِيعَةٌ إلى إفادَةِ التَّعْلِيلِ. والتَّفْرِيعُ في ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِالثَّناءِ عَلى يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وتَأهُّلُهُ لِمِثْلِ تِلْكَ الفَضائِلِ.
12:7Page 236
۞ لَّقَدۡ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخۡوَتِهِۦٓ ءَايَٰتٞ لِّلسَّآئِلِينَ ٧
Certainly were there in Joseph and his brothers signs for those who ask, [such as]
صفحة ٢١٨
﴿لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وإخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ﴾
جُمْلَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ، وهي مَبْدَأُ القَصَصِ المَقْصُودِ، إذْ كانَ ما قَبْلَهُ كالمُقَدِّمَةِ لَهُ المُنْبِئَةِ بِنَباهَةِ شَأْنِ صاحِبِ القِصَّةِ، فَلَيْسَ هو مِنَ الحَوادِثِ الَّتِي لَحِقَتْ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولِهَذا كانَ أُسْلُوبُ هَذِهِ الجُمْلَةِ كَأُسْلُوبِ القَصَصِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالُوا لَيُوسُفُ وأخُوهُ أحَبُّ إلى أبِينا مِنّا﴾ [يوسف: ٨] نَظِيرُ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [ص: ٧٠] ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ [ص: ٧١] إلى آخِرِ القِصَّةِ.
والظَّرْفِيَّةُ المُسْتَفادَةُ مِن (في) ظَرْفِيَّةٌ مَجازِيَّةٌ بِتَشْبِيهِ مُقارَنَةِ الدَّلِيلِ لِلْمَدْلُولِ بِمُقارَنَةِ المَظْرُوفِ لِلظَّرْفِ، أيْ لَقَدْ كانَ شَأْنُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وإخْوَتِهِ مُقارِنًا لِدَلائِلَ عَظِيمَةٍ مِنَ العِبَرِ والمَواعِظِ، والتَّعْرِيفُ بِعَظِيمِ صُنْعِ اللَّهِ - تَعالى - وتَقْدِيرِهِ.
والآياتُ: الدَّلائِلُ عَلى ما تَتَطَلَّبُ مَعْرِفَتُهُ مِنَ الأُمُورِ الخَفِيَّةِ.
والآياتُ حَقِيقَةٌ في آياتِ الطَّرِيقِ، وهي عَلاماتٌ يَجْعَلُونَها في المَفاوِزِ تَكُونُ بادِيَةً لا تَغْمُرُها الرِّمالُ لِتَكُونَ مُرْشِدَةً لِلسّائِرِينَ، ثُمَّ أُطْلِقَتْ عَلى حُجَجِ الصِّدْقِ، وأدِلَّةِ المَعْلُوماتِ الدَّقِيقَةِ. وجَمْعُ الآياتِ هُنا مُراعًى فِيهِ تَعَدُّدُها وتَعَدُّدُ أنْواعِها، فَفي قِصَّةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - دَلائِلُ عَلى ما لِلصَّبْرِ وحُسْنِ الطَّوِيَّةِ مِن عَواقِبِ الخَيْرِ والنَّصْرِ، أوْ عَلى ما لِلْحَسَدِ والإضْرارِ بِالنّاسِ مِنَ الخَيْبَةِ والِانْدِحارِ والهُبُوطِ.
وفِيها مِنَ الدَّلائِلِ عَلى صِدْقِ النَّبِيءِ ﷺ، وأنَّ القُرْآنَ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ، إذْ جاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ ما لا يَعْلَمُهُ إلّا أحْبارُ أهْلِ الكِتابِ دُونَ قِراءَةٍ ولا كِتابٍ وذَلِكَ مِنَ المُعْجِزاتِ.
صفحة ٢١٩
وفِي بَلاغَةِ نَظْمِها وفَصاحَتِها مِنَ الإعْجازِ ما هو دَلِيلٌ عَلى أنَّ هَذا الكَلامَ مِن صُنْعِ اللَّهِ ألْقاهُ إلى رَسُولِهِ ﷺ مُعْجِزَةً لَهُ عَلى قَوْمِهِ أهْلِ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ.
والسّائِلُونَ مُرادٌ مِنهم مَن يُتَوَقَّعُ مِنهُ السُّؤالُ عَنِ المَواعِظِ والحِكَمِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ [فصلت: ١٠] . ومِثْلَ هَذا يُسْتَعْمَلُ في كَلامِ العَرَبِ لِلتَّشْوِيقِ، والحَثِّ عَلى تَطَلُّبِ الخَبَرِ والقِصَّةِ. قالَ طَرَفَةُ:
سائِلُوا عَنّا الَّذِي يَعْرِفُنا بِقُوانا يَوْمَ تَحْلاقِ اللِّمَمِ
وقالَ السَّمَوءَلُ أوْ عَبْدُ المَلِكِ الحارِثِيُّ:
سَلِي إنْ جَهِلْتِ النّاسَ عَنّا وعَنْهُمُ ∗∗∗ فَلَيْسَ سَواءً عالِـمٌ وجَـهُـولُ
وقالَ عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ:
طُلِّقْتِ إنْ لَمْ تَسْألِي أيُّ فارِسٍ ∗∗∗ حَلِيلُكِ إذْ لاقى صُداءً وخَثْعَما
وقالَ أنِيفُ بْنُ زِبّانَ النَّبْهانِيُّ:
فَلَمّا التَقَيْنا بَيْنَ السَّيْفِ بَيْنَنا ∗∗∗ لِسائِلَةٍ عَنّا حَفِيٌّ سُؤالُها
وأكْثَرُ اسْتِعْمالِ ذَلِكَ في كَلامِهِمْ يَكُونُ تَوْجِيهُهُ إلى ضَمِيرِ الأُنْثى؛ لِأنَّ النِّساءَ يُعْنَيْنَ بِالسُّؤالِ عَنِ الأخْبارِ الَّتِي يَتَحَدَّثُ النّاسُ بِها، ولَمّا جاءَ القُرْآنُ وكانَتْ أخْبارُهُ الَّتِي يُشَوِّقُ إلى مَعْرِفَتِها أخْبارُ عِلْمٍ وحِكْمَةٍ صَرَفَ ذَلِكَ الِاسْتِعْمالَ عَنِ التَّوْجِيهِ إلى ضَمِيرِ النِّسْوَةِ، ووَجَّهَ إلى ضَمِيرِ المُذَكَّرِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ [المعارج: ١] وقَوْلِهِ: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النبإ: ١] .
وقِيلَ المُرادُ بِـ (السّائِلِينَ) اليَهُودُ إذْ سَألَ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ. وهَذا لا يَسْتَقِيمُ لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ ولَمْ يَكُنْ لِلْيَهُودِ مُخالَطَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ.
12:8Page 236
إِذۡ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰٓ أَبِينَا مِنَّا وَنَحۡنُ عُصۡبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ٨
When they said, "Joseph and his brother1 are more beloved to our father than we, while we are a clan. Indeed, our father is in clear error.
صفحة ٢٢٠
﴿إذْ قالُوا لَيُوسُفُ وأخُوهُ أحَبُّ إلى أبِينا مِنّا ونَحْنُ عُصْبَةٌ إنَّ أبانا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾
إذْ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ كانَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وإخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ﴾ [يوسف: ٧]، فَإنَّ ذَلِكَ الزَّمانَ مَوْقِعٌ مِن مَواقِعِ الآياتِ فَإنَّ في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ حِينَئِذٍ عِبْرَةً مِن عِبَرِ الأخْلاقِ الَّتِي تَنْشَأُ مِن حَسَدِ الإخْوَةِ والأقْرِباءِ، وعِبْرَةٌ مِنَ المُجازَفَةِ في تَغْلِيطِهِمْ أباهم، واسْتِخْفافِهِمْ بِرَأْيهِ غُرُورًا مِنهم، وغَفْلَةً عَنْ مَراتِبِ مُوجِباتِ مَيْلِ الأبِ إلى بَعْضِ أبْنائِهِ. وتِلْكَ الآياتُ قائِمَةٌ في الحِكايَةِ عَنْ ذَلِكَ الزَّمَنِ.
وهَذا القَوْلُ المَحْكِيُّ عَنْهم قَوْلُ تَآمُرٍ وتَحاوُرٍ.
وافْتِتاحُ المَقُولِ بِلامِ الِابْتِداءِ المُفِيدَةِ لِلتَّوْكِيدِ لِقَصْدِ تَحْقِيقِ الخَبَرِ.
والمُرادُ: تَوْكِيدُ لازِمِ الخَبَرِ إذْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَن يَشُكُّ في أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأخاهُ أحَبُّ إلى أبِيهِمْ مِن بَقِيَّتِهِمْ ولَكِنَّهم لَمْ يَكُونُوا سَواءً في الحَسَدِ لَهُما والغَيْرَةِ مِن تَفْضِيلِ أبِيهِمْ إيّاهُما عَلى بَقِيَّتِهِمْ، فَأرادَ بَعْضُهم إقْناعَ بَعْضٍ بِذَلِكَ لِيَتَمالَئُوا عَلى الكَيْدِ لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأخِيهِ، كَما سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ونَحْنُ عُصْبَةٌ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ [يوسف: ١٠]؛ فَقائِلُ الكَلامِ بَعْضُ إخْوَتِهِ، أيْ جَماعَةٌ مِنهم بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَ ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٩] وقَوْلُهم ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ [يوسف: ١٠] .
وأخُو يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أُرِيدَ بِهِ (بِنْيامِينَ) وإنَّما خَصُّوهُ بِالأُخُوَّةِ لِأنَّهُ كانَ شَقِيقَهُ، أُمُّهُما (راحِيلُ) بِنْتُ (لابانَ)، وكانَ بَقِيَّةُ إخْوَتِهِ إخْوَةً لِلْأبِ، أُمُّ بَعْضِهِمْ (لَيْئَةُ) بِنْتُ (لابانَ)، وأُمُّ بَعْضِهِمْ (بِلِهَةُ) جارِيَةُ (لَيْئَةَ) وهَبَتْها (لَيْئَةُ) لِزَوْجِها يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
وأحَبُّ اسْمُ تَفْضِيلٍ، وأفْعَلُ التَّفْضِيلِ يَتَعَدّى إلى المُفَضَّلِ بِـ ”مِن“، ويَتَعَدّى إلى المُفَضَّلِ عِنْدَهُ بِـ ”إلى“ .
صفحة ٢٢١
ودَعْواهم أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأخاهُ أحَبُّ إلى يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنهم يَجُوزُ أنْ تَكُونَ دَعْوى باطِلَةً أثارَ اعْتِقادُها في نُفُوسِهِمْ شِدَّةَ الغَيْرَةِ مِن أفْضَلِيَّةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأخِيهِ عَلَيْهِمْ في الكَمالاتِ ورُبَّما سَمِعُوا ثَناءَ أبِيهِمْ عَلى يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأخِيهِ في أعْمالٍ تَصْدُرُ مِنهُما أوْ شاهَدُوهُ يَأْخُذُ بِإشارَتِهِما أوْ رَأوْا مِنهُ شَفَقَةً عَلَيْهِما لِصِغَرِهِما ووَفاةِ أُمِّهِما فَتَوَهَّمُوا مِن ذَلِكَ أنَّهُ أشَدُّ حُبًّا إيّاهُما مِنهم تَوَهُّمًا باطِلًا. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ دَعْواهم مُطابِقَةً لِلْواقِعِ وتَكُونَ زِيادَةُ مَحَبَّتِهِ إيّاهُما أمْرًا لا يَمْلِكُ صَرْفَهُ عَنْ نَفْسِهِ لِأنَّهُ وِجْدانٌ ولَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُؤْثِرُهُما عَلَيْهِمْ في المُعامَلاتِ والأُمُورِ الظّاهِرِيَّةِ ويَكُونُ أبْناؤُهُ قَدْ عَلِمُوا فَرْطَ مَحَبَّةِ أبِيهِمْ إيّاهُما مِنَ التَّوَسُّمِ والقَرائِنِ لا مِن تَفْضِيلِهِما في المُعامَلَةِ فَلا يَكُونُ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُؤاخَذًا بِشَيْءٍ يُفْضِي إلى التَّباغُضِ بَيْنَ الإخْوَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿ونَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن (أحَبُّ)، أيْ ونَحْنُ أكْثَرُ عَدَدًا. والمَقْصُودُ مِنَ الحالِ التَّعَجُّبُ مِن تَفْضِيلِهِما في الحُبِّ في حالِ أنَّ رَجاءَ انْتِفاعِهِ مِن إخْوَتِهِما أشَدُّ مِن رَجائِهِ مِنهُما، بِناءً عَلى ما هو الشّائِعُ عِنْدَ عامَّةِ أهْلِ البَدْوِ مِنَ الِاعْتِزازِ بِالكَثْرَةِ، فَظَنُّوا مَدارِكَ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُساوِيَةً لِمَدارِكِ الدَّهْماءِ، والعُقُولُ قَلَّما تُدْرِكُ مَراقِي ما فَوْقَها، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ ما يَنْظُرُ إلَيْهِ أهْلُ الكَمالِ مِن أسْبابِ التَّفْضِيلِ غَيْرُ ما يَنْظُرُهُ مَن دُونَهم.
وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿إنَّ أبانا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ تَعْلِيلًا لِلتَّعَجُّبِ وتَفْرِيعًا عَلَيْهِ، وضَمِيرُ ﴿ونَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ لِجَمِيعِ الإخْوَةِ عَدا يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأخاهُ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿ونَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿لَيُوسُفُ وأخُوهُ أحَبُّ إلى أبِينا﴾ . والمَقْصُودُ لازِمُ الخَبَرِ وهو تَجْرِئَةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَنْ إتْيانِ العَمَلِ الَّذِي سَيُغْرِيهِمْ بِهِ في قَوْلِهِمُ ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٩]، أيْ إنّا لا يُعْجِزُنا الكَيْدُ لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأخِيهِ فَإنّا عُصْبَةُ والعُصْبَةُ يَهُونُ عَلَيْهِمُ العَمَلُ العَظِيمُ الَّذِي لا يَسْتَطِيعُهُ العَدَدُ القَلِيلُ كَقَوْلِهِ:
صفحة ٢٢٢
﴿قالُوا لَئِنْ أكَلَهُ الذِّئْبُ ونَحْنُ عُصْبَةٌ إنّا إذًا لَخاسِرُونَ﴾ [يوسف: ١٤]، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿إنَّ أبانا﴾ تَعْلِيلًا لِلْإغْراءِ وتَفْرِيعًا عَلَيْهِ.
و”العُصْبَةُ“: اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، مِثْلَ أسْماءِ الجَماعاتِ، ويُقالُ: العِصابَةُ. قالَ جُمْهُورُ اللُّغَوِيِّينَ: تُطْلَقُ العُصْبَةُ عَلى الجَماعَةِ مِن عَشْرَةٍ إلى أرْبَعِينَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مِن ثَلاثَةٍ إلى عَشْرَةٍ، وذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ وذَكَرُوا أنَّ في مُصْحَفِ حَفْصَةٍ قَوْلَهُ - تَعالى: ”إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ أرْبَعَةٌ مِنكم“ .
وكانَ أبْناءُ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - اثْنَيْ عَشَرَ، وهُمُ الأسْباطُ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِمْ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أمْ تَقُولُونَ إنَّ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٤٠] الآيَةَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
و”الضَّلالُ“ إخْطاءُ مَسْلَكِ الصَّوابِ. وإنَّما: أرادَ وأخْطَأ التَّدْبِيرَ لِلْعَيْشِ لا الخَطَأُ في الدِّينِ والِاعْتِقادِ. والتَّخْطِئَةُ في أحْوالِ الدُّنْيا لا تُنافِي الِاعْتِرافَ لِلْمُخْطِئِ بِالنُّبُوَّةِ.
12:9Page 236
ٱقۡتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطۡرَحُوهُ أَرۡضٗا يَخۡلُ لَكُمۡ وَجۡهُ أَبِيكُمۡ وَتَكُونُواْ مِنۢ بَعۡدِهِۦ قَوۡمٗا صَٰلِحِينَ ٩
Kill Joseph or cast him out to [another] land; the countenance [i.e., attention] of your father will [then] be only for you, and you will be after that a righteous people."1
﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أوِ اطْرَحُوهُ أرْضًا يَخْلُ لَكم وجْهُ أبِيكم وتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ﴾
جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ الكَلامَ المُتَقَدِّمَ يُثِيرُ سُؤالًا في نُفُوسِ السّامِعِينَ عَنْ غَرَضِ القائِلِينَ مِمّا قالُوهُ فَهَذا المَقْصُودُ لِلْقائِلِينَ. وإنَّما جَعَلُوا لَهُ الكَلامَ السّابِقَ كالمُقَدِّمَةِ لِتَتَأثَّرَ نُفُوسُ السّامِعِينَ فَإذا أُلْقِيَ إلَيْها المَطْلُوبُ كانَتْ سَرِيعَةَ الِامْتِثالِ إلَيْهِ.
وهَذا فَنٌّ مِن صِناعَةِ الخَطابَةِ أنْ يَفْتَتِحَ الخَطِيبُ كَلامَهُ بِتَهْيِئَةِ نُفُوسِ السّامِعِينَ لِتَتَأثَّرَ بِالغَرَضِ المَطْلُوبِ، فَإنَّ حالَةَ تَأثُّرِ النُّفُوسِ تُغْنِي عَنِ الخَطِيبِ
صفحة ٢٢٣
غِناءَ جُمَلٍ كَثِيرَةٍ مِن بَيانِ العِلَلِ والفَوائِدِ، كَما قالَ الحَرِيرِيُّ في المَقامَةِ الحادِيَةِ عَشْرَةَ: ”فَلَمّا دَفَنُوا المَيْتَ، وفاتَ قَوْلُ لَيْتَ، أشْرَفَ شَيْخٌ مِن رِباوَةٍ، مُتَأبِّطًا لِهِراوَةٍ، فَقالَ لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ“ . وانْهَلَّ في الخُطَبِ.
والأمْرُ مُسْتَعْمَلٌ في الإرْشادِ. وأرادُوا ارْتِكابَ شَيْءٍ يُفَرِّقُ بَيْنَ يُوسُفَ وأبِيهِ - عَلَيْهِما السَّلامُ - تَفْرِقَةً لا يُحاوِلُ مِن جَرّائِها اقْتِرابًا بِأنْ يَعْدِمُوهُ أوْ يَنْقُلُوهُ إلى أرْضٍ أُخْرى فَيَهْلَكُ أوْ يُفْتَرَسُ.
وهَذِهِ آيَةٌ مِن عِبَرِ الأخْلاقِ السَّيِّئَةِ وهي التَّخَلُّصُ مِن مُزاحَمَةِ الفاضِلِ بِفَضْلِهِ لِمَن هو دُونَهُ فِيهِ أوْ مُساوِيَهُ بِإعْدامِ صاحِبِ الفَضْلِ وهي أكْبَرُ جَرِيمَةٍ لِاشْتِمالِها عَلى الحَسَدِ، والإضْرارِ بِالغَيْرِ، وانْتِهاكِ ما أمَرَ اللَّهُ بِحِفْظِهِ، وهم قَدْ كانُوا أهْلَ دِينٍ ومِن بَيْتِ نُبُوَّةٍ وقَدْ أصْلَحَ اللَّهُ حالَهم مِن بَعْدُ وأثْنى عَلَيْهِمْ وسَمّاهُمُ الأسْباطَ.
وانْتَصَبَ (أرْضًا) عَلى تَضْمِينِ اطْرَحُوهُ مَعْنى أوْدِعُوهُ، أوْ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أوْ عَلى تَشْبِيهِهِ بِالمَفْعُولِ فِيهِ لِأنَّ أرْضًا اسْمُ مَكانٍ فَلَمّا كانَ غَيْرَ مَحْدُودٍ وزادَ إبْهامًا بِالتَّنْكِيرِ عُومِلَ مُعامَلَةَ أسْماءِ الجِهاتِ، وهَذا أضْعَفُ الوُجُوهِ. وقَدْ عُلِمَ أنَّ المُرادَ أرْضٌ مَجْهُولَةٌ لِأبِيهِ.
وجَزْمُ (يَخْلُ) في جَوابِ الأمْرِ، أيْ إنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ يَخْلُ لَكم وجْهُ أبِيكم.
والخُلُوُّ: حَقِيقَتُهُ الفَراغُ. وهو مُسْتَعْمَلٌ هُنا مَجازًا في عَدَمِ التَّوَجُّهِ لِمَن لا يَرْغَبُونَ تَوَجُّهَهُ لَهُ، فَكَأنَّ الوَجْهَ خَلا مِن أشْياءٍ كانَتْ حالَّةً فِيهِ.
واللّامُ في قَوْلِهُ: (لَكم) لامُ العِلَّةِ، أيْ يَخْلُ وجْهُ أبِيكم لِأجْلِكم، بِمَعْنى أنَّهُ يَخْلُو مِمَّنْ عَداكم فَيَنْفَرِدُ لَكم.
صفحة ٢٢٤
وهَذا المَعْنى كِنايَةُ تَلْوِيحٍ عَنْ خُلُوصِ مَحَبَّتِهِ لَهم دُونَ مُشارِكٍ.
وعَطَفَ ﴿وتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ مِن بَعْدِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى (يَخْلُ) لِيَكُونَ مِن جُمْلَةِ الجَوابِ لِلْأمْرِ. فالمُرادُ كَوْنٌ ناشِئٌ عَنْ فِعْلِ المَأْمُورِ بِهِ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الصَّلاحِ فِيهِ الصَّلاحَ الدُّنْيَوِيَّ، أيْ صَلاحَ الأحْوالِ في عَيْشِهِمْ مَعَ أبِيهِمْ، ولَيْسَ المُرادُ الصَّلاحَ الدِّينِيَّ.
وإنَّما لَمْ يُدَبِّرُوا شَيْئًا في إعْدامِ أخِي يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - شَفَقَةً عَلَيْهِ لِصِغَرِهِ.
وإقْحامُ لَفْظِ (قَوْمًا) بَيْنَ كانَ وخَبَرِها لِلْإشارَةِ إلى أنَّ صَلاحَ الحالِ صِفَةٌ مُتَمَكِّنَةٌ فِيهِمْ كَأنَّهُ مِن مُقَوِّماتِ قَوْمِيَّتِهِمْ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وعِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] في سُورَةِ يُونُسَ.
وهَذا الأمْرُ صَدَرَ مِن قائِلِهِ وسامِعِيهِ مِنهم قَبْلَ اتِّصافِهِمْ بِالنُّبُوَّةِ أوْ بِالوِلايَةِ لِأنَّ فِيهِ ارْتِكابَ كَبِيرَةِ القَتْلِ أوِ التَّعْذِيبِ والِاعْتِداءِ، وكَبِيرَةِ العُقُوقِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences