Ibn 'AshurAr‑Ra'd · 13:28–32

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ar-Ra'd 13:28–32

13:28–29Page 252

ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطۡمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ ٢٨

Those who have believed and whose hearts are assured by the remembrance of Allāh. Unquestionably, by the remembrance of Allāh hearts are assured."

ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ طُوبَىٰ لَهُمۡ وَحُسۡنُ مَـَٔابٖ ٢٩

Those who have believed and done righteous deeds - a good state is theirs and a good return.

صفحة ١٣٧

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ طُوبى لَهم وحُسْنُ مَآبٍ﴾

اسْتِئْنافٌ اعْتِراضِيٌّ مُناسَبَتُهُ المُضادَّةُ لِحالِ الَّذِينَ أضَلَّهُمُ اللَّهُ، والبَيانُ لِحالِ الَّذِينَ هَداهم مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مِثالَ الَّذِينَ ضَلُّوا هو عَدَمُ اطْمِئْنانِ قُلُوبِهِمْ لِذِكْرِ اللَّهِ، وهو القُرْآنُ؛ لِأنَّ قَوْلَهم ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [الرعد: ٢٧] يَتَضَمَّنُ أنَّهم لَمْ يَعُدُّوا القُرْآنَ آيَةً مِنَ اللَّهِ، ثُمَّ التَّصْرِيحُ بِجِنْسِ عاقِبَةِ هَؤُلاءِ، والتَّعْرِيضُ بِضِدِّ ذَلِكَ لِأُولَئِكَ، فَذِكْرُها عَقِبَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ يُفِيدُ الغَرَضَيْنِ ويُشِيرُ إلى السَّبَبَيْنِ. ولِذَلِكَ لَمْ يُجْعَلِ الَّذِينَ آمَنُوا بَدَلًا مِن مَن أنابَ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ تُعْطَفْ عَلى الصِّلَةِ جُمْلَةُ ﴿وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ﴾ ولا عَطْفُ وعَمِلُوا الصّالِحاتِ عَلى الصِّلَةِ الثّانِيَةِ، فَـ الَّذِينَ آمَنُوا الأوَّلُ مُبْتَدَأٌ، وجُمْلَةُ ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، والَّذِينَ آمَنُوا الثّانِي بَدَلٌ مُطابِقٌ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا الأوَّلِ، وجُمْلَةُ طُوبى لَهم خَبَرُ المُبْتَدَأِ.

والِاطْمِئْنانُ: السُّكُونُ، واسْتُعِيرَ هُنا لِلْيَقِينِ وعَدَمِ الشَّكِّ؛ لِأنَّ الشَّكَّ يُسْتَعارُ لَهُ الِاضْطِرابُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وبِذِكْرِ اللَّهِ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ خَشْيَةُ اللَّهِ ومُراقَبَتُهُ بِالوُقُوفِ عِنْدَ أمْرِهِ ونَهْيِهِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ القُرْآنُ قالَ ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤]، وهو المُناسِبُ قَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [الرعد: ٢٧] لِأنَّهم لَمْ يَكْتَفُوا بِالقُرْآنِ آيَةً عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ فَقالُوا ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [الرعد: ٢٧]، وعَلى هَذا المَعْنى جاءَ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الزُّمَرِ ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]، أيْ لِلَّذِينَ كانَ قَدْ زادَهم قَسْوَةَ قُلُوبٍ، وقَوْلُهُ في آخِرِها ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣] .

صفحة ١٣٨

والذِّكْرُ مِن أسْماءِ القُرْآنِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ ذِكْرُ اللَّهِ بِاللِّسانِ فَإنَّ إجْراءَهُ عَلى اللِّسانِ يُنَبِّهُ القُلُوبَ إلى مُراقَبَتِهِ.

وهَذا وصْفٌ لِحُسْنِ حالِ المُؤْمِنِينَ ومُقايَسَتِهِ بِسُوءِ حالَةِ الكافِرِينَ الَّذِينَ غَمَرَ الشَّكُّ قُلُوبَهم، قالَ تَعالى ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ [المؤمنون: ٦٣] .

واخْتِيرَ المُضارِعُ في تَطْمَئِنُّ مَرَّتَيْنِ لِدَلالَتِهِ عَلى تَجَدُّدِ الِاطْمِئْنانِ واسْتِمْرارِهِ وأنَّهُ لا يَتَخَلَّلُهُ شَكٌّ ولا تَرَدُّدٌ.

وافْتُتِحَتْ جُمْلَةُ ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ اهْتِمامًا بِمَضْمُونِها وإغْراءً بِوَعْيِهِ. وهي بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ لِما في تَعْرِيفِ القُلُوبُ مِنَ التَّعْمِيمِ. وفِيهِ إثارَةُ الباقِينَ عَلى الكُفْرِ عَلى أنْ يَتَّسِمُوا بِسِمَةِ المُؤْمِنِينَ مِنَ التَّدَبُّرِ في القُرْآنِ لِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُهم، كَأنَّهُ يَقُولُ: إذا عَلِمْتُمْ راحَةَ بالِ المُؤْمِنِينَ فَماذا يَمْنَعُكم بِأنْ تَكُونُوا مِثْلَهم فَإنَّ تِلْكَ في مُتَناوَلِكم؛ لِأنَّ ذِكْرَ اللَّهِ بِمَسامِعِكم.

وطُوبى: مَصْدَرٌ مِن طابَ طِيبًا إذا حَسُنَ. وهي بِوَزْنِ البُشْرى والزُّلْفى، قُلِبَتْ ياؤُها واوًا لِمُناسَبَةِ الضَّمَّةِ، أيْ لَهُمُ الخَيْرُ الكامِلُ لِأنَّهُمُ اطْمَأنَّتْ قُلُوبُهم بِالذِّكْرِ. فَهم في طِيبِ حالٍ: في الدُّنْيا بِالِاطْمِئْنانِ، وفي الآخِرَةِ بِالنَّعِيمِ الدّائِمِ وهو حُسْنُ المَئابِ وهو مَرْجِعُهم في آخِرِ أمْرِهِمْ.

وإطْلاقُ المَآبِ عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ آخِرُ أمْرِهِمْ وقَرارِهِمْ كَما أنَّ قَرارَ المَرْءِ بَيْتُهُ يَرْجِعُ إلَيْهِ بَعْدَ الِانْتِشارِ مِنهُ. عَلى أنَّهُ يُناسِبُ ما تَقَرَّرَ أنَّ الأرْواحَ مِن أمْرِ اللَّهِ، أيْ مِن عالَمِ المَلَكُوتِ وهو عالَمُ الخُلْدِ فَمَصِيرُها إلى الخُلْدِ رُجُوعٌ إلى عالَمِها الأوَّلِ. وهَذا مُقابِلُ قَوْلِهِ في المُشْرِكِينَ ﴿ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٥] .

واللّامُ في قَوْلِهِ (لَهم) لِلْمِلْكِ.

13:30Page 253

كَذَٰلِكَ أَرۡسَلۡنَٰكَ فِيٓ أُمَّةٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهَآ أُمَمٞ لِّتَتۡلُوَاْ عَلَيۡهِمُ ٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَهُمۡ يَكۡفُرُونَ بِٱلرَّحۡمَٰنِۚ قُلۡ هُوَ رَبِّي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ مَتَابِ ٣٠

Thus have We sent you to a community before which [other] communities have passed on so you might recite to them that which We revealed to you, while they disbelieve in the Most Merciful. Say, "He is my Lord; there is no deity except Him. Upon Him I rely, and to Him is my return."

صفحة ١٣٩

﴿كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هو رَبِّي لا إلَهَ إلّا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ مَتابِ﴾

هَذا الجَوابُ عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [الرعد: ٢٧]؛ لِأنَّ الجَوابَ السّابِقَ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ﴾ [الرعد: ٢٧] جَوابٌ بِالإعْراضِ عَنْ جَهالَتِهِمْ والتَّعَجُّبِ مِن ضَلالِهِمْ وما هُنا هو الجَوابُ الرّادُّ لِقَوْلِهِمْ. فَيَجُوزُ جَعْلُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِن مَقُولِ القَوْلِ. ويَجُوزُ جَعْلُها مَقْطُوعَةً عَنْ جُمْلَةِ ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ﴾ [الرعد: ٢٧]، وأيًّا ما كانَ فَهي بِمَنزِلَةِ البَيانِ لِجُمْلَةِ القَوْلِ كُلِّها، أوِ البَيانِ لِجُمْلَةِ المَقُولِ وهو التَّعَجُّبُ.

وفِي افْتِتاحِها بِقَوْلِهِ كَذَلِكَ الَّذِي هو اسْمُ إشارَةٍ تَأْكِيدٌ لِلْمُشارِ إلَيْهِ وهو التَّعَجُّبُ مِن ضَلالَتِهِمْ إذْ عَمُوا عَنْ صِفَةِ الرِّسالَةِ.

والمُشارُ إلَيْهِ: الإرْسالُ المَأْخُوذُ مِن فِعْلِ أرْسَلْناكَ، أيْ مِثْلَ الإرْسالِ البَيِّنِ أرْسَلْناكَ، فالمُشَبَّهُ بِهِ عَيْنُ المُشَبَّهِ، إشارَةً إلى أنَّهُ لِوُضُوحِهِ لا يُبَيِّنُ ما وضَحَ مِن نَفْسِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

ولَمّا كانَ الإرْسالُ قَدْ عُلِّقَ بِقَوْلِهِ ﴿فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ صارَتِ الإشارَةُ أيْضًا مُتَحَمِّلَةً لِمَعْنى إرْسالِ الرُّسُلِ مِن قَبْلِهِ إلى أُمَمٍ يَقْتَضِي مُرْسَلِينَ، أيْ ما كانَتْ رِسالَتُكَ إلّا مِثْلَ رِسالَةِ الرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ، كَقَوْلِهِ ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩] وقَوْلِهِ وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ لِإبْطالِ تَوَهُّمِ المُشْرِكِينَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَمّا لَمْ يَأْتِهِمْ بِما سَألُوهُ فَهو غَيْرُ مُرْسَلٍ مِنَ اللَّهِ. وفي هَذا الِاسْتِدْلالِ تَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ الآياتِ.

صفحة ١٤٠

ولِذَلِكَ أُرْدِفَتِ الجُمْلَةُ بِقَوْلِهِ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ.

والأُمَّةُ: هي أُمَّةُ الدَّعْوَةِ فَمِنهم مَن آمَنَ ومِنهم مَن كَفَرَ.

وتَقَدَّمَ مَعْنى ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِها أُمَمٌ﴾ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ عِنْدَ قَوْلِهِ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ، ويَتَضَمَّنُ قَوْلُهُ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِها أُمَمٌ التَّعْرِيضَ بِالوَعِيدِ بِمِثْلِ مَصِيرِ الأُمَمِ الخالِيَةِ الَّتِي كَذَّبَتْ رُسُلَها.

وتَضَمَّنَ لامُ التَّعْلِيلِ في قَوْلِهِ ﴿لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ﴾ أنَّ الإرْسالَ لِأجْلِ الإرْشادِ والهِدايَةِ بِما أمَرَ اللَّهُ لا لِأجْلِ الِانْتِصابِ لِخَوارِقِ العاداتِ.

والتِّلاوَةُ: القِراءَةُ. فالمَقْصُودُ لِتَقْرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، كَقَوْلِهِ ﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ [النمل: ٩٢] الآيَةَ.

وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ القُرْآنَ هو مُعْجِزَتُهُ لِأنَّهُ ذَكَرَهُ في مُقابَلَةِ إرْسالِ الرُّسُلِ الأوَّلِينَ ومُقابَلَةِ قَوْلِهِ ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ، وقَدْ جاءَ ذَلِكَ صَرِيحًا في قَوْلِهِ ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١]، وقالَ النَّبِيءُ ﷺ: «ما مِنَ الأنْبِياءِ نَبِيٌّ إلّا أُوتِيَ مِنَ الآياتِ ما مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ»، وإنَّما كانَ الَّذِي أُوتِيتُ وحْيًا أوْحاهُ اللَّهُ إلَيَّ، وجُمْلَةُ ﴿وهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ وكَذَلِكَ أرْسَلْناكَ، أيْ أرْسَلْناكَ بِأوْضَحِ الهِدايَةِ وهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى الكُفْرِ لَمْ تَدْخُلِ الهِدايَةُ قُلُوبَهم، فالضَّمِيرُ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ المَفْهُومِينَ مِنَ المَقامِ لا إلى أُمَّةٍ؛ لِأنَّ الأُمَّةَ مِنها مُؤْمِنُونَ.

والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في يَكْفُرُونَ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ ذَلِكَ واسْتِمْرارِهِ ومَعْنى كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ إشْراكُهم مَعَهُ غَيْرَهُ في الإلَهِيَّةِ، فَقَدْ أبْطَلُوا حَقِيقَةَ الإلَهِيَّةِ فَكَفَرُوا بِهِ.

صفحة ١٤١

واخْتِيارُ اسْمِ الرَّحْمَنِ مِن بَيْنِ أسْمائِهِ تَعالى؛ لِأنَّ كُفْرَهم بِهَذا الِاسْمِ أشَدُّ لِأنَّهم أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ اللَّهُ رَحْمانًا، قالَ تَعالى ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠] في سُورَةِ الفُرْقانِ، فَأشارَتِ الآيَةُ إلى كُفْرَيْنِ مِن كُفْرِهِمْ: جَحْدِ الوَحْدانِيَّةِ، وجَحْدِ اسْمِ الرَّحْمَنِ، ولِأنَّ لِهَذِهِ الصِّفَةِ مَزِيدَ اخْتِصاصٍ بِتَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَأْيِيدِهِ بِالقُرْآنِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ هُدًى ورَحْمَةٌ لِلنّاسِ، وقَدْ أرادُوا تَعْوِيضَهُ بِالخَوارِقِ الَّتِي لا تُكْسِبُ هَدْيًا بِذاتِها ولَكِنَّها دالَّةٌ عَلى صِدْقِ مَن جاءَ بِها.

قالَ مُقاتِلٌ وابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ حِينَ «أرادُوا أنْ يَكْتُبُوا كِتابَ الصُّلْحِ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْكاتِبِ اكْتُبْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَقالَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو: ما نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ إلّا صاحِبَ اليَمامَةِ، يَعْنِي مُسَيْلِمَةَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ»، ويُبْعِدُهُ أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ كَما تَقَدَّمَ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَزَلَتْ في كُفّارِ قُرَيْشٍ حِينَ قالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ فَنَزَلَتْ.

وقَدْ لُقِّنَ النَّبِيءُ ﷺ بِإبْطالِ كُفْرِهِمُ المَحْكِيِّ إبْطالًا جامِعًا بِأنْ يَقُولَ هو رَبِّي، فَضَمِيرُ هو عائِدٌ إلى الرَّحْمَنِ بِاعْتِبارِ المُسَمّى بِهَذا الِاسْمِ، أيِ المُسَمّى هو رَبِّي وأنَّ الرَّحْمَنَ اسْمُهُ.

وقَوْلُهُ لا إلَهَ إلّا هو إبْطالٌ لِإشْراكِهِمْ مَعَهُ في الإلَهِيَّةِ غَيْرَهُ. وهَذا مِمّا أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَهُ، فَهو احْتِراسٌ لِرَدِّ قَوْلِهِمْ: إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ يَدْعُو إلى رَبٍّ واحِدٍ وهو يَقُولُ: إنَّ رَبَّهُ اللَّهُ وإنَّ رَبَّهُ الرَّحْمَنُ، فَكانَ قَوْلُهُ لا إلَهَ إلّا هو إخْبارٌ مِن جانِبِ اللَّهِ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِراضِ.

صفحة ١٤٢

وجُمْلَةُ ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ مَتابِ﴾ هي نَتِيجَةٌ لِكَوْنِهِ رَبًّا واحِدًا. ولِكَوْنِها كالنَّتِيجَةِ لِذَلِكَ فُصِلَتْ عَنِ الَّتِي قَبْلَها لِما بَيْنَهُما مِنَ الِاتِّصالِ.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورَيْنِ وهُما عَلَيْهِ وإلَيْهِ لِإفادَةِ اخْتِصاصِ التَّوَكُّلِ والمَتابِ بِالكَوْنِ عَلَيْهِ. أيْ لا عَلى غَيْرِهِ، لِأنَّهُ لَمّا تَوَحَّدَ بِالرُّبُوبِيَّةِ كانَ التَّوَكُّلُ عَلَيْهِ، ولَمّا اتَّصَفَ بِالرَّحْمانِيَّةِ كانَ المَتابُ إلَيْهِ؛ لِأنَّ رَحْمانِيَّتَهُ مَظِنَّةٌ لِقَبُولِهِ تَوْبَةَ عَبْدِهِ.

والمَتابُ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ عَلى وزْنِ مَفْعَلٍ، أيِ التَّوْبَةُ، يُفِيدُ المُبالَغَةَ؛ لِأنَّ الأصْلَ في المَصادِرِ المِيمِيَّةِ أنَّها أسْماءُ زَمانٍ جُعِلَتْ كِنايَةً عَنِ المَصْدَرِ، ثُمَّ شاعَ اسْتِعْمالُها حَتّى صارَتْ كالصَّرِيحِ.

ولَمّا كانَ المَتابُ مُتَضَمِّنًا مَعْنى الرُّجُوعِ إلى ما يَأْمُرُ اللَّهُ بِهِ عُدِّيَ المَتابُ بِحَرْفِ إلى

وأصْلُ مَتابِ مَتابِي بِإضافَةٍ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ فَحُذِفَتِ الياءُ تَخْفِيفًا وأُبْقِيَتِ الكَسْرَةُ دَلِيلًا عَلى المَحْذُوفِ كَما حُذِفَ في المُنادى المُضافِ إلى الياءِ.

13:31Page 253

وَلَوۡ أَنَّ قُرۡءَانٗا سُيِّرَتۡ بِهِ ٱلۡجِبَالُ أَوۡ قُطِّعَتۡ بِهِ ٱلۡأَرۡضُ أَوۡ كُلِّمَ بِهِ ٱلۡمَوۡتَىٰۗ بَل لِّلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ جَمِيعًاۗ أَفَلَمۡ يَاْيۡـَٔسِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن لَّوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعٗاۗ وَلَا يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوۡ تَحُلُّ قَرِيبٗا مِّن دَارِهِمۡ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ وَعۡدُ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ ٣١

And if there was any Qur’ān [i.e., recitation] by which the mountains would be removed or the earth would be broken apart or the dead would be made to speak,1 [it would be this Qur’ān], but to Allāh belongs the affair entirely. Then have those who believed not accepted that had Allāh willed, He would have guided the people, all of them? And those who disbelieve do not cease to be struck, for what they have done, by calamity - or it will descend near their home - until there comes the promise of Allāh. Indeed, Allāh does not fail in [His] promise.

﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتى بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا﴾

يَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها أنَّ رِسالَتَهُ لَمْ تَكُنْ إلّا مِثْلَ رِسالَةِ غَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَما أشارَ إلَيْهِ صِفَةُ ﴿أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِها أُمَمٌ﴾ [الرعد: ٣٠]، فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا﴾ تَتِمَّةً لِلْجَوابِ عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [الرعد: ٢٧] .

صفحة ١٤٣

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿قُلْ هو رَبِّي﴾ [الرعد: ٣٠] وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ﴾ [الرعد: ٣٣] كَما سَيَأْتِي هُنالِكَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَحْكِيَّةً بِالقَوْلِ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿هُوَ رَبِّي لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [الرعد: ٣٠] .

والمَعْنى: لَوْ أنَّ كِتابًا مِنَ الكُتُبِ السّالِفَةِ اشْتَمَلَ عَلى أكْثَرَ مِنَ الهِدايَةِ فَكانَتْ مَصادِرَ لِإيجادِ العَجائِبِ لَكانَ هَذا القُرْآنُ كَذَلِكَ ولَكِنْ لَمْ يَكُنْ قُرْآنٌ كَذَلِكَ، فَهَذا القُرْآنُ لا يُتَطَلَّبُ مِنهُ الِاشْتِمالُ عَلى ذَلِكَ إذْ لَيْسَ ذَلِكَ مِن سُنَنِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ.

وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ. وحَذْفُ جَوابِ لَوْ كَثِيرٌ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] وقَوْلِهِ ﴿ولَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ [السجدة: ١٢] .

ويُفِيدُ ذَلِكَ مَعْنًى تَعْرِيضِيًّا بِالنِّداءِ عَلَيْهِمْ بِنِهايَةِ ضَلالَتِهِمْ، إذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهَدْيِ القُرْآنِ ودَلائِلِهِ، والحالُ لَوْ أنَّ قُرْآنًا أمَرَ الجِبالَ أنْ تَسِيرَ والأرْضَ أنْ تَتَقَطَّعَ والمَوْتى أنْ تَتَكَلَّمَ لَكانَ هَذا القُرْآنُ بالِغًا ذَلِكَ ولَكِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن شَأْنِ الكُتُبِ، فَيَكُونُ عَلى حَدِّ قَوْلِ أُبَيِّ بْنِ سُلْمى مِنَ الحَماسَةِ:

ولَوْ طارَ ذُو حافِرٍ قَبْلَها لَطارَتْ ولَكِنَّهُ لَمْ يَطِرِ

ووَجْهُ تَخْصِيصِ هَذِهِ الأشْياءِ الثَّلاثَةِ مِن بَيْنِ الخَوارِقِ المَفْرُوضَةِ ما رَواهُ الواحِدِيُّ والطَّبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ أبا جَهْلٍ وابْنَ أبِي أُمَيَّةَ جَلَسُوا خَلْفَ الكَعْبَةِ ثُمَّ أرْسَلُوا إلى النَّبِيءِ ﷺ فَقالُوا: لَوْ وسَّعْتَ لَنا جِبالَ مَكَّةَ فَسَيَّرْتَها حَتّى تَتَّسِعَ أرْضُنا فَنَحْتَرِثَها فَإنَّها ضَيِّقَةٌ، أوْ قَرِّبْ إلَيْنا الشّامَ فَإنّا نَتَّجِرُ إلَيْها، أوْ أخْرِجْ قُصَيًّا نُكَلِّمْهُ.

وقَدْ يُؤَيِّدُ هَذِهِ الرِّوايَةَ أنَّهُ تَكَرَّرَ فَرْضُ تَكْلِيمِ المَوْتى بِقَوْلِهِ في سُورَةِ الأنْعامِ ﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى﴾ [الأنعام: ١١١]، فَكانَ في ذِكْرِ

صفحة ١٤٤

هَذِهِ الأشْياءِ إشارَةٌ إلى تَهَكُّمِهِمْ. وعَلى هَذا يَكُونُ ﴿قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ﴾ قُطِّعَتْ مَسافاتُ الأسْفارِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] .

وجُمْلَةُ ﴿بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا﴾ بِحَرْفِ الإضْرابِ. أيْ لَيْسَ ذَلِكَ مِن شَأْنِ الكُتُبِ بَلْ لِلَّهِ أمْرُ كُلِّ مُحْدَثٍ فَهو الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ وهو الَّذِي يَخْلُقُ العَجائِبَ إنْ شاءَ، ولَيْسَ ذَلِكَ إلى النَّبِيءِ ﷺ ولا عِنْدَ سُؤالِكم. فَأمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِأنْ يَقُولَ هَذا الكَلامَ إجْراءً لِكَلامِهِمْ عَلى خِلافِ مُرادِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ. لِأنَّهم ما أرادُوا بِما قالُوهُ إلّا التَّهَكُّمَ، فَحُمِلَ كَلامُهم عَلى خِلافِ مُرادِهِمْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الأوْلى بِهِمْ أنْ يَنْظُرُوا هَلْ كانَ في الكُتُبِ السّابِقَةِ قُرْآنٌ يَتَأتّى بِهِ مِثْلَ ما سَألُوهُ.

ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُ الحَجّاجِ لِلْقَبَعْثَرى: لِأحْمِلَنَّكَ عَلى الأدْهَمِ يُرِيدُ القَيْدَ. فَأجابَهُ القَبَعْثَرى بِأنْ قالَ: مِثْلُ الأمِيرِ يَحْمِلُ عَلى الأدْهَمِ والأشْهَبِ، فَصَرَفَهُ إلى لَوْنِ فَرَسٍ.

والأمْرُ هُنا: التَّصَرُّفُ التَّكْوِينِيُّ، أيْ لَيْسَ القُرْآنُ ولا غَيْرُهُ بِمُكَوِّنٍ شَيْئًا مِمّا سَألْتُمْ بَلِ اللَّهُ الَّذِي يُكَوِّنُ الأشْياءَ.

وقَدْ أفادَتِ الجُمْلَتانِ المَعْطُوفَةُ والمَعْطُوفُ عَلَيْها مَعْنى القَصْرِ؛ لِأنَّ العَطْفَ بِ (بَلْ) مِن طُرُقِ القَصْرِ، فاللّامُ في قَوْلِهِ الأمْرُ لِلِاسْتِغْراقِ، وجَمِيعًا تَأْكِيدٌ لَهُ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى المُبْتَدَأِ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ؛ لِأنَّ القَصْرَ أُفِيدَ بِ (بَلْ) العاطِفَةِ.

وفُرِّعَ عَلى الجُمْلَتَيْنِ ﴿أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا﴾ اسْتِفْهامًا إنْكارِيًّا إنْكارًا لِانْتِفاءِ يَأْسِ الَّذِينَ آمَنُوا، أيْ فَهم حَقِيقُونَ بِزَوالِ يَأْسِهِمْ وأنْ يَعْلَمُوا أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا.

وفِي هَذا الكَلامِ زِيادَةُ تَقْرِيرٍ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾ [الرعد: ٢٧] .

صفحة ١٤٥

ويَيْأسِ بِمَعْنى يُوقِنُ ويَعْلَمُ، ولا يُسْتَعْمَلُ هَذا الفِعْلُ إلّا مَعَ أنَّ المَصْدَرِيَّةَ، وأصْلُهُ مُشْتَقٌّ مِنَ اليَأْسِ الَّذِي هو تَيَقُّنُ عَدَمِ حُصُولِ المَطْلُوبِ بَعْدَ البَحْثِ، فاسْتُعْمِلَ في مُطْلَقِ اليَقِينِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ المُرْسَلِ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ لِتَضَمُّنِ مَعْنى اليَأْسِ مَعْنى العِلْمِ وشاعَ ذَلِكَ حَتّى صارَ حَقِيقَةً، ومِنهُ قَوْلُ سُحَيْمِ بْنِ وثِيلٍ الرَّياحِيِّ:

أقُولُ لَهم بِالشِّعْبِ إذْ يَيْسَرُونَنِي ∗∗∗ ألَمْ تَأْيَسُوا أنِّي ابْنُ فارِسِ زَهْدَمِ

وشَواهِدُ أُخْرى.

وقَدْ قِيلَ: إنَّ اسْتِعْمالَ يَئِسَ بِمَعْنى عَلِمَ لُغَةُ هَوازِنَ أوْ لُغَةُ بَنِي وهْبِيلَ فَخِذٌ مِنِ النَّخْعِ سُمِّيَ بِاسْمِ جَدٍّ ولَيْسَ هُنالِكَ ما يُلْجِئُ إلى هَذا. هَذا إذا جُعِلَ ﴿أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ﴾ مَفْعُولًا لِ يَيْأسِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلَّقُ يَيْأسِ مَحْذُوفًا دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ. تَقْدِيرُهُ: مِن إيمانِ هَؤُلاءِ، ويَكُونُ ﴿أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ﴾ مَجْرُورًا بِلامِ تَعْلِيلٍ مَحْذُوفَةٍ. والتَّقْدِيرُ: لِأنَّهُ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ، فَيَكُونُ تَعْلِيلًا لِإنْكارِ عَدَمِ يَأْسِهِمْ عَلى تَقْدِيرِ حُصُولِهِ.

* * *

﴿ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ في تِلْكَ الجُمْلَةِ. وهي تَهْدِيدٌ بِالوَعِيدِ عَلى تَعَنُّتِهِمْ وإصْرارِهِمْ عَلى عَدَمِ الِاعْتِرافِ بِمُعْجِزَةِ القُرْآنِ، وتَهَكُّمِهِمْ بِاسْتِعْجالِ العَذابِ الَّذِي تُوُعِّدُوا بِهِ، فَهُدِّدُوا بِما سَيَحُلُّ بِهِمْ مِنَ الخَوْفِ بِحُلُولِ الكَتائِبِ والسَّرايا بِهِمْ تَنالُ الَّذِينَ حَلَّتْ فِيهِمْ وتُخِيفُ مَن حَوْلَهم حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللَّهِ بِيَوْمِ بَدْرٍ أوْ فَتْحِ مَكَّةَ.

صفحة ١٤٦

واسْتِعْمالُ لا يَزالُ في أصْلِها تَدُلُّ عَلى الإخْبارِ بِاسْتِمْرارِ شَيْءٍ واقِعٍ، فَإذا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَكِّيَّةً تَعَيَّنَ أنْ تَكُونَ نَزَلَتْ عِنْدَ وُقُوعِ بَعْضِ الحَوادِثِ المُؤْلِمَةِ بِقُرَيْشٍ مِن جُوعٍ أوْ مَرَضٍ. فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ تَنْبِيهًا لَهم بِأنَّ ذَلِكَ عِقابٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى ووَعِيدٌ بِأنَّ ذَلِكَ دائِمٌ فِيهِمْ حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللَّهِ، ولَعَلَّها نَزَلَتْ في مُدَّةِ إصابَتِهِمْ بِالسِّنِينَ السَّبْعِ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ﴾ [البقرة: ١٥٥] .

ومَن جَعَلُوا هَذِهِ السُّورَةَ مَدَنِيَّةً فَتَأْوِيلُ الآيَةِ عِنْدَهم أنَّ القارِعَةَ السَّرِيَّةُ مِن سَرايا المُسْلِمِينَ الَّتِي تَخْرُجُ لِتَهْدِيدِ قُرَيْشٍ ومَن حَوْلَهم. وهو لا مُلْجِئَ إلَيْهِ.

والقارِعَةُ: في الأصْلِ وصْفٌ مِنَ القَرْعِ. وهو ضَرْبُ جِسْمٍ بِجِسْمٍ آخَرَ. يُقالُ: قَرَعَ البابَ إذا ضَرَبَهُ بِيَدِهِ بِحَلْقَةٍ. ولَمّا كانَ القَرْعُ يُحْدِثُ صَوْتًا مُباغِتًا يَكُونُ مُزْعِجًا، لِأجْلِ تِلْكَ البَغْتَةِ صارَ القَرْعُ مَجازًا لِلْمُباغَتَةِ والمُفاجَأةِ، ومِثْلُهُ الطَّرْقُ، وصاغُوا مِن هَذا الوَصْفِ صِيغَةَ تَأْنِيثٍ إشارَةً إلى مَوْصُوفٍ مُلْتَزَمِ الحَذْفِ اخْتِصارًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، وهو ما يُؤَوَّلُ بِالحادِثَةِ أوِ الكائِنَةِ أوِ النّازِلَةِ، كَما قالُوا: داهِيَةٌ وكارِثَةٌ، أيْ نازِلَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِالإزْعاجِ فَإنَّ بَغْتَ المَصائِبِ أشَدُّ وقْعًا عَلى النَّفْسِ. ومِنهُ تَسْمِيَةُ ساعَةِ البَعْثِ بِالقارِعَةِ.

والمُرادُ هُنا الحادِثَةِ المُفْجِعَةِ بِقَرِينَةِ إسْنادِ الإصابَةِ إلَيْها. وهي مِثْلُ الغارَةِ والكارِثَةِ تَحُلُّ فِيهِمْ فَيُصِيبُهم عَذابُها، أوْ تَقَعُ بِالقُرْبِ مِنهم فَيُصِيبُهُمُ الخَوْفُ مِن تَجاوُزِها إلَيْهِمْ، فَلَيْسَ المُرادُ بِالقارِعَةِ الغَزْوَ والقِتالَ لِأنَّهُ لَمْ يُتَعارَفْ إطْلاقُ اسْمِ القارِعَةِ عَلى مَوْقِعَةِ القِتالِ. ولِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّها مِمّا نَزَلَ بِالمَدِينَةِ.

ومَعْنى ﴿بِما صَنَعُوا﴾ بِسَبَبِ فِعْلِهِمْ وهو كُفْرُهم وسُوءُ مُعامَلَتِهِمْ نَبِيَّهم، وأتى في ذَلِكَ بِالمَوْصُولِ لِأنَّهُ أشْمَلُ لِأعْمالِهِمْ.

وضَمِيرُ تَحُلُّ عائِدٌ إلى قارِعَةٌ فَيَكُونُ تَرْدِيدًا لِحالِهِمْ بَيْنَ إصابَةِ القَوارِعِ إيّاهم وبَيْنَ حُلُولِ القَوارِعِ قَرِيبًا مِن أرْضِهِمْ فَهم في رُعْبِ مِنها وفَزَعٍ.

صفحة ١٤٧

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَحُلُّ خِطابًا لِلنَّبِيِّ ﷺ أيْ أوْ تَحُلُّ أنْتَ مَعَ الجَيْشِ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ. والحُلُولُ: النُّزُولُ.

وتَحُلُّ: بِضَمِّ الحاءِ مُضارِعُ حَلَّ اللّازِمِ. وقَدِ التُزِمَ فِيهِ الضَّمُّ، وهَذا الفِعْلُ مِمّا اسْتَدْرَكَهُ بُحْرُقٌ اليَمَنِيُّ عَلى ابْنِ مالِكٍ في شَرْحِ الأفْعالِ، وهو وجِيهٌ.

ووَعْدُ اللَّهِ مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ، أيْ مَوْعُودُ اللَّهِ، وهو ما تَوَعَّدَهم بِهِ مِنَ العَذابِ، كَما في قَوْلِهِ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وبِئْسَ المِهادُ﴾ [آل عمران: ١٢]، فَأشارَتِ الآيَةُ إلى اسْتِئْصالِهِمْ لِأنَّها ذَكَرَتِ الغَلَبَ ودُخُولَ جَهَنَّمَ، فَكانَ المَعْنى أنَّهُ غَلَبَ القَتْلُ بِسُيُوفِ المُسْلِمِينَ وهو البَطْشَةُ الكُبْرى. ومِن ذَلِكَ يَوْمُ بَدْرٍ ويَوْمُ حُنَيْنٍ ويَوْمُ الفَتْحِ.

وإتْيانُ الوَعْدِ: مَجازٌ في وُقُوعِهِ وحُلُولِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللَّهِ﴾ إيذانًا بِأنَّ إتْيانَ الوَعْدِ المُغَيّا بِهِ مُحَقِّقٌ وأنَّ الغايَةَ بِهِ غايَةٌ بِأمْرٍ قَرِيبِ الوُقُوعِ. والتَّأْكِيدُ مُراعاةً لِإنْكارِ المُشْرِكِينَ.

13:32Page 253

وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٖ مِّن قَبۡلِكَ فَأَمۡلَيۡتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذۡتُهُمۡۖ فَكَيۡفَ كَانَ عِقَابِ ٣٢

And already were [other] messengers ridiculed before you, and I extended the time of those who disbelieved; then I seized them, and how [terrible] was My penalty.

﴿ولَقَدُ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَأمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَوْ أنَّ قُرْءانًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ [الرعد: ٣١] إلَخَّ؛ لِأنَّ تِلْكَ المُثُلَ الثَّلاثَةَ الَّتِي فُرِضَتْ أُرِيدَ بِها أُمُورٌ سَألَها المُشْرِكُونَ النَّبِيءَ ﷺ اسْتِهْزاءً وتَعْجِيزًا لا لِتَرَقُّبِ حُصُولِها.

وجاءَتْ عَقِبَ الجُمْلَتَيْنِ لِما فِيها مِنَ المُناسَبَةِ لَهُما مِن جِهَةِ المُثُلِ الَّتِي في الأُولى ومِن جِهَةِ الغايَةِ الَّتِي في الثّانِيَةِ.

صفحة ١٤٨

وقَدِ اسْتَهْزَأ قَوْمُ نُوحٍ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ﴾ [هود: ٣٨]، واسْتَهْزَأتْ عادٌ بِهُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٧]، واسْتَهْزَأتْ ثَمُودُ بِصالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ﴾ [الأعراف: ٦٦]، واسْتَهْزَءُوا بِشُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ أصَلَواتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ إنَّكَ لَأنَّتِ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧]، واسْتَهْزَأ فِرْعَوْنُ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] .

والِاسْتِهْزاءُ: مُبالِغَةٌ في الهَزْءِ مِثْلَ الِاسْتِسْخارِ في السُّخْرِيَةِ.

والإمْلاءُ: الإمْهالُ والتَّرْكُ مُدَّةً. ومِنهُ ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦] وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وأُمْلِي لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٨٢] في سُورَةِ الأعْرافِ.

والِاسْتِفْهامُ في ﴿فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ لِلتَّعْجِيبِ.

وعِقابِ أصْلُهُ عِقابِي مِثْلَ ما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ ﴿وإلَيْهِ مَتابِ﴾ [الرعد: ٣٠] والكَلامُ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، ووَعِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском