Ibn 'AshurAr‑Ra'd · 13:5–10

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ar-Ra'd 13:5–10

13:5Page 249

۞ وَإِن تَعۡجَبۡ فَعَجَبٞ قَوۡلُهُمۡ أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبًا أَءِنَّا لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدٍۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلۡأَغۡلَٰلُ فِيٓ أَعۡنَاقِهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٥

And if you are astonished,1 [O Muḥammad] - then astonishing is their saying, "When we are dust, will we indeed be [brought] into a new creation?" Those are the ones who have disbelieved in their Lord, and those will have shackles2 upon their necks, and those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.

صفحة ٨٩

﴿وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهم أئِذا كُنّا تُرابًا إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وأُولَئِكَ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ [الرعد: ٢] فَلَمّا قُضِيَ حَقُّ الِاسْتِدْلالِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ نُقِلَ الكَلامُ إلى الرَّدِّ عَلى مُنْكِرِي البَعْثِ وهو غَرَضٌ مُسْتَقِلٌّ مَقْصُودٌ مِن هَذِهِ السُّورَةِ. وقَدْ أُدْمِجَ ابْتِداءً خِلالَ الِاسْتِدْلالِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ بِقَوْلِهِ ﴿لَعَلَّكم بِلِقاءِ رَبِّكم تُوقِنُونَ﴾ [الرعد: ٢] تَمْهِيدًا لِما هُنا، ثُمَّ نُقِلَ الكَلامُ إلَيْهِ بِاسْتِقْلالِهِ بِمُناسَبَةِ التَّدْلِيلِ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ مُسْتَخْرَجًا مِنَ الأدِلَّةِ السّابِقَةِ عَلَيْهِ أيْضًا كَقَوْلِهِ ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: ١٥] وقَوْلِهِ ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] فَصِيغَ بِصِيغَةِ التَّعْجِيبِ مِن إنْكارِ مُنْكِرِي البَعْثِ؛ لِأنَّ الأدِلَّةَ السّالِفَةَ لَمْ تَبْقَ عُذْرًا لَهم في ذَلِكَ فَصارَ في إنْكارِهِمْ مَحَلُّ عَجَبِ المُتَعَجِّبِ.

فَلَيْسَ المَقْصُودُ مِنَ الشَّرْطِ في مِثْلِ هَذا تَعْلِيقَ حُصُولِ مَضْمُونِ جَوابِ الشَّرْطِ عَلى حُصُولِ فِعْلِ الشَّرْطِ كَما شَأْنُ الشُّرُوطِ؛ لِأنَّ كَوْنَ قَوْلِهِمْ ﴿أإذا كُنّا تُرابًا﴾ عَجَبًا أمْرٌ ثابِتٌ سَواءٌ عُجِبَ مِنَ المُتَعَجِّبِ أمْ لَمْ يُعْجَبْ، ولَكِنَّ المَقْصُودَ أنَّهُ إنْ كانَ اتِّصافٌ بِتَعَجُّبٍ فَقَوْلُهم ذَلِكَ هو أسْبَقُ مِن كُلِّ عَجَبٍ لِكُلِّ مُتَعَجِّبٍ، ولِذَلِكَ فالخِطابُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُوَجَّهًا إلى النَّبِيءِ ﷺ وهو المُناسِبُ بِما وقَعَ بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ [الرعد: ٦] وما بَعْدَهُ مِنَ الخِطابِ الَّذِي لا يَصْلُحُ لِغَيْرِ النَّبِيءِ ﷺ . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ هُنا لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ مِثْلَ ﴿ولَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ [السجدة: ١٢] .

والفِعْلُ الواقِعُ في سِياقِ الشَّرْطِ لا يُقْصَدُ تَعَلُّقُهُ بِمَعْمُولٍ مُعَيَّنٍ فَلا يُقَدَّرُ: إنْ تَعْجَبْ مِن قَوْلٍ أوْ إنْ تَعْجَبْ مِن إنْكارٍ، بَلْ يُنَزَّلُ الفِعْلُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ ولا يُقَدَّرُ لَهُ مَفْعُولٌ. والتَّقْدِيرُ: إنْ يَكُنْ مِنكَ تَعَجُّبٌ فاعْجَبْ مِن قَوْلِهِمْ الَخْ. . .

صفحة ٩٠

عَلى أنَّ وُقُوعَ الفِعْلِ في سِياقِ الشَّرْطِ يُشْبِهُ وُقُوعَهُ في سِياقِ النَّفْيِ فَيَكُونُ لِعُمُومِ المَفاعِيلِ في المَقامِ الخِطابِيِّ، أيْ إنْ تَعْجَبْ مِن شَيْءٍ فَعَجَبٌ قَوْلُهم. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ (وإنْ تَعْجَبْ) إلَخْ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الرعد: ١] . فالتَّقْدِيرُ: إنْ تَعْجَبْ مِن عَدَمِ إيمانِهِمْ بِأنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ، فَعَجَبٌ إنْكارُهُمُ البَعْثَ.

وفائِدَةُ هَذا هو التَّشْوِيقُ لِمَعْرِفَةِ المُتَعَجَّبِ مِنهُ تَهْوِيلًا لَهُ أوْ نَحْوَهُ، ولِذَلِكَ فالتَّنْكِيرُ في قَوْلِهِ (فَعَجَبٌ) لِلتَّنَوُّعِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ أنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ صالِحٌ لِلتَّعْجِيبِ مِنهُ، ثُمَّ هو يُفِيدُ مَعْنى التَّعْظِيمِ في بابِهِ تَبَعًا لِما أفادَهُ التَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ مِنَ التَّشْوِيقِ.

والِاسْتِفْهامُ في ﴿أإذا كُنّا تُرابًا﴾ إنْكارِيٌّ، لِأنَّهم مُوقِنُونَ بِأنَّهم لا يَكُونُونَ في خَلْقٍ جَدِيدٍ بَعْدَ أنْ يَكُونُوا تُرابًا. والقَوْلُ المَحْكِيُّ عَنْهم هو في مَعْنى الِاسْتِفْهامِ عَنْ مَجْمُوعِ أمْرَيْنِ وهُما كَوْنُهم تُرابًا، وتَجْدِيدُ خَلْقِهِمْ ثانِيَةً. والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ العَجَبُ والإحالَةُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ أإذا كُنّا بِهَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ في أوَّلِهِ قَبْلَ هَمْزَةِ (إذا)، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ بِحَذْفِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ بِهَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ قَبْلَ هَمْزَةِ (إنّا) وقَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ بِحَذْفِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ.

والإشارَةُ بِقَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِما سَيَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الخَبَرِ لِأجْلِ ما سَبَقَ اسْمَ الإشارَةِ مِن قَوْلِهِمْ ﴿أإذَ كُنّا تُرابًا أئِنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ بَعْدَ أنْ رَأوْا دَلائِلَ الخَلْقِ الأوَّلِ فَحَقَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ حُكْمانِ: أحَدُهُما أنَّهم كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ؛ لِأنَّ قَوْلَهم ﴿أإذَ كُنّا تُرابًا أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ لا يَقُولُهُ إلّا كافِرٌ بِاللَّهِ. أيْ بِصِفاتِ الهَيْئَةِ إذْ جَعَلُوهُ غَيْرَ قادِرٍ عَلى إعادَةِ خَلْقِهِ، وثانِيهِما اسْتِحْقاقُهُمُ العَذابَ.

صفحة ٩١

وعُطِفَ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ جُمْلَةُ ﴿وأُولَئِكَ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ﴾ مُفْتَتَحَةً بِاسْمِ الإشارَةِ لِمِثْلِ الغَرَضِ الَّذِي افْتُتِحَتْ بِهِ الجُمْلَةُ قَبْلَها، فَإنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَها يُحَقِّقُ أنَّهم أحْرِياءُ بِوَضْعِ الأغْلالِ في أعْناقِهِمْ وذَلِكَ جَزاءُ الإهانَةِ. وكَذَلِكَ عَطْفُ جُمْلَةِ ﴿وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ .

وقَوْلُهُ ﴿الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ﴾ وعِيدٌ بِسَوْقِهِمْ إلى الحِسابِ سَوْقَ المَذَلَّةِ والقَهْرِ، وكانُوا يَضَعُونَ الأغْلالَ لِلْأسْرى المُثْقَلِينَ، قالَ النّابِغَةُ:

أوْ حُرَّةٍ كَمَهاةِ الرَّمْلِ قَدْ كُبِلَتْ فَوْقَ المَعاصِمِ مِنها والعَراقِيبِ

تَدْعُو قُعَيْنًا وقَدْ عَضَّ الحَدِيدُ بِها ∗∗∗ عَضَّ الثِّقافِ عَلى صُمِّ الأنابِيبِ

والأغْلالُ: جَمْعُ غُلٍّ بِضَمِّ الغَيْنِ، وهو القَيْدُ الَّذِي يُوضَعُ في العُنُقِ، وهو أشَدُّ التَّقَيُّدِ. قالَ تَعالى ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ﴾ [غافر: ٧١] وإعادَةُ اسْمِ الإشارَةِ ثَلاثًا لِلتَّهْوِيلِ.

وجُمْلَةُ ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ (أصْحابُ النّارِ) .

13:6Page 250

وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبۡلَ ٱلۡحَسَنَةِ وَقَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِمُ ٱلۡمَثُلَٰتُۗ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغۡفِرَةٖ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلۡمِهِمۡۖ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٦

They impatiently urge you to bring about evil before good,1 while there has already occurred before them similar punishments [to what they demand]. And indeed, your Lord is the possessor of forgiveness for the people despite their wrongdoing, and indeed, your Lord is severe in penalty.

﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ وقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المَثُلاتُ وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وإنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العِقابِ﴾ جُمْلَةُ (﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿وإنْ تَعْجَبْ﴾ [الرعد: ٥])؛ لِأنَّ كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ حِكايَةٌ لِغَرِيبِ أحْوالِهِمْ في المُكابَرَةِ والعِنادِ والِاسْتِخْفافِ بِالوَعِيدِ. فابْتَدَأ بِذِكْرِ تَكْذِيبِهِمْ بِوَعِيدِ الآخِرَةِ لِإنْكارِهِمُ البَعْثَ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ تَكْذِيبَهم بِوَعِيدِ الدُّنْيا لِتَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ ﷺ . وفي الِاسْتِخْفافِ بِوَعِيدِ نُزُولِ العَذابِ وعَدِّهِمْ إيّاهُ مُسْتَحِيلًا في حالِ أنَّهم شاهَدُوا آثارَ العَذابِ النّازِلِ

صفحة ٩٢

بِالأُمَمِ قَبْلَهم، وما ذَلِكَ إلّا لِذُهُولِهِمْ عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي سَبَقَتِ الكَلامَ لِلِاسْتِدْلالِ عَلَيْها والتَّفْرِيعِ عَنْها، فَهم يَسْتَعْجِلُونَ بِنُزُولِهِ بِهِمُ اسْتِخْفافًا واسْتِهْزاءً كَقَوْلِهِمْ ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]، وقَوْلِهِمْ ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢] .

والباءُ في (بِالسَّيِّئَةِ) لِتَعْدِيَةِ الفِعْلِ إلى ما لَمْ يَكُنْ يَتَعَدّى إلَيْهِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] في سُورَةِ الأنْعامِ.

والسَّيِّئَةُ: الحالَةُ السَّيِّئَةُ. وهي هُنا المُصِيبَةُ الَّتِي تَسُوءُ مَن تَحُلُّ بِهِ. والحَسَنَةُ ضِدُّها، أيْ أنَّهم سَألُوا مِنَ الآياتِ ما فِيهِ عَذابٌ بِسُوءٍ، كَقَوْلِهِمْ ﴿إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] دُونَ أنْ يَسْألُوا آيَةً مِنَ الحَسَناتِ.

فَهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ حِكايَةً لِبَعْضِ أحْوالِ سُؤالِهِمُ الظّانِّينَ أنَّهُ تَعْجِيزٌ، والدّالِّينَ بِهِ عَلى التَّهَكُّمِ بِالعَذابِ.

وقَبْلِيَّةُ السَّيِّئَةِ قَبْلِيَّةٌ اعْتِبارِيَّةٌ، أيْ مُخْتارِينَ السَّيِّئَةَ دُونَ الحَسَنَةِ. وسَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ [النمل: ٤٦] في سُورَةِ النَّمْلِ فانْظُرْهُ.

وجُمْلَةُ (﴿وقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المَثُلاتُ﴾) في مَوْضِعِ الحالِ. وهو مَحَلُّ زِيادَةِ التَّعْجِيبِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ قَدْ يُعْذُرُونَ فِيهِ لَوْ كانُوا لَمْ يَرَوْا آثارَ الأُمَمَ المُعَذَّبَةِ مِثْلَ عادٍ وثَمُودَ.

والمَثُلاتُ بِفَتْحِ المِيمِ وضَمِّ المُثَلَّثَةِ: جَمْعُ مَثُلَةٍ بِفَتْحِ المِيمِ وضَمِّ الثّاءِ كَسَمُرَةٍ، وبِضَمِّ المِيمِ وسُكُونِ الثّاءِ كَعُرْفَةٍ: وهي العُقُوبَةُ الشَّدِيدَةُ الَّتِي تَكُونُ مِثالًا تُمَثَّلُ بِهِ العُقُوباتُ.

وجُمْلَةُ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿وقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المَثُلاتُ﴾)، وهَذا كَشْفٌ لِغُرُورِهِمْ بِتَأْخِيرِ العَذابِ عَنْهم لِأنَّهم لَمّا

صفحة ٩٣

اسْتَهْزَءُوا بِالنَّبِيءِ ﷺ وتَعَرَّضُوا لِسُؤالِ حُلُولِ العَذابِ بِهِمْ ورَأوْا أنَّهُ لَمْ يُعَجَّلْ لَهم حُلُولُهُ اعْتَرَتْهم ضَراوَةٌ بِالتَّكْذِيبِ وحَسِبُوا تَأْخِيرَ العَذابِ عَجْزًا مِنَ المُتَوَعِّدِ وكَذَّبُوا النَّبِيءَ ﷺ وهم يَجْهَلُونَ أنَّ اللَّهَ حَلِيمٌ يُمْهِلُ عِبادَهُ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ، فالمَغْفِرَةُ هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ في المَغْفِرَةِ المُوَقَّتَةِ، وهي التَّجاوُزُ عَنْ ضَراوَةِ تَكْذِيبِهِمْ، وتَأْخِيرُ العَذابِ إلى أجَلٍ، كَما قالَ تَعالى ولَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ ﴿ألا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهم وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [هود: ٨] .

وقَرِينَةُ ذَلِكَ أنَّ الكَلامَ جارٍ عَلى عَذابِ الدُّنْيا وهو الَّذِي يَقْبَلُ التَّأْخِيرَ كَما قالَ تَعالى ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥]، أيْ عَذابِ الدُّنْيا، وهو الجُوعُ الَّذِي أُصِيبَ بِهِ قُرَيْشٌ بَعْدَ أنْ كانَ يُطْعِمُهم مِن جُوعٍ و(عَلى) في قَوْلِهِ (عَلى ظُلْمِهِمْ) بِمَعْنى مَعَ.

وسِياقُ الآيَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمَغْفِرَةِ هُنا التَّجاوُزُ عَنِ المُشْرِكِينَ في الدُّنْيا بِتَأْخِيرِ العِقابِ لَهم إلى أجَلٍ أرادَهُ اللَّهُ أوْ إلى يَوْمِ الحِسابِ، وأنَّ المُرادَ بِالعِقابِ في قَوْلِهِ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العِقابِ﴾ ضِدُّ تِلْكَ المَغْفِرَةِ وهو العِقابُ المُؤَجَّلُ في الدُّنْيا أوْ عِقابُ يَوْمِ الحِسابِ، فَمَحْمَلُ الظُّلْمِ عَلى ما هو المَشْهُورُ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ مِن إطْلاقِهِ عَلى الشِّرْكِ.

ويَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ الظُّلْمُ عَلى ارْتِكابِ الذُّنُوبِ بِقَرِينَةِ السِّياقِ كَإطْلاقِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] فَلا تَعارُضَ أصْلًا بَيْنَ هَذا المَحْمَلِ وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] كَما هو ظاهِرٌ.

وفائِدَةُ هَذِهِ العِلاوَةِ إظْهارُ شِدَّةِ رَحْمَةِ اللَّهِ بِعِبادِهِ في الدُّنْيا كَما قالَ ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ ولَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر: ٤٥] .

صفحة ٩٤

وجُمْلَةُ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العِقابِ﴾ احْتِراسٌ لِئَلّا يَحْسَبُوا أنَّ المَغْفِرَةَ المَذْكُورَةَ مَغْفِرَةٌ دائِمَةٌ تَعْرِيضًا بِأنَّ العِقابَ حالٌّ بِهِمْ مِن بَعْدُ.

13:7Page 250

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦٓۗ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٞۖ وَلِكُلِّ قَوۡمٍ هَادٍ ٧

And those who disbelieved say, "Why has a sign not been sent down to him from his Lord?" You are only a warner, and for every people is a guide.

﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ [الرعد: ٦]) الآيَةَ. وهَذِهِ حالَةٌ مِن أُعْجُوباتِهِمْ وهي عَدَمُ اعْتِدادِهِمْ بِالآياتِ الَّتِي تَأيَّدَ بِها مُحَمَّدٌ ﷺ وأعْظَمُها آياتُ القُرْآنِ، فَلا يَزالُونَ يَسْألُونَ آيَةً كَما يَقْتَرِحُونَها، فَلَهُ اتِّصالٌ بِجُمْلَةِ (﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الرعد: ١]) .

ومُرادُهم بِالآيَةِ في هَذا خارِقُ عادَةٍ عَلى حِسابِ ما يَقْتَرِحُونَ، فَهي مُخالِفَةٌ لِما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ؛ لِأنَّ تِلْكَ في تَعْجِيلِ ما تَوَعَّدَهم بِهِ. وما هُنا في مَجِيءِ آيَةٍ تُؤَيِّدُهُ كَقَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] .

ولِكَوْنِ اقْتِراحِهِمْ آيَةً يَشِفُّ عَنْ إحالَتِهِمْ حُصُولَها لِجَهْلِهِمْ بِعَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى سِيقَ هَذا في عِدادِ نَتائِجِ عَظِيمِ القُدْرَةِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٣٧] .

فَبِذَلِكَ انْتَظَمَ تَفَرُّعُ الجُمَلِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ وتَفَرُّعُ جَمِيعِها عَلى الغَرَضِ الأصْلِيِّ. والَّذِينَ كَفَرُوا هم عَيْنُ أصْحابِ ضَمِيرِ (﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ [العنكبوت: ٥٤]) وإنَّما عَدَلَ عَنْ ضَمِيرِهِمْ إلى اسْمِ المَوْصُولِ لِزِيادَةِ تَسْجِيلِ الكُفْرِ عَلَيْهِمْ، ولِما يُومِئُ إلَيْهِ المَوْصُولُ مِن تَعْلِيلِ صُدُورِ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ.

صفحة ٩٥

وصِيغَةُ المُضارِعِ تَدُلُّ عَلى تَجَدُّدِ ذَلِكَ وتَكَرُّرِهِ. و(لَوْلا) حَرْفُ تَحْضِيضٍ. يُمَوِّهُونَ بِالتَّحْضِيضِ أنَّهم حَرِيصُونَ وراغِبُونَ في نُزُولِ آيَةٍ غَيْرِ القُرْآنِ لِيُؤْمِنُوا، وهم كاذِبُونَ في ذَلِكَ إذْ لَوْ أُوتُوا آيَةً كَما يَقْتَرِحُونَ لَكَفَرُوا بِها، كَما قالَ تَعالى ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلّا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩] .

وقَدْ رَدَّ اللَّهُ اقْتِراحَهم مِن أصْلِهِ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ﴾، فَقَصَرَ النَّبِيءَ ﷺ عَلى صِفَةِ الإنْذارِ وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ أنْتَ مُنْذِرٌ لا مُوجِدُ خَوارِقِ عادَةٍ. وبِهَذا يَظْهَرُ وجْهُ قَصْرِهِ عَلى الإنْذارِ دُونَ البِشارَةِ لِأنَّهُ قَصْرٌ إضافِيٌّ بِالنِّسْبَةِ لِأحْوالِهِ نَحْوَ المُشْرِكِينَ.

وجُمْلَةُ ﴿ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ تَذْيِيلٌ بِالأعَمِّ. أيْ إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ لِهَؤُلاءِ لِهِدايَتِهِمْ. ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ أرْسَلَهُ اللَّهُ يُنْذِرُهم لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ. فَما كُنْتَ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وما كانَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ آياتٌ عَلى مُقْتَرَحِ أقْوامِهِمْ بَلْ كانَتْ آياتُهم بِحَسَبِ ما أرادَ اللَّهُ أنْ يُظْهِرَهُ عَلى أيْدِيهِمْ. عَلى أنَّ مُعْجِزاتِ الرُّسُلِ تَأْتِي عَلى حَسَبِ ما يُلائِمُ حالَ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ.

ولَمّا كانَ الَّذِينَ ظَهَرَتْ بَيْنَهم دَعْوَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ عَرَبًا أهْلَ فَصاحَةٍ وبَلاغَةٍ جَعَلَ اللَّهُ مُعْجِزَتَهُ العُظْمى القُرْآنَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ. وإلى هَذا المَعْنى يُشِيرُ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «ما مِنَ الأنْبِياءِ نَبِيٌّ إلّا أُوتِيَ مِنَ الآياتِ ما مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ، وإنَّما كانَ الَّذِي أُوتِيتُ وحْيًا أوْحاهُ اللَّهُ إلَيَّ فَأرْجُو أنْ أكُونَ أكْثَرَهم تابِعًا يَوْمَ القِيامَةِ» .

وبِهَذا العُمُومِ الحاصِلِ بِالتَّذْيِيلِ والشّامِلِ لِلرَّسُولِ ﷺ صارَ المَعْنى إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ لِقَوْمِكَ هادٍ إيّاهم إلى الحَقِّ. فَإنَّ الإنْذارَ والهُدى مُتَلازِمانِ فَما مِن إنْذارٍ إلّا وهو هِدايَةٌ، وما مِن هِدايَةٍ إلّا وفِيها إنْذارٌ، والهِدايَةُ أعَمُّ مِنِ الإنْذارِ. فَفي هَذا احْتِباكٌ بَدِيعٌ.

صفحة ٩٦

وقَرَأ الجُمْهُورُ (هادٍ) بِدُونِ ياءٍ في آخِرِهِ في حالَتَيِ الوَصْلِ والوَقْفِ. أمّا في الوَصْلِ فَلِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ سُكُونِ الياءِ وسُكُونِ التَّنْوِينِ الَّذِي يَجِبُ النُّطْقُ بِهِ في حالَةِ الوَصْلِ، وأمّا في حالَةِ الوَقْفِ فَتَبَعًا لِحالَةِ الوَصْلِ، وهو لُغَةٌ فَصِيحَةٌ وفِيهِ مُتابَعَةُ رَسْمِ المُصْحَفِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ في الوَصْلِ مِثْلَ الجُمْهُورِ. وقَرَأهُ بِإثْباتِ الياءِ في الوَقْفِ لِزَوالِ مُوجِبِ حَذْفِ الياءِ وهو لُغَةٌ صَحِيحَةٌ.

13:8–9Page 250

ٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تَحۡمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلۡأَرۡحَامُ وَمَا تَزۡدَادُۚ وَكُلُّ شَيۡءٍ عِندَهُۥ بِمِقۡدَارٍ ٨

Allāh knows what every female carries1 and what the wombs lose [prematurely] or exceed.2 And everything with Him is by due measure.

عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلۡكَبِيرُ ٱلۡمُتَعَالِ ٩

[He is] Knower of the unseen and the witnessed, the Grand, the Exalted.

﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ الكَبِيرُ المُتَعالِ﴾

انْتِقالٌ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى تَفَرُّدِ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ، فَهو مُتَّصِلٌ بِجُمْلَةِ ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ﴾ [الرعد: ٢] إلَخَّ.

وهَذِهِ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ. فَلَمّا قامَتِ البَراهِينُ العَدِيدَةُ بِالآياتِ السّابِقَةِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى بِالخَلْقِ والتَّدْبِيرِ وعَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ الَّتِي أوْدَعَ بِها في المَخْلُوقاتِ دَقائِقَ الخِلْقَةِ، انْتَقَلَ الكَلامُ إلى إثْباتِ العِلْمِ لَهُ تَعالى عِلْمًا عامًّا بِدَقائِقِ الأشْياءِ وعَظائِمِها، ولِذَلِكَ جاءَ افْتِتاحُهُ عَلى الأُسْلُوبِ الَّذِي افْتَتَحَ بِهِ الغَرَضَ السّابِقَ بِأنِ ابْتُدِئَ بِاسْمِ الجَلالَةِ كَما ابْتُدِئَ بِهِ هُنالِكَ في قَوْلِهِ ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ [الرعد: ٢] .

وجُعِلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ في هَذا المَوْقِعِ؛ لِأنَّ لَها مُناسَبَةً بِقَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [الرعد: ٧]، فَإنَّ ما ذُكِرَ فِيها مِن عِلْمِ اللَّهِ وعَظِيمِ صُنْعِهِ صالِحٌ لِأنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ لا يُعْجِزُهُ الإتْيانُ بِما اقْتَرَحُوا مِنَ الآياتِ؛ ولَكِنَّ بِعْثَةَ الرَّسُولِ لَيْسَ المَقْصِدُ مِنها المُنازَعاتِ بَلْ هي دَعْوَةٌ لِلنَّظَرِ في الأدِلَّةِ.

صفحة ٩٧

وإذْ قَدْ كانَ خَلْقُ اللَّهِ العَوالِمَ وغَيْرَها مَعْلُومًا لَدى المُشْرِكِينَ ولَكِنَّ الإقْبالَ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ يُذْهِلُهم عَنْ تَذَكُّرِهِ، كانُوا غَيْرَ مُحْتاجِينَ لِأكْثَرَ مِنَ التَّذْكِيرِ بِذَلِكَ وبِالتَّنْبِيهِ إلى ما قَدْ يَخْفى مِن دَقائِقِ التَّكْوِينِ كَقَوْلِهِ آنِفًا (بِغَيْرِ عَمَدٍ) وقَوْلِهِ ﴿وفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ﴾ [الرعد: ٤] إلَخْ؛ صِيغَ الإخْبارُ عَنِ الخَلْقِ في آيَةِ ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ﴾ [الرعد: ٢] إلَخْ بِطَرِيقَةِ المَوْصُولِ لِلْعِلْمِ بِثُبُوتِ مَضْمُونِ الصِّلَةِ لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ.

وجِيءَ في تِلْكَ الصِّلَةِ بِفِعْلِ المُضِيِّ فَقالَ ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ﴾ [الرعد: ٢] كَما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا. فَأمّا هُنا فَصِيغَ الخَبَرُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ المُفِيدِ لِلتَّجَدُّدِ والتَّكْرِيرِ لِإفادَةِ أنَّ ذَلِكَ العِلْمَ مُتَكَرِّرٌ مُتَجَدِّدُ التَّعَلُّقِ بِمُقْتَضى أحْوالِ المَعْلُوماتِ المُتَنَوِّعَةِ والمُتَكاثِرَةِ عَلى نَحْوِ ما قُرِّرَ في قَوْلِهِ ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ يُفَصِّلُ الآياتِ﴾ [الرعد: ٢] .

وذُكِرَ مِن مَعْلُوماتِ اللَّهِ ما لا نِزاعَ في أنَّهُ لا يَعْلَمُهُ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ يَوْمَئِذٍ ولا تُسْتَشارُ فِيهِ آلِهَتُهم عَلى وجْهِ المِثالِ بِإثْباتِ الجُزْئِيِّ لِإثْباتِ الكُلِّيِّ، فَما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى هي أجِنَّةُ الإنْسانِ والحَيَوانِ. ولِذَلِكَ جِيءَ بِفِعْلِ الحَمْلِ دُونَ الحَبَلِ لِاخْتِصاصِ الحَبَلِ بِحَمْلِ المَرْأةِ.

و(ما) مَوْصُولَةٌ، وعُمُومُها يَقْتَضِي عِلْمَ اللَّهِ بِحالِ الحَمْلِ المَوْجُودِ مِن ذُكُورَةٍ وأُنُوثَةٍ، وتَمامٍ ونَقْصٍ، وحُسْنٍ وقُبْحٍ، وطُولٍ وقِصَرٍ، ولَوْنٍ. وتَغِيضُ: تَنْقُصُ. والظّاهِرُ أنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ العُلُوقِ؛ لِأنَّ غَيْضَ الرَّحِمِ انْحِباسُ دَمِ الحَيْضِ عَنْها، وازْدِيادُها: فَيَضانُ الحَيْضِ مِنها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الغَيْضُ مُسْتَعارًا لِعَدَمِ التَّعَدُّدِ.

والِازْدِيادُ: التَّعَدُّدُ أيْ ما يَكُونُ في الأرْحامِ مِن جَنِينٍ واحِدٍ أوْ عِدَّةِ أجِنَّةٍ وذَلِكَ في الإنْسانِ والحَيَوانِ.

وجُمْلَةُ ﴿وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى﴾ . فالمُرادُ بِالشَّيْءِ الشَّيْءُ مِنَ المَعْلُوماتِ، و(عِنْدَهُ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ

صفحة ٩٨

خَبَرًا عَنْ كُلِّ شَيْءٍ و(بِمِقْدارٍ) في مَوْضِعِ الحالِ مِن (كُلُّ شَيْءٍ)، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (عِنْدَهُ) في مَوْضِعِ الحالِ مِن (مِقْدارٍ) ويَكُونُ (بِمِقْدارٍ) خَبَرًا عَنْ (كُلُّ شَيْءٍ) .

والمِقْدارُ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِقَرِينَةِ الباءِ، أيْ بِتَقْدِيرٍ، ومَعْناهُ: التَّحْدِيدُ والضَّبْطُ. والمَعْنى أنَّهُ يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا مُفَصَّلًا لا شُيُوعَ فِيهِ ولا إبْهامَ. وفي هَذا رَدٌّ عَلى الفَلاسِفَةِ غَيْرِ المُسْلِمِينَ القائِلِينَ أنَّ واجِبَ الوُجُودِ يَعْلَمُ الكُلِّيّاتِ ولا يَعْلَمُ الجُزْئِيّاتِ فِرارًا مِن تَعَلُّقِ العِلْمِ بِالحَوادِثِ. وقَدْ أبْطَلَ مَذْهَبَهم عُلَماءُ الكَلامِ بِما لَيْسَ فَوْقَهُ مَرامٌ. وهَذِهِ قَضِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ أثْبَتَتْ عُمُومَ عِلْمِهِ تَعالى بَعْدَ أنْ وقَعَ إثْباتُ العُمُومِ بِطَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ بِعِلْمِهِ بِالجُزْئِيّاتِ الخَفِيَّةِ في قَوْلِهِ ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ﴾ .

وجُمْلَةُ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ تَذْيِيلٌ وفَذْلَكَةٌ لِتَعْمِيمِ العِلْمِ بِالخَفِيّاتِ والظَّواهِرِ وهُما قِسْما المَوْجُوداتِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الغَيْبِ في صَدْرِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

وأمّا الشَّهادَةُ فَهي هُنا مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيِ الأشْياءُ المَشْهُودَةُ، وهي الظّاهِرَةُ المَحْسُوسَةُ، المَرْئِيّاتُ وغَيْرُها مِنَ المَحْسُوساتِ، فالمَقْصُودُ مِنَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ تَعْمِيمُ المَوْجُوداتِ كَقَوْلِهِ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٨] ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٩] .

والكَبِيرُ: مَجازٌ في العَظَمَةِ، إذْ قَدْ شاعَ اسْتِعْمالُ أسْماءِ الكَثْرَةِ وألْفاظِ الكِبَرِ في العَظَمَةِ تَشْبِيهًا لِلْمَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ وشاعَ ذَلِكَ حَتّى صارَ كالحَقِيقَةِ. والمُتَعالِي: المُتَرَفِّعُ. وصِيغَتِ الصِّفَةُ بِصِيغَةِ التَّفاعُلِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ العُلُوَّ صِفَةٌ ذاتِيَّةٌ لَهُ لا مِن غَيْرِهِ، أيِ الرَّفِيعُ رِفْعَةً واجِبَةً لَهُ عَقْلًا. والمُرادُ بِالرِّفْعَةِ هَنا المَجازُ عَنِ العِزَّةِ التّامَّةِ بِحَيْثُ لا يَسْتَطِيعُ مَوْجُودٌ أنْ يَغْلِبَهُ أوْ يُكْرِهَهُ، أوِ المُنَزَّهُ عَنِ النَّقائِصِ كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٣] .

وحَذْفُ الياءِ مِنَ المُتَعالِ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ السّاكِنَةِ؛ لِأنَّ الأفْصَحَ في

صفحة ٩٩

المَنقُوصِ غَيْرِ المُنَوَّنِ إثْباتُ الياءِ في الوَقْفِ إلّا إذا وقَعَتْ في القافِيَةِ أوْ في الفَواصِلِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ لِمُراعاةِ (مِن والٍ) . (والآصالِ) .

وقَدْ ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ أنَّ ما يُخْتارُ إثْباتُهُ مِنَ الياءاتِ والواواتِ يُحْذَفُ في الفَواصِلِ والقَوافِي، والإثْباتُ أقْيَسُ، والحَذْفُ عَرَبِيٌّ كَثِيرٌ.

13:10Page 250

سَوَآءٞ مِّنكُم مَّنۡ أَسَرَّ ٱلۡقَوۡلَ وَمَن جَهَرَ بِهِۦ وَمَنۡ هُوَ مُسۡتَخۡفِۭ بِٱلَّيۡلِ وَسَارِبُۢ بِٱلنَّهَارِ ١٠

It is the same [to Him] concerning you whether one conceals [his] speech or publicizes it and whether one is hidden by night or conspicuous [among others] by day.

﴿سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ ومَن جَهَرَ بِهِ ومَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ مَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ؛ لِأنَّ مَضْمُونَها بِمَنزِلَةِ النَّتِيجَةِ لِعُمُومِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِالخَفِيّاتِ والظَّواهِرِ. وعَدَلَ عَنِ الغَيْبَةِ المُتَّبَعَةِ في الضَّمائِرِ فِيما تَقَدَّمَ إلى الخِطابِ هُنا في قَوْلِهِ (﴿سَواءٌ مِنكُمْ﴾) لِأنَّهُ تَعْلِيمٌ يَصْلُحُ لِلْمُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ.

وفِيها تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ لِلْمُشْرِكِينَ المُتَآمِرِينَ عَلى النَّبِيءِ ﷺ .

و(سَواءٌ) اسْمٌ بِمَعْنى مُسْتَوٍ. وإنَّما يَقَعُ مَعْناهُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَصاعِدًا. واسْتُعْمِلَ سَواءٌ في الكَلامِ مُلازِمًا حالَةً واحِدَةً فَيُقالُ: هُما سَواءٌ وهم سَواءٌ، قالَ تَعالى ﴿فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ﴾ [الروم: ٢٨]، ومَوْقِعُ (سَواءٌ) هُنا مَوْقِعُ المُبْتَدَأِ. و(﴿مَن أسَرَّ القَوْلَ﴾) فاعِلٌ سَدَّ مَسَدَّ الخَبَرِ، ويَجُوزُ جَعْلُ (سَواءٌ) خَبَرًا مُقَدَّمًا و(مَن أسَرَّ) مُبْتَدَأً مُؤَخَّرًا و(مِنكم) حالٌ مِن (أسَرَّ) .

والِاسْتِخْفاءُ: هُنا الخَفاءُ. فالسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ في الفِعْلِ مِثْلَ اسْتَجابَ.

والسّارِبُ: اسْمُ فاعِلٍ مِن سَرَبَ إذا ذَهَبَ في السَّرْبِ بِفَتْحِ السِّينِ وسُكُونِ الرّاءِ وهو الطَّرِيقُ. وهَذا مِنَ الأفْعالِ المُشْتَقَّةِ مِنَ الأسْماءِ الجامِدَةِ. وذِكْرُ الِاسْتِخْفاءِ مَعَ اللَّيْلِ لِكَوْنِهِ أشَدَّ خَفاءً. وذِكْرُ السُّرُوبِ مَعَ النَّهارِ لِكَوْنِهِ أشَدَّ ظُهُورًا. والمَعْنى: أنَّ هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ سَواءٌ لَدى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى.

صفحة ١٠٠

والواوُ الَّتِي عَطَفَتْ أسْماءَ المَوْصُولِ عَلى المَوْصُولِ الأوَّلِ لِلتَّقْسِيمِ فَهي بِمَعْنى أوْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском