Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
An-Nahl 16:101–105
16:101Page 278
وَإِذَا بَدَّلۡنَآ ءَايَةٗ مَّكَانَ ءَايَةٖ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوٓاْ إِنَّمَآ أَنتَ مُفۡتَرِۭۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ١٠١
And when We substitute a verse in place of a verse - and Allāh is most knowing of what He sends down - they say, "You, [O Muḥammad], are but an inventor [of lies]." But most of them do not know.
﴿وإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إنَّما أنْتِ مُفْتَرٍ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ اسْتَمَرَّ الكَلامُ عَلى شَأْنِ القُرْآنِ وتَنْزِيهِهِ عَمّا يُوَسْوِسُهُ الشَّيْطانُ في الصَّدِّ عَنْ مُتابَعَتِهِ.
ولَمّا كانَ مَن أكْبَرِ الأغْراضِ في هَذِهِ السُّورَةِ بَيانُ أنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وبَيانُ فَضْلِهِ وهَدْيِهِ فابْتُدِئَ فِيها بِآيَةِ ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ﴾ [النحل: ٢] . ثُمَّ قُفِيَتْ بِما اخْتَلَقَهُ المُشْرِكُونَ مِنَ الطَّعْنِ فِيهِ بَعْدَ تَنَقُّلاتٍ جاءَ فِيها ﴿وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤]، وأُتْبِعُ ذَلِكَ بِتَنَقُّلاتٍ بَدِيعَةٍ؛ فَأُعِيدُ الكَلامَ عَلى القُرْآنِ، وفَضائِلِهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ إلّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ٦٤] ثُمَّ قَوْلُهُ ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، وجاءَ في عَقِبِ ذَلِكَ بِشاهِدٍ يَجْمَعُ ما جاءَ بِهِ القُرْآنُ، وذَلِكَ آيَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ﴾ [النحل: ٩٠]، فَلَمّا اسْتَقَرَّ ما يَقْتَضِي تَقَرُّرَ فَضْلِ القُرْآنِ في النُّفُوسِ نَبَّهَ عَلى نَفاسَتِهِ ويُمْنِهِ بِقَوْلِهِ ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]، لا جَرَمَ تَهَيَّأ المَقامُ لِإبْطالِ اخْتِلاقٍ آخَرَ مِنِ اخْتِلاقِهِمْ عَلى القُرْآنِ اخْتِلاقًا مُمَوَّهًا بِالشُّبَهاتِ كاخْتِلاقِهِمُ السّابِقِ الَّذِي أُشِيرُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤]، ذَلِكَ الِاخْتِلاقُ هو تَعَمُّدُهُمُ التَّمْوِيهَ فِيما يَأْتِي مِن
صفحة ٢٨١
آياتِ القُرْآنِ مُخالِفًا لِآياتٍ أُخْرى؛ لِاخْتِلافِ المُقْتَضِي والمَقامِ، والمُغايَرَةِ بِاللِّينِ والشِّدَّةِ، أوْ بِالتَّعْمِيمِ والتَّخْصِيصِ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَتْبَعُ اخْتِلافُهُ اخْتِلافَ المَقاماتِ، واخْتِلافَ الأغْراضِ، واخْتِلافَ الأحْوالِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِها، فَيَتَّخِذُونَ مِن ظاهِرِ ذَلِكَ دُونَ وضْعِهِ مَواضِعَهُ، وحَمْلِهِ مَحامِلَهُ مَغامِزَ يَتَشَدَّقُونَ بِها في نَوادِيهِمْ، يَجْعَلُونَ ذَلِكَ اضْطِرابًا مِنَ القَوْلِ، ويَزْعُمُونَهُ شاهِدًا بِاقْتِداءِ قائِلِهِ في إحْدى المَقالَتَيْنِ أوْ كِلْتَيْهِما. وبَعْضُ ذَلِكَ ناشِئٌ عَنْ قُصُورِ مَدارِكِهِمْ عَنْ إدْراكِ مَرامِي القُرْآنِ وسُمُوِّ مَعانِيهِ، وبَعْضُهُ ناشِئٌ عَنْ تَعَمُّدٍ لِلتَّجاهُلِ؛ تَعَلُّقًا بِظَواهِرِ الكَلامِ يُلَبِّسُونَ بِذَلِكَ عَلى ضُعَفاءِ الإدْراكِ مِن أتْباعِهِمْ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾، أيْ ومِنهم مَن يَعْلَمُونَ، ولَكِنَّهم يُكابِرُونَ.
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ كانَ إذا نَزَلَتْ آيَةٌ فِيها شِدَّةٌ ثُمَّ نَزَلَتْ آيَةٌ ألْيَنُ مِنها يَقُولُ كُفّارُ قُرَيْشٍ: واللَّهِ ما مُحَمَّدٌ إلّا يَسْخَرُ بِأصْحابِهِ؛ اليَوْمَ يَأْمُرُ بِأمْرٍ، وغَدًا يَنْهى عَنْهُ، وأنَّهُ لا يَقُولُ هَذِهِ الأشْياءَ إلّا مِن عِنْدِ نَفْسِهِ اهـ.
وهَذِهِ الكَلِمَةُ أحْسَنُ ما قالَهُ المُفَسِّرُونَ في حاصِلِ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ، فالمُرادُ مِنَ التَّبْدِيلِ في قَوْلِهِ تَعالى (بَدَّلْنا) مُطْلَقُ التَّغايُرِ بَيْنَ الأغْراضِ والمَقاماتِ، أوِ التَّغايُرُ في المَعانِي واخْتِلافُها بِاخْتِلافِ المَقاصِدِ، والمَقاماتِ مَعَ وُضُوحِ الجَمْعِ بَيْنَ مَحامِلِها.
والمُرادُ بِالآيَةِ الكَلامُ التّامُّ مِنَ القُرْآنِ، ولَيْسَ المُرادُ عَلامَةَ صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ أعْنِي المُعْجِزَةَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ﴾ .
فَيَشْمَلُ التَّبْدِيلُ نَسْخَ الأحْكامِ مِثْلُ نَسْخِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها﴾ [الإسراء: ١١٠] بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤]، وهَذا قَلِيلٌ في القُرْآنِ الَّذِي يُقْرَأُ عَلى المُشْرِكِينَ؛ لِأنَّ نَسْخَ الأحْكامِ إنَّما كَثُرَ بَعْدَ الهِجْرَةِ حِينَ تَكَوَّنَتِ الجامِعَةُ الإسْلامِيَّةُ، وأمّا نَسْخُ التِّلاوَةِ فَلَمْ يَرِدْ مِنَ الآثارِ ما يَقْتَضِي وُقُوعَهُ في مَكَّةَ فَمَن فَسَّرَ بِهِ الآيَةَ كَما نُقِلَ عَنْ مُجاهِدٍ فَهو مُشْكِلٌ.
صفحة ٢٨٢
ويَشْمَلُ التَّعارُضَ بِالعُمُومِ والخُصُوصِ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ التَّعارُضِ الَّذِي يُحْمَلُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، فَيُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا ويُؤَوِّلُ بَعْضُهُ بَعْضًا، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥] في سُورَةِ الشُّورى مَعَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧] في سُورَةِ المُؤْمِنِ، فَيَأْخُذُونَ بِعُمُومٍ ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥] فَيَجْعَلُونَهُ مُكَذِّبًا لِخُصُوصٍ ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧] فَيَزْعُمُونَهُ إعْراضًا عَنْ أحَدِ الأمْرَيْنِ إلى الأخِيرِ مِنهُما.
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: ١٠] يَأْخُذُونَ مِن ظاهِرِهِ أنَّهُ أمْرٌ بِمُتارَكَتِهِمْ، فَإذا جاءَتْ آياتٌ بَعْدَ ذَلِكَ لِدَعْوَتِهِمْ وتَهْدِيدِهِمْ زَعَمُوا أنَّهُ انْتَقَضَ كَلامُهُ، وبَدا لَهُ ما لَمْ يَكُنْ يَبْدُو لَهُ مِن قَبْلُ.
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩] مَعَ آياتِ وصْفِ عَذابِ المُشْرِكِينَ وثَوابِ المُؤْمِنِينَ.
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] مَعَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] .
ومِن هَذا ما يَبْدُو مِن تَخالُفٍ بادِئَ الأمْرِ كَقَوْلِهِ بَعْدَ ذِكْرِ خَلْقِ الأرْضِ ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ [فصلت: ١١] في سُورَةِ فُصِّلَتْ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] مِن سُورَةِ النّازِعاتِ، فَيَحْسَبُونَهُ تَناقُضًا مَعَ الغَفْلَةِ عَنْ مَحْمَلٍ بَعْدَ ذَلِكَ مِن جَعْلِ (بَعْدَ) بِمَعْنى (مَعَ) وهو اسْتِعْمالٌ كَثِيرٌ، فَهم يَتَوَهَّمُونَ التَّناقُضَ مَعَ جَهْلِهِمْ أوْ تَجاهُلِهِمْ بِالوَحَداتِ الثَّمانِيَةِ المُقَرَّرَةِ في المَنطِقِ.
فالتَّبْدِيلُ في قَوْلِهِ تَعالى بَدَّلْنا هو التَّعْوِيضُ بِبَدَلٍ، أيْ عِوَضٍ، والتَّعْوِيضُ لا يَقْتَضِي إبْطالَ المُعَوَّضِ بِفَتْحِ الواوِ بَلْ يَقْتَضِي أنْ يَجْعَلَ شَيْئًا عِوَضًا عَنْ شَيْءٍ، وقَدْ يَبْدُو لِلسّامِعِ أنَّ مِثْلَ لَفْظِ المُعَوَّضِ بِفَتْحِ الواوِ جُعِلَ عِوَضًا عَنْ مِثْلِ لَفْظِ العِوَضِ بِالكَسْرِ في آياتٍ مُخْتَلِفَةٍ بِاخْتِلافِ الأغْراضِ مِن تَبْشِيرٍ وإنْذارٍ، أوْ تَرْغِيبٍ وتَرْهِيبٍ، أوْ إجْمالٍ وبَيانٍ، فَيَجْعَلُهُ الطّاعِنُونَ اضْطِرابًا؛ لِأنَّ مِثْلَهُ قَدْ كانَ بُدِّلَ،
صفحة ٢٨٣
ولا يَتَأمَّلُونَ في اخْتِلافِ الأغْراضِ، وقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن هَذا المَعْنى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: ١٥] في سُورَةِ يُونُسَ.
و﴿مَكانَ آيَةٍ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ المَكانِيَّةِ: بِأنْ تَأْتِيَ (آيَةً) في الدَّعْوَةِ والخِطابِ في مَكانِ آيَةٍ أُخْرى أتَتْ في مِثْلِ تِلْكَ الدَّعْوَةِ، فالمَكانُ هُنا مَكانٌ مَجازِيٌّ، وهو حالَةُ الكَلامِ والخِطابِ، كَما يُسَمّى ذَلِكَ مَقامًا، فَيُقالُ: هَذا مَقامُ الغَضَبِ، فَلا تَأْتِ فِيهِ بِالمَزْحِ، ولَيْسَ المُرادُ مَكانَها مِن ألْواحِ المُصْحَفِ ولا بِإبْدالِها مَحْوَها مِنهُ.
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ شَرْطِ (إذا) وجَوابِها، والمَقْصُودُ مِنها تَعْلِيمُ المُسْلِمِينَ لا الرَّدُّ عَلى المُشْرِكِينَ؛ لِأنَّهم لَوْ عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ هو المُنَزِّلُ لِلْقُرْآنِ لارْتَفَعَ البُهْتانُ، والمَعْنى: أنَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ مِن آيَةٍ بَدَلَ آيَةٍ، فَهو أعْلَمُ بِمَكانِ الأُولى، ومَكانِ الثّانِيَةِ، ومَحْمَلِ كِلْتَيْهِما، وكُلٌّ عِنْدِهِ بِمِقْدارٍ وعَلى اعْتِبارٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بِما يُنَزِّلُ﴾ بِفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِ الزّايِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِسُكُونِ النُّونِ، وتَخْفِيفِ الزّايِ.
وحِكايَةُ طَعْنِهِمْ في النَّبِيءِ ﷺ بِصِيغَةِ قَصْرِ المَوْصُوفِ عَلى الصِّفَةِ، فَجَعَلُوهُ لا صِفَةَ لَهُ إلّا الِافْتِراءَ، وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ لَسْتَ بِمُرْسَلٍ مِنَ اللَّهِ، وهَذا مِن مُجازَفَتِهِمْ وسُرْعَتِهِمْ في الحُكْمِ الجائِرِ، فَلَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى أنَّ تَبْدِيلَهُ افْتِراءٌ بَلْ جَعَلُوا الرَّسُولَ مَقْصُورًا عَلى كَوْنِهِ مُفْتَرِيًا؛ لِإفادَةِ أنَّ القُرْآنَ الوارِدَ مَقْصُورٌ عَلى كَوْنِهِ افْتِراءً.
وأصْلُ الِافْتِراءِ: الِاخْتِراعُ، وغَلَبَ عَلى اخْتِراعِ الخَبَرِ، أيِ اخْتِلاقِهِ، فَساوى الكَذِبَ في المَعْنى، ولِذَلِكَ قَدْ يُطْلَقُ وحْدَهُ كَما هُنا، وقَدْ يُطْلَقُ مُقْتَرِنًا بِالكَذِبِ كَقَوْلِهِ الآتِي ﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ١٠٥] إرْجاعًا بِهِ إلى أصْلِ الِاخْتِراعِ؛ فَيُجْعَلُ لَهُ مَفْعُولٌ هو آيِلٌ إلى مَعْناهُ؛ فَصارَ في مَعْنى المَفْعُولِ المُطْلَقِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [المائدة: ١٠٣] في سُورَةِ العُقُودِ.
و(بَلْ) لِلْإضْرابِ الإبْطالِيِّ عَلى كَلامِهِمْ، وهو مِن طَرِيقَةِ النَّقْضِ الإجْمالِيِّ في عِلْمِ المُناظَرَةِ.
صفحة ٢٨٤
وضَمِيرُ (أكْثَرُهم) لِلَّذِينِ قالُوا إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ، أيْ لَيْسَ كَما قالُوا، ولَكِنَّ أكْثَرَ القائِلِينَ ذَلِكَ لا يَعْلَمُونَ، أيْ يَفْهَمُونَ وضْعَ الكَلامِ مَواضِعَهُ، وحَمْلَهُ مَحامِلَهُ.
وفُهِمَ مِنَ الحُكْمِ عَلى أكْثَرِهِمْ بِعَدَمِ العِلْمِ أنَّ قَلِيلًا مِنهم يَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ افْتِراءً، ولَكِنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ تَلْبِيسًا، وبُهْتانًا، ولا يَعْلَمُونَ أنَّ التَّنْزِيلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ لا يُنافِي إبْطالَ بَعْضِ الأحْكامِ إذا اخْتَلَفَتِ المَصالِحُ، أوْ رُوعِيَ الرِّفْقُ.
ويَجُوزُ حَمْلُ لَفْظِ (أكْثَرُ) عَلى إرادَةِ جَمِيعِهِمْ كَما تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ.
16:102Page 278
قُلۡ نَزَّلَهُۥ رُوحُ ٱلۡقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلۡحَقِّ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهُدٗى وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ ١٠٢
Say, [O Muḥammad], "The Pure Spirit [i.e., Gabriel] has brought it down from your Lord in truth to make firm those who believe and as guidance and good tidings to the Muslims."
﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وهُدًى وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١] فَلِذَلِكَ فُصِلَ فِعْلُ (قُلْ) لِوُقُوعِهِ في المُحاوَرَةِ، أيْ قُلْ لَهم: لَسْتَ بِمُفْتَرٍ، ولا القُرْآنُ بِافْتِراءٍ، بَلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِنَ اللَّهِ، وفي أمْرِهِ بِأنْ يَقُولَ لَهم ذَلِكَ شَدًّا لِعَزْمِهِ لِكَيْلا يَكُونَ تَجاوُزُهُمُ الحَدَّ في البُهْتانِ صارِفًا إيّاهُ عَنْ مُحاوَرَتِهِمْ.
فَبَعْدَ أنْ أبْطَلَ اللَّهُ دَعْواهم عَلَيْهِ أنَّهُ مُفْتَرٍ بِطَرِيقَةِ النَّقْضِ أمَرَ رَسُولَهُ أنْ يُبَيِّنَ لَهم ماهِيَّةَ القُرْآنِ، وهَذِهِ نُكْتَةُ الِالتِفاتِ في قَوْلِهِ تَعالى مِن رَبِّكَ الجارِي عَلى خِلافِ مُقْتَضى ظاهِرِ حِكايَةِ المَقُولِ المَأْمُورِ بِأنْ يَقُولَهُ؛ لِأنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَقُولَ: مِن رَبِّي، فَوَقَعَ الِالتِفاتُ إلى الخِطابِ؛ تَأْنِيسًا لِلنَّبِيِّ ﷺ بِزِيادَةِ تَوَغُّلِ الكَلامِ مَعَهُ في طَرِيقَةِ الخِطابِ.
واخْتِيرَ اسْمُ الرَّبِّ لِما فِيهِ مِن مَعْنى العِنايَةِ والتَّدْبِيرِ.
ورُوحُ القُدُسِ: جِبْرِيلُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ [البقرة: ٨٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ، والرُّوحُ: المَلَكُ، قالَ تَعالى ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ [مريم: ١٧]، أيْ مَلَكًا منْ مَلائِكَتِنا.
صفحة ٢٨٥
والقُدُسُ: الطُّهْرُ، وهو هَنا مُرادٌ بِهِ مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ والمَجازِيُّ الَّذِي هو الفَضْلُ، وجَلالَةُ القَدْرِ.
وإضافَةُ الرُّوحِ إلى القُدْسِ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ، كَقَوْلِهِمْ: حاتِمُ الجُودِ، وزَيْدُ الخَيْرِ، والمُرادُ: حاتِمٌ الجَوادُ، وزَيْدٌ الخَيِّرُ، فالمَعْنى: المَلَكُ المُقَدَّسُ.
والباءُ في بِالحَقِّ لِلْمُلابَسَةِ، وهي ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في (نَزَّلَهُ) مِثْلُ ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠]، أيْ مُلابِسًا لِلْحَقِّ، لا شائِبَةَ لِلْباطِلِ فِيهِ.
وذُكِرَتْ عِلَّةٌ مِن عِلَلِ إنْزالِ القُرْآنِ عَلى الوَصْفِ المَذْكُورِ، أيْ تَبْدِيلُ آيَةٍ مَكانَ آيَةٍ، بِأنَّ في ذَلِكَ تَثْبِيتًا لِلَّذِينِ آمَنُوا إذْ يَفْهَمُونَ مَحْمَلَ كُلِّ آيَةٍ، ويَهْتَدُونَ بِذَلِكَ، وتَكُونُ آياتُ البُشْرى بِشارَةً لَهم، وآياتُ الإنْذارِ مَحْمُولَةً عَلى أهْلِ الكُفْرِ.
فَفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ﴾ إبْطالٌ لِقَوْلِهِمْ ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١]، وفي قَوْلِهِ تَعالى بِالحَقِّ إيقاظٌ لِلنّاسِ بِأنْ يَنْظُرُوا في حِكْمَةِ اخْتِلافِ أغْراضِهِ، وأنَّها حَقٌّ.
وفِي التَّعْلِيلِ بِحِكْمَةِ التَّثْبِيتِ والهُدى والبُشْرى بَيانٌ لِرُسُوخِ إيمانِ المُؤْمِنِينَ، وسَدادِ آرائِهِمْ في فَهْمِ الكَلامِ السّامِي، وأنَّهُ تَثْبِيتٌ لِقُلُوبِهِمْ بِصِحَّةِ اليَقِينِ، وهُدًى وبُشْرى لَهم.
وفِي تَعَلُّقِ المَوْصُولِ وصِلَتِهِ بِفِعْلِ التَّثْبِيتِ إيماءٌ إلى أنَّ حُصُولِ ذَلِكَ لَهم بِسَبَبِ إيمانِهِمْ؛ فَيُفِيدُ تَعْرِيضًا بِأنَّ غَيْرَ المُؤْمِنِينَ تَقْتَصِرُ مَدارِكُهم عَنْ إدْراكِ ذَلِكَ الحَقِّ فَيَخْتَلِطُ عَلَيْهِمُ الفَهْمُ، ويَزْدادُونَ كُفْرًا، ويَضِلُّونَ، ويَكُونُ نِذارَةً لَهم.
والمُرادُ بِالمُسْلِمِينَ الَّذِينَ آمَنُوا، فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: وهُدًى وبُشْرى لَهم، فَعَدَلَ إلى الإظْهارِ؛ لِزِيادَةِ مَدْحِهِمْ بِوَصْفٍ آخَرَ شَرِيفٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿هُدًى وبُشْرى﴾ [النمل: ٢] عَطْفٌ عَلى الجارِّ والمَجْرُورِ مِن قَوْلِهِ لِيُثَبِّتَ، فَيَكُونُ ﴿هُدًى وبُشْرى﴾ [النمل: ٢] مَصْدَرَيْنِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ
صفحة ٢٨٦
لِيُثَبِّتَ وإنْ كانَ مَجْرُورَ اللَّفْظِ بِاللّامِ؛ إذْ لا يَسُوغُ نَصْبُهُ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مَصْدَرًا صَرِيحًا.
وأمّا ﴿هُدًى وبُشْرى﴾ [النمل: ٢] فَلَمّا كانا مَصْدَرَيْنِ كانا حَقِيقَيْنِ بِالنَّصْبِ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ بِحَيْثُ لَوْ ظَهَرَ إعْرابُهُما لَكانا مَنصُوبَيْنِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ [النحل: ٨] .
16:103Page 279
وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ أَنَّهُمۡ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٞۗ لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلۡحِدُونَ إِلَيۡهِ أَعۡجَمِيّٞ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيّٞ مُّبِينٌ ١٠٣
And We certainly know that they say, "It is only a human being who teaches him [i.e., the Prophet (ﷺ)]." The tongue of the one they refer to is foreign,1 and this [recitation, i.e., Qur’ān] is [in] a clear Arabic language.
﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ وهَذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ﴾ [النحل: ١٠١]، وهَذا إبْطالٌ لِتَلْبِيسٍ آخَرَ مِمّا يُلَبِّسُونَ بِهِ عَلى عامَّتِهِمْ، وذَلِكَ أنْ يَقُولُوا: إنَّ مُحَمَّدًا يَتَلَقّى القُرْآنَ مِن رَجُلٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ، قِيلَ: قائِلُ ذَلِكَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ وغَيْرُهُ، قالَ عَنْهُ تَعالى فَقالَ ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: ٢٤] ﴿إنْ هَذا إلّا قَوْلُ البَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٥]، أيْ لا يُلَقِّنُهُ مَلَكٌ بَلْ يُعَلِّمُهُ إنْسانٌ، وقَدْ عَيَّنُوهُ بِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ﴾ .
وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِالتَّأْكِيدِ بِلامِ القَسَمِ و(قَدْ) يُشِيرُ إلى أنَّ خاصَّةَ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ لِعامَّتِهِمْ، ولا يَجْرُونَ بِهِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّهُ باطِلٌ مَكْشُوفٌ، وأنَّ اللَّهَ أطْلَعَ المُسْلِمِينَ عَلى ذَلِكَ، فَقَدْ كانَ في مَكَّةَ غُلامٌ رُومِيٌّ كانَ مَوْلًى لِعامِرِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ، اسْمُهُ (جَبْرٌ) كانَ يَصْنَعُ السُّيُوفَ بِمَكَّةَ، ويَقْرَأُ مِنَ الإنْجِيلِ ما يَقْرَأُ أمْثالُهُ مِن عامَّةِ النَّصارى مِن دَعَواتِ الصَّلَواتِ، فاتَّخَذَ زُعَماءُ المُشْرِكِينَ مِن ذَلِكَ تَمْوِيهًا عَلى العامَّةِ، فَإنَّ مُعْظَمَ أهْلِ مَكَّةَ كانُوا أُمِّيِّينَ فَكانُوا يَحْسَبُونَ مَن يَتْلُو كَلِماتٍ يَحْفَظُها - ولَوْ مُحَرَّفَةً - أوْ يَكْتُبُ حُرُوفًا يَتَعَلَّمُها يَحْسَبُونَهُ عَلى عِلْمٍ، وكانَ النَّبِيءُ ﷺ لَمّا جانَبَهُ قَوْمُهُ، وقاطَعُوهُ يَجْلِسُ إلى هَذا الغُلامِ، وكانَ هَذا الغُلامُ قَدْ أظْهَرَ الإسْلامَ فَقالَتْ قُرَيْشٌ: هَذا يُعَلِّمُ مُحَمَّدًا ما يَقُولُهُ.
صفحة ٢٨٧
وقِيلَ: كانَ غُلامٌ رُومِيٌّ اسْمُهُ (بِلْعامُ) كانَ عَبْدًا بِمَكَّةَ لِرَجُلٍ مِن قُرَيْشَ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقِفُ عَلَيْهِ يَدْعُوهُ إلى الإسْلامِ، فَقالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا يَتَعَلَّمُ مِنهُ، وكانَ هَذا العَبْدُ يَقُولُ: إنَّما يَقِفُ عَلَيَّ يُعَلِّمُنِي الإسْلامَ.
وظاهِرُ الإفْرادِ في إلَيْهِ أنَّ المَقْصُودَ رَجُلٌ واحِدٌ، وقَدْ قِيلَ: المُرادُ عَبْدانِ هَمّا (جَبْرٌ)، (ويَسارٌ) كانا قِنَّيْنِ، فَيَكُونُ المُرادُ بِـ (بَشَرٌ) الجِنْسُ، وبِإفْرادِ ضَمِيرِهِ جَرَيانُهُ عَلى أفْرادِ مَعادِهِ.
وقَدْ كَشَفَ القُرْآنُ هَذا اللَّبْسَ هُنا بِأوْضَحِ كَشْفٍ؛ إذْ قالَ قَوْلًا فَصْلًا دُونَ طُولِ جِدالٍ ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ وهَذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾، أيْ كَيْفَ يُعَلِّمُهُ وهو أعْجَمِيٌّ لا يَكادُ يُبِينُ، وهَذا القُرْآنُ فَصِيحٌ عَرَبِيٌّ مُعْجِزٌ.
والجُمْلَةُ جَوابٌ عَنْ كَلامِهِمْ، فَهي مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛لِأنَّ قَوْلَهم ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ يَتَضَمَّنُ أنَّهُ لَيْسَ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ فَيَسْألُ سائِلٌ: ماذا جَوابُ قَوْلِهِمْ ؟ فَيُقالُ ﴿لِسانُ الَّذِي﴾ إلَخْ، وهَذا النَّظْمُ نَظِيرُ نَظْمِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤] .
وألْحَدَ: مِثْلُ لَحَدَ، أيْ مالَ عَنِ القَوِيمِ، فَهو مِمّا جاءَ مِنَ الأفْعالِ مَهْمُوزٌ بِمَعْنى المُجَرَّدِ، كَقَوْلِهِمْ: أبانَ بِمَعْنى بانَ. فَمَعْنى يُلْحِدُونَ يَمِيلُونَ عَنِ الحَقِّ؛ لِأنَّ ذَلِكَ اخْتِلاقُ مَعاذِيرَ، فَهم يَتْرُكُونَ الحَقَّ القَوِيمَ مِن أنَّهُ كَلامٌ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ إلى أنْ يَقُولُوا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ فَذَلِكَ مَيْلٌ عَنِ الحَقِّ، وهو إلْحادٌ.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالإلْحادِ المَيْلُ بِكَلامِهِمُ المُبْهَمِ إلى قَصْدٍ مُعَيَّنٍ؛ لِأنَّهم قالُوا ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾، وسَكَتُوا عَنْ تَعْيِينِهِ تَوْسِعَةَ عَلى أنْفُسِهِمْ في اخْتِلاقِ المَعاذِيرِ، فَإذا وجَدُوا ساذَجًا أبْلَهَ يَسْألُ عَنِ المَعْنِيِّ بِالبَشَرِ قالُوا لَهُ: هو (جَبْرٌ) أوْ (بِلْعامُ)، وإذا تَوَسَّمُوا نَباهَةَ السّائِلِ تَجاهَلُوا وقالُوا: هو بَشَرٌ مِنَ النّاسِ، فَإطْلاقُ الإلْحادِ عَلى هَذا المَعْنى مِثْلُ إطْلاقِ المَيْلِ عَلى الِاخْتِيارِ، وقَرَأ نافِعٌ والجُمْهُورُ (يُلْحِدُونَ) بِضَمِّ الياءِ مُضارِعُ ألْحَدَ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ يَلْحَدُونَ بِفَتْحِ الياءِ مِن لَحَدَ مُرادِفُ ألْحَدَ، وقَدْ تَقَدَّمَ الإلْحادُ في قَوْلِهِ
صفحة ٢٨٨
تَعالى ﴿وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠] في سُورَةِ الأعْرافِ، ولَيْسَتْ هَذِهِ الهَمْزَةُ كَقَوْلِهِمْ: ألْحَدَ المَيِّتَ؛ لِأنَّ تِلْكَ لِلْجَعْلِ ذا لَحْدٍ.
واللِّسانُ: الكَلامُ، سُمِّيَ الكَلامُ بِاسْمِ آلَتِهِ، والأعْجَمِيُّ: المَنسُوبُ إلى الأعْجَمِ، وهو الَّذِي لا يُبَيِّنُ عَنْ مُرادِهِ مِن كُلِّ ناطِقٍ لا يَفْهَمُونَ ما يُرِيدُهُ، ولِذَلِكَ سَمَّوُا الدَّوابَّ العَجْماواتِ، فالياءُ فِيهِ ياءُ النَّسَبِ، ولَمّا كانَ المَنسُوبُ إلَيْهِ وصْفًا كانَ النَّسَبُ لِتَقْوِيَةِ الوَصْفِ.
والمُبِينُ: اسْمُ فاعِلٍ مَن أبانَ، إذا صارَ ذا إبانَةٍ، أيْ زائِدٌ في الإبانَةِ بِمَعْنى الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ، فَحَصَلَ تَمامُ التَّضادِّ بَيْنَهُ وبَيْنَ لِسانِ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ.
16:104Page 279
إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ لَا يَهۡدِيهِمُ ٱللَّهُ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ١٠٤
Indeed, those who do not believe in the verses of Allāh - Allāh will not guide them, and for them is a painful punishment.
﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، ووُرُودُ هَذِهِ الآيَةِ عَقِبَ ذِكْرِ اخْتِلاقِ المُتَقَعِّرِينَ عَلى القُرْآنِ المُرْجِفِينَ بِالقالَةِ فِيهِ بَيْنَ الدَّهْماءِ يُومِئُ إلى أنَّ المُرادَ بِالَّذِينِ لا يُؤْمِنُونَ هم أُولَئِكَ المَرْدُودُ عَلَيْهِمْ آنِفًا، وهم فَرِيقٌ مَعْلُومٌ بِشِدَّةِ العَداوَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ وبِالتَّصَلُّبِ في التَّصَدِّي لِصَرْفِ النّاسِ عَنْهُ، بِحَيْثُ بَلَغُوا مِنَ الكُفْرِ غايَةً ما وراءَها غايَةٌ، فَحَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ اللَّهِ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، فَهَؤُلاءِ فَرِيقٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ يَوْمَئِذٍ، ولَكِنَّهم مُشارٌ إلَيْهِمْ عَلى وجْهِ الإجْمالِ، وتَكْشِفُ عَنْ تَعْيِينِهِمْ عَواقِبُ أحْوالِهِمْ.
فَقَدْ كانَ مِنَ الكافِرِينَ بِالنَّبِيءِ ﷺ أبُو جَهْلٍ، وأبُو سُفْيانَ، وكانَ أبُو سُفْيانَ أطْوَلَ مُدَّةً في الكُفْرِ مِن أبِي جَهْلٍ، ولَكِنَّ أبا جَهْلٍ كانَ يَخْلِطُ كُفْرَهُ بِأذى النَّبِيءِ ﷺ والحَنَقِ عَلَيْهِ، وكانَ أبُو سُفْيانَ مُقْتَصِرًا عَلى الِانْتِصارِ لِدِينِهِ ولِقَوْمِهِ، ودَفَعَ المُسْلِمِينَ عَنْ أنْ يَغْلِبُوهم فَحَرَمَ اللَّهُ أبا جَهْلٍ الهِدايَةَ؛ فَأهْلَكَهُ كافِرًا، وهَدى أبا سُفْيانَ؛ فَأصْبَحَ مِن خِيرَةِ المُؤْمِنِينَ، وتَشَرَّفَ بِصِهْرِ النَّبِيءِ ﷺ، وكانَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ
صفحة ٢٨٩
كافِرَيْنِ، وكانَ كِلاهُما يَدْفَعُ النّاسَ مِنَ اتِّباعِ الإسْلامِ، ولَكِنَّ الوَلِيدَ كانَ يَخْتَلِقُ المَعاذِيرَ والمَطاعِنَ في القُرْآنِ، وذَلِكَ مِنَ الكَيْدِ، وعُمَرُ كانَ يَصْرِفُ النّاسَ بِالغِلْظَةِ عَلَنًا دُونَ اخْتِلاقٍ؛ فَحَرَمَ اللَّهُ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ الِاهْتِداءَ، وهَدى عُمَرَ إلى الإسْلامِ، فَأصْبَحَ الإسْلامُ بِهِ عَزِيزَ الجانِبِ، فَتَبَيَّنَ النّاسُ أنَّ الوَلِيدَ مِنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ، وأنَّ عُمَرَ لَيْسَ مِنهم، وقَدْ كانا مَعًا كافِرَيْنِ في زَمَنٍ ما، ويُشِيرُ إلى هَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرْناهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ [الزمر: ٣] فَوَصَفَ مَن لا يَهْدِيهِ اللَّهُ بِوَصْفَيِ؛ الكَذِبِ، وشِدَّةِ الكُفْرِ.
فَتَبَيَّنَ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ مَن كانَ الإيمانُ مُنافِيًا لِجِبِلَّةِ طَبْعِهِ لا لِأمْيالِ هَواهُ، وهَذا يَعْلَمُ اللَّهُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ، وأنَّهُ لَيْسَ مُعَرَّضًا لِلْإيمانِ؛ فَلِذَلِكَ لا يَهْدِيهِ اللَّهُ، أيْ لا يُكَوِّنُ الهِدايَةَ في قَلْبِهِ.
وهَذا الأُسْلُوبُ عَكْسُ أُسْلُوبِ قَوْلِهِ تَعالى (﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِماتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٩٦])، وكُلٌّ يَرْمِي إلى مَعْنًى عَظِيمٍ.
فَمَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ الَّتِي قَبْلَها مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ لِجَمِيعِ أقْوالِهِمُ المَحْكِيَّةِ، والتَّذْيِيلِ لِخُلاصَةِ أحْوالِهِمْ، ولِذَلِكَ فُصِلَتْ بِدُونِ عَطْفٍ.
وعَطَفَ ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [النحل: ٦٣] عَلى ﴿لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى حِرْمانِهِمْ مِنَ الخَيْرِ، وإلْقائِهِمْ في الشَّرِّ؛ لِأنَّهم إذا حُرِمُوا الهِدايَةَ فَقَدْ وقَعُوا في الضَّلالَةِ، ﴿وماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ﴾ [يونس: ٣٢]، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ فَأنَّهُ يُضِلُّهُ ويَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج: ٤]، ويَشْمَلُ العَذابُ عَذابَ الدُّنْيا - وهو عَذابُ القَتْلِ - مِثْلُ ما أصابَ أبا جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ مِن ألَمِ الجِراحِ، وهو في سَكَراتِ المَوْتِ، ثُمَّ مِن إهانَةِ الإجْهازِ عَلَيْهِ عَقِبَ ذَلِكَ.
16:105Page 279
إِنَّمَا يَفۡتَرِي ٱلۡكَذِبَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ ١٠٥
They only invent falsehood who do not believe in the verses of Allāh, and it is those who are the liars.
صفحة ٢٩٠
﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ هَذا رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١] بِقَلْبِ ما زَعَمُوهُ عَلَيْهِمْ، كَما كانَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ﴾ [النحل: ١٠٣] جَوابًا عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، فَبَعْدَ أنْ نَزَّهَ القُرْآنَ عَنْ أنْ يَكُونَ مُفْتَرًى، والمُنَزَّلُ عَلَيْهِ عَنْ أنْ يَكُونَ مُفْتَرِيًا، ثُنِيَ العِنانُ لِبَيانِ مَن هو المُفْتَرِي، وهَذا مِن طَرِيقَةِ القَلْبِ في الحالِ.
ووَجْهُ مُناسَبَةِ ذِكْرِهِ هُنا أنَّ قَوْلَهم ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣] يَسْتَلْزِمُ تَكْذِيبَ النَّبِيءِ ﷺ في أنَّ ما جاءَ بِهِ مُنَزَّلٌ إلَيْهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَصارُوا بِهَذا الِاعْتِبارِ يُؤَكِّدُونَ بِمَضْمُونِهِ قَوْلَهم ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١] يُؤَكِّدُ أحَدُ القَوْلَيْنِ القَوْلَ الآخَرَ، فَلَمّا رَدَّ قَوْلَهم ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١] بِقَوْلِهِ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ١٠١] ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢]، ورَدَتْ مَقالَتُهُمُ الأُخْرى في صَرِيحِها بِقَوْلِهِ ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ﴾ [النحل: ١٠٣]، ورَدَ مَضْمُونُها هُنا بِقَوْلِهِ ﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ الآيَةَ، حاصِلًا بِهِ رَدُّ نَظِيرِها أعْنِي قَوْلَهم ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١] بِكَلامٍ أبْلَغَ مِن كَلامِهِمْ؛ لِأنَّهم أتَوْا في قَوْلِهِمْ ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١] بِصِيغَةِ قَصْرٍ هي أبْلَغُ مِمّا قالُوهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهم ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١] قَصْرٌ لِلْمُخاطَبِ عَلى صِفَةِ الِافْتِراءِ الدّائِمَةِ؛ إذِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ تَقْتَضِي الثَّباتَ والدَّوامَ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِصِيغَةٍ تَقْصُرُهم عَلى الِافْتِراءِ المُتَكَرِّرِ المُتَجَدِّدِ؛ إذِ المُضارِعُ يَدُلُّ عَلى التَّجَدُّدِ.
وأكَّدَ فِعْلَ الِافْتِراءِ بِمَفْعُولِهِ الَّذِي هو بِمَعْنى المَفْعُولِ المُطْلَقِ؛ لِكَوْنِهِ آيِلًا إلَيْهِ المَعْنى.
وعُرِّفَ الكَذِبُ بِأداةِ تَعْرِيفِ الجِنْسِ الدّالَّةِ عَلى تَمَيُّزِ ماهِيَّةِ الجِنْسِ واسْتِحْضارِها، فَإنَّ تَعْرِيفَ اسْمِ الجِنْسِ أقْوى مِن تَنْكِيرِهِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
صفحة ٢٩١
وعَبَّرَ عَنِ المَقْصُورِ عَلَيْهِمْ بِاسْمِ المَوْصُولِ دُونَ أنْ يَذْكُرَ ضَمِيرَهم فَيُقالُ: إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ أنْتُمْ؛ لِيُفِيدَ اشْتِهارَهم بِمَضْمُونِ الصِّلَةِ، ولِأنَّ لِلصِّلَةِ أثَرًا في افْتِرائِهِمْ، لِما تُفِيدُهُ المَوْصُولِيَّةُ مِنَ الإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ.
وعَلَيْهِ فَإنَّ مَن لا يُؤْمِنُ بِالدَّلائِلِ الواضِحَةِ الَّتِي هي آياتُ صِدْقٍ لا يَسَعُهُ إلّا الِافْتِراءُ؛ لِتَرْوِيجِ تَكْذِيبِهِ بِالدَّلائِلِ الواضِحَةِ، وفي هَذا كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِ تَكْذِيبِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ عَنْ مُكابَرَةٍ لا عَنْ شُبْهَةٍ.
ثُمَّ أُرْدِفَتْ جُمْلَةُ القَصْرِ بِجُمْلَةِ قَصْرٍ أُخْرى بِطَرِيقِ ضَمِيرِ الفَصْلِ وطَرِيقِ تَعْرِيفِ المُسْنَدِ وهي جُمْلَةُ (وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ) .
وافْتُتِحَتْ بِاسْمِ الإشارَةِ، بَعْدَ إجْراءِ وصْفِ انْتِفاءِ الإيمانِ بِآياتِ اللَّهِ عَنْهم؛ لِيُنَبِّهَ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ جَدِيرُونَ بِما يَرِدُ مِنَ الخَبَرِ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ، وهو قَصْرُهم عَلى الكَذِبِ؛ لِأنَّ مَن لا يُؤْمِنُ بِآياتِ اللَّهِ يَتَّخِذُ الكَذِبَ دَيْدَنًا لَهُ مُتَجَدِّدًا.
وجُعِلَ المُسْنَدُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ مُعَرَّفًا بِاللّامِ؛ لِيُفِيدَ أنَّ جِنْسَ الكاذِبِينَ اتَّحَدَ بِهِمْ، وصارَ مُنْحَصِرًا فِيهِمْ، أيِ الَّذِينَ تَعْرِفُ أنَّهم طائِفَةُ الكاذِبِينَ هم هَؤُلاءِ، وهَذا يَئُولُ إلى مَعْنى قَصْرِ جِنْسِ المُسْنَدِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ، فَيَحْصُلُ قَصْرانِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ: قَصْرُ مَوْصُوفٍ عَلى صِفَةٍ، وقَصْرُ تِلْكَ الصِّفَةِ عَلى ذَلِكَ المَوْصُوفِ، والقَصْرانِ الأوَّلانِ الحاصِلانِ مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّما يَفْتَرِي﴾ وقَوْلُهُ (وأُولَئِكَ هم) إضافِيّانِ، أيْ لا غَيْرُهُمُ الَّذِي رَمَوْهُ بِالِافْتِراءِ وهو مُحاشًى مِنهُ، والثّالِثُ أُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ ادِّعائِيٌّ لِلْمُبالَغَةِ، إذْ نَزَلَ بُلُوغُ الجِنْسِ فِيهِمْ مَبْلَغًا قَوِيًّا مَنزِلَةَ انْحِصارِهِ فِيهِمْ.
واخْتِيرَ في الصِّلَةِ صِيغَةُ لا يُؤْمِنُونَ دُونَ: لَمْ يُؤْمِنُوا؛ لِتَكُونَ عَلى وِزانِ ما عُرِفُوا بِهِ سابِقًا في قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١٠٤]، ولِما في المُضارِعِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى انْتِفاءِ الإيمانِ، لا يَثْبُتُ لَهم ضِدُّ ذَلِكَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences