Ibn 'AshurAl‑Hijr · 15:9–15

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Hijr 15:9–15

15:9Page 262

إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ٩

Indeed, it is We who sent down the message [i.e., the Qur’ān], and indeed, We will be its guardian.

﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِإبْطالِ جُزْءٍ مِن كَلامِهِمُ المُسْتَهْزِئِينَ بِهِ، إذْ قالُوا ﴿يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ [الحجر: ٦]، بَعْدَ أنْ عَجَّلَ كَشْفَ شُبْهَتِهِمْ في قَوْلِهِمْ ﴿لَوْما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الحجر: ٧] .

جاءَ نَشْرُ الجَوابَيْنِ عَلى عَكْسِ لَفِّ المَقالَيْنِ اهْتِمامًا بِالِابْتِداءِ بِرَدِّ المَقالِ الثّانِي بِما فِيهِ مِنَ الشُّبْهَةِ بِالتَّعْجِيزِ والإفْحامِ، ثُمَّ ثُنِّيَ العَنانُ إلى رَدِّ تَعْرِيضِهِمْ بِالِاسْتِهْزاءِ وسُؤالِ رُؤْيَةِ المَلائِكَةِ.

وكانَ هَذا الجَوابُ مِن نَوْعِ القَوْلِ بِالمُوجِبِ بِتَقْرِيرِ إنْزالِ الذِّكْرِ عَلى الرَّسُولِ ﷺ مُجاراةً لِظاهِرِ كَلامِهِمْ.

والمَقْصُودُ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ في اسْتِهْزائِهِمْ، فَأُكِّدَ الخَبَرُ بِـ (إنّا)، وضَمِيرِ الفَصْلِ مَعَ مُوافَقَتِهِ لِما في الواقِعِ كَقَوْلِهِ ﴿قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] .

صفحة ٢١

ثُمَّ زادَ ذَلِكَ ارْتِقاءً ونِكايَةً لَهم، بِأنَّ مُنْزِلَ الذَّكَرِ هو حافِظُهُ مِن كَيْدِ الأعْداءِ؛ فَجُمْلَةُ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ مُعْتَرِضَةٌ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ.

والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِاللّامِ عائِدٌ إلى الذِّكْرِ، واللّامُ لِتَقْوِيَةِ عَمَلِ العامِلِ لِضَعْفِهِ بِالتَّأْخِيرِ عَنْ مَعْمُولِهِ.

وشَمَلَ حَفِظُهُ الحِفْظَ مِنَ التَّلاشِي، والحِفْظَ مِنَ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ فِيهِ، بِأنْ يَسَّرَ تَواتُرَهُ وأسْبابَ ذَلِكَ، وسَلَّمَهُ مِنَ التَّبْدِيلِ والتَّغْيِيرِ حَتّى حَفِظَتْهُ الأُمَّةُ عَنْ ظُهُورِ قُلُوبِها مِن حَياةِ النَّبِيءِ ﷺ، فاسْتَقَرَّ بَيْنَ الأُمَّةِ بِمَسْمَعٍ مِنَ النَّبِيءِ ﷺ وصارَ حُفّاظُهُ بِالِغِينَ عَدَدَ التَّواتُرِ في كُلِّ مِصْرٍ.

وقَدْ حَكى عِياضٌ في المَدارِكِ: أنَّ القاضِيَ إسْماعِيلَ بْنَ إسْحاقَ بْنِ حَمّادٍ المالِكِيَّ البَصْرِيَّ سُئِلَ عَنْ السِّرِّ في تَطَرُّقِ التَّغْيِيرِ لِلْكُتُبِ السّالِفَةِ وسَلامَةِ القُرْآنِ مِن طرقِ التَّغْيِيرِ لَهُ، فَأجابَ بِأنَّ اللَّهَ أوْكَلَ لِلْأحْبارِ حِفْظَ كُتُبِهِمْ فَقالَ: ﴿بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٤] - وتَوَلّى حِفْظَ القُرْآنِ بِذاتِهِ تَعالى فَقالَ ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ قالَ أبُو الحَسَنِ بْنِ المُنْتابِ ذَكَرْتُ هَذا الكَلامَ لِلْمُحامِلِيِّ فَقالَ لِي: لا أحْسَنَ مِن هَذا الكَلامِ.

صفحة ٢٢

وفِي تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ في خَبَرٍ رَواهُ عَنْ يَحْيى بْنِ أكْثَمَ: أنَّهُ ذَكَرَ قِصَّةَ إسْلامِ رَجُلٍ يَهُودِيٍّ في زَمَنِ المَأْمُونِ، وحَدَّثَ بِها سُفْيانَ بْنَ عُيَيْنَةَ فَقالَ سُفْيانُ: قالَ اللَّهُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ ﴿بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٤] فَجَعَلَ حِفْظَهُ إلَيْهِمْ فَضاعَ، وقالَ عَزَّ وجَلَّ ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ فَحَفِظَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْنا فَلَمْ يَضِعْ اهـ، ولَعَلَّ هَذا مِن تَوارُدِ الخَواطِرِ.

وفِي هَذا مَعَ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ القُرْآنِ إغاظَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِأنَّ أمْرَ هَذا الدِّينِ سَيَتِمُّ، ويَنْتَشِرُ القُرْآنُ، ويَبْقى عَلى مَرِّ الأزْمانِ، وهَذا مِنَ التَّحَدِّي لِيَكُونَ هَذا الكَلامُ كالدَّلِيلِ عَلى أنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ آيَةً عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مِن قَوْلِ البَشَرِ أوْ لَمْ يَكُنْ آيَةً لَتَطَرَّقَتْ إلَيْهِ الزِّيادَةُ والنُّقْصانُ ولاشْتَمَلَ عَلى الِاخْتِلافِ، قالَ تَعالى ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] .

15:10–11Page 262

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ فِي شِيَعِ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٠

And We had certainly sent [messengers] before you, [O Muḥammad], among the sects of the former peoples.

وَمَا يَأۡتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ١١

And no messenger would come to them except that they ridiculed him.

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في شِيَعِ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾

عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] بِاعْتِبارِ أنَّ تِلْكَ جَوابٌ عَنِ اسْتِهْزائِهِمْ في قَوْلِهِمْ ﴿يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] فَإنَّ جُمْلَةَ ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩] قَوْلٌ بِمُوجَبِ قَوْلِهِمْ ﴿يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ [الحجر: ٦]، وجُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في شِيَعِ الأوَّلِينَ﴾ إبْطالٌ لِاسْتِهْزائِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ بِنُظَرائِهِمْ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ.

وفِي هَذا التَّنْظِيرِ تَحْقِيقٌ لِكُفْرِهِمْ؛لِأنَّ كُفْرَ أُولَئِكَ السّالِفِينَ مُقَرٌّ عِنْدَ الأُمَمِ ومُتَحَدَّثٌ بِهِ بَيْنَهم.

وفِيهِ أيْضًا تَعْرِيضٌ بِوَعِيدِ أمْثالِهِمْ وإدْماجٍ بِالكِنايَةِ عَنْ تَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ .

صفحة ٢٣

والتَّأْكِيدُ بِلامِ القَسَمِ و(قَدْ) لِتَحْقِيقِ سَبْقِ الإرْسالِ مِنَ اللَّهِ، مِثْلَ الإرْسالِ الَّذِي جَحَدُوهُ واسْتَعْجَبُوهُ كَقَوْلِهِ ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهُمْ﴾ [يونس: ٢]، وذَلِكَ مُقْتَضى مَوْقِعِ قَوْلِهِ مِن قَبْلِكَ.

والشِّيَعُ: جَمْعُ شِيعَةٍ وهي الفِرْقَةُ الَّتِي أمْرُها واحِدٌ، وتَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوْ يَلْبِسَكم شِيَعًا﴾ [الأنعام: ٦٥] في سُورَةِ الأنْعامِ، ويَأْتِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾ [مريم: ٦٩] في سُورَةِ مَرْيَمَ، أيْ: في أُمَمِ الأوَّلِينَ، أيِ: القُرُونِ الأُولى، فَإنَّ مِنَ الأُمَمِ مَن أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ومِنَ الأُمَمِ مَن لَمْ يُرْسَلْ إلَيْهِمْ؛ فَهَذا وجْهُ إضافَةِ شِيَعٍ إلى الأوَّلِينَ.

وكانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ يَدُلُّ عَلى تَكَرُّرِ ذَلِكَ مِنهم، وأنَّهُ سُنَّتُهم، فَـ (كانَ) دَلَّتْ عَلى أنَّهُ سَجِيَّةٌ لَهم، والمُضارِعُ دَلَّ عَلى تَكَرُّرِهِ مِنهم.

ومَفْعُولُ أرْسَلْنا مَحْذُوفٌ دَلَّتْ عَلَيْهِ صِيغَةُ الفِعْلِ، أيْ: رُسُلًا، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (مِن رَسُولٍ) .

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى (يَسْتَهْزِئُونَ) يُفِيدُ القَصْرَ لِلْمُبالَغَةِ؛ لِأنَّهم لَمّا كانُوا يُكْثِرُونَ الِاسْتِهْزاءَ بِرَسُولِهِمْ وصارَ ذَلِكَ سَجِيَّةً لَهم نَزَلُوا مَنزِلَةَ مَن لَيْسَ لَهُ عَمَلٌ إلّا الِاسْتِهْزاءَ بِالرَّسُولِ.

15:12–13Page 262

كَذَٰلِكَ نَسۡلُكُهُۥ فِي قُلُوبِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ١٢

Thus do We insert it [i.e., denial] into the hearts of the criminals.

لَا يُؤۡمِنُونَ بِهِۦ وَقَدۡ خَلَتۡ سُنَّةُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٣

They will not believe in it, while there has already occurred the precedent of the former peoples.

﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ سُؤالٍ يَخْطُرُ بِبالِ السّامِعِ لِقَوْلِهِ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الحجر: ١١] فَيَتَساءَلُ كَيْفَ تَوارَدَتْ هَذِهِ الأُمَمُ عَلى طَرِيقٍ واحِدٍ مِنَ الضَّلالِ فَلَمْ تُفِدْهم دَعْوَةُ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - كَما قالَ تَعالى أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ.

صفحة ٢٤

والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَنْ جُمْلَةِ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ؛ إذْ قَدْ يَخْطُرُ بِالبالِ أنَّ حِفْظَ الذِّكْرِ يَقْتَضِي أنْ لا يَكْفُرَ بِهِ مَن كَفَرَ، فَأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ عِقابٌ مِنَ اللَّهِ لَهم لِإجْرامِهِمْ وتَلَقِّيهِمُ الحَقَّ بِالسُّخْرِيَةِ وعَدَمِ التَّدَبُّرِ، ولِأجْلِ هَذا اخْتِيرَ لَهم وصْفُ المُجْرِمِينَ دُونَ الكافِرِينَ؛ لِأنَّ وصْفَ الكُفْرِ صارَ لَهم كاللَّقَبِ لا يُشْعِرُ بِمَعْنى التَّعْلِيلِ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] .

والتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ في ”نَسْلُكُهُ“ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المَقْصُودَ إسْلاكٌ في زَمَنِ الحالِ، أيْ: زَمَنِ نُزُولِ القُرْآنِ، لِيُعْلَمَ أنَّ المَقْصُودَ بَيانُ تَلَقِّي المُشْرِكِينَ لِلْقُرْآنِ، فَلا يُتَوَهَّمُ أنَّ المُرادَ بِالمُجْرِمِينَ شِيَعُ الأوَّلِينَ مَعَ ما يُفِيدُهُ المُضارِعُ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّجْدِيدِ المُناسِبِ لِقَوْلِهِ: ”وقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ“، أيْ: تَجَدَّدَ لِهَؤُلاءِ إبْلاغُ القُرْآنِ عَلى سُنَّةِ إبْلاغِ الرِّسالاتِ لِمَن قَبْلَهم. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ ذَلِكَ إعْذارٌ لَهم لِيَحِلَّ بِهِمُ العَذابُ كَما حَلَّ بِمَن قَبْلَهم.

والمُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (كَذَلِكَ) هو السَّلْكُ المَأْخُوذُ مِن ”نَسْلُكُهُ“ عَلى طَرِيقَةِ أمْثالِها المُقَرَّرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والسَّلْكُ: الإدْخالُ. قالَ الأعْشى:

كَما سَلَكَ السَّكِّيُّ في البابِ فَيْتَقُ

أيْ: مِثْلُ السَّلْكِ الَّذِي سَنَصِفُهُ (نَسْلُكُ الذِّكْرَ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ)، أيْ: هَكَذا نُولِجُ القُرْآنَ في عُقُولِ المُشْرِكِينَ، فَإنَّهم يَسْمَعُونَهُ ويَفْهَمُونَهُ إذْ هو مِن كَلامِهِمْ ويُدْرِكُونَ خَصائِصَهُ، ولَكِنَّهُ لا يَسْتَقِرُّ في عُقُولِهِمُ اسْتِقْرارَ تَصْدِيقٍ بِهِ، بَلْ هم مُكَذِّبُونَ بِهِ، كَما قالَ تَعالى ﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنهم مَن يَقُولُ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا وهم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤] ﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ وماتُوا وهم كافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٥] .

صفحة ٢٥

وبِهَذا السُّلُوكُ تَقُومُ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ بِتَبْلِيغِ القُرْآنِ إلَيْهِمْ ويُعادُ إسْماعُهم إيّاهُ المَرَّةَ بَعْدَ المَرَّةِ لِتَقُومَ الحُجَّةُ.

فَضَمِيرُ ”نَسْلُكُهُ“ وبِهِ عائِدانِ إلى الذِّكْرِ في قَوْلِهِ ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩] أيِ: القُرْآنِ.

والمُجْرِمُونَ هم كُفّارُ قُرَيْشٍ.

وجُمْلَةُ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ بَيانٌ لِلسَّلْكِ المُشَبَّهِ بِهِ أوْ حالٌ مِنَ المُجْرِمِينَ، أيْ: تَعِيَهُ عُقُولُهم ولا يُؤْمِنُونَ بِهِ، وهَذا عامٌّ مُرادٌ بِهِ مَن ماتُوا عَلى الكُفْرِ مِنهم، والمُرادُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ وقْتًا ما.

وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ”﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾“ وجُمْلَةِ ولَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ الخَ.

والكَلامُ تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ بِأنْ يَحِلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِالأُمَمِ الماضِيَةِ مُعامَلَةً لِلنَّظِيرِ بِنَظِيرِهِ؛ لِأنَّ كَوْنَ سُنَّةِ الأوَّلِينَ مَضَتْ أمْرٌ مَعْلُومٌ غَيْرُ مُفِيدٍ ذِكْرُهُ، فَكانَ الخَبَرُ مُسْتَعْمَلًا في لازِمِهِ بِقَرِينَةِ تَعَذُّرِ الحَمْلِ عَلى أصْلِ الخَبَرِيَّةِ.

والسُّنَّةُ: العادَةُ المَأْلُوفَةُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ﴾ [آل عمران: ١٣٧] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وإضافَتُها إلى الأوَّلِينَ بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِها بِهِمْ، وإنَّما هي سُنَّةُ اللَّهِ فِيهِمْ؛ لِأنَّها المَقْصُودُ هُنا، والإضافَةُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ.

15:14–15Page 262

وَلَوۡ فَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَابٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعۡرُجُونَ ١٤

And [even] if We opened to them a gate from the heaven and they continued therein to ascend,

لَقَالُوٓاْ إِنَّمَا سُكِّرَتۡ أَبۡصَٰرُنَا بَلۡ نَحۡنُ قَوۡمٞ مَّسۡحُورُونَ ١٥

They would say, "Our eyes have only been dazzled. Rather, we are a people affected by magic."

﴿ولَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ ﴿لَقالُوا إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ”﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [الحجر: ١٣]“ وهو كَلامٌ جامِعٌ لِإبْطالِ جَمِيعِ مَعاذِيرِهِمْ مِن قَوْلِهِمْ ﴿لَوْما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ﴾ [الحجر: ٧] وقَوْلِهِمْ ﴿إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]

صفحة ٢٦

بِأنَّهم لا يَطْلُبُونَ الدَّلالَةَ عَلى صِدْقِهِ؛ لِأنَّ دَلائِلَ الصِّدْقِ بَيِّنَةٌ، ولَكِنَّهم يَنْتَحِلُونَ المَعاذِيرَ المُخْتَلِفَةَ.

والكَلامُ الجامِعُ لِإبْطالِ مَعاذِيرِهِمْ: أنَّهم لَوْ فَتَحَ اللَّهُ بابًا مِنَ السَّماءِ حِينَ سَألُوا آيَةً عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ، أيْ: بِطَلَبٍ مِنَ الرَّسُولِ فاتَّصَلُوا بِعالِمِ القُدُسِ والنُّفُوسِ المَلَكِيَّةِ ورَأوْا ذَلِكَ رَأْيَ العَيْنِ لاعْتَذَرُوا بِأنَّها تَخَيُّلاتٌ وأنَّهم سُحِرُوا فَرَأوْا ما لَيْسَ بِشَيْءٍ شَيْئًا.

ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأنعام: ٧] .

(و ظَلَّ) تَدُلُّ عَلى الكَوْنِ في النَّهارِ، أيْ: وكانَ ذَلِكَ في وضَحِ النَّهارِ وتَبَيُّنِ الأشْباحِ، وعَدَمِ التَّرَدُّدِ في المَرْئِيِّ.

والعُرُوجُ: الصُّعُودُ، ويَجُوزُ في مُضارِعِهِ ضَمُّ الرّاءِ - وبِهِ القِراءَةُ - وكَسْرُها، أيْ: فَكانُوا يَصْعَدُونَ في ذَلِكَ البابِ نَهارًا.

وسُكِّرَتْ بِضَمِّ السِّينِ وتَشْدِيدِ الكافِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وبِتَخْفِيفِ الكافِ في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ، وهو مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ عَلى القِراءَتَيْنِ، أيْ: سُدَّتْ، يُقالُ: سَكَّرَ البابَ بِالتَّشْدِيدِ وسَكَرَهُ بِالتَّخْفِيفِ إذا سَدَّهُ.

والمَعْنى: لَجَحَدُوا أنْ يَكُونُوا رَأوْا شَيْئًا.

وأتَوْا بِصِيغَةِ الحَصْرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم قَدْ بَتُّوا القَوْلَ في ذَلِكَ، ورَدُّ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ ظَنٌّ أنْ يَكُونُوا رَأوْا أبْوابَ السَّماءِ وعَرَجُوا فِيها، وزَعَمُوا أنَّهم ما كانُوا يُبْصِرُونَ، ثُمَّ أضْرَبُوا عَنْ ذَلِكَ إضْرابَ المُتَرَدِّدِ المُتَحَيِّرِ يَنْتَقِلُ مِن فَرْضٍ إلى فَرْضٍ فَقالُوا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ، أيْ: ما رَأيْناهُ هو تَخَيُّلاتِ المَسْحُورِ، أيْ: فَعادُوا إلى إلْقاءِ تَبِعَةِ ذَلِكَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ بِأنَّهُ سَحَرَهم حِينَ سَألَ لَهُمُ اللَّهَ أنْ يَفْتَحَ بابًا مِنَ السَّماءِ فَفَتَحَهُ لَهم.

صفحة ٢٧

وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى السِّحْرِ وأحْوالِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وإقْحامُ كَلِمَةِ (قَوْمٌ) هُنا دُونَ أنْ يَقُولُوا: بَلْ نَحْنُ مَسْحُورُونَ؛ لِأنَّ ذِكْرَها يَقْتَضِي أنَّ السِّحْرَ قَدْ تَمَكَّنَ مِنهم، واسْتَوى فِيهِ جَمِيعُهم حَتّى صارَ مِن خَصائِصِ قَوْمِيَّتِهِمْ كَما تَقَدَّمَ تَبْيِينُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وتَكَرَّرَ ذَلِكَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском