Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Yusuf 12:67–75
12:67Page 243
وَقَالَ يَٰبَنِيَّ لَا تَدۡخُلُواْ مِنۢ بَابٖ وَٰحِدٖ وَٱدۡخُلُواْ مِنۡ أَبۡوَٰبٖ مُّتَفَرِّقَةٖۖ وَمَآ أُغۡنِي عَنكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٍۖ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِۖ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُۖ وَعَلَيۡهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ ٦٧
And he said, "O my sons, do not enter from one gate but enter from different gates; and I cannot avail you against [the decree of] Allāh at all. The decision is only for Allāh; upon Him I have relied, and upon Him let those who would rely [indeed] rely."
﴿وقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾
وقالَ يا بَنِيَّ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ [يوسف: ٦٦] .
وإعادَةُ فِعْلِ ”قالَ“ لِلْإشارَةِ إلى اخْتِلافِ زَمَنِ القَوْلَيْنِ وإنْ كانا مَعًا مُسَبَّبَيْنِ عَلى إيتاءِ مَوْثِقِهِمْ، لِأنَّهُ اطْمَأنَّ لِرِعايَتِهِمُ ابْنَهُ وظَهَرَتْ لَهُ المَصْلَحَةُ في سَفَرِهِمْ لِلِامْتِيارِ، فَقَوْلُهُ ﴿يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ﴾ صادِرٌ في وقْتِ إزْماعِهِمُ الرَّحِيلَ. والمَقْصُودُ مِن حِكايَةِ قَوْلِهِ هَذا العِبْرَةُ بِقَوْلِهِ ﴿وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ إلَخَّ.
والأبْوابُ: أبْوابُ المَدِينَةِ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ البابِ آنِفًا. وكانَتْ مَدِينَةَ مَنفِيسَ مِن أعْظَمِ مُدُنِ العالَمِ فَهي ذاتُ أبْوابٍ. وإنَّما نَهاهم أنْ يَدْخُلُوها مِن بابٍ واحِدٍ خَشْيَةَ أنْ يَسْتَرْعِيَ عَدَدُهم أبْصارَ أهْلِ المَدِينَةِ وحُرّاسَها وأزْياؤُهم أزْياءُ الغُرَباءِ عَنْ أهْلِ المَدِينَةِ أنْ يُوجِسُوا مِنهم خِيفَةً مِن تَجَسُّسٍ أوْ سَرِقَةٍ فَرُبَّما سَجَنُوهم
صفحة ٢١
أوْ رَصَدُوا الأعْيُنَ إلَيْهِمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ ضُرًّا لَهم وحائِلًا دُونَ سُرْعَةِ وُصُولِهِمْ إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ودُونَ قَضاءِ حاجَتِهِمْ. وقَدْ قِيلَ في الحِكْمَةِ: اسْتَعِينُوا عَلى قَضاءِ حَوائِجِكم بِالكِتْمانِ.
ولَمّا كانَ شَأْنُ إقامَةِ الحُرّاسِ والأرْصادِ أنْ تَكُونَ عَلى أبْوابِ المَدِينَةِ اقْتَصَرَ عَلى تَحْذِيرِهِمْ مِنَ الدُّخُولِ مِن بابٍ واحِدٍ دُونَ أنْ يُحَذِّرَهم مِنَ المَشْيِ في سِكَّةٍ واحِدَةٍ مِن سِكَكِ المَدِينَةِ، ووَثِقَ بِأنَّهم عارِفُونَ بِسِكَكِ المَدِينَةِ فَلَمْ يَخْشَ ضَلالَهم فِيها، وعَلِمَ أنَّ بِنْيامِينَ يَكُونُ في صُحْبَةِ أحَدِ إخْوَتِهِ لِئَلّا يَضِلَّ في المَدِينَةِ.
والمُتَفَرِّقَةُ أرادَ بِها المُتَعَدِّدَةَ لِأنَّهُ جَعَلَها في مُقابَلَةِ الواحِدِ. ووَجْهُ العُدُولِ عَنِ المُتَعَدِّدَةِ إلى المُتَفَرِّقَةِ الإيماءُ إلى عِلَّةِ الأمْرِ وهي إخْفاءُ كَوْنِهِمْ جَماعَةً واحِدَةً.
وجُمْلَةُ ﴿وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ مُعْتَرِضَةٌ في آخِرِ الكَلامِ، أيْ وما أُغْنِي عَنْكم بِوَصِيَّتِي هَذِهِ شَيْئًا. ومِنَ اللَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ أُغْنِي، أيْ لا يَكُونُ ما أمَرْتُكم بِهِ مُغْنِيًا غَناءً مُبْتَدِئًا مِن عِنْدِ اللَّهِ بَلْ هو الأدَبُ والوُقُوفُ عِنْدَ ما أمَرَ اللَّهُ، فَإنْ صادَفَ ما قَدَّرَهُ فَقَدْ حَصَلَ فائِدَتانِ، وإنْ خالَفَ ما قَدَّرَهُ حَصَلَتْ فائِدَةُ امْتِثالِ أوامِرِهِ واقْتِناعُ النَّفْسِ بِعَدَمِ التَّفْرِيطِ.
وتَقَدَّمَ وجْهُ تَرْكِيبِ ﴿وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١] في سُورَةِ العُقُودِ.
وأرادَ بِهَذا تَعْلِيمَهُمُ الِاعْتِمادَ عَلى تَوْفِيقِ اللَّهِ ولُطْفِهِ مَعَ الأخْذِ بِالأسْبابِ المُعْتادَةِ الظّاهِرَةِ تَأدُّبًا مَعَ واضِعِ الأسْبابِ ومُقَدِّرِ الألْطافِ في رِعايَةِ الحالَيْنِ، لِأنّا لا نَسْتَطِيعُ أنْ نَطَّلِعَ عَلى مُرادِ اللَّهِ في الأعْمالِ فَعَلَيْنا أنْ نَتَعَرَّفَها بِعَلاماتِها ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا بِالسَّعْيِ لَها.
وهَذا سِرُّ مَسْألَةِ القَدَرِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ»، وفي الأثَرِ: ”إذا أرادَ اللَّهُ أمْرًا يَسَّرَ أسْبابَهُ“ .
صفحة ٢٢
قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩]، ذَلِكَ أنَّ شَأْنَ الأسْبابِ أنْ تَحْصُلَ عِنْدَها مُسَبَّباتُها. وقَدْ يَتَخَلَّفُ ذَلِكَ بِمُعارَضَةِ أسْبابٍ أُخْرى مُضادَّةٍ لِتِلْكَ الأسْبابِ حاصِلَةٍ في وقْتٍ واحِدٍ، أوْ لِكَوْنِ السَّبَبِ الواحِدِ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِأشْياءَ مُتَضادَّةٍ بِاعْتِباراتٍ فَيُخْطِئُ تَعاطِيَ السَّبَبِ في مُصادَفَةِ المُسَبَّبِ المَقْصُودِ، ولَوْلا نِظامُ الأسْبابِ ومُراعاتُها لَصارَ المُجْتَمَعُ البَشَرِيُّ هَمَلًا وهَمَجًا.
والإغْناءُ: هُنا مُشْتَقٌّ مِنَ الغَناءِ - بِفَتْحِ الغَيْنِ وبِالمَدِّ - وهو الإجْزاءُ والِاضْطِلاعُ وكِفايَةُ المُهِمِّ. وأصْلُهُ مُرادِفُ الغِنى - بِكَسْرِ الغَيْنِ والقَصْرِ - وهُما مَعًا ضِدُّ الفَقْرِ، وكَثُرَ اسْتِعْمالُ الغَناءِ المَفْتُوحِ المَمْدُودِ في الإجْزاءِ والكِفايَةِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ المُرْسَلِ؛ لِأنَّ مَن أجْزَأ وكَفى فَقَدْ أذْهَبَ عَنْ نَفْسِهِ الحاجَةَ إلى المُغْنِينَ وأذْهَبَ عَمَّنْ أجْزَأ عَنْهُ الِاحْتِياجَ أيْضًا. وشاعَ هَذا الِاسْتِعْمالُ المَجازِيُّ حَتّى غَلَبَ عَلى هَذا الفِعْلِ، فَلِذَلِكَ كَثُرَ في الكَلامِ تَخْصِيصُ الغَناءِ - بِالفَتْحِ والمَدِّ - بِهَذا المَعْنى، وتَخْصِيصُ الغِنى - بِالكَسْرِ والقَصْرِ - في مَعْنى ضِدِّ الفَقْرِ ونَحْوِهِ حَتّى صارَ الغَناءُ المَمْدُودُ لا يَكادُ يُسْمَعُ في مَعْنى ضِدِّ الفَقْرِ. وهي تَفْرِقَةٌ حَسَنَةٌ مِن دَقائِقِ اسْتِعْمالِهِمْ في تَصارِيفِ المُتَرادِفاتِ. فَما يُوجَدُ في كَلامِ ابْنِ بِرِّيٍّ مِن قَوْلِهِ: إنَّ الغَناءَ مَصْدَرٌ ناشِئٌ عَنْ فِعْلِ أغْنى المَهْمُوزِ بِحَذْفِ الزّائِدِ المُوهِمِ أنَّهُ لا فِعْلَ لَهُ مُجَرَّدٌ فَإنَّما عَنى بِهِ أنَّ اسْتِعْمالَ فِعْلِ غَنِيَ في هَذا المَعْنى المَجازِيِّ مَتْرُوكٌ مُماتٌ لا أنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ.
ولِذَلِكَ فَمَعْنى فِعْلِ أغْنى بِهَذا الِاسْتِعْمالِ مَعْنى الأفْعالِ القاصِرَةِ، ولَمْ يُفِدْهُ الهَمْزُ تَعْدِيَةً، فَلَعَلَّ هَمْزَتَهُ دالَّةٌ عَلى الصَّيْرُورَةِ ذا غِنًى، فَلِذَلِكَ كانَ حَقُّهُ أنْ لا يَنْصِبَ المَفْعُولَ بِهِ بَلْ يَكُونُ في الغالِبِ مُرادِفًا لِمَفْعُولٍ مُطْلَقٍ كَقَوْلِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِيكَرِبَ:
أُغْنِي غَناءَ الذّاهِبِـ ـينَ أُعَدُّ لَلْحَدَثانِ عَدًّا
صفحة ٢٣
ويَقُولُونَ: أغْنى فُلانٌ عَنْ فُلانٍ، أيْ في أجْزاهُ عِوَضَهُ وقامَ مَقامَهُ، ويَأْتُونَ بِمَنصُوبٍ فَهو تَرْكِيبٌ غَرِيبٌ، فَإنَّ حَرْفَ ”عَنْ“ فِيهِ لِلْبَدَلِيَّةِ وهي المُجاوَزَةُ المَجازِيَّةُ. جَعَلَ الشَّيْءَ البَدَلَ عَنِ الشَّيْءِ مُجاوِزًا لَهُ لِأنَّهُ حَلَّ مَحَلَّهُ في حالِ غَيْبَتِهِ فَكَأنَّهُ جاوَزَهُ فَسَمَّوْا هَذِهِ المُجاوَزَةَ بَدَلِيَّةً وقالُوا: إنَّ عَنْ تَجِيءُ لِلْبَدَلِيَّةِ كَما تَجِيءُ لَها الباءُ. فَمَعْنى ﴿وما أُغْنِي عَنْكُمْ﴾ لا أُجْزِي عَنْكم، أيْ لا أكْفِي بَدَلًا عَنْ إجْزائِكم لِأنْفُسِكم.
و(مِن شَيْءٍ) نائِبٌ مَنابَ (شَيْئًا)، وزِيدَتْ (مِن) لِتَوْكِيدِ عُمُومِ شَيْءٍ في سِياقِ النَّفْيِ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهم شَيْئًا﴾ [يس: ٢٣] أيْ مِنَ الضُّرِّ. وجَوَّزَ صاحِبُ الكَشّافِ في مِثْلِهِ أنْ يَكُونَ (شَيْئًا) مَفْعُولًا مُطْلَقًا، أيْ شَيْئًا مِنَ الغَناءِ وهو الظّاهِرُ، فَقالَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]، قالَ: أيْ قَلِيلًا مِنَ الجَزاءِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٠]؛ لَكِنَّهُ جَوَّزَ أنْ يَكُونَ (شَيْئًا) مَفْعُولًا بِهِ وهو لا يَسْتَقِيمُ إلّا عَلى مَعْنى التَّوَسُّعِ بِالحَذْفِ والإيصالِ، أيْ بِنَزْعِ الخافِضِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِمَضْمُونِ ﴿وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾، والحُكْمُ: هُنا بِمَعْنى التَّصَرُّفِ والتَّقْدِيرِ، ومَعْنى الحَصْرِ أنَّهُ لا يَتِمُّ إلّا ما أرادَهُ اللَّهُ، كَما قالَ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ﴾ [الطلاق: ٣]، ولَيْسَ لِلْعَبْدِ أنْ يُنازِعَ مُرادَ اللَّهِ في نَفْسِ الأمْرِ ولَكِنْ واجِبُهُ أنْ يَتَطَلَّبَ الأُمُورَ مِن أسْبابِها؛ لِأنَّ اللَّهَ أمَرَ بِذَلِكَ، وقَدْ جَمَعَ هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ قَوْلُهُ ﴿وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ .
وجُمْلَةُ ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ في مَوْضِعِ البَيانِ لِجُمْلَةِ ﴿وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ لِيُبَيِّنَ لَهم أنَّ وصِيَّتَهُ بِأخْذِ الأسْبابِ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى الِاعْتِمادِ عَلى اللَّهِ هو مَعْنى التَّوَكُّلِ الَّذِي يَضِلُّ في فَهْمِهِ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ اقْتِصارًا وإنْكارًا. ولِذَلِكَ أتى بِجُمْلَةِ ﴿وعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ أمْرًا لَهم
صفحة ٢٤
ولِغَيْرِهِمْ عَلى مَعْنى أنَّهُ واجِبُ الحاضِرِينَ والغائِبِينَ، وأنَّ مَقامَهُ لا يَخْتَصُّ بِالصَّدِّيقِينَ بَلْ هو واجِبُ كُلِّ مُؤْمِنٍ كامِلِ الإيمانِ لا يَخْلِطُ إيمانَهُ بِأخْطاءِ الجاهِلِيّاتِ.
12:68Page 243
وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنۡ حَيۡثُ أَمَرَهُمۡ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغۡنِي عَنۡهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٍ إِلَّا حَاجَةٗ فِي نَفۡسِ يَعۡقُوبَ قَضَىٰهَاۚ وَإِنَّهُۥ لَذُو عِلۡمٖ لِّمَا عَلَّمۡنَٰهُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٦٨
And when they entered from where their father had ordered them, it did not avail them against Allāh at all except [it was] a need [i.e., concern] within the soul of Jacob, which he satisfied. And indeed, he was a possessor of knowledge because of what We had taught him, but most of the people do not know.
﴿ولَمّا دَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهم ما كانَ يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ إلّا حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ. والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ.
ودَلَّتْ (حَيْثُ) عَلى الجِهَةِ، أيْ لَمّا دَخَلُوا مِنَ الجِهاتِ الَّتِي أمَرَهم أبُوهم بِالدُّخُولِ مِنها. فالجُمْلَةُ الَّتِي تُضافُ إلَيْها حَيْثُ هي الَّتِي تُبَيِّنُ المُرادَ مِنَ الجِهَةِ.
وقَدْ أغْنَتْ جُمْلَةُ ﴿ولَمّا دَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهُمْ﴾ عَنْ جُمَلٍ كَثِيرَةٍ، وهي أنَّهُمُ ارْتَحَلُوا ودَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهم، ولَمّا دَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم سَلِمُوا مِمّا كانَ يَخافُهُ عَلَيْهِمْ. وما كانَ دُخُولُهم مِن حَيْثُ أمَرَهم يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَوْ قَدَّرَ اللَّهُ أنْ يُحاطَ بِهِمْ، فالكَلامُ إيجازٌ. ومَعْنى ﴿ما كانَ يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ أنَّهُ ما كانَ يَرُدُّ عَنْهم قَضاءَ اللَّهِ لَوْلا أنَّ اللَّهَ قَدَّرَ سَلامَتَهم.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ ﴿إلّا حاجَةً﴾ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ الحاجَةَ الَّتِي في نَفْسِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَتْ بَعْضًا مِنَ الشَّيْءِ المَنفِيِّ إغْناؤُهُ عَنْهم مِنَ اللَّهِ، فالتَّقْدِيرُ: لَكِنَّ حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَضاها.
والقَضاءُ: الإنْفاذُ، ومَعْنى قَضاها أنْفَذَها. يُقالُ: قَضى حاجَةً لِنَفْسِهِ، إذا أنْفَذَ ما أضْمَرَهُ في نَفْسِهِ، أيْ نَصِيحَةً لِأبْنائِهِ أدّاها لَهم ولَمْ يَدَّخِرْها عَنْهم لِيَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ بِأنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا يَظُنُّهُ نافِعًا لَهم إلّا أبْلَغَهُ إلَيْهِمْ.
صفحة ٢٥
والحاجَةُ: الأمْرُ المَرْغُوبُ فِيهِ. سُمِّيَ حاجَةً لِأنَّهُ مُحْتاجٌ إلَيْهِ، فَهي مِنَ التَّسْمِيَةِ بِاسْمِ المَصْدَرِ. والحاجَةُ الَّتِي في نَفْسِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ هي حِرْصُهُ عَلى تَنْبِيهِهِمْ لِلْأخْطارِ الَّتِي تَعْرِضُ لِأمْثالِهِمْ في مِثْلِ هَذِهِ الرِّحْلَةِ إذا دَخَلُوا مِن بابٍ واحِدٍ. وتَعْلِيمُهُمُ الأخْذَ بِالأسْبابِ مَعَ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ولَمّا دَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهُمْ﴾ إلَخْ وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ .
وهُوَ ثَناءٌ عَلى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالعِلْمِ والتَّدْبِيرِ، وأنَّ ما أسْداهُ مِنَ النُّصْحِ لَهم هو مِنَ العِلْمِ الَّذِي آتاهُ اللَّهُ وهو مِن عِلْمِ النُّبُوءَةِ.
وقَوْلُهُ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ اسْتِدْراكٌ نَشَأ عَنْ جُمْلَةِ ﴿ولَمّا دَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهُمْ﴾ إلَخَّ. والمَعْنى أنَّ اللَّهَ أمَرَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأخْذِ أسْبابِ الِاحْتِياطِ والنَّصِيحَةِ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّ ذَلِكَ لا يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ قَدَّرَهُ لَهم، فَإنَّ مُرادَ اللَّهِ تَعالى خَفِيٌّ عَنِ النّاسِ، وقَدْ أمَرَ بِسُلُوكِ الأسْبابِ المُعْتادَةِ. وعَلِمَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ، ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ تَطَلُّبَ الأمْرَيْنِ فَيُهْمِلُونَ أحَدَهُما. فَمِنهم مَن يُهْمِلُ مَعْرِفَةَ أنَّ الأسْبابَ الظّاهِرِيَّةَ لا تَدْفَعُ أمْرًا قَدَّرَهُ اللَّهُ وعَلِمَ أنَّهُ واقِعٌ، ومِنهم مَن يُهْمِلُ الأسْبابَ وهو لا يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ أرادَ في بَعْضِ الأحْوالِ عَدَمَ تَأْثِيرِها.
وقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ ﴿وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ﴾ بِصَرِيحِهِ عَلى أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَمِلَ بِما عَلَّمَهُ اللَّهُ. ودَلَّ قَوْلُهُ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ بِتَعْرِيضِهِ عَلى أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ القَلِيلِ مِنَ النّاسِ الَّذِينَ عَلِمُوا مُراعاةَ الأمْرَيْنِ لِيَتَقَرَّرَ الثَّناءُ عَلى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِاسْتِفادَتِهِ مِنَ الكَلامِ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِالصَّراحَةِ ومَرَّةً بِالِاسْتِدْراكِ.
والمَعْنى أنَّ أكْثَرَ النّاسِ في جَهالَةٍ عَنْ وضْعِ هاتِهِ الحَقائِقِ مَوْضِعَها ولا يَخْلُونَ عَنْ مُضَيِّعٍ لِإحْداهِما. ويُفَسِّرُ هَذا المَعْنى قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ
صفحة ٢٦
اللَّهُ عَنْهُ لَمّا أمَرَ المُسْلِمِينَ بِالقُفُولِ عَنْ عَمْواسَ لَمّا بَلَغَهُ ظُهُورُ الطّاعُونِ بِها وقالَ لَهُ أبُو عُبَيْدَةَ: أفِرارًا مِن قَدَرِ اللَّهِ ؟ فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَوْ غَيْرُكَ قالَها يا أبا عُبَيْدَةَ ألَسْنا نَفِرُّ مِن قَدَرِ اللَّهِ إلى قَدَرِ اللَّهِ. . . إلى آخِرِ الخَبَرِ.
12:69Page 243
وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيۡهِ أَخَاهُۖ قَالَ إِنِّيٓ أَنَا۠ أَخُوكَ فَلَا تَبۡتَئِسۡ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٦٩
And when they entered upon Joseph, he took his brother to himself; he said, "Indeed, I am your brother, so do not despair over what they used to do [to me]."
﴿ولَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أخاهُ قالَ إنِّيَ أنا أخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مَوْقِعُ جُمْلَةِ ﴿ولَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ﴾ كَمُوقِعِ جُمْلَةِ ﴿ولَمّا دَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهُمْ﴾ [يوسف: ٦٨] في إيجازِ الحَذْفِ.
والإيواءُ: الإرْجاعُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ مَأْواهُمُ النّارُ﴾ [يونس: ٨] في سُورَةِ يُونُسَ.
وأُطْلِقَ الإيواءُ هُنا مَجازًا عَلى الإدْناءِ والتَّقْرِيبِ كَأنَّهُ إرْجاعٌ إلى مَأْوًى، وإنَّما أدْناهُ لِيَتَمَكَّنَ مِنَ الإسْرارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿إنِّي أنا أخُوكَ﴾ .
وجُمْلَةُ ﴿قالَ إنِّي أنا أخُوكَ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿آوى إلَيْهِ أخاهُ﴾، وكَلَّمَهُ بِكَلِمَةٍ مُخْتَصَرَةٍ بَلِيغَةٍ إذْ أفادَهُ أنَّهُ هو أخُوهُ الَّذِي ظَنَّهُ أكَلَهُ الذِّئْبُ. فَأكَّدَ الخَبَرَ بِـ (إنَّ) وبِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ وبِالقَصْرِ الَّذِي أفادَهُ ضَمِيرُ الفَصْلِ، أيْ (أنا) مَقْصُورَةٌ عَلى الكَوْنِ أخاكَ لا أجْنَبِيٌّ عَنْكَ، فَهو قَصْرُ قَلْبٍ لِاعْتِقادِهِ أنَّ الَّذِي كَلَّمَهُ لا قَرابَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ.
وفَرَّعَ عَلى هَذا الخَبَرِ ﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، والِابْتِئاسُ: مُطاوَعَةُ الإبْئاسِ، أيْ جَعْلُ أحَدٍ بائِسًا، أيْ صاحِبَ بُؤْسٍ.
والبُؤْسُ: هو الحُزْنُ والكَدَرُ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا التَّرْكِيبِ في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن سُورَةِ هُودٍ. والضَّمِيرانِ في (كانُوا) و(يَعْلَمُونَ) راجِعانِ إلى
صفحة ٢٧
إخْوَتِهِما بِقَرِينَةِ المَقامِ، وأرادَ بِذَلِكَ ما كانَ يَجِدُهُ أخُوهُ بِنْيامِينُ مِنَ الحُزْنِ لِهَلاكِ أخِيهِ الشَّقِيقِ وفَظاظَةِ إخْوَتِهِ وغَيْرَتِهِمْ مِنهُ.
والنَّهْيُ عَنِ الِابْتِئاسِ مُقْتَضٍ الكَفَّ عَنْهُ، أيْ أزِلْ عَنْكَ الحُزْنَ واعْتَضْ عَنْهُ بِالسُّرُورِ.
وأفادَ فِعْلُ الكَوْنِ في المُضِيِّ أنَّ المُرادَ ما عَمِلُوهُ فِيما مَضى. وأفادَ صَوْغُ (يَعْلَمُونَ) بِصِيغَةِ المُضارِعِ أنَّهُ أعْمالٌ مُتَكَرِّرَةٌ مِنَ الأذى. وفي هَذا تَهْيِئَةٌ لِنَفْسِ أخِيهِ لِتَلَقِّي حادِثِ الصُّواعِ بِاطْمِئْنانٍ حَتّى لا يَخْشى أنْ يَكُونَ بِمَحَلِّ الرِّيبَةِ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
12:70–75Page 244
فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمۡ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِي رَحۡلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا ٱلۡعِيرُ إِنَّكُمۡ لَسَٰرِقُونَ ٧٠
So when he had furnished them with their supplies, he put the [gold measuring] bowl into the bag of his brother. Then an announcer called out, "O caravan, indeed you are thieves."
قَالُواْ وَأَقۡبَلُواْ عَلَيۡهِم مَّاذَا تَفۡقِدُونَ ٧١
They said while approaching them, "What is it you are missing?"
قَالُواْ نَفۡقِدُ صُوَاعَ ٱلۡمَلِكِ وَلِمَن جَآءَ بِهِۦ حِمۡلُ بَعِيرٖ وَأَنَا۠ بِهِۦ زَعِيمٞ ٧٢
They said, "We are missing the measure of the king. And for he who produces it is [the reward of] a camel's load, and I am responsible for it."
قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدۡ عَلِمۡتُم مَّا جِئۡنَا لِنُفۡسِدَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا كُنَّا سَٰرِقِينَ ٧٣
They said, "By Allāh, you have certainly known that we did not come to cause corruption in the land, and we have not been thieves."
قَالُواْ فَمَا جَزَٰٓؤُهُۥٓ إِن كُنتُمۡ كَٰذِبِينَ ٧٤
They [the accusers] said, "Then what would be its recompense1 if you should be liars?"
قَالُواْ جَزَٰٓؤُهُۥ مَن وُجِدَ فِي رَحۡلِهِۦ فَهُوَ جَزَٰٓؤُهُۥۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلظَّٰلِمِينَ ٧٥
[The brothers] said, "Its recompense is that he in whose bag it is found - he [himself] will be its recompense.1 Thus do we recompense the wrongdoers."
﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ ﴿قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ وما كُنّا سارِقِينَ﴾ ﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهْوَ جَزاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ في الآياتِ قَبْلَ هَذِهِ. وإسْنادُ (جَعَلَ السِّقايَةَ) إلى ضَمِيرِ يُوسُفَ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، وإنَّما هو آمِرٌ بِالجَعْلِ والَّذِينَ جَعَلُوا السِّقايَةَ هُمُ العَبِيدُ المُوَكَّلُونَ بِالكَيْلِ.
والسِّقايَةُ: إناءٌ كَبِيرٌ يُسْقى بِهِ الماءُ والخَمْرُ. والصُّواعُ: لُغَةٌ في الصّاعِ، وهو وِعاءٌ لِلْكَيْلِ يُقَدَّرُ بِوَزْنِ رِطْلٍ ورُبُعٍ أوْ وثُلُثٍ. وكانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ
صفحة ٢٨
بِالمِقْدارِ، يُقَدِّرُ كُلُّ شارِبٍ لِنَفْسِهِ ما اعْتادَ أنَّهُ لا يَصْرَعُهُ، ويَجْعَلُونَ آنِيَةَ الخَمْرِ مُقَدَّرَةً بِمَقادِيرَ مُخْتَلِفَةٍ، فَيَقُولُ الشّارِبُ لِلسّاقِي: رِطْلًا أوْ صاعًا أوْ نَحْوَ ذَلِكَ. فَتَسْمِيَةُ هَذا الإناءِ سِقايَةً وتَسْمِيَتُهُ صُواعًا جارِيَةٌ عَلى ذَلِكَ. وفي التَّوْراةِ سُمِّيَ طاسًا، ووُصِفَ بِأنَّهُ مِن فِضَّةٍ.
وتَعْرِيفُ السِّقايَةِ تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّهْنِيِّ، أيْ سِقايَةٌ مَعْرُوفَةٌ لا يَخْلُو عَنْ مِثْلِها مَجْلِسُ العَظِيمِ.
وإضافَةُ الصُّواعِ إلى المَلِكِ لِتَشْرِيفِهِ، وتَهْوِيلِ سَرِقَتِهِ عَلى وجْهِ الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ شُئُونَ الدَّوْلَةِ كُلَّها لِلْمَلِكِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُطْلِقَ المَلِكُ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَعْظِيمًا لَهُ.
والتَّأْذِينُ: النِّداءُ المُكَرَّرُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.
والعِيرُ: اسْمٌ لِلْحَمُولَةِ مِن إبِلٍ وحَمِيرٍ وما عَلَيْها مِن أحْمالٍ وما مَعَها مِن رُكّابِها، فَهو اسْمٌ لِمَجْمُوعِ هَذِهِ الثَّلاثَةِ. وأُسْنِدَتِ السَّرِقَةُ إلى جَمِيعِهِمْ جَرْيًا عَلى المُعْتادِ مِن مُؤاخَذَةِ الجَماعَةِ بِجُرْمِ الواحِدِ مِنهم.
وتَأْنِيثُ اسْمِ الإشارَةِ وهو أيَّتُها لِتَأْوِيلِ العِيرِ بِمَعْنى الجَماعَةِ؛ لِأنَّ الرُّكّابَ هُمُ الأهَمُّ.
وجُمْلَةُ (قالُوا) جَوابٌ لِنِداءِ المُنادِي إيّاهم ﴿إنَّكم لَسارِقُونَ﴾، فَفُصِلَتِ الجُمْلَةُ لِأنَّها في طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ كَما تَكَرَّرَ غَيْرَ مَرَّةٍ.
وضَمِيرُ (قالُوا) عائِدٌ إلى العِيرِ.
وجُمْلَةُ ﴿وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ (قالُوا)، ومَرْجِعُ ضَمِيرِ (أقْبَلُوا) عائِدٌ إلى فِتْيانِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وضَمِيرُ (عَلَيْهِمْ) راجِعٌ
صفحة ٢٩
إلى ما رَجَعَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (قالُوا)، أيْ وقَدْ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ فِتْيانُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وجَعَلُوا جُعْلًا لِمَن يَأْتِي بِالصُّواعِ. والَّذِي قالَ ﴿وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ واحِدٌ مِنَ المُقْبِلِينَ وهو كَبِيرُهم. والزَّعِيمُ: الكَفِيلُ.
وهَذِهِ الآيَةُ قَدْ جَعَلَها الفُقَهاءُ أصْلًا لِمَشْرُوعِيَّةِ الجُعْلِ والكَفالَةِ. وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ ذا شَرْعٍ حَتّى يَسْتَأْنِسَ لِلْأخْذِ بِـ (أنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا) إذا حَكاهُ كَلامُ اللَّهِ أوْ رَسُولِهِ. ولَوْ قُدِّرَ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَوْمَئِذٍ نَبِيًّا فَلا يَثْبُتُ أنَّهُ رَسُولٌ بِشَرْعٍ، إذْ لَمْ يَثْبُتْ أنَّهُ بُعِثَ إلى قَوْمِ فِرْعَوْنَ، ولَمْ يَكُنْ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أتْباعٌ في مِصْرَ قَبْلَ وُرُودِ أبِيهِ وإخْوَتِهِ وأهْلِيهِمْ. فَهَذا مَأْخَذٌ ضَعِيفٌ.
والتّاءُ في (تاللَّهِ) حَرْفُ قَسَمٍ عَلى المُخْتارِ، ويَخْتَصُّ بِالدُّخُولِ عَلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى وعَلى لَفْظِ رَبِّ، ويَخْتَصُّ أيْضًا بِالمُقْسَمِ عَلَيْهِ العَجِيبِ. وسَيَجِيءُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
وقَوْلُهم ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ وما كُنّا سارِقِينَ﴾ . أكَّدُوا ذَلِكَ بِالقَسَمِ لِأنَّهم كانُوا وفَدَوْا عَلى مِصْرَ مَرَّةً سابِقَةً واتُّهِمُوا بِالجَوْسَسَةِ فَتَبَيَّنَتْ بَراءَتُهم بِما صَدَقُوا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما وصَفُوهُ مِن حالِ أبِيهِمْ وأخِيهِمْ. فالمُرادُ بِـ (الأرْضِ) المَعْهُودَةُ، وهي مِصْرُ.
وأمّا بَراءَتُهم مِنَ السَّرِقَةِ فَبِما أخْبَرُوا بِهِ عِنْدَ قُدُومِهِمْ مِن وِجْدانِ بِضاعَتِهِمْ في رِحالِهِمْ، ولَعَلَّها وقَعَتْ في رِحالِهِمْ غَلَطًا.
عَلى أنَّهم نَفَوْا عَنْ أنْفُسِهِمُ الِاتِّصافَ بِالسَّرِقَةِ بِأبْلَغَ مِمّا نَفَوْا بِهِ الإفْسادَ عَنْهم، وذَلِكَ بِنَفْيِ الكَوْنِ سارِقِينَ دُونَ أنْ يَقُولُوا: وما جِئْنا لِنَسْرِقَ؛ لِأنَّ السَّرِقَةَ وصْفٌ يُتَعَيَّرُ بِهِ، وأمّا الإفْسادُ الَّذِي نَفَوْهُ، أيِ التَّجَسُّسُ فَهو مِمّا يَقْصِدُهُ العَدُوُّ عَلى عَدُوِّهِ فَلا يَكُونُ عارًا، ولَكِنَّهُ اعْتِداءٌ في نَظَرِ العَدُوِّ.
صفحة ٣٠
وقَوْلُ الفِتْيانِ ﴿ما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ تَحْكِيمٌ، لِأنَّهم لا يَسَعُهم إلّا أنْ يُعَيِّنُوا جَزاءً يُؤْخَذُونَ بِهِ، فَهَذا تَحْكِيمُ المَرْءِ في ذَنْبِهِ.
ومَعْنى ما جَزاؤُهُ: ما عِقابُهُ. وضَمِيرُ (جَزاؤُهُ) عائِدٌ إلى الصُّواعِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامِ، أيْ ما جَزاءُ سارِقِهِ أوْ سَرِقَتِهِ.
ومَعْنى ﴿إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ إنْ تَبَيَّنَ كَذِبُكم بِوُجُودِ الصُّواعِ في رِحالِكم.
وقَوْلُهُ ﴿جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ (جَزاؤُهُ) الأوَّلُ مُبْتَدَأٌ، و(مَن) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً وهي مُبْتَدَأٌ ثانٍ وأنَّ جُمْلَةَ ﴿وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾ جُمْلَةُ الشَّرْطِ، وجُمْلَةَ ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ، والفاءُ رابِطَةٌ لِلْجَوابِ، والجُمْلَةُ المُرَكَّبَةُ مِنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ خَبَرٌ عَنِ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مَن) مَوْصُولَةً مُبْتَدَأً ثانِيًا، وجُمْلَةُ ﴿وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾ صِلَةَ المَوْصُولِ. والمَعْنى أنَّ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ الصُّواعُ هو جَزاءُ السَّرِقَةِ، أيْ ذاتُهُ هي جَزاءُ السَّرِقَةِ، فالمَعْنى أنَّ ذاتَهُ تَكُونُ عِوَضًا عَنْ هَذِهِ الجَرِيمَةِ، أيْ أنْ يَصِيرَ رَقِيقًا لِصاحِبِ الصُّواعِ لِيَتِمَّ مَعْنى الجَزاءِ بِذاتٍ أُخْرى. وهَذا مَعْلُومٌ مِنَ السِّياقِ إذْ لَيْسَ المُرادُ إتْلافَ ذاتِ السّارِقِ؛ لِأنَّ السَّرِقَةَ لا تَبْلُغُ عُقُوبَتُها حَدَّ القَتْلِ.
فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ تَوْكِيدًا لَفْظِيًّا لِجُمْلَةِ ﴿جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾، لِتَقْرِيرِ الحُكْمِ وعَدَمِ الِانْفِلاتِ مِنهُ، وتَكُونُ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ تَفْرِيعِ التَّأْكِيدِ عَلى المُوَكَّدِ. وقَدْ حَكَمَ إخْوَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ وتَراضَوْا عَلَيْهِ فَلَزِمَهم ما التَزَمُوهُ.
ويَظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ كانَ حُكْمًا مَشْهُورًا بَيْنَ الأُمَمِ أنْ يُسْتَرَقَّ السّارِقُ. وهو قَرِيبٌ مِنِ اسْتِرْقاقِ المَغْلُوبِ في القِتالِ. ولَعَلَّهُ كانَ حُكْمًا مَعْرُوفًا في مِصْرَ لِما سَيَأْتِي قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٦] .
وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ بَقِيَّةُ كَلامِ إخْوَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ
صفحة ٣١
أيْ كَذَلِكَ حُكْمُ قَوْمِنا في جَزاءِ السّارِقِ الظّالِمِ بِسَرِقَتِهِ، أوْ أرادُوا أنَّهُ حُكْمُ الإخْوَةِ عَلى مَن يَقْدِرُ مِنهم أنْ يُظْهِرَ الصُّواعَ في رَحْلِهِ، أيْ فَهو حَقِيقٌ لِأنْ نَجْزِيَهُ بِذَلِكَ.
والإشارَةُ بِـ (كَذَلِكَ) إلى الجَزاءِ المَأْخُوذِ مِن (نَجْزِي)، أيْ نَجْزِي الظّالِمِينَ جَزاءً كَذَلِكَ الجَزاءِ، وهو مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences