Ibn 'AshurIbrahim · 14:46–52

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ibrahim 14:46–52

14:46Page 261

وَقَدۡ مَكَرُواْ مَكۡرَهُمۡ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكۡرُهُمۡ وَإِن كَانَ مَكۡرُهُمۡ لِتَزُولَ مِنۡهُ ٱلۡجِبَالُ ٤٦

And they had planned their plan, but with Allāh is [recorded] their plan, even if their plan had been [sufficient] to do away with the mountains.1

صفحة ٢٥٠

﴿وقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهم وعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهم وإنْ كانَ مَكْرُهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفَ خَبَرٍ عَلى خَبَرٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ النّاسِ في قَوْلِهِ ﴿وأنْذِرِ النّاسَ﴾ [إبراهيم: ٤٤]، أيْ: أنْذِرْهم في حالِ وُقُوعِ مَكْرِهِمْ.

والمَكْرُ: تَبْيِيتُ فِعْلِ السُّوءِ بِالغَيْرِ وإضْمارُهُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وفي قَوْلِهِ ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٩٩] في سُورَةِ الأعْرافِ.

وانْتَصَبَ ”مَكْرَهُمُ“ الأوَّلُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلِ مَكَرُوا لِبَيانِ النَّوْعِ، أيِ: المَكْرَ الَّذِي اشْتَهَرُوا بِهِ، فَإضافَةُ (مَكْرٍ) إلى ضَمِيرِ (هم) مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ. وكَذَلِكَ إضافَةُ ”مَكْرٍ“ الثّانِي إلى ضَمِيرِ (هم) .

والعِنْدِيَّةُ إمّا عِنْدِيَّةُ عِلْمٍ، أيْ: وفي عِلْمِ اللَّهِ مَكْرُهم، فَهو تَعْرِيضٌ بِالوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ بِالمُؤاخَذَةِ بِسُوءِ فِعْلِهِمْ، وإمّا عِنْدِيَّةُ تَكْوِينِ ما سُمِّيَ بِمَكْرِ اللَّهِ، وتَقْدِيرُهُ في إرادَةِ اللَّهِ، فَيَكُونُ وعِيدًا بِالجَزاءِ عَلى مَكْرِهِمْ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ لِتَزُولَ بِكَسْرِ اللّامِ وبِنَصْبِ الفِعْلِ المُضارِعِ بَعْدَها فَتَكُونُ (إنْ) نافِيَةً ولامُ (لِتَزُولَ) لامَ الجُحُودِ، أيْ: وما كانَ مَكْرُهم زائِلَةً مِنهُ الجِبالُ، وهو اسْتِخْفافٌ بِهِمْ، أيْ: لَيْسَ مَكْرُهم بِمُتَجاوِزِ مَكْرِ أمْثالِهِمْ، وما هو بِالَّذِي تَزُولُ مِنهُ الجِبالُ، وفي هَذا تَعْرِيضٌ بِأنَّ الرَّسُولَ ﷺ والمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يُرِيدُ المُشْرِكُونَ المَكْرَ بِهِمْ لا يُزَعْزِعُهم مَكْرُهم؛لِأنَّهم كالجِبالِ الرَّواسِي.

وقَرَأ الكِسائِيُّ - وحْدَهُ - بِفَتْحِ اللّامِ الأُولى مِن لِتَزُولَ ورَفْعِ اللّامِ الثّانِيَةِ عَلى أنْ تَكُونَ (إنْ) مُخَفَّفَةً مِن (إنَّ) المُؤَكِّدَةِ وقَدْ أكْمَلَ إعْمالَها، واللّامُ فارِقَةٌ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ، فَيَكُونُ الكَلامُ إثْباتًا لِزَوالِ الجِبالِ مِن مَكْرِهِمْ، أيْ: هو

صفحة ٢٥١

مَكْرٌ عَظِيمٌ لَتَزُولُ مِنهُ الجِبالُ لَوْ كانَ لَها أنْ تَزُولَ، أيْ: جَدِيرَةٌ، فَهو مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الجَدارَةِ والتَّأهُّلِ لِلزَّوالِ لَوْ كانَتْ زائِلَةً، وهَذا مِنَ المُبالَغَةِ في حُصُولِ أمْرٍ شَنِيعٍ أوْ شَدِيدٍ في نَوْعِهِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠] .

14:47Page 261

فَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخۡلِفَ وَعۡدِهِۦ رُسُلَهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٞ ذُو ٱنتِقَامٖ ٤٧

So never think that Allāh will fail in His promise to His messengers. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Owner of Retribution.1

﴿فَلا تَحْسِبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾

تَفْرِيعٌ عَلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢]، وهَذا مَحَلُّ التَّسْلِيَةِ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢]؛ لِأنَّ تَأْخِيرَ ما وعَدَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ مِن إنْزالِ العِقابِ بِأعْدائِهِ يُشْبِهُ حالَ المُخْلِفِ وعْدَهُ، فَلِذَلِكَ نُهِيَ عَنْ حُسْبانِهِ.

وأُضِيفَ مُخْلِفَ إلى مَفْعُولِهِ الثّانِي وهو ”وعْدَهُ“ وإنْ كانَ المَفْعُولُ الأوَّلُ هو الأصْلُ في التَّقْدِيمِ والإضافَةُ إلَيْهِ؛ لِأنَّ الِاهْتِمامَ بِنَفْيِ إخْلافِ الوَعْدِ أشَدُّ، فَلِذَلِكَ قَدَّمَ وعْدَهُ عَلى رُسُلِهِ.

و(رُسُلَهُ): جَمْعٌ مُرادٌ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ لا مَحالَةَ، فَهو جَمْعٌ مُسْتَعْمَلٌ في الواحِدِ مَجازًا، وهَذا تَثْبِيتٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِأنَّ اللَّهَ مُنْجِزٌ لَهُ ما وعَدَهُ مِن نَصْرِهِ عَلى الكافِرِينَ بِهِ، فَأمّا وعْدُهُ لِلرُّسُلِ السّابِقِينَ فَذَلِكَ أمْرٌ قَدْ تَحَقَّقَ فَلا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ مُرادًا مِن ظاهِرِ جَمْعِ رُسُلِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنْ حُسْبانِهِ مُخْلِفَ وعْدَهُ.

والعِزَّةُ: القُدْرَةُ، والمَعْنى: أنَّ مُوجِبَ إخْلافِ الوَعْدِ مُنْتَفٍ عَنِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ إخْلافَ الوَعْدِ يَكُونُ إمّا عَنْ عَجْزٍ وإمّا عَنْ عَدَمِ اعْتِيادِ المَوْعُودِ بِهِ، فالعِزَّةُ

صفحة ٢٥٢

تَنْفِي الأوَّلَ وكَوْنُهُ صاحِبَ انْتِقامٍ يَنْفِي الثّانِي، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ أيْضًا وبِها تَمَّ الكَلامُ.

14:48–51Page 261

يَوۡمَ تُبَدَّلُ ٱلۡأَرۡضُ غَيۡرَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُۖ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ ٤٨

[It will be] on the Day the earth will be replaced by another earth, and the heavens [as well], and they [i.e., all creatures] will come out before Allāh, the One, the Prevailing,

وَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ يَوۡمَئِذٖ مُّقَرَّنِينَ فِي ٱلۡأَصۡفَادِ ٤٩

And you will see the criminals that Day bound together in irons,

سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٖ وَتَغۡشَىٰ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ ٥٠

Their garments of liquid pitch and their faces covered by the Fire

لِيَجۡزِيَ ٱللَّهُ كُلَّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ٥١

So that Allāh will recompense every soul for what it earned. Indeed, Allāh is swift in account.

﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتِ وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ ﴿وتَرى المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ ﴿سَرابِيلُهم مِن قَطْرانٍ وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾

اسْتِئْنافٌ لِزِيادَةِ الإنْذارِ بِيَوْمِ الحِسابِ؛ لِأنَّ في هَذا تَبْيِينَ بَعْضِ ما في ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الأهْوالِ، فَلَكَ أنْ تَجْعَلَ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ﴾ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ ﴿سَرِيعُ الحِسابِ﴾ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ بِوَصْفِ ما يَحْصُلُ فِيهِ، فَجاءَ عَلى هَذا النَّظْمِ لِيَحْصُلَ مِنَ التَّشْوِيقِ إلى وصْفِ هَذا اليَوْمِ لِما فِيهِ مِنَ التَّهْوِيلِ.

ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ، وتَجْعَلُ جُمْلَةَ ﴿إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ عَلى هَذا تَذْيِيلًا، ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ . والتَّقْدِيرُ: يَجْزِي اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ. . الخَ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ تَذْيِيلٌ أيْضًا.

والتَّبْدِيلُ: التَّغْيِيرُ في شَيْءٍ إمّا بِتَغْيِيرِ صِفاتِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠]، وقَوْلِكَ: بَدَّلْتُ الحَلْقَةَ خاتَمًا؛ وإمّا بِتَغْيِيرِ ذاتِهِ وإزالَتِها بِذاتٍ أُخْرى، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ [النساء: ٥٦]، وقَوْلِهِ ﴿وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ [سبإ: ١٦] .

صفحة ٢٥٣

وتَبْدِيلُ الأرْضِ والسَّماواتِ يَوْمَ القِيامَةِ: إمّا بِتَغْيِيرِ الأوْصافِ الَّتِي كانَتْ لَها وإبْطالِ النُّظُمِ المَعْرُوفَةِ فِيها في الحَياةِ الدُّنْيا، وإمّا بِإزالَتِها ووِجْدانِ أرْضٍ وسَماواتٍ أُخْرى في العالَمِ الأُخْرَوِيِّ، وحاصِلُ المَعْنى: اسْتِبْدالُ العالَمِ المَعْهُودِ بِعالَمٍ جَدِيدٍ.

ومَعْنى ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ مِثْلُ ما ذُكِرَ في قَوْلِهِ ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [إبراهيم: ٢١]، والوَصْفُ بِـ ﴿الواحِدِ القَهّارِ﴾ لِلرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ أثْبَتُوا لَهُ شُرَكاءً وزَعَمُوا أنَّهم يُدافِعُونَ عَنْ أتْباعِهِمْ، وضَمِيرُ ”بَرَزُوا“ عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِنَ السِّياقِ، أيْ: وبَرَزَ النّاسُ أوْ بَرَزَ المُشْرِكُونَ.

والتَّقْرِينُ: وضْعُ اثْنَيْنِ في قَرْنٍ، أيْ: حَبْلٍ.

والأصْفادُ: جَمْعُ صِفادٍ بِوَزْنِ كِتابٍ، وهو القَيْدُ والغُلُّ.

والسَّرابِيلُ: جَمْعُ سِرْبالٍ وهو القَمِيصُ، وجُمْلَةُ ﴿سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ﴾ حالٌ مِنَ المُجْرِمِينَ.

والقَطِرانُ: دَهْنٌ مِن تَرْكِيبٍ كِيمْياوِيٍّ قَدِيمٍ عِنْدَ البَشَرِ يَصْنَعُونَهُ مِن إغْلاءِ شَجَرِ الأرْزِ وشَجَرِ السَّرْوِ وشَجَرِ الأُبْهُلِ بِضَمِّ الهَمْزَةِ والهاءِ وبَيْنَهُما مُوَحَّدَةٌ ساكِنَةٌ، وهو شَجَرٌ مِن فَصِيلَةِ العَرْعَرِ، ومِن شَجَرِ العَرْعَرِ: بِأنْ تُقْطَعَ الأخْشابُ وتُجْعَلَ في قُبَّةٍ مَبْنِيَّةٍ عَلى بَلاطٍ سَوِيٍّ وفي القُبَّةِ قَناةٌ إلى خارِجٍ، وتُوقَدُ النّارُ حَوْلَ تِلْكَ الأخْشابِ فَتَصْعَدُ الأبْخِرَةُ مِنها، ويَسْرِي ماءُ البُخارِ في القَناةِ فَتَصُبُّ في إناءٍ آخَرَ مَوْضُوعٍ تَحْتَ القَناةِ؛ فَيَتَجَمَّعُ مِنهُ ماءٌ أسْوَدُ يَعْلُوهُ زَبَدٌ خائِرٌ أسْوَدُ، فالماءُ يُعْرَفُ بِالسّائِلِ والزَّبَدُ يُعْرَفُ بِالبَرْقِيِّ، ويُتَّخَذُ لِلتَّداوِي مِنَ الجَرَبِ لِلْإبِلِ ولِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو مَوْصُوفٌ في كُتُبِ الطِّبِّ وعِلْمِ الأقْرَباذِينِ.

وجُعِلَتْ سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ؛ لِأنَّهُ شَدِيدُ الحَرارَةِ فَيُؤْلِمُ الجِلْدَ الواقِعَ هو عَلَيْهِ، فَهو لِباسُهم قَبْلَ دُخُولِ النّارِ ابْتِداءً بِالعَذابِ حَتّى يَقَعُوا في النّارِ.

صفحة ٢٥٤

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، إمّا لِتَحْقِيقِ أنَّ ذَلِكَ واقِعٌ كَقَوْلِهِ ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ﴾ [الذاريات: ٥] ﴿وإنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ﴾ [الذاريات: ٦]، وإمّا اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، وأُخِّرَتْ إلى آخَرِ الكَلامِ لِتَقْدِيمِ ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ﴾ إذا قُدِّرَ مَعْمُولًا لَها كَما ذَكَرْناهُ آنِفًا.

14:52Page 261

هَٰذَا بَلَٰغٞ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِۦ وَلِيَعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٥٢

This [Qur’ān] is notification for the people that they may be warned thereby and that they may know that He is but one God and that those of understanding will be reminded.

﴿هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ ولِيُنْذَرُوا بِهِ ولِيَعْلَمُوا أنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ ولِيَذَّكَّرَ أُولُوا الألْبابِ﴾ الإشارَةُ إلى الكَلامِ السّابِقِ في السُّورَةِ كُلِّها مِن أيْنَ ابْتَدَأْتَهُ أصَبْتَ مُرادَ الإشارَةِ، والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ لِلسُّورَةِ كُلِّها.

والبَلاغُ: اسْمُ مَصْدَرِ التَّبْلِيغِ، أيْ: هَذا المِقْدارُ مِنَ القُرْآنِ في هَذِهِ السُّورَةِ تَبْلِيغٌ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ.

واللّامُ في ”لِلنّاسِ“ هي المَعْرُوفَةُ بِلامِ التَّبْلِيغِ، وهي الَّتِي تَدْخُلُ عَلى اسْمِ مَن يَسْمَعُ قَوْلًا أوْ ما في مَعْناهُ.

وعَطْفُ ”ولِيُنْذَرُوا“ عَلى بَلاغٍ عَطْفٌ عَلى كَلامٍ مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفَظُ بِلاغٍ، إذْ لَيْسَ في الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ ما يَصْلُحُ لِأنْ يُعْطَفُ هَذا عَلَيْهِ؛ فَإنَّ وُجُودَ لامِ الجَرِّ مَعَ وُجُودِ واوِ العَطْفِ مانِعٌ مِن جَعْلِهِ عَطْفًا عَلى الخَبَرِ؛ لِأنَّ المَجْرُورَ إذا وقَعَ خَبَرًا عَنِ المُبْتَدَأِ اتَّصَلَ بِهِ مُباشَرَةً دُونَ عَطْفٍ إذْ هو بِتَقْدِيرِ كائِنٍ أوْ مُسْتَقِرٍّ، وإنَّما تُعْطَفُ الأخْبارُ إذا كانَتْ أوْصافًا؛ والتَّقْدِيرُ: هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ لِيَسْتَيْقِظُوا مِن غَفْلَتِهِمْ ولِيُنْذَرُوا بِهِ.

واللّامُ في ولِيُنْذَرُوا لامُ (كَيْ)، وقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبٌ مِن نَظْمِ هَذِهِ الآيَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ولِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها﴾ [الأنعام: ٩٢] في سُورَةِ الأنْعامِ.

صفحة ٢٥٥

والمَعْنى: ولِيَعْلَمُوا مِمّا ذُكِرَ فِيهِ مِنَ الأدِلَّةِ ما اللَّهُ إلّا إلَهٌ واحِدٌ، أيْ: مَقْصُورٌ عَلى الإلَهِيَّةِ المُوَحَّدَةِ، وهَذا قَصْرٌ مَوْصُوفٌ عَلى صِفَةٍ وهو إضافِيٌّ، أيْ: أنَّهُ تَعالى لا يَتَجاوَزُ تِلْكَ الصِّفَةَ إلى صِفَةِ التَّعَدُّدِ بِالكَثْرَةِ أوِ التَّثْلِيثِ، كَقَوْلِهِ ﴿إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾ [النساء: ١٧١] .

والتَّذَكُّرُ: النَّظَرُ في أدِلَّةِ صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ ووُجُوبُ اتِّباعِهِ؛ ولِذَلِكَ خُصَّ بِذَوِي الألْبابِ تَنْزِيلًا لِغَيْرِهِمْ مَنزِلَةَ مَن لا عُقُولَ لَهم ﴿إنْ هم إلّا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤] .

وقَدْ رُتِّبَتْ صِفاتُ الآياتِ المُشارِ إلَيْها بِاسْمِ الإشارَةِ عَلى تَرْتِيبٍ عَقْلِيٍّ بِحَسْبِ حُصُولِ بَعْضِها عَقِبَ بَعْضٍ، فابْتُدِئَ بِالصِّفَةِ العامَّةِ وهي حُصُولُ التَّبْلِيغِ، ثُمَّ ما يَعْقُبُ حُصُولُ التَّبْلِيغِ مِنَ الإنْذارِ، ثُمَّ ما يَنْشَأُ عَنْهُ مِنَ العِلْمِ بِالوَحْدانِيَّةِ لِما في خِلالِ هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الدَّلائِلِ، ثُمَّ بِالتَّذْكِيرِ في ما جاءَ بِهِ ذَلِكَ البَلاغُ وهو تَفاصِيلُ العِلْمِ والعَمَلِ، وهَذِهِ المَراتِبُ هي جامِعُ حِكْمَةِ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مُوَزَّعَةً عَلى مَن بَلَّغَ إلَيْهِمْ، ويَخْتَصُّ المُسْلِمُونَ بِمَضْمُونِ قَوْلِهِ ﴿ولِيَذَّكَّرَ أُولُوا الألْبابِ﴾ .

* * *

صفحة ٥

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ الحِجْرِ

سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ الحِجْرَ، ولا يُعْرَفُ لَها اسْمٌ غَيْرَهُ، ووَجْهُ التَّسْمِيَةِ أنَّ اسْمَ الحِجْرِ لَمْ يُذْكَرْ في غَيْرِها.

والحِجْرُ اسْمُ البِلادِ المَعْرُوفَةِ بِهِ وهو حِجْرُ ثَمُودَ، وثَمُودُ هم أصْحابُ الحِجْرِ، وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ﴾ [الحجر: ٨٠]، والمُكْتِبُونَ في كَتاتِيبِ تُونُسَ يَدْعُونَها سُورَةَ رُبَما؛ لِأنَّ كَلِمَةَ (رُبَما) لَمْ تَقَعْ في القُرْآنِ كُلِّهِ إلّا في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ.

وهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها، وحُكِيَ الِاتِّفاقُ عَلَيْهِ.

وعَنِ الحَسَنِ اسْتِثْناءُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] بِناءً عَلى أنَّ سَبْعًا مِنَ المَثانِي هي سُورَةُ الفاتِحَةِ وعَلى أنَّها مَدَنِيَّةٌ، وهَذا لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ الأصَحَّ أنَّ الفاتِحَةَ مَكِّيَّةٌ.

واسْتِثْناءُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ﴾ [الحجر: ٩٠] ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١] بِناءً عَلى تَفْسِيرِهِمُ ﴿المُقْتَسِمِينَ﴾ [الحجر: ٩٠] بِأهْلِ الكِتابِ وهو صَحِيحٌ، وتَفْسِيرُ ﴿جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١] أنَّهم قالُوا: ما وافَقَ مِنهُ كِتابَنا فَهو صِدْقٌ وما خالَفَ كِتابَنا فَهو كَذِبٌ، ولَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إلّا يَهُودُ المَدِينَةِ، وهَذا لا نُصَحِّحُهُ كَما نُبَيِّنُهُ عِنْدَ الكَلامِ عَلى تِلْكَ الآيَةِ.

صفحة ٦

ولَوْ سَلِمَ هَذا التَّفْسِيرُ مِن جِهَتَيْهِ فَقَدْ يَكُونُ؛ لِأنَّ اليَهُودَ سَمِعُوا القُرْآنَ قَبْلَ هِجْرَةِ النَّبِيءِ ﷺ بِقَلِيلٍ فَقالُوا ذَلِكَ حِينَئِذٍ، عَلى أنَّهُ قَدْ رُوِيَ أنَّ قُرَيْشًا لَمّا أهَمَّهم أمْرُ النَّبِيءِ ﷺ اسْتَشارُوا في أمْرِهِ يَهُودَ المَدِينَةِ.

وقالَ في الإتْقانِ: يَنْبَغِي اسْتِثْناءُ قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾ [الحجر: ٢٤] لِما أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُ في سَبَبِ نُزُولِها، وأنَّها في صُفُوفِ الصَّلاةِ اهـ.

وهُوَ يُشِيرُ بِذَلِكَ إلى ما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ مِن طَرِيقِ نُوحِ بْنِ قَيْسٍ الجُذامِيِّ عَنْ أبِي الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَتِ امْرَأةٌ تُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَسْناءُ، فَكانَ بَعْضُ القَوْمِ يَتَقَدَّمُ حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ الأوَّلِ لِئَلّا يَراها، ويَسْتَأْخِرُ بَعْضُهم حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ المُؤَخَّرِ أيْ: مِن صُفُوفِ الرِّجالِ فَإذا رَكَعَ نَظَرَ مِن تَحْتِ إبِطَيْهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾ [الحجر»: ٢٤] . قالَ التِّرْمِذِيُّ ورَواهُ جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمانَ ولَمْ يَذْكُرِ ابْنَ عَبّاسٍ، وهَذا أشْبَهُ أنْ يَكُونَ أصَحَّ مِن حَدِيثِ نُوحٍ اهـ، وهَذا تَوْهِينٌ لِطَرِيقِ نُوحٍ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: وهَذا الحَدِيثُ فِيهِ نَكارَةٌ شَدِيدَةٌ، والظّاهِرُ أنَّهُ مِن كَلامِ أبِي الجَوْزاءِ فَقَطْ لَيْسَ فِيهِ لِابْنِ عَبّاسٍ ذِكْرٌ، فَلا اعْتِمادَ إلّا عَلى حَدِيثِ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمانَ وهو مَقْطُوعٌ.

وعَلى تَصْحِيحِ أنَّها مَكِّيَّةٌ فَقَدْ عُدَّتِ الرّابِعَةَ والخَمْسِينَ في عَدَدِ نُزُولِ السُّوَرِ؛ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ يُوسُفَ وقَبْلَ سُورَةِ الأنْعامِ.

ومِنَ العَجِيبِ اخْتِلافُهم في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ وهي مُشْتَمِلَةٌ عَلى آيَةِ ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤]، وقَدْ نَزَلَتْ عِنْدَ خُرُوجِ النَّبِيءِ ﷺ مِن دارِ الأرْقَمِ في آخِرِ السَّنَةِ الرّابِعَةِ مِن بَعْثَتِهِ.

وعَدَدُ آيِها تِسْعٌ وتِسْعُونَ بِاتِّفاقِ العادِّينَ.

* * *

صفحة ٧

مَقاصِدُ هَذِهِ السُّورَةِ.

افْتُتِحَتْ بِالحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ الَّتِي فِيها تَعْرِيضٌ بِالتَّحَدِّي بِإعْجازِ القُرْآنِ. وعَلى التَّنْوِيهِ بِفَضْلِ القُرْآنِ وهَدْيِهِ، وإنْذارِ المُشْرِكِينَ بِنَدَمٍ يَنْدَمُونَهُ عَلى عَدَمِ إسْلامِهِمْ، وتَوْبِيخِهِمْ بِأنَّهم شَغَلَهم عَنِ الهُدى انْغِماسُهم في شَهَواتِهِمْ، وإنْذارِهِمْ بِالهَلاكِ عِنْدَ حُلُولِ إبّانِ الوَعِيدِ الَّذِي عَيَّنَهُ اللَّهُ في عِلْمِهِ، وتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ عَلى عَدَمِ إيمانِ مَن لَمْ يُؤْمِنُوا، وما يَقُولُونَهُ في شَأْنِهِ وما يَتَوَرَّكُونَ بِطَلَبِهِ مِنهُ، وأنَّ تِلْكَ عادَةُ المُكَذِّبِينَ مَعَ رُسُلِهِمْ، وأنَّهم لا تُجْدِي فِيهِمُ الآياتُ والنُّذُرُ لَوْ أُسْعِفُوا بِمَجِيءِ آياتٍ حَسَبِ اقْتِراحِهِمْ بِهِ وأنَّ اللَّهَ حافِظٌ كِتابَهُ مِن كَيْدِهِمْ، ثُمَّ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِعَظِيمِ صُنْعِ اللَّهِ وما فِيهِ مِن نِعَمٍ عَلَيْهِمْ، وذِكْرِ البَعْثِ ودَلائِلِ إمْكانِهِ، وانْتَقَلَ إلى خَلْقِ نَوْعِ الإنْسانِ وما شَرَّفَ اللَّهُ بِهِ هَذا النَّوْعَ، وقِصَّةِ كُفْرِ الشَّيْطانِ.

ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ إبْراهِيمَ ولُوطٍ - عَلَيْهِما السَّلامُ - وأصْحابِ الأيْكَةِ وأصْحابِ الحِجْرِ.

وخُتِمَتْ بِتَثْبِيتِ الرَّسُولِ ﷺ وانْتِظارِ ساعَةِ النَّصْرِ، وأنْ يَصْفَحَ عَنِ الَّذِينَ يُؤْذُونَهُ، ويَكِلَ أمْرَهم إلى اللَّهِ، ويَشْتَغِلَ بِالمُؤْمِنِينَ، وأنَّ اللَّهَ كافِيهِ أعْداءَهُ.

مَعَ ما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِنَ الِاعْتِراضِ والإدْماجِ مِن ذِكْرِ خَلْقِ الجِنِّ، واسْتِراقِهِمُ السَّمْعَ، ووَصْفِ أحْوالِ المُتَّقِينَ، والتَّرْغِيبِ في المَغْفِرَةِ، والتَّرْهِيبِ مِنَ العَذابِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском