Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Hijr 15:41–60
15:41–44Page 264
قَالَ هَٰذَا صِرَٰطٌ عَلَيَّ مُسۡتَقِيمٌ ٤١
[Allāh] said, "This is a path [of return] to Me [that is] straight.
إِنَّ عِبَادِي لَيۡسَ لَكَ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٌ إِلَّا مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡغَاوِينَ ٤٢
Indeed, My servants - no authority will you have over them, except those who follow you of the deviators.
وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوۡعِدُهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٤٣
And indeed, Hell is the promised place for them all.
لَهَا سَبۡعَةُ أَبۡوَٰبٖ لِّكُلِّ بَابٖ مِّنۡهُمۡ جُزۡءٞ مَّقۡسُومٌ ٤٤
It has seven gates; for every gate is of them [i.e., Satan's followers] a portion designated."
﴿قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لِمَوْعِدُهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ: هو الخَيْرُ والرَّشادُ.
فالإشارَةُ إلى ما يُؤْخَذُ مِنَ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ المُبَيِّنَةِ لِلْإخْبارِ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ وهي جُمْلَةُ إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ، فَتَكُونُ الإشارَةُ إلى غَيْرِ مُشاهَدٍ تَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ المُشاهَدِ، وتَنْزِيلًا لِلْمَسْمُوعِ مَنزِلَةَ المَرْئِيِّ.
ثُمَّ إنَّ هَذا المُنَزَّلَ مَنزِلَةَ المُشاهَدِ هو مَعَ ذَلِكَ غَيْرُ مَذْكُورٍ لِقَصْدِ التَّشْوِيقِ إلى سَماعِهِ عِنْدَ ذِكْرِهِ، فاسْمُ الإشارَةِ هُنا بِمَنزِلَةِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ، كَما يُكْتَبُ في العُهُودِ والعُقُودِ: هَذا ما قاضى عَلَيْهِ فُلانٌ فَلانًا أنَّهُ كَيْتَ وكَيْتَ، أوْ هَذا ما اشْتَرى فُلانٌ مِن فُلانٍ أنَّهُ باعَهُ كَذا وكَذا.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى الِاسْتِثْناءِ الَّذِي سَبَقَ في حِكايَةِ كَلامِ إبْلِيسَ مِن قَوْلِهِ إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ لِتَضَمُّنِهِ أنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ غَوايَةَ العِبادِ الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ لِلْخَيْرِ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ مُسْتَأْنَفَةً أفادَتْ نَفْيَ سُلْطانِهِ.
والصِّراطُ: مُسْتَعارٌ لِلْعَمَلِ الَّذِي يَقْصِدُ مِنهُ عامِلُهُ فائِدَةً، شُبِّهَ بِالطَّرِيقِ المُوصِلِ إلى المَكانِ المَطْلُوبِ وُصُولَهُ إلَيْهِ، أيْ: هَذا هو السُّنَّةُ الَّتِي وضَعْتُها
صفحة ٥٢
فِي النّاسِ وفي غَوايَتِكَ إيّاهم، وهي أنَّكَ لا تُغْوِي إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ، أوْ أنَّكَ تُغْوِي مَن عَدا عِبادِي المُخْلِصِينَ.
ومُسْتَقِيمٌ نَعْتٌ لِـ صِراطٍ، أيْ: لا اعْوِجاجَ فِيهِ، واسْتُعِيرَتِ الِاسْتِقامَةُ لِمُلازَمَةِ الحالَةِ الكامِلَةِ.
و(عَلى) مُسْتَعْمَلَةٌ في الوُجُوبِ المَجازِيِّ، وهو الفِعْلُ الدّائِمُ الَّذِي لا يَتَخَلَّفُ كَقَوْلِهِ تَعالى إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى، أيْ: أنّا التَزَمْنا الهُدى لا نَحِيدُ عَنْهُ؛ لِأنَّهُ مُقْتَضى الحِكْمَةِ وعَظَمَةُ الإلَهِيَّةِ.
وهَذِهِ الجُمْلَةُ مِمّا يُرْسَلُ مِنَ الأمْثالِ القُرْآنِيَّةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ عَلَيَّ بِفَتْحِ اللّامِ وفَتْحِ الياءِ عَلى أنَّها (عَلى) اتَّصَلَتْ بِها ياءُ المُتَكَلِّمِ، وقَرَأهُ يَعْقُوبُ بِكَسْرِ اللّامِ وضَمِّ الياءِ وتَنْوِينِها عَلى أنَّهُ وصَفٌ مِنَ العُلُوِّ وُصِفَ بِهِ صِراطٌ، أيْ: صِراطُ شَرِيفٍ عَظِيمِ القَدْرِ.
والمَعْنى أنَّ اللَّهَ وضَعَ سُنَّةً في نُفُوسِ البَشَرِ أنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَسَلَّطُ إلّا عَلى مَن كانَ غاوِيًا، أيْ: مائِلًا لِلْغَوايَةِ مُكْتَسِبًا لَها دُونَ مَن كَبَحَ نَفْسَهُ عَنِ الشَّرِّ، فَإنَّ العاقِلَ إذا تَعَلَّقَ بِهِ وسْواسُ الشَّيْطانِ عَلِمَ ما فِيهِ مِن إضْلالٍ، وعَلِمَ أنَّ الهُدى في خِلافِهِ فَإذا تُوِفِّقَ وحَمَلَ نَفْسَهُ عَلى اخْتِيارِ الهُدى وصَرَفَ إلَيْهِ عَزْمُهُ قَوِيَ عَلى الشَّيْطانِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ سُلْطانٌ، وإذا مالَ إلى الضَّلالِ واسْتَحْسَنَهُ واخْتارَ إرْضاءَ شَهْوَتِهِ صارَ مُتَهَيِّئًا إلى الغَوايَةِ فَأغْواهُ الشَّيْطانُ فَغَوى، فالِاتِّباعُ مَجازٌ بِمَعْنى الطّاعَةِ واسْتِحْسانِ الرَّأْيِ كَقَوْلِهِ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ.
وإطْلاقُ الغاوِينَ مِن بابِ إطْلاقِ اسْمِ الفاعِلِ عَلى الحُصُولِ في المُسْتَقْبَلِ بِالقَرِينَةِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ غاوِيًا بِالفِعْلِ لَمْ يَكُنْ لِسُلْطانِ الشَّيْطانِ عَلَيْهِ فائِدَةٌ، وقَدْ دَلَّ عَلى هَذا المَعْنى تَعَلُّقُ نَفْيِ السُّلْطانِ بِجَمِيعِ العِبادِ، ثُمَّ اسْتِثْناءُ مَن كانَ غاوِيًا، فَلَمّا كانَ سُلْطانُ الشَّيْطانِ لا يَتَسَلَّطُ إلّا عَلى مَن كانَ غاوِيًا عَلِمْنا أنَّ ثَمَّةَ
صفحة ٥٣
وصْفًا بِالغَوايَةِ هو مُهَيِّئُ تَسَلُّطِ سُلْطانِ الشَّيْطانِ عَلى مَوْصُوفِهِ، وذَلِكَ هو المَوْصُوفُ بِالغَوايَةِ بِالقُوَّةِ لا بِالفِعْلِ، أيْ: بِالِاسْتِعْدادِ لِلْغَوايَةِ لا بِوُقُوعِها.
فالإضافَةُ في قَوْلِهِ تَعالى عِبادِي لِلْعُمُومِ كَما هو شَأْنُ الجَمْعِ المُعَرَّفِ بِالإضافَةِ، والِاسْتِثْناءُ حَقِيقِيٌّ ولا حَيْرَةَ في ذَلِكَ.
وضَمِيرُ مَوْعِدُهُمُ عائِدٌ إلى مَنِ اتَّبَعَكَ، والمَوْعِدُ مَكانُ الوَعْدِ، وأُطْلِقَ هُنا عَلى المَصِيرِ إلى اللَّهِ اسْتُعِيرَ المَوْعِدُ لِمَكانِ اللِّقاءِ تَشْبِيهًا لَهُ بِالمَكانِ المُعَيَّنِ بَيْنَ النّاسِ لِلِقاءٍ مُعَيَّنٍ وهو الوَعْدُ.
ووَجْهُ الشَّبَهِ تَحَقُّقُ المَجِيءِ بِجامِعِ الحِرْصِ عَلَيْهِ شَأْنُ المَواعِيدِ؛ لِأنَّ إخْلافَ الوَعْدِ مَحْذُورٌ، وفي ذَلِكَ تَمْلِيحٌ بِهِمْ؛ لِأنَّهم يُنْكِرُونَ البَعْثَ والجَزاءَ، فَجُعِلُوا بِمَنزِلَةِ مَن عَيَّنَ ذَلِكَ المَكانِ لِلْإتْيانِ.
وجُمْلَةُ لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ مُسْتَأْنَفَةٌ لِوَصْفِ حالِ جَهَنَّمَ وأبْوابِها لِإعْدادِ النّاسِ بِحَيْثُ لا تَضِيقُ عَنْ دُخُولِهِمْ.
والظّاهِرُ أنَّ السَّبْعَةَ مُسْتَعْمَلَةٌ في الكَثْرَةِ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ، أوْ أُرِيدَ بِالأبْوابِ الكِنايَةَ عَنْ طَبَقاتِ جَهَنَّمَ؛ لِأنَّ الأبْوابَ تَقْتَضِي مَنازِلَ فَهي مَراتِبُ مُناسِبَةٌ لِمَراتِبِ الإجْرامِ بِأنْ تَكُونَ أُصُولُ الجَرائِمِ سَبْعَةً تَتَفَرَّعُ عَنْها جَمِيعُ المَعاصِي الكَبائِرِ، وعَسى أنْ نَتَمَكَّنَ مِن تَشْجِيرِها في وقْتٍ آخَرَ.
وقَدْ يَكُونُ مِن جُمْلَةِ طَبَقاتِها طَبَقَةُ النِّفاقِ قالَ تَعالى إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ، وانْظُرْ ما قَدَّمْناهُ مِن تَفْرِيعِ ما يَنْشَأُ عَنِ النِّفاقِ مِنَ المَذامِّ في قَوْلِهِ تَعالى ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجُمْلَةُ لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ صِفَةٌ لِـ أبْوابٍ وتَقْسِيمُها بِالتَّعْيِينِ يَعْلَمُهُ اللَّهُ تَعالى. وضَمِيرُ مِنهم عائِدٌ لِـ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ، أيْ:
صفحة ٥٤
لِكُلِّ بابٍ فَرِيقٌ يَدْخُلُ مِنهُ، أوْ لِكُلِّ طَبَقَةٍ مِنَ النّارِ قِسْمٌ مِن أهْلِ النّارِ مَقْسُومٌ عَلى طَبَقاتِ أقْسامِ النّارِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الأقْوالَ الَّتِي صَدَرَتْ مِنَ الشَّيْطانِ لَدى الحَضْرَةِ القُدُسِيَّةِ هي انْكِشافٌ لِجِبِلَّةِ التَّطَوُّرِ الَّذِي تَكَيَّفَتْ بِهِ نَفْسُ إبْلِيسَ مِن حِينِ أبى مِنَ السُّجُودِ، وكَيْفَ تَوَلَّدَ كُلُّ فَصْلٍ مِن ذَلِكَ التَّطَوُّرِ عَمّا قَبْلَهُ حَتّى تَقَوَّمَتِ الماهِيَّةُ الشَّيْطانِيَّةُ بِمُقَوِّماتِها كامِلَةً عِنْدَما صَدَرَ مِنهُ قَوْلُهُ لِأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ ولِأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ، فَكُلَّما حَدَثَ في جِبِلَّتِهِ فَصْلٌ مِن تِلْكَ الماهِيَّةِ صَدَرَ مِنهُ قَوْلٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَهو شَبِيهٌ بِنُطْقِ الجَوارِحِ بِالشَّهادَةِ عَلى أهْلِ الضَّلالَةِ يَوْمَ الحِسابِ.
وأمّا الأقْوالُ الإلَهِيَّةُ الَّتِي أُجِيبَتْ بِها أقْوالُ الشَّيْطانِ فَمَظْهَرٌ لِلْأوامِرِ التَّكْوِينِيَّةِ الَّتِي قَدَّرَها اللَّهُ تَعالى في عِلْمِهِ لِتَطَوُّرِ أطْوارِ إبْلِيسَ المُقَوِّمَةِ لِماهِيَّةِ الشَّيْطَنَةِ، ولِلْألْطافِ الَّتِي قَدَّرَها اللَّهُ لِمَن يَعْتَصِمُ بِها مِن عِبادِهِ لِمُقاوَمَةِ سُلْطانِ الشَّيْطانِ، ولَيْسَتْ تِلْكَ الأقْوالُ كُلُّها بِمُناظَرَةٍ بَيْنَ اللَّهِ وأحَدِ مَخْلُوقاتِهِ، ولا بِغَلَبَةٍ مِنَ الشَّيْطانِ لِخالِقِهِ، فَإنَّ ضَعْفَهُ تُجاهَ عِزَّةِ خالِقِهِ لا يَبْلُغُ بِهِ إلى ذَلِكَ.
15:45–48Page 264
إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّٰتٖ وَعُيُونٍ ٤٥
Indeed, the righteous will be within gardens and springs,
ٱدۡخُلُوهَا بِسَلَٰمٍ ءَامِنِينَ ٤٦
[Having been told], "Enter it in peace, safe [and secure]."
وَنَزَعۡنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنۡ غِلٍّ إِخۡوَٰنًا عَلَىٰ سُرُرٖ مُّتَقَٰبِلِينَ ٤٧
And We will remove whatever is in their breasts of resentment,1 [so they will be] brothers, on thrones facing each other.
لَا يَمَسُّهُمۡ فِيهَا نَصَبٞ وَمَا هُم مِّنۡهَا بِمُخۡرَجِينَ ٤٨
No fatigue will touch them therein, nor from it will they [ever] be removed.
﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غَلٍّ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، انْتِقالٌ مِن وعِيدِ المُجْرِمِينَ إلى بِشارَةِ المُتَّقِينَ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في التَّفَنُّنِ.
والمُتَّقُونَ: المَوْصُوفُونَ بِالتَّقْوى. وتَقَدَّمَتْ عِنْدَ صَدْرِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
صفحة ٥٥
والجَنّاتُ: جَمْعُ جَنَّةٍ. وقَدْ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى أنَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
والعُيُونُ: جَمْعُ عَيْنٍ اسْمٌ لِثُقْبٍ أرْضِيٍّ يَخْرُجُ مِنهُ الماءُ مِنَ الأرْضِ. فَقَدْ يَكُونُ انْفِجارُها بِدُونِ عَمَلِ الإنْسانِ، وأسْبابُهُ كَثِيرَةٌ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَدْ يَكُونُ بِفِعْلِ فاعِلٍ وهو التَّفْجِيرُ.
وجُمْلَةُ ادْخُلُوها مَعْمُولَةٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ حالًا مِنَ المُتَّقِينَ والقَرِينَةُ ظاهِرَةٌ. والتَّقْدِيرُ: يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها. والقائِلُ هو المَلائِكَةُ عِنْدَ إدْخالِ المُتَّقِينَ الجَنَّةَ.والباءُ مِن بِسَلامٍ لِلْمُصاحَبَةِ.
والسَّلامُ: التَّحِيَّةُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكم في سُورَةِ الأنْعامِ.
والأمْنُ: النَّجاةُ مِنَ الخَوْفِ.
وجُمْلَةُ ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ عَطْفٌ عَلى الخَبَرِ، وهو في جَنّاتٍ وعُيُونٍ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ المُتَّقِينَ نَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ.
والغِلُّ بِكَسْرِ الغَيْنِ البُغْضُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ [الأعراف: ٤٣] في سُورَةِ الأعْرافِ، أيْ: ما كانَ بَيْنَ بَعْضِهِمْ مِن غِلٍّ في الدُّنْيا.
وإخْوانًا حالٌ، وهو عَلى مَعْنى التَّشْبِيهِ، أيْ: كالإخْوانِ، أيْ: كَحالِ الإخْوانِ في الدُّنْيا.
وأوَّلُ مَن يَدْخُلُ في هَذا العُمُومِ أصْحابُ النَّبِيءِ ﷺ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم مِنَ الحَوادِثِ الدّافِعُ إلَيْها اخْتِلافُ الِاجْتِهادِ في إقامَةِ مَصالِحِ
صفحة ٥٦
المُسْلِمِينَ، والشِّدَّةُ في إقامَةِ الحَقِّ عَلى حَسَبِ اجْتِهادِهِمْ، كَما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: إنِّي لَأرْجُوَ مِن أنْ أكُونَ أنا وطَلْحَةُ مِمَّنْ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا﴾، فَقالَ جاهِلٌ مِن شِيعَةِ عَلِيٍّ اسْمُهُ (الحارِثُ بْنُ الأعْوَرِ الهَمَذانِيُّ): كَلّا، اللَّهُ أعْدَلُ مِن أنْ يَجْمَعَكَ وطَلْحَةَ في مَكانٍ واحِدٍ. فَقالَ عَلِيٌّ: (فَلِمَن هَذِهِ الآيَةُ لا أُمَّ لَكَ بِفِيكَ التُّرابُ) .
والسُّرُرُ: جَمْعُ سَرِيرٍ، وهو مُحَمَلٌ كالكُرْسِيِّ مُتَّسِعٌ يُمْكِنُ الِاضْطِجاعُ عَلَيْهِ، والِاتِّكاءُ: مَجْلِسُ أصْحابِ الدَّعَةِ والرَّفاهِيَةِ لِتَمَكُّنِ الجالِسِ عَلَيْهِ مِنَ التَّقَلُّبِ كَيْفَ شاءَ حَتّى إذا مَلَّ جِلْسَةً انْقَلَبَ لِغَيْرِها.
والتَّقابُلُ: كَوْنُ الواحِدِ قُبالَةَ غَيْرِهِ، وهو أُدْخِلَ في التَّأنُّسِ بِالرُّؤْيَةِ والمُحادَثَةِ.
والمَسُّ: كِنايَةٌ عَنِ الإصابَةِ.
والنَّصَبُ: التَّعَبُ النّاشِئُ عَنِ اسْتِعْمالِ الجَهْدِ.
15:49–50Page 264
۞ نَبِّئۡ عِبَادِيٓ أَنِّيٓ أَنَا ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٤٩
[O Muḥammad], inform My servants that it is I who am the Forgiving, the Merciful,
وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلۡعَذَابُ ٱلۡأَلِيمُ ٥٠
And that it is My punishment which is the painful punishment.
﴿نَبِّئْ عِبادِيَ أنِّيَ أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ هَذا تَصْدِيرٌ لِذِكْرِ القَصَصِ الَّتِي أُرِيدَ مِنَ التَّذْكِيرِ بِها المَوْعِظَةُ بِما حَلَّ بِأهْلِها، وهي قِصَّةُ قَوْمِ لُوطٍ وقِصَّةُ أصْحابِ الأيْكَةِ وقِصَّةُ ثَمُودَ.
وابْتُدِئَ ذَلِكَ بِقِصَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِما فِيها مِن كَرامَةِ اللَّهِ لَهُ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ إذْ لَمْ يَقْتَفُوا آثارَهُ في التَّوْحِيدِ.
فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، وهو مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ في أوائِلِ السُّورَةِ وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ.
صفحة ٥٧
وابْتِداءُ الكَلامِ بِفِعْلِ الإنْباءِ لِتَشْوِيقِ السّامِعِينَ إلى ما بَعْدَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ ونَحْوِهِ، والمَقْصُودُ هو قَوْلُهُ تَعالى الآتِي ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ، وإنَّما قَدَّمَ الأمْرَ بِإعْلامِ النّاسِ بِمَغْفِرَةِ اللَّهِ وعَذابِهِ ابْتِداءً بِالمَوْعِظَةِ الأصْلِيَّةِ قَبْلَ المَوْعِظَةِ بِجُزْئِيّاتِ حَوادِثِ الِانْتِقامِ مِنَ المُعانِدِينَ وإنْجاءِ مَن بَيْنَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ دائِرٌ بَيْنَ أثَرِ الغُفْرانِ وبَيْنَ أثَرِ العَذابِ.
وقُدِّمَتِ المَغْفِرَةُ عَلى العَذابِ؛ لِسَبْقِ رَحْمَتِهِ غَضَبَهُ.
وضَمِيرُ أنا وضَمِيرُ هو ضَمِيرا فَصْلٍ يُفِيدانِ تَأْكِيدَ الخَبَرِ.
واعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى نَبِّئْ عِبادِي إلى الرَّحِيمِ مِنَ المُحَسِّناتِ البَدِيعَةِ مُحَسِّنَ الِاتِّزانِ إذا سَكَنَتْ ياءُ أنِّي عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِتَسْكِينِها، فَإنَّ الآيَةَ تَأْتِي مُتَّزِنَةً عَلى مِيزانِ بَحْرِ المُجْتَثِّ الَّذِي لَحِقَهُ الخَبْنُ في عَرُوضِهِ وضُرُبِهِ فَهو مُتَفْعِلُنْ فَعِلاتُنْ مَرَّتَيْنِ.
15:51–56Page 264
وَنَبِّئۡهُمۡ عَن ضَيۡفِ إِبۡرَٰهِيمَ ٥١
And inform them about the guests of Abraham,
إِذۡ دَخَلُواْ عَلَيۡهِ فَقَالُواْ سَلَٰمٗا قَالَ إِنَّا مِنكُمۡ وَجِلُونَ ٥٢
When they entered upon him and said, "Peace." [Abraham] said, "Indeed, we are fearful [i.e., apprehensive] of you."
قَالُواْ لَا تَوۡجَلۡ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَٰمٍ عَلِيمٖ ٥٣
[The angels] said, "Fear not. Indeed, we give you good tidings of a learned boy."
قَالَ أَبَشَّرۡتُمُونِي عَلَىٰٓ أَن مَّسَّنِيَ ٱلۡكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ٥٤
He said, "Have you given me good tidings although old age has come upon me? Then of what [wonder] do you inform?"
قَالُواْ بَشَّرۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡقَٰنِطِينَ ٥٥
They said, "We have given you good tidings in truth, so do not be of the despairing."
قَالَ وَمَن يَقۡنَطُ مِن رَّحۡمَةِ رَبِّهِۦٓ إِلَّا ٱلضَّآلُّونَ ٥٦
He said, "And who despairs of the mercy of his Lord except for those astray?"
﴿ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ ﴿قالُوا لا تَوْجَلْ إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿قالَ أبَشَّرْتُمُونِي عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونِ﴾ ﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ﴾ ﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلّا الضّالُّونَ﴾
هَذا العَطْفُ مَعَ اتِّحادِ الفِعْلِ المَعْطُوفِ بِالفِعْلِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ الصِّيغَةُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَقْصُودَ الإنْباءُ بِكِلا الأمْرَيْنِ لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ القِصَّةِ أنَّها مِن مَظاهِرِ رَحْمَتِهِ تَعالى وعَذابِهِ.
صفحة ٥٨
وضَيْفِ إبْراهِيمَ: المَلائِكَةُ الَّذِينَ تَشَكَّلُوا بِشَكْلِ أُناسٍ غُرَباءٍ مارِّينَ بِبَيْتِهِ. وتَقَدَّمَتِ القِصَّةُ في سُورَةِ هُودٍ.
وجُمْلَةُ قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ جاءَتْ مَفْصُولَةً بِدُونِ عَطْفٍ؛لِأنَّها جَوابٌ عَنْ جُمْلَةِ قالُوا سَلامًا. وقَدْ طُوِيَ ذِكْرُ رَدِّهِ السَّلامَ عَلَيْهِمْ إيجازًا لِظُهُورِهِ، وصُرِّحَ بِهِ في قَوْلِهِ قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، أيْ: قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ بَعْدَ أنْ رَدَّ السَّلامَ، وفي سُورَةِ هُودٍ أنَّهُ أوْجَسَ مِنهم خِيفَةً حِينَ رَآهم لَمْ يَمُدُّوا أيْدِيَهم لِلْأكْلِ.
وضَمِيرُ إنّا مِن كَلامِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَهو يَعْنِي بِهِ نَفْسَهُ وأهْلَهُ؛ لِأنَّ الضَّيْفَ طَرَقُوا بَيْتَهم في غَيْرِ وقْتِ طُرُوقِ الضَّيْفِ فَظَنَّهم يُرِيدُونَ بِهِ شَرًّا، فَلَمّا سَلَّمُوا عَلَيْهِ فاتَحَهم بِطَلَبِ الأمْنِ، فَقالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ، أيْ: أخَفْتُمُونا، وفي سُورَةِ الذّارِياتِ أنَّهُ قالَ لَهم: قَوْمٌ مُنْكَرُونَ.
والوَجِلُ: الخائِفُ. والوَجَلُ بِفَتْحِ الجِيمِ: الخَوْفُ، ووَقَعَ في سُورَةِ هُودٍ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً.
وقَدْ جُمِعَ في هَذِهِ الآيَةِ مُتَفَرَّقُ كَلامِ المَلائِكَةِ، فاقْتَصَرَ عَلى مُجاوَبَتِهِمْ إيّاهُ عَنْ قَوْلِهِ إنّا مِنكم وجِلُونَ، فَنِهايَةُ الجَوابِ هو لا تَوْجَلْ.
وأمّا جُمْلَةُ إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ فَهي اسْتِئْنافُ كَلامٍ آخَرَ بَعْدَ أنْ قَدَّمَ إلَيْهِمُ القِرى، وحَضَرَتِ امْرَأتُهُ فَبَشَّرُوهُ بِحَضْرَتِها كَما فُصِّلَ في سُورَةِ هُودٍ.
والغُلامُ العَلِيمُ: إسْحاقُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أيْ: عَلِيمٌ بِالشَّرِيعَةِ بِأنْ يَكُونَ نَبِيًّا.
وقَدْ حُكِيَ هُنا قَوْلُهم لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وحُكِيَ في سُورَةِ هُودٍ قَوْلُهم لِامْرَأتِهِ؛ لِأنَّ البِشارَةَ كانَتْ لَهُما مَعًا فَقَدْ تَكُونُ حاصِلَةً في وقْتٍ واحِدٍ فَهي بِشارَتانِ بِاعْتِبارِ المُبَشَّرِ، وقَدْ تَكُونُ حَصَلَتْ في وقْتَيْنِ مُتَقارِبَيْنِ بَشَّرُوهُ بِانْفِرادٍ ثُمَّ جاءَتِ امْرَأتُهُ فَبَشَّرُوها.
صفحة ٥٩
وقَرَأ الجُمْهُورُ نُبَشِّرُكَ بِضَمِّ النُّونِ وفَتْحِ المُوَحَّدَةِ وتَشْدِيدِ الشِّينِ المَكْسُورَةِ مُضارِعُ بَشَّرَ بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ (نَبْشُرُكَ) بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ المُوَحَّدَةِ وضَمِّ الشِّينِ وهي لُغَةٌ، يُقالُ: بَشَّرَهُ يُبَشِّرُهُ مِن بابِ نَصَرَ.
والِاسْتِفْهامُ في أبَشَّرْتُمُونِي لِلتَّعَجُّبِ.
و(عَلى) بِمَعْنى (مَعَ) دالَّةٌ عَلى شِدَّةِ اقْتِرانِ البِشارَةِ بِمَسِّ الكِبَرِ إيّاهُ.
والمَسُّ: الإصابَةُ، والمَعْنى: تَعَجَّبَ مِن بِشارَتِهِ بِوَلَدٍ مَعَ أنَّ الكِبَرَ مَسَّهُ.
وأُكِّدَ هَذا التَّعَجُّبُ بِالِاسْتِفْهامِ الثّانِي بِقَوْلِهِ فَبِمَ تُبَشِّرُونِ اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ، نَزَلَ الأمْرُ العَجِيبُ المَعْلُومُ مَنزِلَةَ الأمْرِ غَيْرِ المَعْلُومِ؛ لِأنَّهُ يَكادُ يَكُونُ غَيْرَ مَعْلُومٍ.
وقَدْ عَلِمَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ البِشارَةِ أنَّهم مَلائِكَةٌ صادِقُونَ فَتَعَيَّنَ أنَّ الِاسْتِفْهامَ لِلتَّعَجُّبِ.
وحَذْفُ مَفْعُولِ بَشَّرْتُمُونِي لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ.
قَرَأ نافِعٌ تُبَشِّرُونِ بِكَسْرِ النُّونِ مُخَفَّفَةً دُونَ إشْباعٍ عَلى حَذْفِ نُونِ الرَّفْعِ وحَذْفِ ياءِ المُتَكَلِّمِ وكُلُّ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ فَصِيحٌ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِ النُّونِ مُشَدَّدَةً عَلى حَذْفِ ياءِ المُتَكَلِّمِ خاصَّةً، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ النُّونِ عَلى حَذْفِ المَفْعُولِ لِظُهُورِهِ مِنَ المَقامِ، أيْ: تُبَشِّرُونِي.
وجَوابُ المَلائِكَةِ إيّاهُ بِأنَّهم بَشَّرُوهُ بِالخَبَرِ الحَقِّ، أيِ الثّابِتِ لا شَكَّ فِيهِ إبْطالًا لِما اقْتَضاهُ اسْتِفْهامُهُ بِقَوْلِهِ ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونِ﴾ مِن أنَّ ما بَشَّرُوهُ بِهِ أمْرٌ يَكادُ أنْ يَكُونَ مُنْتَفِيًا وباطِلًا، فَكَلامُهم رَدٌّ لِكَلامِهِ ولَيْسَ جَوابًا عَلى اسْتِفْهامِهِ؛ لِأنَّهُ اسْتِفْهامٌ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ.
ثُمَّ نَهَوْهُ عَنِ اسْتِبْعادِ ذَلِكَ بِأنَّهُ اسْتِبْعادُ رَحْمَةِ القَدِيرِ، بَعْدَ أنْ عَلِمَ أنَّ المُبَشِّرِينَ بِها مُرْسَلُونَ إلَيْهِ مِنَ اللَّهِ فاسْتِبْعادُ ذَلِكَ يُفْضِي إلى القُنُوطِ مِن رَحْمَةِ
صفحة ٦٠
اللَّهِ فَقالُوا: فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ، ذَلِكَ أنَّهُ لَمّا اسْتَبْعَدَ ذَلِكَ اسْتِبْعادَ المُتَعَجِّبِ مِن حُصُولِهِ كانَ ذَلِكَ أثَرًا مِن آثارِ رُسُوخِ الأُمُورِ المُعْتادَةِ في نَفْسِهِ بِحَيْثُ لَمْ يُقْلِعْهُ مِنها الخَبَرُ الَّذِي يَعْلَمُ صِدْقَهُ فَبَقِيَ في نَفْسِهِ بَقِيَّةٌ مِنَ التَّرَدُّدِ في حُصُولِ ذَلِكَ فَقارَبَتْ حالُهُ تِلْكَ حالَ الَّذِينَ يَيْأسُونَ مِن أمْرِ اللَّهِ. ولَمّا كانَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُنَزَّهًا مِنَ القُنُوطِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ جاءُوا في مَوْعِظَتِهِ بِطَرِيقَةِ الأدَبِ المُناسِبِ فَنَهَوْهُ عَنْ أنْ يَكُونَ مِن زُمْرَةِ القانِطِينَ تَحْذِيرًا لَهُ مِمّا يُدْخِلُهُ في تِلْكَ الزُّمْرَةِ، ولَمْ يَفْرِضُوا أنْ يَكُونَ هو قانِطًا لِرِفْعَةِ مَقامِ نُبُوَّتِهِ عَنْ ذَلِكَ، وهو في هَذا المَقامِ كَحالِهِ في مَقامِ ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهُ مِن قَوْلِهِ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى قالَ أوَلَمْ تُؤْمِن قالَ بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي.
وهَذا النَّهْيُ كَقَوْلِ اللَّهِ تَعالى لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ.
وقَدْ ذَكَّرَتْهُ المَوْعِظَةُ مَقامًا نَسِيَهُ فَقالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلّا الضّالُّونَ. وهو اسْتِفْهامُ إنْكارٍ في مَعْنى النَّفْيِ، ولِذَلِكَ اسْتَثْنى مِنهُ إلّا الضّالُّونَ، يَعْنِي أنَّهُ لَمْ يَذْهَبِ عَنْهُ اجْتِنابُ القُنُوطِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، ولَكِنَّهُ امْتَلَكَهُ المُعْتادُ فَتَعَجَّبَ فَصارَ ذَلِكَ كالذُّهُولِ عَنِ المَعْلُومِ فَلَمّا نَبَّهَهُ المَلائِكَةُ أدْنى تَنْبِيهِ تَذْكِيرٍ.
القُنُوطُ: اليَأْسُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ومَن يَقْنَطُ بِفَتْحِ النُّونِ، وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ بِكَسْرِ النُّونِ وهُما لُغَتانِ في فِعْلِ قَنَطَ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: قَنَطَ يَقْنَطُ بِفَتْحِ النُّونِ في الماضِي وكَسْرِها في المُسْتَقْبَلِ مِن أعْلى اللُّغاتِ، قالَ تَعالى وهو الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا.
قُلْتُ: ومِن فَصاحَةِ القُرْآنِ اخْتِيارُهُ كُلَّ لُغَةٍ في مَوْضِعِ كَوْنِها فِيهِ أفْصَحَ، فَما جاءَ فِيهِ إلّا الفَتْحُ في الماضِي، وجاءَ المُضارِعُ بِالفَتْحِ والكَسْرِ عَلى القِراءَتَيْنِ.
15:57–60Page 265
قَالَ فَمَا خَطۡبُكُمۡ أَيُّهَا ٱلۡمُرۡسَلُونَ ٥٧
[Abraham] said, "Then what is your business [here], O messengers?"
قَالُوٓاْ إِنَّآ أُرۡسِلۡنَآ إِلَىٰ قَوۡمٖ مُّجۡرِمِينَ ٥٨
They said, "Indeed, we have been sent to a people of criminals,
إِلَّآ ءَالَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٥٩
Except the family of Lot; indeed, we will save them all
إِلَّا ٱمۡرَأَتَهُۥ قَدَّرۡنَآ إِنَّهَا لَمِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ ٦٠
Except his wife." We [i.e., Allāh] decreed that she is of those who remain behind.1
صفحة ٦١
﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ ﴿إلّا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾
حِكايَةُ هَذا الحِوارِ بَيْنَ إبْراهِيمَ والمَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ لِأنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ بَيانِ فَضْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَ مَوْعِظَةِ قُرَيْشٍ بِما حَلَّ بِبَعْضِ الأُمَمِ المُكَذِّبِينَ، انْتَقَلَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى سُؤالِهِمْ عَنْ سَبَبِ نُزُولِهِمْ إلى الأرْضِ؛ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ المَلائِكَةَ لا يَنْزِلُونَ إلّا لِأمْرٍ عَظِيمٍ كَما قالَ تَعالى ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلّا بِالحَقِّ، وقَدْ نُزِّلَ المَلائِكَةُ يَوْمَ بَدْرٍ لِاسْتِئْصالِ سادَةِ المُشْرِكِينَ ورُؤَسائِهِمْ.
والخَطْبُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى قالَ ما خَطْبُكُنَّ في سُورَةِ يُوسُفَ.
والقَوْمُ المُجْرِمُونَ هم قَوْمُ سَدُومَ وقُراها، وتَقَدَّمَ ذِكْرُهم في سُورَةِ هُودٍ.
والِاسْتِثْناءُ في إلّا آلَ لُوطٍ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّهم غَيْرُ مُجْرِمِينَ، واسْتِثْناءُ إلّا امْرَأتَهُ مُتَّصِلٌ؛ لِأنَّها مِن آلِ لُوطٍ.
وجُمْلَةُ إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِبَيانِ الإجْمالِ الَّذِي في اسْتِثْناءِ آلِ لُوطٍ مِن مُتَعَلِّقِ فِعْلِ أرْسَلْنا لِدَفْعِ احْتِمالِ أنَّهم لَمْ يُرْسَلُوا إلَيْهِمْ ولا أُمِرُوا بِإنْجائِهِمْ.
وفِي قَوْلِهِ أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ إيجازُ حَذْفٍ وتَقْدِيرُ الكَلامِ: إنّا أُرْسِلْنا إلى لُوطٍ؛ لِأجْلِ قَوْمٍ مُجْرِمِينَ، أيْ لِعَذابِهِمْ، ودَلَّ ذَلِكَ عَلى الِاسْتِثْناءِ في إلّا آلَ لُوطٍ.
صفحة ٦٢
وقَرَأ الجُمْهُورُ لَمُنَجُّوهم بِفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِ الجِيمِ، مُضارِعُ نَجّى المُضاعَفُ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِكَسْرِ النُّونِ وتَخْفِيفِ الجِيمِ، مُضارِعُ أنْجى المَهْمُوزِ.
وإسْنادُ التَّقْدِيرِ إلى ضَمِيرِ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّهم مُزْمِعُونَ عَلى سَبَبِهِ، وهو ما وُكِّلُوا بِهِ مِن تَحْذِيرِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وآلِهِ مِن الِالتِفاتِ إلى العَذابِ، وتَرْكِهِمْ تَحْذِيرَ امْرَأتِهِ حَتّى التَفَتَتْ فَحَلَّ بِها ما حَلَّ بِقَوْمِ لُوطٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ قَدَّرْنا بِتَشْدِيدِ الدّالِ مِنَ التَّقْدِيرِ، وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِتَخْفِيفِ الدّالِ مِن قَدَرَ المُجَرَّدِ وهُما لُغَتانِ.
وجُمْلَةُ إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ مُسْتَأْنَفَةٌ، و(إنَّ) مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ قَدَّرْنا عَنِ العَمَلِ في مَفْعُولِهِ، وأصْلُ الكَلامِ غُبُورُها، أيْ ذَهابُها وهَلاكُها.
والتَّعْلِيقُ يَطْرَأُ عَلى الأفْعالِ كُلِّها، وإنَّما يَكْثُرُ في أفْعالِ القُلُوبِ ويَقِلُّ في غَيْرِها، ولَيْسَ مِن خَصائِصِها عَلى التَّحْقِيقِ.
وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الغابِرِينَ في سُورَةِ الأعْرافِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences