Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Ar-Ra'd 13:33–37
13:33Page 253
أَفَمَنۡ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡۗ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلۡ سَمُّوهُمۡۚ أَمۡ تُنَبِّـُٔونَهُۥ بِمَا لَا يَعۡلَمُ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَم بِظَٰهِرٖ مِّنَ ٱلۡقَوۡلِۗ بَلۡ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكۡرُهُمۡ وَصُدُّواْ عَنِ ٱلسَّبِيلِۗ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٖ ٣٣
Then is He who is a maintainer of every soul, [knowing] what it has earned, [like any other]? But to Allāh they have attributed partners. Say, "Name them. Or do you inform Him of that1 which He knows not upon the earth or of what is apparent [i.e., alleged] of speech?"2 Rather, their [own] plan has been made attractive to those who disbelieve, and they have been averted from the way. And whomever Allāh sends astray - there will be for him no guide.
﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهم أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهم وصَدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾
الفاءُ الواقِعَةُ بَعْدَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ مُؤَخَّرَةٌ مِن تَقْدِيمٍ؛ لِأنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ لَها الصَّدارَةُ. فَتَقْدِيرُ أصْلِ النَّظْمِ: أفَمَنَ هو قائِمٌ. فالفاءُ لِتَفْرِيعِ الِاسْتِفْهامِ
صفحة ١٤٩
ولَيْسَ اسْتِفْهامًا عَلى التَّفْرِيعِ، وذَلِكَ هو الوَجْهُ في وُقُوعِ حُرُوفِ العَطْفِ الثَّلاثَةِ الواوِ والفاءِ وثُمَّ بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ وهو رَأْيُ المُحَقِّقِينَ، خِلافًا لِمَن يَجْعَلُونَ الِاسْتِفْهامَ وارِدًا عَلى حَرْفِ العَطْفِ وما عَطَفَهُ.
فالفاءُ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلْ هو رَبِّي لا إلَهَ إلّا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [الرعد: ٣٠] المُجابِ بِهِ حِكايَةُ كَفْرِهِمُ المُضَمَّنِ في جُمْلَةِ ﴿وهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد: ٣٠]، فالتَّفْرِيعُ في المَعْنى عَلى مَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ: كُفْرِهِمْ وإيمانِ النَّبِيءِ ﷺ بِاللَّهِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَفْرِيعًا عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَوْ أنَّ قُرْءانًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ [الرعد: ٣١]، فَيَكُونُ تَرَقِّيًا في إنْكارِ سُؤالِهِمْ إتْيانَ مُعْجِزَةٍ غَيْرِ القُرْآنِ، أيْ إنْ تَعْجَبْ مِن إنْكارِهِمْ آياتِ القُرْآنِ فَإنَّ أعْجَبَ مِنهُ جَعْلُهُمُ القائِمَ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ مُماثِلًا لِمَن جَعَلُوهم لِلَّهِ شُرَكاءَ.
واعْتُرِضَ أثَرَ ذَلِكَ بِرَدِّ سُؤالِهِمْ أنْ تُسَيَّرَ الجِبالُ أوْ تُقَطَّعَ الأرْضُ أوْ تُكَلَّمَ المَوْتى، وتَذْكِيرُهم بِما حَلَّ بِالمُكَذِّبِينَ مِن قَبْلِهِمْ مَعَ إدْماجِ تَسْلِيَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، لِمَ فُرِّعَ عَلى ذَلِكَ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ.
ولِلْمُفَسِّرِينَ في تَصْوِيرِ الآيَةِ مَحامِلُ مُخْتَلِفَةٌ وكَثِيرٌ مِنها مُتَقارِبَةٌ، ومَرْجِعُ المُتَّجَهِ مِنها إلى أنَّ في النَّظْمِ حَذْفًا يَدُلُّ عَلَيْهِ ما هو مَذْكُورٌ فِيهِ، أوْ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِياقُ. والوَجْهُ في بَيانِ النَّظْمِ أنَّ التَّفْرِيعَ عَلى مَجْمُوعِ قَوْلِهِ ﴿وهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هو رَبِّي لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [الرعد: ٣٠] أيْ أنَّ كُفْرَهم بِالرَّحْمَنِ وإيمانَكَ بِأنَّهُ رَبُّكَ المَقْصُورَةَ عَلَيْهِ الرُّبُوبِيَّةُ يَتَفَرَّعُ عَلى مَجْمُوعِ ذَلِكَ اسْتِفْهامُهُمُ اسْتِفْهامَ إنْكارٍ عَلَيْهِمْ تَسْوِيَتَهم مَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِمَن لَيْسَ مِثْلُهُ مَن جَعَلُوهم لَهُ شُرَكاءَ، أيْ كَيْفَ يُشْرِكُونَهم وهم لَيْسُوا سَواءً مَعَ اللَّهِ.
وماصَدَقُ مَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ هو اللَّهُ الإلَهُ الحَقُّ الخالِقُ المُدَبِّرُ.
صفحة ١٥٠
وخَبَرُ مَن هو قائِمٌ مَحْذُوفٌ دَلَّتْ عَلَيْهِ جُمْلَةُ وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ والتَّقْدِيُ: أمَّنْ هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ ومَن جَعَلُوهم بِهِ شُرَكاءَ سَواءٌ في اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ. دَلَّ عَلى تَقْدِيرِهِ ما تَقْتَضِيهِ الشَّرِكَةُ في العِبادَةِ مِنَ التَّسْوِيَةِ في الإلَهِيَّةِ واسْتِحْقاقِ العِبادَةِ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ لِتِلْكَ التَّسْوِيَةِ المُفادِ مِن لَفْظِ شُرَكاءَ، وبِهَذا المَحْذُوفِ اسْتُغْنِيَ عَنْ تَقْدِيرِ مُعادِلٍ لِلْهَمْزَةِ كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ صاحِبُ مُغْنِي اللَّبِيبِ؛ لِأنَّ هَذا المُقَدَّرَ المَدْلُولَ عَلَيْهِ بِدَلِيلٍ خاصٍّ أقْوى فائِدَةً مِن تَقْدِيرِ المُعادِلِ الَّذِي حاصِلُهُ أنْ يَقْدِّرَ: أمْ مَن لَيْسَ كَذَلِكَ. وسَيَأْتِي قَرِيبًا بَيانُ مُوقِعِ وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ.
والعُدُولُ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ إلى المَوْصُولِ في قَوْلِهِ أفَمَن هو قائِمٌ؛ لِأنَّ في الصِّلَةِ دَلِيلًا عَلى انْتِفاءِ المُساواةِ، وتَخْطِئَةً لِأهْلِ الشِّرْكِ في تَشْرِيكِ آلِهَتِهِمْ لِلَّهِ تَعالى في الإلَهِيَّةِ، ونِداءً عَلى غَباوَتِهِمْ إذْ هم مُعْتَرِفُونَ بِأنَّ اللَّهَ هو الخالِقُ. والمُقَدَّرُ بِاعْتِقادِهِمْ ذَلِكَ هو أصْلُ إقامَةِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِمْ بِإقْرارِهِمْ، ولِما في هَذِهِ الصِّلَةِ مِنَ التَّعْرِيضِ لِما سَيَأْتِي قَرِيبًا.
والقائِمُ عَلى الشَّيْءِ: الرَّقِيبُ، فَيَشْمَلُ الحِفْظَ والإبْقاءَ والإمْدادَ، ولِتُضَمُّنِهِ مَعْنى الرَّقِيبِ عُدِّيَ بِحَرْفِ عَلى المُفِيدِ لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ. وأصْلُهُ مِنَ القِيامِ وهو المُلازَمَةُ كَقَوْلِهِ ﴿إلّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥]، ويَجِيءُ مِن مَعْنى القائِمِ أنَّهُ العَلِيمُ بِحالِ كُلِّ شَيْءٍ؛ لِأنَّ تَمامَ القَيُّومِيَّةِ يَتَوَقَّفُ عَلى إحاطَةِ العِلْمِ.
فَمَعْنى ﴿قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ﴾ مُتَوَلِّيها ومُدَبِّرُها في جَمِيعِ شُؤُونِها في الخَلْقِ والأجَلِ والرِّزْقِ، والعالَمُ بِأحْوالِها وأعْمالِها، فَكانَ إطْلاقُ وصْفِ قائِمٌ هُنا مِن إطْلاقِ المُشْتَرَكِ عَلى مَعْنَيَيْهِ. والمُشْرِكُونَ لا يُنازِعُونَ في انْفِرادِ اللَّهِ بِهَذا القِيامِ ولَكِنَّهم لا يُراعُونَ ذَلِكَ في عِبادَتِهِمْ غَيْرَهُ، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ ولِمُراعاةِ هَذا المَعْنى تَعَلَّقَ قائِمٌ بُقُولِهِ ﴿عَلى كُلِّ نَفْسٍ﴾ لِيَعُمَّ القِيامُ سائِرَ شُؤُونِها.
والباءُ في قَوْلِهِ بِما كَسَبَتْ لِلْمُلابَسَةِ. وهي في مَوْقِعِ الحالِ مِن نَفْسٍ
صفحة ١٥١
أوْ مِن قائِمٌ بِاعْتِبارِ ما يَقْتَضِيهِ القِيامُ مِنَ العِلْمِ، أيْ قِيامًا مُلابِسًا لِما عَمِلَتْهُ كُلُّ نَفْسٍ، أيْ قِيامًا وِفاقًا لِأعْمالِها مِن عَمَلِ خَيْرٍ يَقْتَضِي القِيامَ عَلَيْها بِاللُّطْفِ والرِّضى فَتَظْهَرُ آثارُ ذَلِكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لِقَوْلِهِ ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]، وقالَ ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهم ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا﴾ [النور: ٥٥]، أوْ مِن عَمَلِ شَرٍّ يَقْتَضِي قِيامَهُ عَلى النَّفْسِ بِالغَضَبِ والبَلايا. فَفي هَذِهِ الصِّلَةِ بِعُمُومِها تَبْشِيرٌ وتَهْدِيدٌ لِمَن تَأْمَّلَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ. فَهَذا تَعْرِيضٌ بِالأمْرَيْنِ لِلْفَرِيقَيْنِ أفادَتْهُ صِلَةُ المَوْصُولِ.
وجُمْلَةُ ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، والواوُ لِلْحالِ أيْ والحالُ جَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ.
وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ إظْهارٌ في مَقامِ الإتْيانِ بِضَمِيرِ مَن هو قائِمٌ، وفائِدَةُ هَذا الإظْهارِ التَّعْبِيرُ عَنِ المُسَمّى بِاسْمِهِ العَلَمِ الَّذِي هو الأصْلُ إذْ كانَ قَدْ وقَعَ الإيفاءُ بِحَقِّ العُدُولِ عَنْهُ إلى المَوْصُولِ في الجُمْلَةِ السّابِقَةِ فَتَهَيَّأ المَقامُ لِلِاسْمِ العَلَمِ، ولِيَكُونَ تَصْرِيحًا بِأنَّهُ المُرادُ مِنَ المَوْصُولِ السّابِقِ زِيادَةً في التَّصْرِيحِ بِالحُجَّةِ.
وجُمْلَةُ ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ أُعِيدَ مَعَها الأمْرُ بِالقَوْلِ لِاسْتِرْعاءِ الأفْهامِ لِوَعْيِ ما سَيُذْكَرُ. وهَذِهِ كَلِمَةٌ جامِعَةٌ، أعْنِي جُمْلَةَ سَمُّوهم، وقَدْ تَضَمَّنَتْ رَدًّا عَلَيْهِمْ. فالمَعْنى: سَمُّوهم شُرَكاءَ فَلَيْسَ لَهم حَظٌّ إلّا التَّسْمِيَةُ، أيْ دُونَ مُسَمّى الشَّرِيكِ، فالأمْرُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الإباحَةِ كِنايَةً عَنْ قِلَّةِ المُبالاةِ بِدُعائِهِمْ أنَّهم شُرَكاءُ، مِثْلَ ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً﴾ [الإسراء: ٥٠]، وكَما تَقُولُ لِلَّذِي يُخْطِئُ في كَلامِهِ: قُلْ ما شِئْتَ. والمَعْنى: إنْ هي إلّا أسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها لا مُسَمَّياتِ لَها بِوَصْفِ الإلَهِيَّةِ لِأنَّها حِجارَةٌ لا صِفاتِ لَها مِن صِفاتِ التَّصَرُّفِ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ما تُعَبِّدُونَ مِن دُونِهِ إلّا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما
صفحة ١٥٢
أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ [يوسف: ٤٠] وقَوْلُهُ ﴿إنْ هي إلّا أسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها﴾ [النجم: ٢٣]، وهَذا إفْحامٌ لَهم وتَسْفِيهٌ لِأحْلامِهِمْ بِأنَّهم ألَّهُوا ما لا حَقائِقَ لَها فَلا شُبْهَةَ لَهم في ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ [الرعد: ١٦]، وقَدْ تَمَحَّلَ المُفَسِّرُونَ في تَأْوِيلِ ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ بِما لا مُحَصِّلَ لَهُ مِنَ المَعْنى.
ثُمَّ أُضْرِبَ عَنْ ذَلِكَ بِجُمْلَةِ ﴿أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ﴾ وهي أمِ المُنْقَطِعَةُ. ودَلَّتْ أمْ عَلى أنَّ ما بَعْدَها في مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، وهو إنْكارِيٌّ تَوْبِيخِيٌّ، أيْ ما كانَ لَكم أنْ تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ فَتَضَعُوا لَهُ شُرَكاءَ لَمْ يُنْبِئْكم بِوُجُودِهِمْ، فَقَوْلُهُ ﴿بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ﴾ كِنايَةٌ عَنْ غَيْرِ المَوْجُودِ؛ لِأنَّ ما لا يَعْلَمُهُ اللَّهُ لا وُجُودَ لَهُ إذْ لَوْ كانَ مَوْجُودًا لَمْ يَخْفَ عَلى عِلْمِ العَلّامِ بِكُلِّ شَيْءٍ. وتَقْيِيدُ ذَلِكَ بِ الأرْضِ لِزِيادَةِ تَجْهِيلِهِمْ لِأنَّهُ لَوْ كانَ يَخْفى عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ لِخَفِيَ عَنْهُ ما لا يُرى ولَما خَفِيَتْ عَنْهُ مَوْجُوداتٌ عَظِيمَةٌ بِزَعْمِكم.
وفِي سُورَةِ يُونُسَ ﴿قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ [يونس: ١٨] زِيادَةٌ في التَّعْمِيمِ.
و(أمْ) الثّانِيَةُ مُتَّصِلَةٌ هي مُعادِلَةٌ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ المُقَدَّرَةَ في ﴿أمْ تُنَبِّئُونَهُ﴾، وإعادَةُ الباءِ لِلتَّأْكِيدِ بَعْدَ أمِ العاطِفَةِ. والتَّقْدِيرُ: بَلْ أتُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ بَلْ أتُنَبِّئُونَهُ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ.
ولَيْسَ الظّاهِرُ هُنا مِنَ الظُّهُورِ بِمَعْنى الوُضُوحِ بَلْ هو مُشْتَقٌّ مِنَ الظُّهُورِ بِمَعْنى الزَّوالِ كِنايَةً عَنِ البُطْلانِ، أيْ بِمُجَرَّدِ قَوْلٍ لا ثَباتَ لَهُ ولَيْسَ بِحَقٍّ، كَقَوْلِ أبِي ذُؤَيْبٍ:
وتِلْكَ شِكاةٌ ظاهِرٌ عَنْكَ عارُها وقَوْلِ سَبْرَةَ بْنِ عَمْرٍو الفَقْعَسِيِّ:
أعَيَّرْتِنا ألْبانَها ولُحُومَها ∗∗∗ وذَلِكَ عارٌ يا ابْنَ رَيْطَةَ ظاهِرٌ
صفحة ١٥٣
وقَوْلُهُ ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾ إضْرابٌ عَنَ الِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ بِإبْطالِ إلَهِيَّةِ أصْنامِهِمْ إلى كَشْفِ السَّبَبِ، وهو أنَّ أيِمَّةَ المُشْرِكِينَ زَيَّنُوا لِلَّذِينِ كَفَرُوا مَكْرَهم بِهِمْ إذْ بِهِمْ وضَعُوا لَهم عِبادَتَها.
والمَكْرُ: إخْفاءُ وسائِلِ الضُّرِّ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] في أوائِلِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وعِنْدَ قَوْلِهِ ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٩٩] في سُورَةِ الأعْرافِ، وعِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٣٠] في سُورَةِ الأنْفالِ، والمُرادُ هُنا أنَّ أيِمَّةَ الكُفْرِ مِثْلَ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ وضَعُوا لِلْعَرَبِ عِبادَةَ الأصْنامِ وحَسَّنُوها إلَيْهِمْ مُظْهِرِينَ لَهم أنَّها حَقٌّ ونَفْعٌ وما أرادُوا بِذَلِكَ إلّا أنْ يَكُونُوا قادَةً لَهم لِيَسُودُوهم ويُعَبِّدُوهم.
فَلَمّا كانَ الفِعْلُ المَبْنِيُّ لِلْمَجْهُولِ يَقْتَضِي فاعِلًا مَنوِيًّا كانَ قَوْلُهُ ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في قُوَّةِ قَوْلِكَ: زَيَّنَّ لَهم مُزَيَّنٌ. والشَّيْءُ المُزَيَّنُ بِالفَتْحِ هو الَّذِي الكَلامُ فِيهِ وهو عِبادَةُ الأصْنامِ فَهي المَفْعُولُ في المَعْنى لِفِعْلِ التَّزْيِينِ المَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ المَرْفُوعَ بَعْدَ ذَلِكَ الفِعْلِ هو المَفْعُولُ في المَعْنى، فَلا جَرَمَ أنَّ مَكْرَهم هو المَفْعُولُ في المَعْنى، فَتَعِيَّنَ أنَّ المَكْرَ مُرادٌ بِهِ عِبادَةُ الأصْنامِ. وبِهَذا يَتَّجِهُ أنْ يَكُونَ إضافَةُ مَكْرُ إلى ضَمِيرِ الكُفّارِ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى ما هو في قُوَّةِ المَفْعُولِ وهو المَجْرُورُ بِباءِ التَّعْدِيَةِ، أيِ المَكْرِ بِهِمْ مِمَّنْ زَيَّنُوا لَهم.
وقَدْ تَضَمَّنَ هَذا الِاحْتِجاجُ أسالِيبَ وخُصُوصِيّاتٍ:
أحَدُها: تَوْبِيخُهم عَلى قِياسِهِمْ أصْنامَهم عَلى اللَّهِ في إثْباتِ الإلَهِيَّةِ لَها قِياسًا فاسِدًا لِانْتِفاءِ الجِهَةِ الجامِعَةِ فَكَيْفَ يُسَوّى مَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِمَن لَيْسُوا في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ.
ثانِيها: تَبْهِيلُهم في جَعْلِهِمْ أسْماءً لا مُسَمَّياتِ لَها آلِهَةً.
ثالِثُها: إبْطالُ كَوْنِ أصْنامِهِمْ آلِهَةً بِأنْ لا يَعْلَمَها آلِهَةً، وهو كِنايَةٌ عَنَ انْتِفاءِ إلَهِيَّتِها.
صفحة ١٥٤
رابِعُها: أنَّ ادِّعاءَهم آلِهَةً مُجَرَّدُ كَلامٍ لا انْطِباقَ لَهُ مَعَ الواقِعِ، وهو قَوْلُهُ ﴿أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ﴾ .
خامِسُها: أنَّ ذَلِكَ تَمْوِيهٌ باطِلٌ رَوَّجَهُ فِيهِمْ دُعاةُ الكُفْرِ، وهو مَعْنى تَسْمِيَتِهِ مَكْرًا في قَوْلِهِ ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾ .
سادِسُها: أنَّهم يَصُدُّونَ النّاسَ عَنْ سَبِيلِ الهُدى.
وعَطْفُ (وصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ) عَلى جُمْلَةِ ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾، وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الصّادِ فَهو بِاعْتِبارِ كَوْنِ مَضْمُونِ كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ مِن أحْوالِ المُشْرِكِينَ: فالأوْلى بِاعْتِبارِ كَوْنِهِمْ مَفْعُولَيْنِ، والثّانِيَةُ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِمْ فاعِلَيْنِ لِلصَّدِّ بَعْدَ أنِ انْفَعَلُوا بِالكُفْرِ، وقَرَأهُ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ وصُدُّوا بِضَمِّ الصّادِ فَهو كَجُمْلَةِ ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في كَوْنِ مَضْمُونِ كِلْتَيْهِما جَعْلُ (الَّذِينَ كَفَرُوا) مَفْعُولًا لِلتَّزْيِينِ والصَّدِّ.
وجُمْلَةُ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ تَذْيِيلٌ لِما فِيهِ مِنَ العُمُومِ.
وتَقَدَّمَ الخِلافُ بَيْنَ الجُمْهُورِ وابْنِ كَثِيرٍ في إثْباتِ ياءِ هادٍ في حالَةِ الوَصْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ [الرعد: ٧] في هَذِهِ السُّورَةِ.
13:34Page 253
لَّهُمۡ عَذَابٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَشَقُّۖ وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٖ ٣٤
For them will be punishment in the life of [this] world, and the punishment of the Hereafter is more severe. And they will not have from Allāh any protector.
﴿لَّهم عَذابٌ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ وما لَهم مِّنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ [الرعد: ٣٣]؛ لِأنَّ هَذا التَّهْدِيدَ يُومِئُ إلى وعِيدٍ يُسْألُ عَنْهُ السّامِعُ. وفِيهِ تَكْمِلَةٌ لِلْوَعِيدِ المُتَقَدِّمِ في قَوْلِهِ ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ مَعَ زِيادَةِ الوَعِيدِ بِما بَعْدَ ذَلِكَ في الدّارِ الآخِرَةِ.
وتَنْكِيرُ عَذابٍ لِلتَّعْظِيمِ، وهو عَذابُ القَتْلِ والخِزْيِ والأسْرِ. وإضافَةُ (عَذابٌ) إلى الآخِرَةِ عَلى مَعْنى في.
صفحة ١٥٥
و(مِنَ) الدّاخِلَةُ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ لِتَعْدِيَةِ واقٍ، و(مِن) الدّاخِلَةُ عَلى واقٍ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ لِلتَّنْصِيصِ عَلى العُمُومِ.
والواقِي: الحائِلُ دُونَ الضُّرِّ، والوِقايَةُ مِنَ اللَّهِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ مِن عَذابِهِ بِقَرِينَةِ ما ذُكِرَ قَبْلَهُ.
13:35Page 254
۞ مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ أُكُلُهَا دَآئِمٞ وَظِلُّهَاۚ تِلۡكَ عُقۡبَى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْۚ وَّعُقۡبَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٱلنَّارُ ٣٥
The example [i.e., description] of Paradise, which the righteous have been promised, is [that] beneath it rivers flow. Its fruit is lasting, and its shade. That is the consequence for the righteous, and the consequence for the disbelievers is the Fire.
﴿مَّثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ أُكْلُها دائِمٌ وِظِلُّها تِلْكَ عُقْبى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَّعُقْبى الكافِرِينَ النّارُ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ يَرْتَبِطُ بُقُولِهِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ﴾ [الرعد: ٢٩] . ذُكِرَ هُنا بِمُناسَبَةِ ذِكْرِ ضِدِّهِ في قَوْلِهِ ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ﴾ [الرعد: ٣٤] .
والمَثَلُ: هُنا الصِّفَةُ العَجِيبَةُ، قِيلَ: هو حَقِيقَةٌ مِن مَعانِي المَثَلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾ [النحل: ٦٠]، وقِيلَ: هو مُسْتَعارٌ مِنَ المَثَلِ الَّذِي هو الشَّبِيهُ في حالَةٍ عَجِيبَةٍ أُطْلِقَ عَلى الحالَةِ العَجِيبَةِ غَيْرِ الشَّبِيهَةِ لِأنَّها جَدِيرَةٌ بِالتَّشْبِيهِ بِها.
وجُمْلَةُ ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ خَبَرٌ عَنْ مَثَلٍ بِاعْتِبارِ أنَّها مِن أحْوالِ المُضافِ إلَيْهِ. فَهي مِن أحْوالِ المُضافِ لِشِدَّةِ المُلابَسَةِ بَيْنَ المُتَضايِفَيْنِ، كَما يُقالُ: صِفَةُ زَيْدِ أسْمَرُ.
وجُمْلَةُ ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ خَبَرٌ ثانٍ، والأُكُلُ بِالضَّمِّ: المَأْكُولُ، وتَقَدَّمَ.
ودَوامُ الظِّلِّ كِنايَةٌ عَنِ التِفافِ الأشْجارِ بِحَيْثُ لا فَراغَ بَيْنِها تَنْفُذُ مِنهُ الشَّمْسُ، كَما قالَ تَعالى ﴿وجَنّاتٍ ألْفافًا﴾ [النبإ: ١٦]، وذَلِكَ مِن مَحامِدِ الجَنّاتِ ومَلاذِّها.
وجُمْلَةُ ﴿تِلْكَ عُقْبى الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ.
صفحة ١٥٦
والإشارَةُ إلى الجَنَّةِ بِصِفاتِها بِحَيْثُ صارَتْ كالمُشاهَدَةِ، والمَعْنى: تِلْكَ هي الَّتِي سَمِعْتُمْ أنَّها عُقْبى الدّارِ لِلَّذِينِ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ إلى قَوْلِهِ ﴿ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [الرعد: ٢٢] إلى قَوْلِهِ ﴿فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٤] هي ﴿الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ . وقَدْ عُلِمَ أنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا هُمُ المُؤْمِنُونَ الصّالِحُونَ كَما تَقَدَّمَ. وأوَّلُ مَراتِبِ التَّقْوى الإيمانُ. وجُمْلَةُ ﴿وعُقْبى الكافِرِينَ النّارُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلْمُناسَبَةِ بِالمُضادَّةِ. وهي كالبَيانِ لِجُمْلَةِ ﴿ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٥] .
13:36Page 254
وَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَفۡرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَۖ وَمِنَ ٱلۡأَحۡزَابِ مَن يُنكِرُ بَعۡضَهُۥۚ قُلۡ إِنَّمَآ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱللَّهَ وَلَآ أُشۡرِكَ بِهِۦٓۚ إِلَيۡهِ أَدۡعُواْ وَإِلَيۡهِ مَـَٔابِ ٣٦
And [the believers among] those to whom We have given the [previous] Scripture rejoice at what has been revealed to you, [O Muḥammad], but among the [opposing] factions are those who deny part of it [i.e., the Qur’ān]. Say, "I have only been commanded to worship Allāh and not associate [anything] with Him. To Him I invite, and to Him is my return."
﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ ومِنَ الأحْزابِ مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ الواوُ لِلِاسْتِئْنافِ. وهَذا اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ انْتُقِلَ بِهِ إلى فَضْلٍ لِبَعْضِ أهْلِ الكِتابِ في حُسْنِ تَلَقِّيهِمْ لِلْقُرْآنِ بَعْدَ الفَراغِ مِن ذِكْرِ أحْوالِ المُشْرِكِينَ مِن قَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ﴾ [الرعد: ٣٠] إلَخَّ، ولِذَلِكَ جاءَتْ عَلى أُسْلُوبِها في التَّعْقِيبِ بِجُمْلَةِ ﴿قُلْ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ ولا أُشْرِكَ بِهِ﴾ .
والمُناسَبَةُ هي أنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ بِالقُرْآنِ انْقَسَمُوا في التَّصْدِيقِ بِالقُرْآنِ فِرَقًا: فَفَرِيقٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، وفَرِيقٌ كَفَرُوا بِهِ وهم مِصْداقُ قَوْلِهِ ﴿وهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد: ٣٠] . كَما تَقَدَّمَ أنَّهُ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ المَفْهُومِينَ مِنَ المَقامِ كَما هو مُصْطَلَحُ القُرْآنِ.
وهَذا فَرِيقٌ آخَرُ أيْضًا أهْلُ الكِتابِ وهو مُنْقَسِمٌ أيْضًا في تَلَقِّي القُرْآنِ فِرْقَتَيْنِ: فالفَرِيقُ الأوَّلُ صَدَّقُوا بِالقُرْآنِ وفَرِحُوا بِهِ وهُمُ الَّذِينَ ذُكِرُوا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣] في سُورَةِ العُقُودِ، وكُلُّهم مِنَ النَّصارى مِثْلَ ورَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ وكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِمَّنْ بَلَغَهُمُ القُرْآنُ أيّامَ مَقامِ النَّبِيءِ ﷺ بِمَكَّةَ قَبْلَ أنْ تَبْلُغَهم دَعْوَةُ النَّبِيءِ ﷺ فَإنَّ اليَهُودَ
صفحة ١٥٧
كانُوا قَدْ سُرُّوا بِنُزُولِ القُرْآنِ مُصَدِّقًا لِلتَّوْراةِ، وكانُوا يَحْسَبُونَ دَعْوَةَ النَّبِيءِ ﷺ مَقْصُورَةً عَلى العَرَبِ فَكانَ اليَهُودُ يَسْتَظْهِرُونَ بِالقُرْآنِ عَلى المُشْرِكِينَ، قالَ تَعالى ﴿وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٨٩]، وكانَ النَّصارى يَسْتَظْهِرُونَ بِهِ عَلى اليَهُودِ؛ وفَرِيقٌ لَمْ يَثْبُتْ لَهُمُ الفَرَحُ بِالقُرْآنِ وهم مُعْظَمُ اليَهُودِ والنَّصارى البُعَداءُ عَنْ مَكَّةَ. وما كَفَرَ الفَرِيقانِ بِهِ إلّا حِينَ عَلِمُوا أنَّ دَعْوَةَ الإسْلامِ عامَّةٌ.
وبِهَذا التَّفْسِيرِ تَظْهَرُ بَلاغَةُ التَّعْبِيرِ عَنْهم بِ (يَفْرَحُونَ) دُونَ يُؤْمِنُونَ، وإنَّما سَلَكْنا هَذا الوَجْهَ بِناءً عَلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ كانَ نُزُولُها قَبْلَ أنْ يُسْلِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وسَلْمانُ الفارِسِيُّ وبَعْضُ نَصارى نَجْرانَ وبَعْضُ نَصارى اليَمَنِ. فَإنْ كانَتِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةً أوْ كانَ هَذا مِنَ المَدَنِيِّ فَلا إشْكالَ. فالمُرادُ بِالَّذِينِ آتَيْناهُمُ الكِتابَ الَّذِينَ أُوتُوهُ إيتاءً كامِلًا، وهو المُجَرَّدُ عَنِ العَصَبِيَّةِ لِما كانُوا عَلَيْهِ وعَنِ الحَسَدِ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة: ١٢١] .
فالأظْهَرُ أنَّ المُرادَ بِالأحْزابِ أحْزابُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ، كَما جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ [مريم: ٣٧] في سُورَةِ مَرْيَمَ، أيْ ومِن أحْزابِهِمْ مَن يُنْكِرُ بَعْضَ القُرْآنِ. فاللّامُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ. ولَعَلَّ هَؤُلاءِ هم خُبَثاؤُهم ودُهاتُهُمُ الَّذِينَ تَوَسَّمُوا أنَّ القُرْآنَ يُبْطِلُ شَرائِعَهم فَأنْكَرُوا بَعْضَهُ. وهو ما فِيهِ مِنِ الإيماءِ إلى ذَلِكَ مِن إبْطالِ أُصُولِ عَقائِدِهِمْ مِثْلَ عُبُودِيَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالنِّسْبَةِ لِلنَّصارى. ونُبُوءَتِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْيَهُودِ.
وفِي التَّعْبِيرِ عَنْهم بِالأحْزابِ إيماءٌ إلى أنَّ هَؤُلاءِ هُمُ المُتَحَزِّبُونَ المُتَصَلِّبُونَ لِقَوْمِهِمْ ولِما كانُوا عَلَيْهِ. وهَكَذا كانَتْ حالَةُ اضْطِرابِ أهْلِ الكِتابِ عِنْدَما دَمْغَتْهم بَعْثَةُ النَّبِيءِ ﷺ وأخَذَ أمْرُ الإسْلامِ يَفْشُو.
* * *
صفحة ١٥٨
﴿قُلْ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ ولا أُشْرِكَ بِهِ إلَيْهِ أدْعُو وإلَيْهِ مَآبِ﴾ أُمِرَ النَّبِيءُ ﷺ أنْ يُعْلِنَ لِلْفَرِيقَيْنِ بِأنَّهُ ما أُمِرَ إلّا بِتَوْحِيدِ اللَّهِ كَما في الآيَةِ الأُخْرى﴿قُلْ يَأْهَلُ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤]، فَمَن فَرِحَ بِالقُرْآنِ فَلْيَزْدَدْ فَرَحًا ومَن أنْكَرَ بَعْضَهُ فَلْيَأْخُذْ بِما لا يُنْكِرُهُ وهو عَدَمُ الإشْراكِ. وقَدْ كانَ النَّصارى يَتَبَرَّءُونَ مِنَ الشِّرْكِ ويَعُدُّونَ اعْتِقادَ بُنُوَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ غَيْرَ شِرْكٍ.
وهَذِهِ الآيَةُ مِن مُجاراةِ الخَصْمِ واسْتِنْزالِ طائِرِ نَفْسِهِ كَيْلا يَنْفِرَ مِنَ النَّظَرِ. وبِهَذا التَّفْسِيرِ يَظْهَرُ مَوْقِعَ جُمْلَةِ﴿قُلْ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ﴾ بَعْدَ جُمْلَةِ ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَفْرَحُونَ﴾ وأنَّها جَوابٌ لِلْفَرِيقَيْنِ.
وأفادَتْ إنَّما أنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ إلّا بِأنْ يَعْبُدَ اللَّهَ ولا يُشْرِكَ بِهِ، أيْ لا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا عَلَيْهِ المُشْرِكُونَ، فَهو قَصْرٌ إضافِيٌّ دَلَّتْ عَلَيْهِ القَرِينَةُ.
ولَمّا كانَ المَأْمُورُ بِهِ مَجْمُوعَ شَيْئَيْنِ: عِبادَةَ اللَّهِ، وعَدَمَ الإشْراكِ بِهِ في ذَلِكَ آلَ المَعْنى: أنِّي ما أُمِرْتُ إلّا بِتَوْحِيدِ اللَّهِ.
ومِن بَلاغَةِ الجَدَلِ القُرْآنِيِّ أنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ مِن أوَّلِ الكَلامِ بَلْ أتى بِهِ مُتَدَرِّجًا فِيهِ فَقالَ ﴿أنْ أعْبُدَ اللَّهَ﴾ لِأنَّهُ لا يُنازِعُ في ذَلِكَ أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ، ثُمَّ جاءَ بَعْدَهُ ﴿ولا أُشْرِكَ بِهِ﴾ لِإبْطالِ إشْراكِ المُشْرِكِينَ ولِلتَّعْرِيضِ بِإبْطالِ إلَهِيَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ ادِّعاءَ بُنُوَّتِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى يَؤُولُ إلى الإشْراكِ.
وجُمْلَةُ ﴿إلَيْهِ أدْعُو وإلَيْهِ مَئابِ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ ولا أُشْرِكَ بِهِ﴾، أيْ أنْ أعْبُدَهُ وأنْ أدْعُوَ النّاسَ إلى ذَلِكَ، لِأنَّهُ لَمّا أمُرَ بِذَلِكَ مِن قِبَلِ اللَّهِ اسْتُفِيدَ أنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ فَهو مَأْمُورٌ بِالدَّعْوَةِ إلَيْهِ.
صفحة ١٥٩
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في المَوْضِعَيْنِ لِلِاخْتِصاصِ، أيْ إلَيْهِ لا إلى غَيْرِهِ أدْعُو، أيْ بِهَذا القُرْآنِ، وإلَيْهِ لا إلى غَيْرِهِ مَئابِي، فَإنَّ المُشْرِكِينَ يُرْجِعُونَ في مُهِمَّهم إلى الأصْنامِ يَسْتَنْصِرُونَها ويَسْتَغِيثُونَها، ولَيْسَ في قَوْلِهِ هَذا ما يُنْكِرُهُ أهْلُ الكِتابِ إذْ هو مِمّا كانُوا فِيهِ سَواءً مَعَ الإسْلامِ. عَلى أنَّ قَوْلَهُ وإلَيْهِ مَئابِ يَعُمُّ الرُّجُوعَ في الآخِرَةِ وهو البَعْثُ. وهَذا مِن وُجُوهِ الوِفاقِ في أصْلِ الدِّينِ بَيْنَ الإسْلامِ واليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ.
وحَذْفُ ياءِ المُتَكَلِّمُ مِن مَئابِي كَحَذْفِها في قَوْلِهِ ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ مَتابِ﴾ [الرعد: ٣٠]، وقَدْ مَضى قَرِيبًا.
13:37Page 254
وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَٰهُ حُكۡمًا عَرَبِيّٗاۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم بَعۡدَ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا وَاقٖ ٣٧
And thus We have revealed it as an Arabic legislation.1 And if you should follow their inclinations after what has come to you of knowledge, you would not have against Allāh any ally or any protector.
﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم بَعْدَما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا واقٍ﴾ اعْتِراضٌ وعَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [الرعد: ٣٦] . لَمّا ذَكَرَ حالُ تَلَقِّي أهْلِ الكِتابَيْنِ لِلْقُرْآنِ عِنْدَ نُزُولِهِ عَرَّجَ عَلى حالِ العَرَبِ في ذَلِكَ بِطَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ بِسُوءِ تَلَقِّي مُشْرِكِيهِ لَهُ مَعَ أنَّهم أوْلى النّاسِ بِحُسْنِ تَلَقِّيهِ إذْ نَزَلَ بِلِسانِهِمْ مُشْتَمِلًا عَلى ما فِيهِ صَلاحُهم وتَنْوِيرُ عُقُولِهِمْ. وقَدْ جُعِلَ أهَمَّ هَذا الغَرَضِ التَّنْوِيهُ بِعُلُوِّ شَأْنِ القُرْآنِ لَفْظًا ومَعْنًى. وأُدْمِجَ في ذَلِكَ تَعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ.
والقَوْلُ في اسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ وكَذَلِكَ مِثْلَ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ﴾ [الرعد: ٣٠] .
وضَمِيرُ الغائِبِ في أنْزَلْناهُ عائِدٌ إلى ما أُنْزِلَ إلَيْكَ في قَوْلِهِ ﴿يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [الرعد: ٣٦] .
صفحة ١٦٠
والجارُّ والمَجْرُورُ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ نائِبٌ عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ. والتَّقْدِيرُ: أنْزَلْناهُ إنْزالًا كَذَلِكَ الإنْزالُ.
و﴿حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ حالانِ مِن ضَمِيرِ أنْزَلْناهُ، والحُكْمُ: هُنا بِمَعْنى الحِكْمَةِ كَما في قَوْلِهِ ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢]، وجُعِلَ نَفْسُ الحُكْمِ حالًا مِنهُ مُبالَغَةً. والمُرادُ أنَّهُ ذُو حُكْمٍ، أيْ حِكْمَةٍ. والحِكْمَةُ تَقَدَّمَتْ.
و(عَرَبِيًّا) حالٌ ثانِيَةٌ ولَيْسَ صِفَةً لِ (حُكْمًا) إذِ الحِكْمَةُ لا تُوصَفُ بِالنِّسْبَةِ إلى الأُمَمِ وإنَّما المَعْنى أنَّهُ حِكْمَةٌ مُعَبَّرٌ عَنْها بِالعَرَبِيَّةِ. والمَقْصُودُ أنَّهُ بِلُغَةِ العَرَبِ الَّتِي هي أفْصَحُ اللُّغاتِ وأجْمَلُها وأسْهَلُها، وفي ذَلِكَ إعْجازُهُ. فَحَصَلَ لِهَذا الكِتابِ كِمالانِ: كَمالٌ مِن جِهَةِ مَعانِيهِ ومَقاصِدِهِ وهو كَوْنُهُ حُكْمًا، وكَمالٌ مِن جِهَةِ ألْفاظِهِ وهو المُكَنّى عَنْهُ بِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا، وذَلِكَ ما لَمْ يَبْلُغْ إلَيْهِ كِتابٌ قَبْلَهُ؛ لِأنَّ الحِكْمَةَ أشْرَفُ المَعْقُولاتِ فَيُناسِبُ شَرَفَها أنْ يَكُونَ إبْلاغُها بِأشْرَفِ لُغَةٍ وأصْلَحِها لِلتَّعْبِيرِ عَنِ الحِكْمَةِ، قالَ تَعالى ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢] ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٤] ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] .
ثُمَّ في كَوْنِهِ عَرَبِيًّا امْتِنانٌ عَلى العَرَبِ المُخاطَبِينَ بِهِ ابْتِداءً بِأنَّهُ بِلُغَتِهِمْ وبِأنَّ في ذَلِكَ حُسْنَ سُمْعَتِهِمْ، فَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأفْنِ رَأْيِ الكافِرِينَ مِنهم إذْ لَمْ يَشْكُرُوا هَذِهِ النِّعْمَةَ كَما قالَ تَعالى ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكم أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠] . قالَ مالِكٌ: فِيهِ بَقاءُ ذِكْرِكم.
وجُمْلَةُ ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم بَعْدَما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، واللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقِسْمِ، وضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ أهْواءَهم عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِنَ السِّياقِ وهُمُ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ وُجِّهَ إلَيْهِمُ الكَلامُ.
واتِّباعُ أهْوائِهِمْ يَحْتَمِلُ السَّعْيَ لِإجابَةِ طَلَبَتِهِمْ إنْزالَ آيَةٍ غَيْرِ القُرْآنِ تَحْذِيرًا مِن أنْ يَسْألَ اللَّهُ إجابَتَهم لِما طَلَبُوهُ كَما قالَ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦] .
صفحة ١٦١
ومَعْنى ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ ما بَلَغَكَ وعُلِّمْتَهُ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالمَوْصُولِ القُرْآنُ تَنْوِيهًا بِهِ، أيْ: لَئِنْ شايَعْتَهم فَسَألْتَنا آيَةً غَيْرَ القُرْآنِ بَعْدَ أنْ نُزِّلَ عَلَيْكَ القُرْآنُ، أوْ بَعْدَ أنْ أعْلَمْناكَ أنّا غَيْرُ مُتَنازِلِينَ لِإجابَةِ مُقْتَرَحاتِهِمْ. ويُحْتَمَلُ اتِّباعُ دِينِهِمْ فَإنَّ دِينَهم أهْواءٌ ويَكُونُ ماصَدَقَ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ هو دِينُ الإسْلامِ.
والوَلِيُّ: النَّصِيرُ. والواقِي: المُدافِعُ.
وجُعِلَ نَفْيُ الوَلِيِّ والنَّصِيرِ جَوابًا لِلشَّرْطِ كِنايَةً عَنِ الجَوابِ، وهو المُؤاخَذَةُ والعُقُوبَةُ.
والمَقْصُودُ مِن هَذا تَحْذِيرُ المُسْلِمِينَ مِن أنْ يَرْكَنُوا إلى تَمْوِيهاتِ المُشْرِكِينَ، والتَّحْذِيرُ مِنَ الرُّجُوعِ إلى دِينِهِمْ تَهْيِيجًا لِتَصَلُّبِهِمْ في دِينِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، وتَأْيِيسُ المُشْرِكِينَ مِنَ الطَّمَعِ في مَجِيءِ آيَةٍ تُوافِقُ مُقْتَرَحاتِهِمْ.
و(مِن) الدّاخِلَةُ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ تَتَعَلَّقُ بِـ ولِيٍّ وواقٍ، و(مِن) الدّاخِلَةُ عَلى ولِيٍّ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ تَنْصِيصًا عَلى العُمُومِ. وتَقَدَّمَ الخِلافُ بَيْنَ الجُمْهُورِ وابْنِ كَثِيرٍ في حَذْفِهِمْ ياءَ واقٍ في حالَتَيِ الوَصْلِ والوَقْفِ وإثْباتِ ابْنِ كَثِيرٍ الياءَ في حالَةِ الوَقْفِ دُونَ الوَصْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى﴿ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ [الرعد: ٧] في هَذِهِ السُّورَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences