Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Ar-Ra'd 13:16–19
13:16Page 251
قُلۡ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ قُلِ ٱللَّهُۚ قُلۡ أَفَٱتَّخَذۡتُم مِّن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ لَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ نَفۡعٗا وَلَا ضَرّٗاۚ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُ أَمۡ هَلۡ تَسۡتَوِي ٱلظُّلُمَٰتُ وَٱلنُّورُۗ أَمۡ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلۡقِهِۦ فَتَشَٰبَهَ ٱلۡخَلۡقُ عَلَيۡهِمۡۚ قُلِ ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُوَ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّٰرُ ١٦
Say, "Who is Lord of the heavens and earth?" Say, "Allāh." Say, "Have you then taken besides Him allies not possessing [even] for themselves any benefit or any harm?" Say, "Is the blind equivalent to the seeing? Or is darkness equivalent to light? Or have they attributed to Allāh partners who created like His creation so that the creation [of each] seemed similar to them?"1 Say, "Allāh is the Creator of all things, and He is the One, the Prevailing."2
﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أفاتَّخَذْتُمْ مِن دُونِهِ أوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾ لَمّا نَهَضَتِ الأدِلَّةُ الصَّرِيحَةُ بِمَظاهِرِ المَوْجُوداتِ المُتَنَوِّعَةِ عَلى انْفِرادِهِ بِالإلَهِيَّةِ مِن قَوْلِهِ (﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ [الرعد: ٢]) وقَوْلِهِ (﴿وهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ﴾ [الرعد: ٣]) وقَوْلِهِ (﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى﴾ [الرعد: ٨]) وقَوْلِهِ (﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ﴾ [الرعد: ١٢]) الآياتِ، وبِما فِيها مِن دَلالَةٍ رَمْزِيَّةٍ دَقِيقَةٍ مِن قَوْلِهِ (﴿لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ﴾ [الرعد: ١٤]) وقَوْلِهِ (﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ﴾ [الرعد: ١٥]) إلى آخِرِها لا جَرَمَ تَهَيَّأ المَقامُ لِتَقْرِيرِ المُشْرِكِينَ تَقْرِيرًا لا يَجِدُونَ مَعَهُ عَنِ الإقْرارِ مَندُوحَةً، ثُمَّ لِتَقْرِيعِهِمْ عَلى الإشْراكِ تَقْرِيعًا لا يَسَعُهم إلّا تَجَرُّعُ مَرارَتِهِ، لِذَلِكَ اسْتُؤْنِفَ الكَلامُ وافْتُتِحَ بِالأمْرِ بِالقَوْلِ تَنْوِيهًا بِوُضُوحِ الحُجَّةِ.
صفحة ١١٣
ولِكَوْنِ الِاسْتِفْهامِ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ جاءَ جَوابُهُ مِن قِبَلِ المُسْتَفْهِمِ. وهَذا كَثِيرٌ في القُرْآنِ وهو مِن بَدِيعِ أسالِيبِهِ، كَقَوْلِهِ ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النبإ: ١] ﴿عَنِ النَّبَأِ العَظِيمِ﴾ [النبإ: ٢] وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ١٢] في سُورَةِ الأنْعامِ.
وإعادَةُ فِعْلِ الأمْرِ بِالقَوْلِ في ﴿قُلْ أفاتَّخَذْتُمْ مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ الَّذِي هو تَفْرِيعٌ عَلى الإقْرارِ بِأنَّ اللَّهَ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِذَلِكَ التَّفْرِيعِ لِما فِيهِ مِنَ الحُجَّةِ الواضِحَةِ.
فالِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرٌ وتَوْبِيخٌ وتَسْفِيهٌ لِرَأْيِهِمْ بِناءً عَلى الإقْرارِ المُسَلَّمِ. وفِيهِ اسْتِدْلالٌ آخَرُ عَلى عَدَمِ أهْلِيَّةِ أصْنامِهِمْ لِلْإلَهِيَّةِ فَإنَّ اتِّخاذَهم أوْلِياءَ مِن دُونِهِ مَعْلُومٌ لا يَحْتاجُ إلى الِاسْتِفْهامِ عَنْهُ.
وجُمْلَةُ (لا يَمْلِكُونَ) صِفَةٌ لِـ (أوْلِياءَ)، والمَقْصُودُ مِنها تَنْبِيهُ السّامِعِينَ لِلنَّظَرِ في تِلْكَ الصِّفَةِ فَإنَّهم إنْ تَدَبَّرُوا عَلِمُوها وعَلِمُوا أنَّ مَن كانَتْ تِلْكَ صِفَتَهُ فَلَيْسَ بِأهْلٍ لِأنْ يُعْبَدَ.
ومَعْنى المُلْكِ هُنا القُدْرَةُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ [المائدة: ٧٦] في سُورَةِ العُقُودِ. وفي الحَدِيثِ: «أوَأمْلِكُ لَكَ أنْ نَزَعَ اللَّهُ مِن قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ» .
وعَطْفُ الضُّرِّ عَلى النَّفْعِ اسْتِقْصاءٌ في عَجْزِهِمْ؛ لِأنَّ شَأْنَ الضُّرِّ أنَّهُ أقْرَبُ لِلِاسْتِطاعَةِ وأسْهَلُ.
* * *
صفحة ١١٤
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ أمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ والنُّورُ﴾
إعادَةُ الأمْرِ بِالقَوْلِ لِلِاهْتِمامِ الخاصِّ بِهَذا الكَلامِ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ إبْطالٌ لِاسْتِحْقاقِ آلِهَتِهِمُ العِبادَةَ. وهَذا إظْهارٌ لِمَزِيَّةِ المُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ عَلى أهْلِ الشِّرْكِ، ذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ (﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾) تَضَمَّنَ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ دَعا إلى إفْرادِ اللَّهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ وأنَّ المُخاطَبِينَ أثْبَتُوا الرُّبُوبِيَّةَ لِلْأصْنامِ فَكانَ حالُهم وحالُهُ كَحالِ الأعْمى والبَصِيرِ وحالِ الظُّلُماتِ والنُّورِ.
ونَفْيُ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الحالَيْنِ يَتَضَمَّنُ تَشْبِيهًا بِالحالَيْنِ وهَذا مِن صِيَغِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ.
و(أمْ) لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ في التَّشْبِيهِ، فَهي لِتَشْبِيهٍ آخَرَ بِمَنزِلَةِ أوْ في قَوْلِ لَبِيدٍ:
أوْ رَجْعُ واشِمَةٍ أُسِفَّ نُؤُورُها
وقَوْلِهِ تَعالى (﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٩]) . وأظْهَرَ حَرْفَ (هَلْ) بَعْدَ أمْ؛ لِأنَّ فِيهِ إفادَةَ تَحْقِيقِ الِاسْتِفْهامِ. وذَلِكَ لَيْسَ مِمّا تُغْنِي فِيهِ دَلالَةُ أمْ عَلى أصْلِ الِاسْتِفْهامِ ولِذَلِكَ لا تَظْهَرُ الهَمْزَةُ بَعْدَ أمْ اكْتِفاءً بِدَلالَةِ أمْ عَلى تَقْدِيرِ اسْتِفْهامٍ.
وجَمْعُ الظُّلُماتِ وإفْرادُ النُّورِ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] في أوَّلِ سُورَةِ الأنْعامِ.
واخْتِيرَ التَّشْبِيهُ في المُتَقابِلاتِ العَمى والبَصَرِ، والظُّلْمَةِ والنُّورِ، لِتَمامِ المُناسَبَةِ؛ لِأنَّ حالَ المُشْرِكِينَ أصْحابِ العَمى كَحالِ الظُّلْمَةِ في انْعِدامِ إدْراكِ
صفحة ١١٥
المُبْصَراتِ، وحالُ المُؤْمِنِينَ كَحالِ البَصَرِ في العِلْمِ وكَحالِ النُّورِ في الإفاضَةِ والإرْشادِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿تَسْتَوِي الظُّلُماتُ﴾) بِفَوْقِيَّةٍ في أوَّلِهِ مُراعاةً لِتَأْنِيثِ الظُّلُماتِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ بِتَحْتِيَّةٍ في أوَّلِهِ وذَلِكَ وجْهٌ في الجَمْعِ غَيْرِ المُذَكَّرِ السّالِمِ.
* * *
﴿أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهْوَ الواحِدُ القَهّارُ﴾
أمْ لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ في الِاسْتِفْهامِ مُقابَلَةَ قَوْلِهِ ﴿أفاتَّخَذْتُمْ مِن دُونِهِ أوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾ . فالكَلامُ بَعْدَ أمْ اسْتِفْهامٌ حُذِفَتْ أداتُهُ لِدَلالَةِ أمْ عَلَيْها. والتَّقْدِيرُ: ﴿أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾ . والتَفَتَ عَنِ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ إعْراضًا عَنْهم لِما مَضى مِن ذِكْرِ ضَلالِهِمْ.
والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهَكُّمِ والتَّغْلِيطِ. فالمَعْنى: لَوْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ يَخْلُقُونَ كَما يَخْلُقُ اللَّهُ لَكانَتْ لَهم شُبْهَةٌ في الِاغْتِرارِ واتِّخاذِهِمْ آلِهَةً، أيْ فَلا عُذْرَ لَهم في عِبادَتِهِمْ، فَجُمْلَةُ (خَلَقُوا) صِفَةٌ لِـ (شُرَكاءَ) .
وشِبْهُ جُمْلَةِ (كَخَلْقِهِ) في مَعْنى المَفْعُولِ المُطْلَقِ، أيْ خَلَقُوا خَلْقًا مِثْلَ ما خَلَقَ اللَّهُ. والخَلْقُ في المَوْضِعَيْنِ مَصْدَرٌ.
وجُمْلَةُ (فَتَشابَهَ) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾) فَهي صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِـ (شُرَكاءَ)، والرّابِطُ اللّامُ في قَوْلِهِ (الخَلْقُ) لِأنَّها عِوَضٌ عَنِ الضَّمِيرِ المُضافِ إلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: فَتَشابَهَ خَلْقُهم عَلَيْهِمْ. والوَصْفانِ هُما مَصَبُّ التَّهَكُّمِ والتَّغْلِيظِ.
وجُمْلَةُ (﴿قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾) فَذْلَكَةٌ لِما تَقَدَّمَ ونَتِيجَةٌ لَهُ، فَإنَّهُ لَمّا جاءَ الِاسْتِفْهامُ التَّوْبِيخِيُّ في (﴿أفاتَّخَذْتُمْ مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾) وفي ﴿أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ كانَ
صفحة ١١٦
بِحَيْثُ يَنْتُجُ أنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ اتَّخَذُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ والَّذِينَ تَبَيَّنَ قُصُورُهم عَنْ أنْ يَمْلِكُوا لِأنْفُسِهِمْ نَفْعًا أوْ ضَرًّا، وأنَّهم لا يَخْلُقُونَ كَخَلْقِ اللَّهِ إنْ هم إلّا مَخْلُوقاتٌ لِلَّهِ تَعالى، وأنَّ اللَّهَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وما أُولَئِكَ الأصْنامُ إلّا أشْياءُ داخِلَةٌ في عُمُومِ كُلِّ شَيْءٍ وأنَّ اللَّهَ هو المُتَوَحِّدُ بِالخَلْقِ، القَهّارُ لِكُلِّ شَيْءٍ دُونَهُ. ولِتَعَيُّنِ مَوْضُوعِ الوَحْدَةِ ومُتَعَلَّقِ القَهْرِ حُذِفَ مُتَعَلَّقُهُما. والتَّقْدِيرُ: الواحِدُ بِالخَلْقِ القَهّارُ لِلْمَوْجُوداتِ.
والقَهْرُ: الغَلَبَةُ. عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨]) في سُورَةِ الأنْعامِ.
13:17Page 251
أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَسَالَتۡ أَوۡدِيَةُۢ بِقَدَرِهَا فَٱحۡتَمَلَ ٱلسَّيۡلُ زَبَدٗا رَّابِيٗاۖ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيۡهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبۡتِغَآءَ حِلۡيَةٍ أَوۡ مَتَٰعٖ زَبَدٞ مِّثۡلُهُۥۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡحَقَّ وَٱلۡبَٰطِلَۚ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذۡهَبُ جُفَآءٗۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمۡكُثُ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ ١٧
He sends down from the sky, rain, and valleys flow according to their capacity, and the torrent carries a rising foam. And from that [ore] which they heat in the fire, desiring adornments and utensils, is a foam like it. Thus Allāh presents [the example of] truth and falsehood. As for the foam, it vanishes, [being] cast off; but as for that which benefits the people, it remains on the earth. Thus does Allāh present examples.
﴿أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا ومِمّا تُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والباطِلَ فَأمّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ في الأرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ﴾ جُمْلَةُ (﴿أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾) اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ أفادَ تَسْجِيلَ حِرْمانِ المُشْرِكِينَ مِنَ الِانْتِفاعِ بِدَلائِلِ الِاهْتِداءِ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تَهْدِيَ مَن لَمْ يَطْبَعِ اللَّهُ عَلى قَلْبِهِ فاهْتَدى بِها المُؤْمِنُونَ.
وجِيءَ في هَذا التَّسْجِيلِ بِطَرِيقَةِ ضَرْبِ المَثَلِ بِحالَيْ فَرِيقَيْنِ في تَلَقِّي شَيْءٍ واحِدٍ انْتَفَعَ فَرِيقٌ بِما فِيهِ مِن مَنافِعَ وتَعَلَّقَ فَرِيقٌ بِما فِيهِ مِن مَضارَّ. وجِيءَ في ذَلِكَ التَّمْثِيلِ بِحالَةٍ فِيها دَلالَةٌ عَلى بَدِيعِ تَصَرُّفِ اللَّهِ تَعالى لِيَحْصُلَ التَّخَلُّصُ مِن ذِكْرِ دَلائِلِ القُدْرَةِ إلى ذِكْرِ عِبَرِ المَوْعِظَةِ، فالمُرَكَّبُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّشْبِيهِ التَّمْثِيلِيِّ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ﴾ إلَخْ.
صفحة ١١٧
شُبِّهَ إنْزالُ القُرْآنِ - الَّذِي بِهِ الهُدى - مِنَ السَّماءِ بِإنْزالِ الماءِ الَّذِي بِهِ النَّفْعُ والحَياةُ مِنَ السَّماءِ. وشُبِّهَ وُرُودُ القُرْآنِ عَلى أسْماعِ النّاسِ بِالسَّيْلِ يَمُرُّ عَلى مُخْتَلَفِ الجِهاتِ فَهو يَمُرُّ عَلى التِّلالِ والجِبالِ فَلا يَسْتَقِرُّ فِيها ولَكِنَّهُ يَمْضِي إلى الأوْدِيَةِ والوِهادِ فَيَأْخُذُ مِنهُ كُلٌّ بِقَدْرِ سَعَتِهِ. وتِلْكَ السُّيُولُ في حالِ نُزُولِها تَحْمِلُ في أعالِيها زَبَدًا، وهو رَغْوَةُ الماءِ الَّتِي تَرْبُو وتَطْفُو عَلى سَطْحِ الماءِ، فَيَذْهَبُ الزَّبَدُ غَيْرَ مُنْتَفَعٍ بِهِ ويَبْقى الماءُ الخالِصُ الصّافِي يَنْتَفِعُ بِهِ النّاسُ لِلشَّرابِ والسَّقْيِ.
ثُمَّ شُبِّهَتْ هَيْئَةُ نُزُولِ الآياتِ وما تَحْتَوِي عَلَيْهِ مِن إيقاظِ النَّظَرِ فِيها فَيَنْتَفِعُ بِهِ مَن دَخَلَ الإيمانُ قُلُوبَهم عَلى مَقادِيرِ قُوَّةِ إيمانِهِمْ وعَمَلِهِمْ، ويَمُرُّ عَلى قُلُوبِ قَوْمٍ لا يَشْعُرُونَ بِهِ وهُمُ المُنْكِرُونَ المُعْرِضُونَ، ويُخالِطُ قُلُوبَ قَوْمٍ فَيَتَأمَّلُونَهُ فَيَأْخُذُونَ مِنهُ ما يُثِيرُ لَهم شُبُهاتٍ وإلْحادًا، كَقَوْلِهِمْ ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبإ: ٧]، ومِنهُ الأخْذُ بِالمُتَشابِهِ قالَ تَعالى ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧] .
شُبِّهَ ذَلِكَ كُلُّهُ بِهَيْئَةِ نُزُولِ الماءِ فانْحِدارُهُ عَلى الجِبالِ والتِّلالِ وسَيَلانُهُ في الأوْدِيَةِ عَلى اخْتِلافِ مَقادِيرِها، ثُمَّ ما يَدْفَعُ مِن نَفْسِهِ زَبَدًا لا يُنْتَفَعُ بِهِ ثُمَّ لَمْ يَلْبَثِ الزَّبَدُ أنْ ذَهَبَ وفَنِيَ والماءُ بَقِيَ في الأرْضِ لِلنَّفْعِ.
ولَمّا كانَ المَقْصُودُ التَّشْبِيهَ بِالهَيْئَةِ كُلِّها جِيءَ في حِكايَةِ ما تَرَتَّبَ عَلى إنْزالِ الماءِ بِالعَطْفِ بِفاءِ التَّفْرِيعِ في قَوْلِهِ (فَسالَتْ) وقَوْلِهِ (فاحْتَمَلَ) . فَهَذا تَمْثِيلٌ صالِحٌ لِتَجْزِئَةِ التَّشْبِيهاتِ الَّتِي تَرَكَّبَ مِنها وهو أبْلَغُ التَّمْثِيلِ.
وعَلى نَحْوِ هَذا التَّمْثِيلِ وتَفْسِيرِهِ جاءَ ما يُبَيِّنُهُ مِنَ التَّمْثِيلِ الَّذِي في قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «مَثَلُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدى والعِلْمِ كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أصابَ أرْضًا فَكانَ مِنها نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الماءَ فَأنْبَتَتِ الكَلَأ والعُشْبَ الكَثِيرَ، وكانَتْ مِنها أجادَبُ أمْسَكَتِ الماءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِها النّاسَ فَشَرِبُوا وسَقُوا
صفحة ١١٨
وزَرَعُوا، وأصابَ مِنها طائِفَةً أُخْرى إنَّما هي قِيعانٌ لا تُمْسِكُ ماءً ولا تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَن فَقِهَ في دِينِ اللَّهِ ونَفَعَهُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وعَلَّمَ، ومَثَلُ مَن لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا ولَمْ يَقْبَلْ هُدى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» .
والأوْدِيَةُ: جَمْعُ الوادِي، وهو الحَفِيرُ المُتَّسِعُ المُمْتَدُّ مِنَ الأرْضِ الَّذِي يَجْرِي فِيهِ السَّيْلُ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ بَراءَةَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ولا يَقْطَعُونَ وادِيًا إلّا كُتِبَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢١]) .
والقَدَرُ بِفَتْحَتَيْنِ، فَقَوْلُهُ (بِقَدَرِها) في مَوْضِعِ الحالِ مِن (أوْدِيَةِ)، وذَكَرَهُ لِأنَّهُ مِن مَواضِعِ العِبْرَةِ، وهو أنْ كانَتْ أخادِيدُ الأوْدِيَةِ عَلى قَدْرِ ما تَحْتَمِلُهُ مِنَ السُّيُولِ بِحَيْثُ لا تَفِيضُ عَلَيْها وهو غالِبُ أحْوالِ الأوْدِيَةِ. وهَذا الحالُ مَقْصُودٌ في التَّمْثِيلِ لِأنَّهُ حالُ انْصِرافِ الماءِ لِنَفْعٍ لا ضُرَّ مَعَهُ؛ لِأنَّ مِنَ السُّيُولِ جَواحِفَ تَجْرُفُ الزَّرْعَ والبُيُوتَ والأنْعامَ.
وأيْضًا هو دالٌّ عَلى تَفاوُتِ الأوْدِيَةِ في مَقادِيرِ المِياهِ. ولِذَلِكَ حَظٌّ مِنَ التَّشْبِيهِ وهو اخْتِلافُ النّاسِ في قابِلِيَّةِ الِانْتِفاعِ بِما نَزَلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ كاخْتِلافِ الأوْدِيَةِ في قَبُولِ الماءِ عَلى حَسَبِ ما يَسِيلُ إلَيْها مِن مَصابِّ السُّيُولِ، وقَدْ تَمَّ التَّمْثِيلُ هُنا.
وجُمْلَةُ (﴿ومِمّا تُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾) مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ (فاحْتَمَلَ) إلَخْ وجُمْلَةِ (فَأمّا الزَّبَدُ) إلَخَّ.
وهَذا تَمْثِيلٌ آخَرُ ورَدَ اسْتِطْرادًا عَقِبَ ذِكْرِ نَظِيرِهِ يُفِيدُ تَقْرِيبَ التَّمْثِيلِ لِقَوْمٍ لَمْ يُشاهِدُوا سُيُولَ الأوْدِيَةِ مِن سُكّانِ القُرى مِثْلَ أهْلِ مَكَّةَ وهُمُ المَقْصُودُ، فَقَدْ كانَ لَهم في مَكَّةَ صَوّاغُونَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الإذْخِرِ، فَقَرَّبَ إلَيْهِمْ تَمْثِيلَ عَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِما انْتَفَعَ بِهِ غَيْرُهم بِمَثَلِ ما يُصْهَرُ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ في البَواتِقِ فَإنَّهُ يَقْذِفُ زَبَدًا يَنْتَفِي عَنْهُ وهو الخَبَثُ وهو غَيْرُ صالِحٍ لِشَيْءٍ في حِينِ صَلاحِ مَعْدِنِهِ لِاتِّخاذِهِ حِلْيَةً أوْ مَتاعًا. وفي الحَدِيثِ: كَما يَنْفِي الكِيرُ
صفحة ١١٩
خَبَثَ الحَدِيدِ. فالكَلامُ مِن قَبِيلِ تَعَدُّدِ التَّشْبِيهِ القَرِيبِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] ثُمَّ قَوْلِهِ ﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٩] .
وأقْرَبُ إلى ما هُنا قَوْلُ لَبِيدٍ:
فَتَنازَعا سَبِطًا يَطِيرُ ظِلالُهُ كَدُخانِ مُشْعَلَةٍ يَشِبُّ ضِرامُها
مَشْمُولَةٍ غُلِثَتْ بِنابِتِ عَرْفَجِ ∗∗∗ كَدُخانِ نارٍ ساطِعٍ أسْنامُها
وأفادَ ذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ (﴿زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾) .
وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ عَلى المَسْنَدِ إلَيْهِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ لِلِاهْتِمامِ بِالمُسْنَدِ لِأنَّهُ مَوْضِعُ اعْتِبارٍ أيْضًا بِبَدِيعِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى إذْ جَعَلَ الزَّبَدَ يَطْفُو عَلى أرَقِّ الأجْسامِ وهو الماءُ وعَلى أغْلَظِها وهو المَعْدِنُ فَهو نامُوسٌ مِن نَوامِيسِ الخِلْقَةِ، فَبِالتَّقْدِيمِ يَقَعُ تَشْوِيقُ السّامِعِ إلى تَرَقُّبِ المُسْنَدِ إلَيْهِ.
وهَذا الِاهْتِمامُ بِالتَّشْبِيهِ يُشْبِهُ الِاهْتِمامَ بِالِاسْتِفْهامِ في قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ في وصْفِ جَهَنَّمَ: «فَإذا فِيها كَلالِيبُ مِثْلُ حَسَكِ السَّعْدانِ هَلْ رَأيْتُمْ حَسَكَ السَّعْدانِ» «.
وعَدَلَ عَنْ تَسْمِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ إلى المَوْصُولِيَّةِ بِقَوْلِهِ تَعالى» ﴿ومِمّا تُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النّارِ﴾ لِأنَّها أخْصَرُ وأجْمَعُ، ولِأنَّ الغَرَضَ في ذِكْرِ الجُمْلَةِ المَجْعُولَةِ صِلَةً. فَلَوْ ذُكِرَتْ بِكَيْفِيَّةٍ غَيْرِ صِلَةٍ كالوَصْفِيَّةِ مَثَلًا لَكانَتْ بِمَنزِلَةِ الفَضْلَةِ في الكَلامِ ولَطالَ الكَلامُ بِذِكْرِ اسْمِ المَعْدِنَيْنِ مَعَ ذِكْرِ الصِّلَةِ إذْ لا مَحِيدَ عَنْ ذِكْرِ الوَقُودِ لِأنَّهُ سَبَبُ الزَّبَدِ، فَكانَ الإتْيانُ بِالمَوْصُولِ قَضاءً لِحَقِّ ذِكْرِ الجُمْلَةِ مَعَ الِاخْتِصارِ البَدِيعِ.
ولِأنَّ في العُدُولِ عَنْ ذِكْرِ اسْمِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ إعْراضًا يُؤْذِنُ بِقِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِهِما تَرَفُّعًا عَنْ ولَعِ النّاسِ بِهِما فَإنَّ اسْمَيْهِما قَدِ اقْتَرَنا بِالتَّعْظِيمِ في عُرْفِ النّاسِ.
و(مَن) في قَوْلِهِ (﴿ومِمّا تُوقِدُونَ﴾) ابْتِدائِيَّةٌ.
صفحة ١٢٠
و(ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أوْ مَتاعٍ) مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ (تُوقِدُونَ) . ذُكِرَ لِإيضاحِ المُرادِ مِنَ الصِّلَةِ ولِإدْماجِ ما فِيهِ مِن مِنَّةِ تَسْخِيرِ ذَلِكَ لِلنّاسِ. لِشِدَّةِ رَغْبَتِهِمْ فِيهِما.
والحِلْيَةُ: ما يُتَحَلّى بِهِ، أيْ يُتَزَيَّنُ وهو المَصُوغُ. والمَتاعُ: ما يُتَمَتَّعُ بِهِ ويُنْتَفَعُ، وذَلِكَ المَسْكُوكُ الَّذِي يَتَعامَلُ بِهِ النّاسُ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (تُوقِدُونَ) بِفَوْقِيَّةٍ في أوَّلِهِ عَلى الخِطابِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ بِتَحْتِيَّةٍ عَلى الغَيْبَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والباطِلَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ. هي فَذْلَكَةُ التَّمْثِيلِ بِبَيانِ الغَرَضِ مِنهُ، أيْ مِثْلَ هَذِهِ الحالَةِ يَكُونُ ضَرْبُ مَثَلٍ لِلْحَقِّ والباطِلِ. فَمَعْنى يَضْرِبُ يُبَيِّنُ ويُمَثِّلُ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنًى يَضْرِبُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ [البقرة: ٢٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
فَحُذِفَ مُضافٌ في قَوْلِهِ (﴿يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ﴾)، والتَّقْدِيرُ: يَضْرِبُ اللَّهُ مَثَلَ الحَقِّ والباطِلِ، لِدَلالَةِ فِعْلِ يَضْرِبُ عَلى تَقْدِيرِ هَذا المُضافِ.
وحَذْفُ الجارِّ مِنَ الحَقِّ لِتَنْزِيلِ المُضافِ إلَيْهِ مَنزِلَةَ المُضافِ المَحْذُوفِ.
وقَدْ عُلِمَ أنَّ الزَّبَدَ مَثَلٌ لِلْباطِلِ وأنَّ الماءَ مَثَلٌ لِلْحَقِّ، فارْتَقى عِنْدَ ذَلِكَ إلى ما في المَثَلَيْنِ مِن صِفَتَيِ البَقاءِ والزَّوالِ لِيُتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إلى البِشارَةِ والنِّذارَةِ لِأهْلِ الحَقِّ وأهْلِ الباطِلِ بِأنَّ الفَرِيقَ الأوَّلَ هو الباقِي الدّائِمُ، وأنَّ الفَرِيقَ الثّانِيَ زائِلٌ بائِدٌ، كَقَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] إنْ في هَذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ، فَصارَ التَّشْبِيهُ تَعْرِيضًا وكِنايَةً عَنِ البِشارَةِ والنِّذارَةِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَقِبَ ذَلِكَ ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الحُسْنى والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ﴾ [الرعد: ١٨] إلَخْ كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا.
فَجُمْلَةُ (﴿فَأمّا الزَّبَدُ﴾) مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا﴾ مُفَرَّعَةٌ عَلى التَّمْثِيلِ. وافْتُتِحَتْ بِ (أمّا) لِلتَّوْكِيدِ وصَرْفِ ذِهْنِ السّامِعِ إلى الكَلامِ
صفحة ١٢١
لِما فِيهِ مِن خَفِيِّ البِشارَةِ والنِّذارَةِ، ولِأنَّهُ تَمامُ التَّمْثِيلِ. والتَّقْدِيرُ: فَذَهَبَ الزَّبَدُ جُفاءً ومَكَثَ ما يَنْفَعُ النّاسَ في الأرْضِ.
والجُفاءُ: الطَّرِيحُ المَرْمِيُّ. وهَذا وعِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِأنَّهم سَيَبِيدُونَ بِالقَتْلِ ويَبْقى المُؤْمِنُونَ.
وعُبِّرَ عَنِ الماءِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ لِلْإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ وهو البَقاءُ في الأرْضِ تَعْرِيضًا لِلْمُشْرِكِينَ بِأنْ يَعْرِضُوا أحْوالَهم عَلى مَضْمُونِ هَذِهِ الصِّلَةِ لِيَعْلَمُوا أنَّهم لَيْسُوا مِمّا يَنْفَعُ النّاسَ، وهَذِهِ الصِّلَةُ مُوازِنَةٌ لِلْوَصْفِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] .
واكْتُفِيَ بِذِكْرِ وجْهِ شَبَهِ النّافِعِ بِالماءِ وغَيْرِ النّافِعِ بِالزَّبَدِ عَنْ ذِكْرِ وجْهِ شَبَهِ النّافِعِ بِالذَّهَبِ أوِ الفِضَّةِ وغَيْرِ النّافِعِ بِزَبَدِهِما اسْتِغْناءً عَنْهُ.
وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ تَذْيِيلِيَّةٌ لِما في لَفْظِ الأمْثالِ مِنَ العُمُومِ. فَهو أعَمُّ مِن جُمْلَةِ ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والباطِلَ﴾ لِدَلالَتِها عَلى صِنْفٍ مِنَ المَثَلِ دُونَ جَمِيعِ أصْنافِهِ، فَلَمّا أُعْقِبَ بِمَثَلٍ آخَرَ وهو ﴿فَأمّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً﴾ جِيءَ بِالتَّنْبِيهِ إلى الفائِدَةِ العامَّةِ مِن ضَرْبِ الأمْثالِ. وحَصَلَ أيْضًا تَوْكِيدُ جُمْلَةِ ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والباطِلَ﴾؛ لِأنَّ العامَّ يَنْدَرِجُ فِيهِ الخاصُّ.
فَإشارَةُ كَذَلِكَ إلى التَّمْثِيلِ السّابِقِ في جُمْلَةِ ﴿أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ أيْ مَثَلُ ذَلِكَ الضَّرْبِ البَدِيعِ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ، وهو المَقْصُودُ بِهَذا التَّذْيِيلِ.
والإشارَةُ لِلتَّنْوِيهِ بِذَلِكَ المَثَلِ وتَنْبِيهِ الأفْهامِ إلى حِكْمَتِهِ وحِكْمَةِ التَّمْثِيلِ، وما فِيهِ مِنَ المَواعِظِ والعِبَرِ، وما جَمَعَهُ مِنَ التَّمْثِيلِ والكِنايَةِ التَّعْرِيضِيَّةِ، وإلى بَلاغَةِ القُرْآنِ وإعْجازِهِ، وذَلِكَ تَبْهِيجٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وتَحَدٍّ لِلْمُشْرِكِينَ، ولِيُعْلَمَ أنَّ جُمْلَةَ ﴿فَأمّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً﴾ لَمْ يُؤْتَ بِها لِمُجَرَّدِ تَشْخِيصِ دَقائِقِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ والصُّنْعِ البَدِيعِ بَلْ ولِضَرْبِ المَثَلِ، فَيُعْلَمُ المُمَثَّلُ لَهُ بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ بِالمُشْرِكِينَ
صفحة ١٢٢
والمُؤْمِنِينَ، فَيَكُونُ الكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ﴾ كَما هو شَأْنُ التَّذْيِيلِ.
13:18Page 251
لِلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَٱلَّذِينَ لَمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَهُۥ لَوۡ أَنَّ لَهُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا وَمِثۡلَهُۥ مَعَهُۥ لَٱفۡتَدَوۡاْ بِهِۦٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ سُوٓءُ ٱلۡحِسَابِ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ١٨
For those who have responded to their Lord is the best [reward], but those who did not respond to Him - if they had all that is in the earth entirely and the like of it with it, they would [attempt to] ransom themselves thereby. Those will have the worst account, and their refuge is Hell, and wretched is the resting place.
﴿لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الحُسْنى والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهم سُوءُ الحِسابِ ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِجُمْلَةِ ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ﴾ [الرعد: ١٧]، أيْ فائِدَةُ هَذِهِ الأمْثالِ أنَّ لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ حِينَ يَضْرِبُها لَهُمُ الحُسْنى إلى آخِرِهِ.
فَمُناسَبَتُهُ لِما تَقَدَّمَ مِنَ التَّمْثِيلَيْنِ أنَّهُما عائِدانِ إلى أحْوالِ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ. فَفي ذِكْرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ زِيادَةُ تَنْبِيهٍ لِلتَّمْثِيلِ ولِلْغَرَضِ مِنهُ مَعَ ما في ذَلِكَ مِن جَزاءِ الفَرِيقَيْنِ؛ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ بِما عَقَلُوا الأمْثالَ فَجُوزُوا بِالحُسْنى، وأمّا المُشْرِكُونَ فَأعْرَضُوا ولَمْ يَعْقِلُوا الأمْثالَ، قالَ تَعالى ﴿وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]، فَكانَ جَزاؤُهم عَذابًا عَظِيمًا وهو سُوءُ الحِسابِ الَّذِي عاقِبَتُهُ المَصِيرُ إلى جَهَنَّمَ. فَمَعْنى ﴿اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ﴾ اسْتَجابُوا لِدَعْوَتِهِ بِما تَضَمَّنَهُ المَثَلُ السّابِقُ وغَيْرُهُ.
وقَوْلُهُ الحُسْنى مُبْتَدَأٌ و﴿لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا﴾ خَبَرُهُ. وفي العُدُولِ إلى المَوْصُولَيْنِ وصِلَتَيْهِما في قَوْلِهِ ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا﴾ - ﴿والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ﴾ إيماءٌ إلى أنَّ الصِّلَتَيْنِ سَبَبانِ لِما حَصَلَ لِلْفَرِيقَيْنِ.
وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ في قَوْلِهِ ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الحُسْنى﴾ لِأنَّهُ الأهَمُّ؛ لِأنَّ الغَرَضَ التَّنْوِيهُ بِشَأْنِ الَّذِينَ اسْتَجابُوا مَعَ جَعْلِ الحُسْنى في مَرْتَبَةِ المُسْنَدِ إلَيْهِ، وفي ذَلِكَ تَنْوِيهٌ بِها أيْضًا.
صفحة ١٢٣
وأمّا الخَبَرُ عَنْ وعِيدِ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا فَقَدْ أُجْرِيَ عَلى أصْلِ نَظْمِ الكَلامِ في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ لِقِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِهِمْ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُ قَوْلِهِ ﴿لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٦] في سُورَةِ العُقُودِ.
وأُتِيَ بِاسْمِ الإشارَةِ في ﴿أُولَئِكَ لَهم سُوءُ الحِسابِ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِما بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الخَبَرِ بِسَبَبِ ما قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الصِّلَةِ.
وسُوءُ الحِسابِ ما يَحُفُّ بِالحِسابِ مِن إغْلاظٍ وإهانَةٍ لِلْمُحاسَبِ، وأمّا أصْلُ الحِسابِ فَهو حَسَنٌ لِأنَّهُ عَدْلٌ.
13:19Page 252
۞ أَفَمَن يَعۡلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ ٱلۡحَقُّ كَمَنۡ هُوَ أَعۡمَىٰٓۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٩
Then is he who knows that what has been revealed to you from your Lord is the truth like one who is blind? They will only be reminded who are people of understanding -
﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الحُسْنى﴾ [الرعد: ١٨] الآيَةَ. فالكَلامُ لِنَفْيِ اسْتِواءِ المُؤْمِنِ والكافِرِ في صُورَةِ الِاسْتِفْهامِ تَنْبِيهًا عَلى غَفْلَةِ الضّالِّينَ عَنْ عَدَمِ الِاسْتِواءِ، كَقَوْلِهِ ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] .
واسْتُعِيرَ لِمَن لا يَعْلَمُ أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ اسْمُ الأعْمى لِأنَّهُ انْتَفى عِلْمُهُ بِشَيْءٍ ظاهِرٍ بَيِّنٍ فَأشْبَهَ الأعْمى. فالكافُ لِلتَّشابُهِ مُسْتَعْمَلٌ في التَّماثُلِ. والِاسْتِواءُ المُرادُ بِهِ التَّماثُلُ في الفَضْلِ بِقَرِينَةِ ذِكْرِ العَمى. ولِهَذِهِ الجُمْلَةِ في المَعْنى اتِّصالٌ بِقَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ ﴿والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ﴾ [الرعد: ١] إلى لا يُؤْمِنُونَ.
وجُمْلَةُ إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ تَعْلِيلٌ لِلْإنْكارِ الَّذِي هو بِمَعْنى الِانْتِفاءِ بِأنَّ سَبَبَ عَدَمِ عِلْمِهِمْ بِالحَقِّ أنَّهم لَيْسُوا أهْلًا لِلتَّذَكُّرِ؛ لِأنَّ التَّذَكُّرَ مِن شِعارِ أُولِي الألْبابِ. أيِ العُقُولِ.
والقَصْرُ بِـ (إنَّما) إضافِيٌّ، أيْ لا غَيْرَ أُولِي الألْبابِ. فَهو تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ بِأنَّهم لا عُقُولَ لَهم إذِ انْتَفَتْ عَنْهم فائِدَةُ عُقُولِهِمْ.
صفحة ١٢٤
والألْبابُ: العُقُولُ. وتَقَدَّمَ في آخِرِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences