Ibn 'AshurIbrahim · 14:35–45

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ibrahim 14:35–45

14:35–36Page 260

وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا ٱلۡبَلَدَ ءَامِنٗا وَٱجۡنُبۡنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعۡبُدَ ٱلۡأَصۡنَامَ ٣٥

And [mention, O Muḥammad], when Abraham said, "My Lord, make this city [i.e., Makkah] secure and keep me and my sons away from worshipping idols.

رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضۡلَلۡنَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُۥ مِنِّيۖ وَمَنۡ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣٦

My Lord, indeed they have led astray many among the people. So whoever follows me - then he is of me;1 and whoever disobeys me - indeed, You are [yet] Forgiving and Merciful.

﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨] فَإنَّهم كَما بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا أهْمَلُوا الشُّكْرَ عَلى ما بَوَّأهُمُ اللَّهُ مِنَ النِّعَمِ بِإجابَةِ دَعْوَةِ أبِيهِمْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وبَدَّلُوا اقْتِداءَهم بِسَلَفِهِمُ الصّالِحِ اقْتِداءً بِأسْلافِهِمْ مِن أهْلِ الضَّلالَةِ، وبَدَّلُوا دُعاءَ سَلَفِهِمُ الصّالِحِ لَهم بِالإنْعامِ عَلَيْهِمْ كُفْرًا بِمَفِيضِ تِلْكَ النِّعَمِ.

صفحة ٢٣٨

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [إبراهيم: ٣٢] بِأنِ انْتَقَلَ مِن ذِكْرِ النِّعَمِ العامَّةِ لِلنّاسِ الَّتِي يَدْخُلُ تَحْتَ مِنَّتِها أهْلُ مَكَّةَ بِحُكْمِ العُمُومِ إلى ذِكْرِ النِّعَمِ الَّتِي خَصَّ اللَّهُ بِها أهْلَ مَكَّةَ، وغَيَّرَ الأُسْلُوبَ في الِامْتِنانِ بِها إلى أُسْلُوبِ الحِكايَةِ عَنْ إبْراهِيمَ لِإدْماجِ التَّنْوِيهِ بِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والتَّعْرِيضِ بِذُرِّيَّتِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ.

(وإذْ) اسْمُ زَمانٍ ماضٍ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ شائِعِ الحَذْفِ في أمْثالِهِ، تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ إذْ قالَ إبْراهِيمُ، زِيادَةً في التَّعْجِيبِ مِن شَأْنِ المُشْرِكِينَ الَّذِي مَرَّ في قَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨]، فَمَوْقِعُ العِبْرَةِ مِنَ الحالَيْنِ واحِدٌ.

و(رَبِّ): مُنادى مَحْذُوفٌ مِنهُ حَرْفُ النِّداءِ، وأصْلُهُ رَبِّي، حُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ تَخْفِيفًا، وهو كَثِيرٌ في المُنادى المُضافِ إلى الياءِ.

والبَلَدُ: المَكانُ المُعَيَّنُ مِنَ الأرْضِ، ويُطْلَقُ عَلى القَرْيَةِ، والتَّعْرِيفُ في البَلَدِ تَعْرِيفُ العَهْدِ؛ لِأنَّهُ مَعْهُودٌ بِالحُضُورِ، والبَلَدُ: بَدَلٌ مِنَ اسْمِ الإشارَةِ.

وحِكايَةُ دُعائِهِ بِدُونِ بَيانِ البَلَدِ إبْهامٌ يَرِدُ بَعْدَهُ البَيانُ بِقَوْلِهِ ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، أوْ هو حَوالَةُ عَلى ما في عِلْمِ العَرَبِ مِن أنَّهُ مَكَّةُ، وقَدْ مَضى في سُورَةِ البَقَرَةِ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ، والتَّعْرِيفُ هُنا لِلْعَهْدِ، والتَّنْكِيرُ في آيَةِ البَقَرَةِ تَنْكِيرُ النَّوْعِيَّةِ، فَهُنا دَعا لِلْبَلَدِ بِأنْ يَكُونَ آمِنًا، وفي آيَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ دَعا لِمُشارٍ إلَيْهِ أنْ يَجْعَلَهُ اللَّهُ مِن نَوْعِ البِلادِ الآمِنَةِ، فَمَآلُ المُفادَيْنِ مُتَّحِدٌ.

واجْنُبْنِي: أمْرٌ مِنَ الثُّلاثِيِّ المُجَرَّدِ، يُقالُ: جَنَّبَهُ الشَّيْءَ، إذا جَعَلَهُ جانِبًا عَنْهُ، أيْ: باعَدَهُ عَنْهُ، وهي لُغَةُ أهْلِ نَجْدٍ، وأهْلُ الحِجازِ يَقُولُونَ: جَنَّبَهُ بِالتَّضْعِيفِ أوْ أجْنَبَهُ بِالهَمْزِ، وجاءَ القُرْآنُ هُنا بِلُغَةِ أهْلِ نَجْدٍ؛ لِأنَّها أخَفُّ.

وأرادَ بِبَنِيهِ: أبْناءَ صُلْبِهِ، وهم يَوْمَئِذٍ إسْماعِيلُ وإسْحاقُ، فَهو مِنَ اسْتِعْمالِ الجَمْعِ في التَّثْنِيَةِ، أوْ أرادَ جَمِيعَ نَسْلِهِ تَعْمِيمًا في الخَيْرِ فاسْتُجِيبَ لَهُ في البَعْضِ.

صفحة ٢٣٩

والأصْنامُ: جَمْعُ صَنَمٍ، وهو صُورَةٌ أوْ حِجارَةٌ أوْ بِناءٌ يُتَّخَذُ مَعْبُودًا ويُدْعى إلَهًا، وأرادَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِثْلَ ودٍّ وسُواعٍ ويَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرٍ، أصْنامِ قَوْمِ نُوحٍ، ومِثْلَ الأصْنامِ الَّتِي عَبَدَها قَوْمُ إبْراهِيمَ.

وإعادَةُ النِّداءِ في قَوْلِهِ ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ لِإنْشاءِ التَّحَسُّرِ عَلى ذَلِكَ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلدَّعْوَةِ بِإجْنابِهِ عِبادَتَها بِأنَّها ضَلالٌ راجَ بَيْنَ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، فَحَقٌّ لِلْمُؤْمِنَ الضَّنِينِ بِإيمانِهِ أنْ يَخْشى أنْ تَجْتَرِفَهُ فِتْنَتُها، فافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِما يُفِيدُهُ حَرْفُ (إنَّ) في هَذا المَقامِ مِن مَعْنى التَّعْلِيلِ.

وذَلِكَ أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - خَرَجَ مِن بَلَدِهِ أُورَ الكَلْدانِيِّينَ إنْكارًا عَلى عَبَدَةِ الأصْنامِ، فَقالَ ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] وقالَ لِقَوْمِهِ ﴿وأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: ٤٨]، فَلَمّا مَرَّ بِمِصْرَ وجَدَهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ ثُمَّ دَخَلَ فِلَسْطِينَ فَوَجَدَهم عَبْدَةَ أصْنامٍ، ثُمَّ جاءَ عَرَبَةَ تِهامَةَ فَأسْكَنَ بِها زَوْجَهُ فَوَجَدَها خالِيَةً ووَجَدَ حَوْلَها جُرْهُمَ قَوْمًا عَلى الفِطْرَةِ والسَّذاجَةِ فَأسْكَنَ بِها هاجَرَ وابْنَهُ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ثُمَّ أقامَ هُنالِكَ مَعْلَمَ التَّوْحِيدِ، وهو بَيْتُ اللَّهِ الكَعْبَةُ بَناهُ هو وابْنُهُ إسْماعِيلُ، وأرادَ أنْ يَكُونَ مَأْوى التَّوْحِيدِ، وأقامَ ابْنُهُ هُنالِكَ لِيَكُونَ داعِيَةً لِلتَّوْحِيدِ، فَلا جَرَمَ سَألَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَلَدًا آمِنًا حَتّى يَسْلَمَ ساكِنُوهُ وحَتّى يَأْوِيَ إلَيْهِمْ مَن إذا آوى إلَيْهِمْ لَقَّنُوهُ أُصُولَ التَّوْحِيدِ.

فَفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ قَوْلَهُ ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي﴾، أيْ: فَمَن تَبِعَنِي مِنَ النّاسِ فَتَجَنَّبَ عِبادَةَ الأصْنامِ فَهو مِنِّي، فَدَخَلَ في ذَلِكَ أبُوهُ وقَوْمُهُ، ويَدْخُلُ فِيهِ ذُرِّيَّتُهُ؛ لِأنَّ الشَّرْطَ يَصْلُحُ لِلْماضِي والمُسْتَقْبَلِ.

و(مِن) في قَوْلِهِ مِنِّي اتِّصالِيَّةٌ، وأصْلُها التَّبْعِيضُ المَجازِيُّ، أيْ: فَإنَّهُ مُتَّصِلٌ بِي اتِّصالَ البَعْضِ بِكُلِّهِ.

صفحة ٢٤٠

وقَوْلُهُ ﴿ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تَأدُّبٌ في مَقامِ الدُّعاءِ ونَفْعٌ لِلْعُصاةِ مِنَ النّاسِ بِقَدْرِ ما يَسْتَطِيعُهُ، والمَعْنى: ومَن عَصانِي أُفَوِّضُ أمْرَهُ إلى رَحْمَتِكَ وغُفْرانِكَ، ولَيْسَ المَقْصُودُ الدُّعاءُ بِالمَغْفِرَةِ لِمَن عَصى، وهَذا مِن غَلَبَةِ الحِلْمِ عَلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وخَشْيَةٍ مِنَ اسْتِئْصالِ عُصاةِ ذُرِّيَّتِهِ، ولِذَلِكَ مَتَّعَهُمُ اللَّهُ قَلِيلًا في الحَياةِ الدُّنْيا، كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿قالَ ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النّارِ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [البقرة: ١٢٦] وقَوْلُهُ ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦] ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٧] ﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٨] ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهم حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ ورَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ٢٩]، وسَوْقُ هَذِهِ الدَّعْوَةِ هُنا لِلتَّعْرِيضِ بِالمُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ بِأنَّهم لَمْ يَبَرُّوا بِأبِيهِمْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

وإذْ كانَ قَوْلُهُ ﴿فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تَفْوِيضًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لِمَن يُشْرِكُ بِهِ.

14:37Page 260

رَّبَّنَآ إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيۡرِ ذِي زَرۡعٍ عِندَ بَيۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ أَفۡـِٔدَةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِيٓ إِلَيۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡكُرُونَ ٣٧

Our Lord, I have settled some of my descendants in an uncultivated valley near Your sacred House, our Lord, that they may establish prayer. So make hearts among the people incline toward them and provide for them from the fruits that they might be grateful.

﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾

جُمْلَةُ ﴿إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِابْتِداءِ دُعاءٍ آخَرَ، وافْتُتِحَتْ بِالنِّداءِ لِزِيادَةِ التَّضَرُّعِ، وفي كَوْنِ النِّداءِ تَأْكِيدًا لِنِداءٍ سابِقٍ ضَرْبٌ مِنَ الرَّبْطِ بَيْنَ الجُمَلِ المُفْتَتَحَةِ بِالنِّداءِ، رَبْطُ المِثْلِ بِمِثْلِهِ.

وأُضِيفَ الرَّبُّ هُنا إلى ضَمِيرِ الجَمْعِ خِلافًا لِسابِقِيهِ؛ لِأنَّ الدُّعاءَ الَّذِي افْتُتِحَ بِهِ فِيهِ حَظٌّ لِلدّاعِي ولِأبْنائِهِ، ولَعَلَّ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حاضِرٌ مَعَهُ حِينَ الدُّعاءِ كَما تَدُلُّ لَهُ الآيَةُ الأُخْرى

صفحة ٢٤١

﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] إلى قَوْلِهِ ﴿واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]، وذَلِكَ مِن مَعْنى الشُّكْرِ المَسْؤُولِ هُنا.

و(مِن) في قَوْلِهِ مِن ذُرِّيَّتِي بِمَعْنى بَعْضٍ، يَعْنِي إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وهو بَعْضُ ذُرِّيَّتِهِ، فَكانَ هَذا الدُّعاءُ صَدَرَ مِن إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ زَمانٍ مِن بِناءِ الكَعْبَةِ وتَقَرِّي مَكَّةَ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في دُعائِهِ هَذا ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ [إبراهيم: ٣٩]، فَذَكَرَ إسْحاقَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

والوادِي: الأرْضُ بَيْنَ الجِبالِ، وهو وادِي مَكَّةَ، و﴿غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ صِفَةٌ، أيْ: بَوادٍ لا يَصْلُحُ لِلنَّبْتِ؛ لِأنَّهُ حِجارَةٌ، فَإنَّ كَلِمَةَ (ذُو) تَدُلُّ عَلى صاحِبِ ما أُضِيفَتْ إلَيْهِ وتَمَكُّنِهِ مِنهُ، فَإذا قِيلَ: ذُو مالٍ، فالمالُ ثابَتٌ لَهُ، وإذا أُرِيدَ ضِدُّ ذَلِكَ قِيلَ: غَيْرُ ذِي كَذا، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨]، أيْ: لا يَعْتَرِيهِ شَيْءٌ مِنَ العِوَجِ، ولِأجْلِ هَذا الِاسْتِعْمالِ لَمْ يَقُلْ بِوادٍ لا يُزْرَعُ أوْ لا زَرْعَ بِهِ.

و﴿عِنْدَ بَيْتِكَ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِوادٍ أوْ حالٌ.

والمُحَرَّمُ: المُمَنَّعُ مِن تَناوُلِ الأيْدِي إيّاهُ بِما يُفْسِدُهُ أوْ يَضُرُّ أهْلَهُ بِما جَعَلَ اللَّهُ لَهُ في نُفُوسِ الأُمَمِ مِنَ التَّوْقِيرِ والتَّعْظِيمِ، وبِما شاهَدُوهُ مِن هَلَكَةِ مَن يُرِيدُ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ، وما أصْحابُ الفِيلِ مِنهم بِبَعِيدٍ.

وعَلَّقَ (لِيُقِيمُوا) بِـ (أسْكَنْتُ)، أيْ: عِلَّةُ الإسْكانِ بِذَلِكَ الوادِي عِنْدَ ذَلِكَ البَيْتِ أنْ لا يَشْغَلُهم عَنْ إقامَةِ الصَّلاةِ في ذَلِكَ البَيْتِ شاغِلٌ فَيَكُونَ البَيْتُ مَعْمُورًا أبَدًا.

وتَوْسِيطُ النِّداءِ لِلِاهْتِمامِ بِمُقَدِّمَةِ الدُّعاءِ زِيادَةٌ في الضَّراعَةِ، وتَهَيَّأ بِذَلِكَ أنْ يُفَرِّعَ عَلَيْهِ الدُّعاءَ لَهم بِأنْ يَجْعَلَ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ؛ لِأنَّ هِمَّةَ الصّالِحِينَ في إقامَةِ الدِّينِ.

والأفْئِدَةُ: جَمْعُ فُؤادٍ، وهو القَلْبُ، والمُرادُ بِهِ هُنا النَّفْسُ والعَقْلُ.

والمُرادُ: فاجْعَلْ أُناسًا يَهْوُونَ إلَيْهِمْ، فَأقْحَمَ لَفْظَ الأفْئِدَةِ لِإرادَةِ أنْ يَكُونَ مَسِيرُ النّاسِ إلَيْهِمْ عَنْ شَوْقٍ ومَحَبَّةٍ حَتّى كَأنَّ المُسْرِعَ هو الفُؤادُ لا الجَسَدُ.

صفحة ٢٤٢

فَلَمّا ذَكَرَ أفْئِدَةً لِهَذِهِ النُّكْتَةِ حَسُنَ بَيانُهُ بِأنَّهم مِنَ النّاسِ، فَـ (مِن) بَيانِيَّةٌ لا تَبْعِيضِيَّةٌ، إذْ لا طائِلَ تَحْتَهُ، والمَعْنى: فاجْعَلْ أُناسًا يَقْصِدُونَهم بِحَبّاتِ قُلُوبِهِمْ.

وتَهْوِي مُضارِعُ هَوى بِفَتْحِ الواوِ: سَقَطَ، وأُطْلِقَ هُنا عَلى الإسْراعِ في المَشْيِ اسْتِعارَةٌ، كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:

كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِن عَلِ

ولِذَلِكَ عُدِّيَ بِاللّامِ دُونَ (عَلى) .

والإسْراعُ: جُعِلَ كِنايَةً عَنِ المَحَبَّةِ والشَّوْقِ إلى زِيارَتِهِمْ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الدُّعاءِ تَأْنِيسُ مَكانِهِمْ بِتَرَدُّدِ الزّائِرِينَ وقَضاءِ حَوائِجِهِمْ مِنهم، والتَّنْكِيرُ مُطْلَقٌ يُحْمَلُ عَلى المُتَعارَفِ في عُمْرانِ المُدُنِ والأسْواقِ بِالوارِدِينَ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُقَيِّدْهُ في الدُّعاءِ بِما يَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ اكْتِفاءً بِما هو مَعْرُوفٌ.

ومَحَبَّةُ النّاسِ إيّاهم يَحْصُلُ مَعَها مَحَبَّةُ البَلَدِ وتَكْرِيرُ زِيارَتِهِ، وذَلِكَ سَبَبٌ لِاسْتِئْناسِهِمْ بِهِ ورَغْبَتِهِمْ في إقامَةِ شَعائِرِهِ، فَيُؤَوَّلُ إلى الدَّعْوَةِ إلى الدِّينِ.

ورَجاءُ شُكْرِهِمْ داخِلٌ في الدُّعاءِ؛ لِأنَّهُ جُعِلَ تَكْمِلَةً لَهُ تَعَرُّضًا لِلْإجابَةِ وزِيادَةً في الدُّعاءِ لَهم بِأنْ يَكُونُوا مِنَ الشّاكِرِينَ، والمَقْصُودُ: تَوَفُّرُ أسْبابِ الِانْقِطاعِ إلى العِبادَةِ وانْتِفاءِ ما يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَها مِن فِتْنَةِ الكَدْحِ لِلِاكْتِسابِ.

14:38Page 260

رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعۡلَمُ مَا نُخۡفِي وَمَا نُعۡلِنُۗ وَمَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ ٣٨

Our Lord, indeed You know what we conceal and what we declare, and nothing is hidden from Allāh on the earth or in the heaven.

﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾

جاءَ بِهَذا التَّوَجُّهِ إلى اللَّهِ جامِعًا لِما في ضَمِيرِهِ، وفَذْلَكَةً لِلْجُمَلِ الماضِيَةِ لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن ذِكْرِ ضَلالِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، وذِكْرِ مَنِ اتَّبَعَ دَعْوَتَهُ

صفحة ٢٤٣

ومَن عَصاهُ، وذُكِرَ أنَّهُ أرادَ مِن إسْكانِ أبْنائِهِ بِمَكَّةَ رَجاءَ أنْ يَكُونُوا حُرّاسَ بَيْتِ اللَّهِ، وأنْ يُقِيمُوا الصَّلاةَ، وأنْ يَشْكُرُوا النِّعَمَ المَسْؤُولَةَ لَهم، وفِيهِ تَعْلِيمٌ لِأهْلِهِ وأتْباعِهِ بِعُمُومِ عِلْمِ اللَّهِ - تَعالى - حَتّى يُراقِبُوهُ في جَمِيعِ الأحْوالِ ويُخَلِّصُوا النِّيَّةَ إلَيْهِ.

وجُمْلَةُ ﴿وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ﴾، أيْ: تَعْلَمُ أحْوالَنا وتَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ، ولِكَوْنِها تَذْيِيلًا أُظْهِرَ فِيها اسْمُ الجَلالَةِ لِيَكُونَ التَّذْيِيلُ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ بِمَنزِلَةِ المَثَلِ والكَلامِ الجامِعِ.

14:39Page 260

ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلۡكِبَرِ إِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ ٣٩

Praise to Allāh, who has granted to me in old age Ishmael and Isaac. Indeed, my Lord is the Hearer of supplication.

﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ إنَّ رَبِّي لِسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ لَمّا دَعا اللَّهُ لِأهَمِّ ما يُهِمَّهُ وهو إقامَةُ التَّوْحِيدِ وكانَ يَرْجُو إجابَةَ دَعْوَتِهِ، وأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِعَجَبٍ في أمْرِ اللَّهِ خَطَرَ بِبالِهِ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ بِما كانَ يَسْألُهُ، وهو أنْ وهَبَ لَهُ ولَدَيْنِ في إبّانِ الكِبَرِ وحِينَ اليَأْسِ مِنَ الوِلادَةِ؛ فَناجى اللَّهَ فَحَمِدَهُ عَلى ذَلِكَ، وأثْنى عَلَيْهِ بِأنَّهُ سُمَيْعُ الدُّعاءِ، أيْ: مُجِيبٌ، أيْ: مُتَّصِفٌ بِالإجابَةِ وصْفًا ذاتِيًّا، تَمْهِيدًا لِإجابَةِ دَعْوَتِهِ هَذِهِ كَما أجابَ دَعْوَتَهُ سَلَفًا، فَهَذا مُناسَبَةُ مَوْقِعِ هَذِهِ الجُمْلَةِ بَعْدَ ما قَبْلَها بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ .

واسْمُ المَوْصُولِ إيماءٌ إلى وجْهِ بِناءِ الحَمْدِ، و(عَلى) في قَوْلِهِ عَلى الكِبَرِ لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ بِمَعْنى (مَعَ)، أيْ: وهَبَ ذَلِكَ تَعَلِّيًا عَلى الحالَةِ الَّتِي شَأْنُها أنْ لا تَسْمَحَ بِذَلِكَ، ولِذَلِكَ يُفَسِّرُونَ (عَلى) هَذِهِ بِمَعْنى مَعَ، أيْ: مَعَ الكِبَرِ الَّذِي لا تَحْصُلُ مَعَهُ الوِلادَةُ، وكانَ عُمْرُ إبْراهِيمَ حِينَ وُلِدَ لَهُ إسْماعِيلُ - عَلَيْهِما السَّلامُ - سِتًّا وثَمانِينَ سَنَةً (٨٦)، وعُمْرُهُ حِينَ وُلِدَ لَهُ إسْحاقُ - عَلَيْهِما السَّلامُ - مِائَةَ سَنَةٍ (١٠٠)، وكانَ لا يُولَدُ لَهُ مِن قَبْلُ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ وهَبَ، أيْ: وهَبَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ سَمِيعُ الدُّعاءِ، والسَّمِيعُ مُسْتَعْمَلٌ في إجابَةِ المَطْلُوبِ كِنايَةً، وصِيغَ

صفحة ٢٤٤

بِمِثالِ المُبالَغَةِ أوِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ لِيَدُلَّ عَلى كَثْرَةِ ذَلِكَ وأنَّ ذَلِكَ شَأْنُهُ، فَيُفِيدُ أنَّهُ وصْفٌ ذاتِيٌّ لِلَّهِ تَعالى.

14:40–41Page 260

رَبِّ ٱجۡعَلۡنِي مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِيۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلۡ دُعَآءِ ٤٠

My Lord, make me an establisher of prayer, and [many] from my descendants. Our Lord, and accept my supplication.

رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ يَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡحِسَابُ ٤١

Our Lord, forgive me and my parents and the believers the Day the account is established."

﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾

جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مِن تَمامِ دُعائِهِ، وفِعْلُ اجْعَلْنِي مُسْتَعْمَلٌ في التَّكْوِينِ، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، أيِ اجْعَلْنِي في المُسْتَقْبَلِ مُقِيمَ الصَّلاةِ.

والإقامَةُ: الإدامَةُ، وتَقَدَّمَ في صَدْرِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

ومِن ذُرِّيَّتِي: صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلى ياءِ المُتَكَلِّمِ، والتَّقْدِيرُ: واجْعَلْ مُقِيمِينَ لِلصَّلاةِ مِن ذُرِّيَّتِي.

و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ ولَيْسَتْ لِلتَّبْعِيضِ؛ لِأنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا يَسْألُ اللَّهَ إلّا أكْمَلَ ما يُحِبُّهُ لِنَفْسِهِ ولِذَرِّيَّتِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ بِناءً عَلى أنَّ اللَّهَ أعْلَمَهُ بِأنْ يَكُونَ مِن ذُرِّيَّتِهِ فَرِيقٌ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وفَرِيقٌ لا يُقِيمُونَها، أيْ: لا يُؤْمِنُونَ، وهَذا وجْهٌ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الدُّعاءُ تَحْصِيلًا لِحاصِلٍ، وهو بَعِيدٌ، وكَيْفَ وقَدْ قالَ ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] ولَمْ يَقُلْ: ومِن بَنِيَّ.

ودُعاؤُهُ بِتَقَبُّلِ دُعائِهِ ضَراعَةٌ بَعْدَ ضَراعَةٍ.

وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ في (دُعاءِ) في قِراءَةِ الجُمْهُورِ تَخْفِيفًا كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإلَيْهِ مَتابِ﴾ [الرعد: ٣٠] في سُورَةِ الرَّعْدِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ بِإثْباتِ الياءِ ساكِنَةً.

ثُمَّ دَعا بِالمَغْفِرَةِ لِنَفْسِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ ولِوالِدَيْهِ ما تَقَدَّمَ مِنهُ ومِنَ المُؤْمِنِينَ قَبْلَ نُبُوءَتِهِ وما اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ أبُوهُ بَعْدَ دَعْوَتِهِ مِنَ الشِّرْكِ، أمّا أُمُّهُ فَلَعَلَّها تُوُفِّيَتْ

صفحة ٢٤٥

قَبْلَ نُبُوءَتِهِ، وهَذا الدُّعاءُ لِأبَوَيْهِ قَبْلَ أنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ أنَّ أباهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ كَما في آيَةِ سُورَةِ بَراءَةٍ.

ومَعْنى ﴿يَقُومُ الحِسابُ﴾: يَثْبُتُ، اسْتُعِيرَ القِيامُ لِلثُّبُوتِ تَبَعًا لِتَشْبِيهِ الحِسابِ بِإنْسانٍ قائِمٍ؛ لِأنَّ حالَةَ القِيامِ أقْوى أحْوالِ الإنْسانِ إذْ هو انْتِصابٌ لِلْعَمَلِ، ومِنهُ قَوْلُهم: قامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقٍ، إذا قَوِيَتْ واشْتَدَّتْ، وقَوْلُهم: تَرَجَّلَتِ الشَّمْسُ، إذا قَوِيَ ضَوْءُها، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٣] في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

14:42–43Page 260

وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱللَّهَ غَٰفِلًا عَمَّا يَعۡمَلُ ٱلظَّٰلِمُونَۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمۡ لِيَوۡمٖ تَشۡخَصُ فِيهِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ ٤٢

And never think that Allāh is unaware of what the wrongdoers do. He only delays them [i.e., their account] for a Day when eyes will stare [in horror].

مُهۡطِعِينَ مُقۡنِعِي رُءُوسِهِمۡ لَا يَرۡتَدُّ إِلَيۡهِمۡ طَرۡفُهُمۡۖ وَأَفۡـِٔدَتُهُمۡ هَوَآءٞ ٤٣

Racing ahead, their heads raised up, their glance does not come back to them,1 and their hearts are void.

﴿ولا تَحْسِبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهم وأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾

عَطْفٌ عَلى الجُمَلِ السّابِقَةِ، ولَهُ اتِّصالٌ بِجُمْلَةِ ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ [إبراهيم: ٣٠] الَّذِي هو وعِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ، وإنْذارٌ لَهم بِأنْ لا يَغْتَرُّوا بِسَلامَتِهِمْ وأمْنِهِمْ؛ تَنْبِيهًا لَهم عَلى أنَّ ذَلِكَ مَتاعٌ قَلِيلٌ زائِلٌ، فَأكَّدَ ذَلِكَ الوَعِيدَ بِهَذِهِ الآيَةِ، مَعَ إدْماجِ تَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ عَلى ما يَتَطاوَلُونَ بِهِ مِنَ النِّعْمَةِ والدَّعَةِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ التَّفْرِيعُ في قَوْلِهِ ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ [إبراهيم: ٤٧]، وفي مَعْنى الآيَةِ قَوْلُهُ ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١١] .

وبِاعْتِبارِ ما فِيهِ مِن زِيادَةِ مَعْنى التَّسْلِيَةِ وما انْضَمَّ إلَيْهِ مِن وصْفِ فَظاعَةِ حالِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ الحَشْرِ حَسُنَ اقْتِرانُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِالعاطِفِ ولَمْ تُفْصَلْ.

وصِيغَةُ ”لا تَحْسَبَنَّ“ ظاهِرُها نَهْيٌ عَنْ حُسْبانِ ذَلِكَ، وهَذا النَّهْيُ كِنايَةٌ عَنْ إثْباتِ وتَحْقِيقِ ضِدِّ المَنهِيِّ عَنْهُ في المَقامِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يُثِيرَ لِلنّاسِ ظَنَّ وُقُوعِ المَنهِيِّ عَنْهُ لِقُوَّةِ الأسْبابِ المُثِيرَةِ لِذَلِكَ، وذَلِكَ أنَّ إمْهالَهم وتَأْخِيرَ

صفحة ٢٤٦

عُقُوبَتِهِمْ يُشْبِهُ حالَةَ الغافِلِ عَنْ أعْمالِهِمْ، أيْ: تَحَقَّقْ أنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِغافِلٍ، وهو كِنايَةٌ ثانِيَةٌ عَنْ لازِمِ عَدَمِ الغَفْلَةِ وهو المُؤاخَذَةُ، فَهو كِنايَةٌ بِمَرْتَبَتَيْنِ، ذَلِكَ؛لِأنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ يُؤْذِنُ بِأنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ بِحَيْثُ يَتَلَبَّسُ بِهِ المُخاطَبُ، فَنَهْيُهُ عَنْهُ تَحْذِيرٌ مِنَ التَّلَبُّسِ بِهِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ تَقْدِيرِ تَلَبُّسِ المُخاطَبِ بِذَلِكَ الحُسْبانِ، وعَلى هَذا الِاسْتِعْمالِ جاءَتِ الآيَةُ سَواءً جَعَلْنا الخِطابَ لِكُلِّ مَن يَصِحَّ أنْ يُخاطَبَ فَيَدْخُلُ فِيهِ النَّبِيءُ ﷺ أمْ جَعَلْناهُ لِلنَّبِيِّ ابْتِداءً ويَدْخُلُ فِيهِ أُمَّتُهُ.

ونَفْيِ الغَفْلَةِ عَنِ اللَّهِ لَيْسَ جارِيًا عَلى صَرِيحِ مَعْناهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَظُنُّهُ مُؤْمِنٌ، بَلْ هو كِنايَةٌ عَنِ النَّهْيِ عَنِ اسْتِعْجالِ العَذابِ لِلظّالِمِينَ، ومِنهُ جاءَ مَعْنى التَّسْلِيَةِ لِلرَّسُولِ ﷺ .

والغَفْلَةُ: الذُّهُولُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾ [الأنعام: ١٥٦] في سُورَةِ الأنْعامِ.

والمُرادُ بِالظُّلْمِ هُنا: الشِّرْكُ؛ لِأنَّهُ ظُلْمٌ لِلنَّفْسِ بِإيقاعِها في سَبَبِ العَذابِ المُؤْلِمِ، وظُلْمٌ لِلَّهِ بِالِاعْتِداءِ عَلى ما يَجِبُ لَهُ مِنَ الِاعْتِرافِ بِالوَحْدانِيَّةِ، ويَشْمَلُ ذَلِكَ ما كانَ مِنَ الظُّلْمِ دُونَ الشِّرْكِ مِثْلَ ظُلْمِ النّاسِ بِالِاعْتِداءِ عَلَيْهِمْ أوْ حِرْمانِهِمْ حُقُوقَهم فَإنَّ اللَّهَ غَيْرُ غافِلٍ عَنْ ذَلِكَ، ولِذَلِكَ قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: هي تَسْلِيَةٌ لِلْمَظْلُومِ وتَهْدِيدٌ لِلظّالِمِ.

وقَوْلُهُ فِيهِ الأبْصارُ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا﴾ الخَ.

وشُخُوصُ البَصَرِ: ارْتِفاعُهُ كَنَظَرِ المَبْهُوتِ الخائِفِ.

و(ألْ) في الأبْصارِ لِلْعُمُومِ، أيْ: تَشْخَصُ فِيهِ أبْصارُ النّاسِ مِن هَوْلِ ما يَرَوْنَ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ مُشاهَدَةُ هَوْلِ أحْوالِ الظّالِمِينَ.

والإهْطاعُ: إسْراعُ المَشْيِ مَعَ مَدِّ العُنُقِ كالمُتَخَتِّلِ، وهي هَيْئَةُ الخائِفِ.

وإقْناعُ الرَّأْسِ: طَأْطَأتُهُ مِنَ الذُّلِّ، وهو مُشْتَقٌّ مِن قَنَعَ مِن بابِ مَنَعَ إذا تَذَلَّلَ، و﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ حالانِ.

صفحة ٢٤٧

وجُمْلَةُ ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ أيْضًا، والطَّرْفُ: تَحَرُّكُ جَفْنِ العَيْنِ.

ومَعْنى ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ﴾ لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ، أيْ: لا يَعُودُ إلى مُعْتادِهِ، أيْ: لا يَسْتَطِيعُونَ تَحْوِيلَهُ. فَهو كِنايَةٌ عَنْ هَوْلِ ما شاهَدُوهُ بِحَيْثُ يَبْقُونَ ناظِرِينَ إلَيْهِ لا تُطْرَفُ أعْيُنُهم.

وقَوْلُهُ ﴿وأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، إذْ هي كالهَواءِ في الخُلُوِّ مِنَ الإدْراكِ لِشِدَّةِ الهَوْلِ، والهَواءُ في كَلامِ العَرَبِ: الخَلاءُ، ولَيْسَ هو المَعْنى المُصْطَلَحُ عَلَيْهِ في عِلْمِ الطِّبِّ وعِلْمِ الهَيْئَةِ.

14:44–45Page 261

وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوۡمَ يَأۡتِيهِمُ ٱلۡعَذَابُ فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَآ أَخِّرۡنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖ نُّجِبۡ دَعۡوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَۗ أَوَلَمۡ تَكُونُوٓاْ أَقۡسَمۡتُم مِّن قَبۡلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٖ ٤٤

And, [O Muḥammad], warn the people of a Day when the punishment will come to them and those who did wrong will say, "Our Lord, delay us for a short term; we will answer Your call and follow the messengers." [But it will be said], "Had you not sworn, before, that for you there would be no cessation?1

وَسَكَنتُمۡ فِي مَسَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَتَبَيَّنَ لَكُمۡ كَيۡفَ فَعَلۡنَا بِهِمۡ وَضَرَبۡنَا لَكُمُ ٱلۡأَمۡثَالَ ٤٥

And you lived among the dwellings of those who wronged themselves, and it had become clear to you how We dealt with them. And We presented for you [many] examples."

﴿وأنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢]، أيْ: تَسَلَّ عَنْهم ولا تَمْلَلْ مِن دَعْوَتِهِمْ وأنْذِرْهم.

والنّاسُ: يَعُمُّ جَمِيعَ البَشَرِ، والمَقْصُودُ: الكافِرُونَ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ النّاسَ ناسًا مَعْهُودِينَ وهُمُ المُشْرِكُونَ.

و﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ﴾ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ ”أنْذِرْ“، وهو مُضافٌ إلى الجُمْلَةِ، وفِعْلُ الإنْذارِ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ ثانٍ عَلى التَّوَسُّعِ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى التَّحْذِيرِ، كَما في الحَدِيثِ «ما مِن نَبِيٍّ إلّا أنْذَرَ قَوْمَهُ الدَّجّالَ»، وإتْيانُ العَذابِ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى وُقُوعِهِ مَجازًا مُرْسَلًا.

والعَذابُ: عَذابُ الآخِرَةِ، أوْ عَذابُ الدُّنْيا الَّذِي هُدِّدَ بِهِ المُشْرِكُونَ والَّذِينَ ظَلَمُوا: المُشْرِكُونَ.

صفحة ٢٤٨

وطَلَبُ تَأْخِيرِ العَذابِ إنْ كانَ مُرادًا بِهِ عَذابُ الآخِرَةِ فالتَّأْخِيرُ بِمَعْنى تَأْخِيرِ الحِسابِ، أيْ: يَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا: أرْجِعْنا إلى الدُّنْيا لِنُجِيبَ دَعْوَتَكَ، وهَذا كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: ١٠٠]، فالتَّأْخِيرُ مُسْتَعْمَلٌ في الإعادَةِ إلى الحَياةِ الدُّنْيا مَجازًا مُرْسَلًا بِعَلاقَةِ الأوَّلِ، والرُّسُلُ: جَمِيعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ جاءُوهم بِدَعْوَةِ اللَّهِ.

وإنَّ حُمِلَ عَلى عَذابِ الدُّنْيا فالمَعْنى: أنَّ المُشْرِكِينَ يَقُولُونَ ذَلِكَ حِينَ يَرَوْنَ ابْتِداءَ العَذابِ فِيهِمْ، فالتَّأْخِيرُ عَلى هَذا حَقِيقَةً، والرُّسُلُ عَلى هَذا المَحْمَلِ مُسْتَعْمَلٌ في الواحِدِ مَجازًا، والمُرادُ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ .

والقَرِيبُ: القَلِيلُ الزَّمَنِ، شَبَّهَ الزَّمانَ بِالمَسافَةِ، أيْ: أخِّرْنا مِقْدارَ ما نُجِيبُ بِهِ دَعْوَتَكَ.

* * *

﴿أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ ﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم وتَبَيَّنَ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾

لَمّا ذُكِرَ قَبْلَ هَذِهِ الجُمْلَةِ طَلَبُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِن رَبِّهِمْ تَعَيَّنَ أنَّ الكَلامَ الواقِعَ بَعْدَها يَتَضَمَّنُ الجَوابَ عَنْ طَلَبِهِمْ فَهو بِتَقْدِيرِ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: يُقالُ لَهم، وقَدْ عُدِلَ عَنِ الجَوابِ بِالإجابَةِ أوِ الرَّفْضِ إلى التَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ رَفْضَ ما سَألُوهُ، وافْتُتِحَتْ جُمْلَةُ الجَوابِ بِواوِ العَطْفِ تَنْبِيهًا عَلى مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ مُقَدَّرٍ هو رَفْضُ ما سَألُوهُ، حُذِفَ إيجازًا؛ لِأنَّ شَأْنَ مُسْتَحِقِّ التَّوْبِيخِ أنْ لا يُعْطى سُؤْلَهُ. فالتَّقْدِيرُ: كَلّا، وألَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ. . . الخَ.

والزَّوالُ: الِانْتِقالُ مِنَ المَكانِ، وأُرِيدَ بِهِ هُنا الزَّوالُ مِنَ القُبُورِ إلى الحِسابِ.

صفحة ٢٤٩

وحُذِفُ مُتَعَلِّقُ زَوالٍ لِظُهُورِ المُرادِ، قالَ تَعالى ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨] .

وجُمْلَةُ ﴿ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ أقْسَمْتُمْ، ولَيْسَتْ عَلى تَقْدِيرِ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ؛ ولِذَلِكَ لَمْ يُراعَ فِيها طَرِيقُ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ فَلَمْ يَقُلْ: ما لَنا مِن زَوالٍ، بَلْ جِيءَ بِضَمِيرِ الخِطابِ المُناسِبِ لِقَوْلِهِ أوَلَمْ تَكُونُوا.

وهَذا القَسَمُ قَدْ يَكُونُ صادِرًا مِن جَمِيعِ الظّالِمِينَ حِينَ كانُوا في الدُّنْيا لِأنَّهم كانُوا يَتَلَقَّوْنَ تَعالِيمَ واحِدَةً في الشِّرْكِ يَتَلَقّاها الخَلَفُ عَنْ سَلَفِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ صادِرًا مِن مُعْظَمِ هَذِهِ الأُمَمِ أوْ بَعْضِها ولَكِنَّ بَقِيَّتَهم مُضْمِرُونَ لِمَعْنى هَذا القَسَمِ.

وكَذَلِكَ الخِطابُ في قَوْلِهِ ﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ فَإنَّهُ يَعُمُّ جَمِيعَ أُمَمِ الشِّرْكِ عَدا الأُمَّةِ الأُولى مِنهم، وهَذا مِن تَخْصِيصِ العُمُومِ بِالعَقْلِ؛ إذْ لا بُدَّ أنْ تَكُونَ الأُمَّةُ الأُولى مِن أهْلِ الشِّرْكِ لَمْ تَسْكُنْ في مَساكِنِ مُشْرِكِينَ.

والمُرادُ بِالسُّكْنى: الحُلُولُ، ولِذَلِكَ عُدِّيَ بِحَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ خِلافًا لِأصْلِ فِعْلِهِ المُتَعَدِّي بِنَفْسِهِ، وكانَ العَرَبُ يَمُرُّونَ عَلى دِيارِ ثَمُودَ في رِحْلَتِهِمْ إلى الشّامِ ويَحُطُّونَ الرِّحالَ هُنالِكَ، ويَمُرُّونَ عَلى دِيارِ عادٍ في رِحْلَتِهِمْ إلى اليَمَنِ، وتَبَيُّنُ ما فَعَلَ اللَّهُ بِهِمْ مِنَ العِقابِ حاصِلٌ مِن مُشاهَدَةِ آثارِ العَذابِ مِن خَسْفٍ وفَناءِ اسْتِئْصالٍ وضَرْبِ الأمْثالِ بِأقْوالِ المَواعِظِ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -، ووَصْفِ الأحْوالِ الخَفِيَّةِ، وقَدْ جَمَعَ لَهم في إقامَةِ الحُجَّةِ بَيْنَ دَلائِلِ الآثارِ والمُشاهَدَةِ ودَلائِلِ المَوْعِظَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском