Ibn 'AshurAn‑Nahl · 16:112–119

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

An-Nahl 16:112–119

16:112Page 280

وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا قَرۡيَةٗ كَانَتۡ ءَامِنَةٗ مُّطۡمَئِنَّةٗ يَأۡتِيهَا رِزۡقُهَا رَغَدٗا مِّن كُلِّ مَكَانٖ فَكَفَرَتۡ بِأَنۡعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلۡجُوعِ وَٱلۡخَوۡفِ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ ١١٢

And Allāh presents an example: a city [i.e., Makkah] which was safe and secure, its provision coming to it in abundance from every location, but it denied the favors of Allāh. So Allāh made it taste the envelopment of hunger and fear for what they had been doing.

﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِن كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ عَطْفُ عِظَةٍ عَلى عِظَةٍ، والمَعْطُوفُ عَلَيْها هي جُمَلُ الِامْتِنانِ بِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]، وما اتَّصَلَ بِها إلى قَوْلِهِ ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣] فانْتَقَلَ الكَلامُ بَعْدَ ذَلِكَ بِتَهْدِيدٍ مِن قَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ [النحل: ٨٤] .

فَبَعْدَ أنْ تَوَعَّدَهم بِقَوارِعِ الوَعِيدِ بِقَوْلِهِ ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٤] وقَوْلُهُ ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦] إلى قَوْلِهِ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [النحل: ١٠٩] عادَ الكَلامُ إلى تَهْدِيدِهِمْ بِعَذابٍ في الدُّنْيا؛ بِأنْ جَعَلَهم مَضْرِبَ مَثَلٍ لِقَرْيَةٍ عُذِّبَتْ عَذابَ الدُّنْيا، أوْ جَعَلَهم مَثَلًا وعِظَةً لِمَن يَأْتِي بِمِثْلِ ما أتَوْا بِهِ مِن إنْكارِ نِعْمَةِ اللَّهِ.

صفحة ٣٠٤

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْطُوفُ عَلَيْها جُمْلَةَ ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ﴾ [النحل: ١١١] إلَخْ، عَلى اعْتِبارِ تَقْدِيرِ اذْكُرْ، أيِ اذْكُرْ لَهم هَوْلَ ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ﴾ [النحل: ١١١] إلَخْ، وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِعَذابِهِمْ في الدُّنْيا شَأْنَ قَرْيَةٍ كانَتْ آمِنَةً إلَخْ.

وضَرَبَ: بِمَعْنى جَعَلَ، أيْ جَعَلَ المُرَكَّبَ الدّالَّ عَلَيْهِ كَوْنَ نَظْمِهِ، وأوْحى بِهِ إلى رَسُولِهِ ﷺ، كَما يُقالُ: أرْسَلَ فُلانٌ مَثَلًا قَوْلُهُ: كَيْتٌ وكَيْتٌ.

والتَّعْبِيرُ عَنْ ضَرْبِ المَثَلِ الواقِعِ في حالِ نُزُولِ الآيَةِ بِصِيغَةِ المُضِيِّ لِلتَّشْوِيقِ إلى الإصْغاءِ إلَيْهِ، وهو مِنِ اسْتِعْمالِ الماضِي في الحالِ لِتَحْقِيقِ وُقُوعِهِ، مَثْلُ ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]، أوْ لِتَقْرِيبِ زَمَنِ الماضِي مِن زَمَنِ الحالِ، مِثْلَ: قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (ضَرَبَ) مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى الطَّلَبِ والأمْرِ، أيِ اضْرِبْ يا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ مَثَلًا قَرْيَةً إلى آخِرِهِ، كَما سَيَجِيءُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً﴾ في سُورَةِ الزُّمَرِ، وإنَّما صِيغَ في صِيغَةِ الخَبَرِ؛ تَوَسُّلًا إلى إسْنادِهِ إلى اللَّهِ تَشْرِيفًا لَهُ وتَنْوِيهًا بِهِ، ويُفَرَّقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما صِيغَ بِصِيغَةِ الطَّلَبِ نَحْوُ ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا أصْحابَ القَرْيَةِ﴾ [يس: ١٣] بِما سَيُذْكَرُ في سُورَةِ الزُّمَرِ فَراجِعْهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿٣٠ إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ [البقرة: ٢٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ في سُورَةِ إبْراهِيمَ ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ [إبراهيم: ٢٤] .

وجَعَلَ المَثَلَ قَرْيَةً مَوْصُوفَةً بِصِفاتٍ تُبَيِّنُ حالَها المَقْصُودَ مِنَ التَّمْثِيلِ، فاسْتَغْنى عَنْ تَعْيِينِ القَرْيَةِ.

والنُّكْتَةُ في ذَلِكَ أنْ يَصْلُحَ هَذا المَثَلُ لِلتَّعْرِيضِ بِالمُشْرِكِينَ بِاحْتِمالِ أنْ تَكُونَ القَرْيَةُ قَرْيَتَهم، أعْنِي (مَكَّةَ) بِأنْ جَعَلَهم مَثَلًا لِلنّاسِ مِن بَعْدِهِمْ، ويُقَوِّي هَذا الِاحْتِمالَ إذا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَدْ نَزَلَتْ بَعْدَ أنْ أصابَ أهْلَ مَكَّةَ الجُوعُ الَّذِي أُنْذِرُوا بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]

صفحة ٣٠٥

﴿يَغْشى النّاسَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الدخان: ١١]، وهو الدُّخانُ الَّذِي كانَ يَراهُ أهْلُ مَكَّةَ أيّامَ القَحْطِ الَّذِي أصابَهم بِدُعاءِ النَّبِيءِ ﷺ .

ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ بَعْدُ ﴿ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهُمُ العَذابُ وهم ظالِمُونَ﴾ [النحل: ١١٣] .

ولَعَلَّ المُخاطَبَ بِهَذا المَثَلِ هُمُ المُسْلِمُونَ الَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا، أيْ أصْحابُ هِجْرَةِ الحَبَشَةِ تَسْلِيَةً لَهم عَنْ مُفارَقَةِ بَلَدِهِمْ، وبَعْثًا لَهم عَلى أنْ يَشْكُرُوا اللَّهَ تَعالى إذْ أخْرَجَهم مِن تِلْكَ القَرْيَةِ فَسَلِمُوا مِمّا أصابَ أهْلَها، وما يُصِيبُهم.

وتَقَدَّمَ مَعْنى القَرْيَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والمُرادُ بِالقَرْيَةِ (أهْلُها) إذْ هُمُ المَقْصُودُ مِنَ القَرْيَةِ كَقَوْلِهِ ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] والأمْنُ: السَّلامَةُ مِن تَسَلُّطِ العَدُوِّ.

والِاطْمِئْنانُ: الدَّعَةُ وهُدُوءُ البالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلُهُ ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [النساء: ١٠٣] في سُورَةِ النِّساءِ.

وقَدَّمَ الأمْنَ عَلى الطُّمَأْنِينَةِ؛ إذْ لا تَحْصُلُ الطُّمَأْنِينَةُ بِدُونِهِ، كَما أنَّ الخَوْفَ بِسَبَبِ الِانْزِعاجِ والقَلَقِ.

وقَوْلُهُ ﴿يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا﴾ تَيْسِيرُ الرِّزْقِ فِيها مِن أسْبابِ راحَةِ العَيْشِ، وقَدْ كانَتْ مَكَّةُ كَذَلِكَ، قالَ تَعالى ﴿أوْلَمَ نُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا آمِنًا تُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧]، والرِّزْقُ: الأقْواتُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ﴾ [يوسف: ٣٧] في سُورَةِ يُوسُفَ.

والرَّغَدُ: الوافِرُ الهَنِيءُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما﴾ [البقرة: ٣٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

صفحة ٣٠٦

و﴿مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ بِمَعْنى: مِن أمْكِنَةٍ كَثِيرَةٍ، و(كُلِّ) تُسْتَعْمَلُ في مَعْنى الكَثْرَةِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ [الأنعام: ٢٥] في سُورَةِ الأنْعامِ.

والأنْعُمِ: جَمْعُ نِعْمَةٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ.

ومَعْنى الكُفْرِ بِأنْعُمِ اللَّهِ: الكُفْرُ بِالمُنْعِمِ؛ لِأنَّهم أشْرَكُوا غَيْرَهُ في عِبادَتِهِ، فَلَمْ يَشْكُرُوا المُنْعِمَ الحَقَّ، وهَذا يُشِيرُ إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣] .

واقْتِرانُ فِعْلِ (كَفَرَتْ) بِفاءِ التَّعْقِيبِ بَعْدَ ﴿كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ بِاعْتِبارِ حُصُولِ الكُفْرِ عَقِبَ النِّعَمِ الَّتِي كانُوا فِيها حِينَ طَرَأ عَلَيْهِمُ الكُفْرُ، وذَلِكَ عِنْدَ بَعْثَةِ الرَّسُولِ إلَيْهِمْ.

وأمّا قَرْنُ ﴿فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ﴾ بِفاءِ التَّعْقِيبِ فَهو تَعْقِيبٌ عُرْفِيٌّ في مِثْلِ ذَلِكَ المُعَقَّبِ؛ لِأنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ مُضِيِّ زَمَنٍ عَلَيْهِمْ، وهم مُصِرُّونَ عَلى كَفْرِهِمْ، والرَّسُولُ يُكَرِّرُ الدَّعْوَةَ، وإنْذارُهم بِهِ، فَلَمّا حَصَلَ عَقِبَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ غَيْرِ طَوِيلَةٍ - وكانَ جَزاءً عَلى كُفْرِهِمْ - جُعِلَ كالشَّيْءِ المُعَقَّبِ بِهِ كُفْرَهم.

والإذاقَةُ: حَقِيقَتُها إحْساسُ اللِّسانِ بِأحْوالِ الطُّعُومِ، وهي مُسْتَعارَةٌ هُنا، وفي مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ إلى إحْساسِ الألَمِ والأذى إحْساسًا مَكِينًا، كَتَمَكُّنِ ذَوْقِ الطَّعامِ مِن فَمِ ذائِقِهِ، لا يَجِدُ لَهُ مِدْفَعًا، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥] في سُورَةِ العُقُودِ.

واللِّباسُ: حَقِيقَتُهُ الشَّيْءُ الَّذِي يُلْبَسُ، وإضافَتُهُ إلى الجُوعِ والخَوْفِ قَرِينَةٌ عَلى أنَّهُ مُسْتَعارٌ إلى ما يُغْشى مِن حالَةِ إنْسانٍ مُلازِمَةٍ لَهُ كَمُلازَمَةِ اللِّباسِ لابِسَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] بِجامِعِ الإحاطَةِ والمُلازَمَةِ.

صفحة ٣٠٧

ومِن قَبِيلِها اسْتِعارَةُ البِلى لِزَوالِ صِفَةِ الشَّخْصِ؛ تَشْبِيهًا لِلزَّوالِ بَعْدَ التَّمَكُّنِ بِبِلى الثَّوْبِ بَعْدَ جِدَّتِهِ في قَوْلِ أبِي الغُولِ الطَّهَوِيِّ:

ولا تَبْلى بَسالَتُهم وإنْ هُـمُ صُلُوا بِالحَرْبِ حِينًا بَعْدَ حِينٍ

. واسْتِعارَةُ سَلِّ الثِّيابِ إلى زَوالِ المُعاشَرَةِ في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:

فَسُلِّي ثِيابِي عَنْ ثِيابِكِ تَنْسِلِ

ومِن لَطائِفِ البَلاغَةِ جَعْلُ اللِّباسِ لِباسَ شَيْئَيْنِ؛ لِأنَّ تَمامَ اللُّبْسَةِ أنْ يَلْبِسَ المَرْءُ إزارًا ودِرْعًا.

ولَمّا كانَ اللِّباسُ مُسْتَعارًا لِإحاطَةِ ما غَشِيَهم مِنَ الجُوعِ والخَوْفِ، ومُلازَمَتِهِ أُرِيدَ إفادَةُ أنَّ ذَلِكَ مُتَمَكِّنٌ مِنهم، ومُسْتَقِرٌّ في إدْراكِهِمِ اسْتِقْرارَ الطَّعامِ في البَطْنِ؛ إذْ يُذاقُ في اللِّسانِ والحَلْقِ ويُحَسُّ في الجَوْفِ والأمْعاءِ.

فاسْتُعِيرَ لَهُ فِعْلُ الإذاقَةِ تَمْلِيحًا، وجَمْعًا بَيْنَ الطَّعامِ واللِّباسِ؛ لِأنَّ غايَةَ القِرى والإكْرامِ أنْ يُؤْدَبَ لِلضَّيْفِ ويُخْلَعَ عَلَيْهِ خِلْعَةً مِن إزارٍ وبُرُدٍ، فَكانَتِ اسْتِعارَتانِ تَهَكُّمِيَّتانِ.

فَحَصَلَ في الآيَةِ اسْتِعارَتانِ: الأُولى: اسْتِعارَةُ الإذاقَةِ، وهي تَبَعِيَّةٌ مُصَرِّحَةٌ، والثّانِيَةُ: اللِّباسِ، وهي أصْلِيَّةٌ مُصَرِّحَةٌ.

ومِن بَدِيعِ النَّظْمِ أنْ جُعِلَتِ الثّانِيَةُ مُتَفَرِّعَةً عَلى الأوْلى، ومُرَكَّبَةً عَلَيْها بِجَعْلِ لَفْظِها مَفْعُولًا لِلَفْظِ الأُولى، وحَصَلَ بِذَلِكَ أنَّ الجُوعَ والخَوْفَ مُحِيطانِ بِأهْلِ القَرْيَةِ في سائِرِ أحْوالِهِمْ، ومُلازِمانِ لَهم وأنَّهم بالِغانِ مِنهم مَبْلَغًا ألِيمًا.

وأجْمَلَ ﴿بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ اعْتِمادًا عَلى سَبَقِ ما يُبَيِّنُهُ مِن قَوْلِهِ ﴿فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ .

16:113Page 280

وَلَقَدۡ جَآءَهُمۡ رَسُولٞ مِّنۡهُمۡ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَهُمۡ ظَٰلِمُونَ ١١٣

And there had certainly come to them a Messenger from among themselves, but they denied him; so punishment overtook them while they were wrongdoers.

صفحة ٣٠٨

﴿ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهُمُ العَذابُ وهم ظالِمُونَ﴾ لَمّا أخْبَرَ عَنْهم بِأنَّهم أُذِيقُوا لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ، وكانَ إنَّما ذَكَرَ مِن صُنْعِهِمْ أنَّهم كَفَرُوا بِأنْعُمِ اللَّهِ، زِيدَ هُنا أنَّ ما كانُوا يَصْنَعُونَ عامٌّ لِكُلِّ عَمَلٍ لا يُرْضِي اللَّهَ غَيْرَ مَخْصُوصٍ بِكُفْرِهِمْ نِعْمَةَ اللَّهِ، وإنَّ مِن أشْنَعِ ما كانُوا يَصْنَعُونَ تَكْذِيبَهم رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَعَ أنَّهُ مِنهم، وذَلِكَ أظْهَرُ في مَعْنى الإنْعامِ عَلَيْهِمْ، والرِّفْقِ بِهِمْ، وما مِن قَرْيَةٍ أُهْلِكَتْ إلّا وقَدْ جاءَها رَسُولٌ مِن أهْلِها ﴿وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ [القصص: ٥٩] .

والأخْذُ: الإهْلاكُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأخَذْناهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٥] في سُورَةِ الأعْرافِ.

وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِلامِ القَسَمِ وحَرْفِ التَّحْقِيقِ؛ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا الخَبَرِ تَنْبِيهًا لِلسّامِعِينَ المُعَرَّضِ بِهِمْ؛ لِأنَّهُ مَحَلُّ الإنْذارِ.

وتَعْرِيفُ العَذابِ لِلْجِنْسِ، أيْ فَأخَذَهم عَذابٌ كَقَوْلِهِ ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ إلّا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ﴾ [الأعراف: ٩٤] ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا وقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ فَأخَذْناهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٥] .

16:114Page 280

فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا وَٱشۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ ١١٤

Then eat of what Allāh has provided for you [which is] lawful and good. And be grateful for the favor of Allāh, if it is [indeed] Him that you worship.

﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا واشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى المَوْعِظَةِ وضَرْبِ المَثَلِ، وخُوطِبَ بِهِ فَرِيقٌ مِنَ المُسْلِمِينَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ﴾ [النحل: ١١٥] إلى آخِرِهِ.

صفحة ٣٠٩

ولَعَلَّ هَذا مُوَجَّهٌ إلى أهْلِ هِجْرَةِ الحَبَشَةِ إذْ أصْبَحُوا آمِنِينَ عِنْدَ مَلِكٍ عادِلٍ في بَلَدٍ يَجِدُونَ فِيهِ رِزْقًا حَلالًا، وهو ما يُضافُونَ بِهِ، وما يَكْسِبُونَهُ بِكَدِّهِمْ، أيْ إذا عَلِمْتُمْ حالَ القَرْيَةِ المُمَثَّلِ بِها أوِ المُعَرَّضِ بِها فاشْكُرُوا اللَّهَ الَّذِي نَجّاكم مِن مِثْلِ ما أصابَ القَرْيَةَ، فاشْكُرُوا اللَّهَ ولا تَكْفُرُوهُ كَما كَفَرَ بِنِعْمَتِهِ أهْلُ تِلْكَ القَرْيَةِ، فَقَوْلُهُ ﴿واشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ مُقابِلُ قَوْلِهِ في المَثَلِ ﴿فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١١٢] إنْ كُنْتُمْ لا تَعْبُدُونَ غَيْرَهُ، كَما هو مُقْتَضى الإيمانِ، وتَعْلِيقُ ذَلِكَ بِالشَّرْطِ لِلْبَعْثِ عَلى الِامْتِثالِ لِإظْهارِ صِدْقِ إيمانِهِمْ، وإظْهارِ اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ﴿واشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ مَعَ أنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ الإضْمارُ لِزِيادَةِ التَّذْكِيرِ، ولِتَكُونَ جُمْلَةُ هَذا الأمْرِ مُسْتَقِلَّةً بِدَلالَتِها، بِحَيْثُ تَصِحُّ أنْ تَجْرِي مَجْرى المَثَلِ.

وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ والمَعْنى واحِدٌ وهو قَوْلٌ بَعِيدٌ.

والأمْرُ في قَوْلِهِ فَكُلُوا لِلِامْتِنانِ، وإدْخالِ حَرْفِ التَّفْرِيعِ عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ أنَّ الأمْرَ بِالأكْلِ مُقَدِّمَةٌ لِلْأمْرِ بِالشُّكْرِ، وهو المَقْصُودُ بِالتَّفْرِيعِ، والمَقْصُودُ: فاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ، ولا تَكْفُرُوها فَيَحِلَّ بِكم ما حَلَّ بِأهْلِ القَرْيَةِ المَضْرُوبَةِ مَثَلًا.

والحَلالُ: المَأْذُونُ فِيهِ شَرْعًا، والطَّيِّبُ: ما يَطِيبُ لِلنّاسِ طَعْمُهُ ويَنْفَعُهم قُوتُهُ.

16:115Page 280

إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦۖ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١١٥

He has only forbidden to you dead animals,1 blood, the flesh of swine, and that which has been dedicated to other than Allāh. But whoever is forced [by necessity], neither desiring [it] nor transgressing [its limit] - then indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنُ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

هَذِهِ الجُمْلَةُ بَيانٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا﴾ [النحل: ١١٤]؛ لِتَمْيِيزِ الطَّيِّبِ مِنَ الخَبِيثِ، فَإنَّ المَذْكُوراتِ في المُحَرَّماتِ هي خَبائِثُ خُبْثًا

صفحة ٣١٠

فِطْرِيًّا؛ لِأنَّ بَعْضَها مُفْسِدٌ لِتَوَلُّدِ الغِذاءِ؛ لِما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ المَضَرَّةِ، وتِلْكَ هي المَيْتَةُ، والدَّمُ، ولَحْمُ الخِنْزِيرِ. وبَعْضُها مُنافٍ لِلْفِطْرَةِ، وهو ما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ مُنافٍ لِشُكْرِ المُنْعِمِ بِها، فاللَّهُ خَلَقَ الأنْعامَ، والمُشْرِكُونَ يَذْكُرُونَ اسْمَ غَيْرِ اللَّهِ عَلَيْها.

ولِإفادَةِ بَيانِ الحَلالِ الطَّيِّبِ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ جِيءَ فِيها بِأداةِ الحَصْرِ، أيْ ما حَرَّمَ عَلَيْكم إلّا الأرْبَعَ المَذْكُوراتِ، فَبَقِيَ ما عَداها طَيِّبًا.

وهَذا بِالنَّظَرِ إلى الطِّيبِ والخُبْثِ بِالذّاتِ، وقَدْ يَعْرِضُ الخُبْثُ لِبَعْضِ المَطْعُوماتِ عَرْضًا.

ومُناسَبَةُ هَذا التَّحْدِيدِ في المُحَرَّماتِ أنَّ بَعْضَ المُسْلِمِينَ كانُوا بِأرْضِ غُرْبَةٍ، وقَدْ يُؤْكَلُ فِيها لَحْمُ الخِنْزِيرِ، وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وكانَ بَعْضُهم بِبَلَدٍ يُؤْكَلُ فِيهِ الدَّمُ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، والأنْعامِ.

16:116–117Page 280

وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلۡسِنَتُكُمُ ٱلۡكَذِبَ هَٰذَا حَلَٰلٞ وَهَٰذَا حَرَامٞ لِّتَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ لَا يُفۡلِحُونَ ١١٦

And do not say about what your tongues assert of untruth, "This is lawful and this is unlawful," to invent falsehood about Allāh. Indeed, those who invent falsehood about Allāh will not succeed.

مَتَٰعٞ قَلِيلٞ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١١٧

[It is but] a brief enjoyment, and they will have a painful punishment.

﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يَفْلَحُونَ﴾ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾

عادَ الخِطابُ إلى المُشْرِكِينَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ﴾، فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾ [النحل: ١١٢] الآيَةَ.

وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِتَحْذِيرِ المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّهم كانُوا قَرِيبِي عَهْدٍ بِجاهِلِيَّةٍ، فَرُبَّما بَقِيَتْ في نُفُوسِ بَعْضِهِمْ كَراهِيَةُ أكْلِ ما كانُوا يَتَعَفَّفُونَ عَنْ أكْلِهِ في الجاهِلِيَّةِ.

صفحة ٣١١

وعَلَّقَ النَّهْيَ بِقَوْلِهِمْ ﴿هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾، ولَمْ يُعَلِّقْ بِالأمْرِ بِأكْلِ ما عَدا ما حَرَّمَ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ النَّهْيُ عَنْ جَعْلِ الحَلالِ حَرامًا، والحَرامِ حَلالًا، لا أكْلُ جَمِيعِ الحَلالِ، وتَرْكُ جَمِيعِ الحَرامِ حَتّى في حالِ الِاضْطِرارِ؛ لِأنَّ إمْساكَ المَرْءِ عَنْ أكْلِ شَيْءٍ لِكَراهِيَةٍ أوْ عَيْفٍ هو عَمَلٌ قاصِرٌ عَلى ذاتِهِ، وأمّا قَوْلُ ﴿وهَذا حَرامٌ﴾ فَهو يُفْضِي إلى التَّحْجِيرِ عَلى غَيْرِهِ مِمَّنْ يَشْتَهِي أنْ يَتَناوَلَهُ.

واللّامُ في قَوْلِهِ ﴿لِما تَصِفُ﴾ هي إحْدى اللّامَيْنِ اللَّتَيْنِ يَتَعَدّى بِهِما فِعْلُ القَوْلِ، وهي الَّتِي بِمَعْنى (عَنْ) الدّاخِلَةِ عَلى المُتَحَدَّثِ عَنْهُ فَهي كاللّامِ في قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ قالُوا لِإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨]، أيْ قالُوا عَنْ إخْوانِهِمْ، ولَيْسَتْ هي لامُ التَّقْوِيَةِ الدّاخِلَةِ عَلى المُخاطَبِ بِالقَوْلِ.

و(تَصِفُ) مَعْناهُ تَذْكُرُ وصْفًا وحالًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ أنَّ لَهُمُ الحُسْنى﴾ [النحل: ٦٢]، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في هَذِهِ السُّورَةِ، أيْ لا تَقُولُوا ذَلِكَ وصْفًا كَذِبًا؛ لِأنَّهُ تَقَوُّلٌ لَمْ يَقُلْهُ الَّذِي لَهُ التَّحْلِيلُ والتَّحْرِيمُ، وهو اللَّهُ تَعالى.

وانْتَصَبَ الكَذِبُ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ لِـ (تَصِفُ)، أيْ وصْفًا كَذِبًا؛ لِأنَّهُ مُخالِفٌ لِلْواقِعِ؛ لِأنَّ الَّذِي لَهُ التَّحْلِيلُ والتَّحْرِيمُ لَمْ يُنَبِّئْهم بِما قالُوا ولا نَصَبَ لَهم دَلِيلًا عَلَيْهِ.

وجُمْلَةُ ﴿هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ هي مَقُولُ تَقُولُوا، واسْمُ الإشارَةِ حِكايَةٌ بِالمَعْنى لِأوْصافِهِمْ أشْياءَ بِالحِلِّ، وأشْياءَ بِالتَّحْرِيمِ.

و(لِتَفْتَرُوا) عِلَّةٌ لِـ (تَقُولُوا) بِاعْتِبارِ كَوْنِ الِافْتِراءِ حاصِلًا لا بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ مَقْصُودًا لِلْقائِلِينَ، فَهي لامُ العاقِبَةِ، ولَيْسَتْ لامَ العِلَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا أنَّ المَقْصِدَ مِنها تَنْزِيلُ الحاصِلِ المُحَقَّقِ حُصُولُهُ بَعْدَ الفِعْلِ مَنزِلَةَ الغَرَضِ المَقْصُودِ مِنَ الفِعْلِ.

وافْتِراءُ الكَذِبِ تَقَدَّمَ آنِفًا، والَّذِينَ يَفْتَرُونَ هُمُ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ حَرَّمُوا أشْياءَ.

صفحة ٣١٢

وجُمْلَةُ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ في صُورَةِ جَوابٍ عَمّا يَجِيشُ بِخاطِرِ سائِلٍ يَسْألُ عَنْ عَدَمِ فَلاحِهِمْ مَعَ مُشاهَدَةِ كَثِيرٍ مِنهم في حالَةٍ مِنَ الفَلاحِ، فَأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ مَتاعٌ، أيْ نَفْعٌ مُؤَقَّتٌ زائِلٌ، ولَهم بَعْدَهُ عَذابٌ ألِيمٌ.

والآيَةُ تُحَذِّرُ المُسْلِمِينَ مِن أنْ يَتَقَوَّلُوا عَلى اللَّهِ ما لَمْ يَقُلْهُ بِنَصٍّ صَرِيحٍ، أوْ بِإيجادِ مَعانٍ وأوْصافٍ لِلْأفْعالِ قَدْ جَعَلَ لِأمْثالِها أحْكامًا، فَمَن أثْبَتَ حَلالًا وحَرامًا بِدَلِيلٍ مِن مَعانٍ تَرْجِعُ إلى مُماثَلَةِ أفْعالٍ تَشْتَمِلُ عَلى تِلْكَ المَعانِي فَقَدْ قالَ بِما نَصَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ دَلِيلًا، وقَدَّمَ لَهم لِلِاهْتِمامِ زِيادَةً في التَّحْذِيرِ، وجِيءَ بِلامِ الِاسْتِحْقاقِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ العَذابَ حَقُّهم لِأجْلِ افْتِرائِهِمْ.

16:118Page 280

وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا مَا قَصَصۡنَا عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُۖ وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ١١٨

And to those who are Jews We have prohibited that which We related to you before.1 And We did not wrong them [thereby], but they were wronging themselves.

﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾

لَمّا شَنَّعَ عَلى المُشْرِكِينَ أنَّهم حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ ما لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ، وحَذَّرَ المُسْلِمِينَ مِن تَحْرِيمِ أشْياءَ عَلى أنْفُسِهِمْ جَرْيًا عَلى ما اعْتادَهُ قَوْمُهم مِن تَحْرِيمِ ما أُحِلَّ لَهم، نَظَرَ أُولَئِكَ، وحَذَّرَ هَؤُلاءِ. فَهَذا وجْهُ تَعْقِيبِ الآيَةِ السّالِفَةِ بِآيَةِ ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾ .

والمُرادُ مِنهُ ما ذُكِرَ في سُورَةِ الأنْعامِ، كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وقَتادَةَ، وقَدْ أشارَ إلى تِلْكَ المُناسَبَةِ قَوْلُهُ ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾، أيْ وما ظَلَمْناهم بِما حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ، ولَكِنَّهم كَفَرُوا النِّعْمَةَ فَحُرِمُوا مِن نَعَمٍ عَظِيمَةٍ، وغُيِّرَ أُسْلُوبُ الكَلامِ إلى خِطابِ النَّبِيءِ ﷺ؛ لِأنَّ جانِبَ التَّحْذِيرِ فِيهِ أهَمُّ مِن جانِبِ التَّنْظِيرِ.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا﴾ لِلِاهْتِمامِ، ولِلْإشارَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ حُرِّمَ عَلَيْهِمُ ابْتِداءً، ولَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا مِن شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ

صفحة ٣١٣

الَّتِي كانَ عَلَيْها سَلَفُهم، كَما قالَ تَعالى ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلّا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ﴾ [آل عمران: ٩٣]، أيْ عَلَيْهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ، فَلا تَحْسَبُوا أنَّ ذَلِكَ مِنَ الحَنِيفِيَّةِ.

16:119Page 281

ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ وَأَصۡلَحُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٌ ١١٩

Then, indeed your Lord, to those who have done wrong out of ignorance and then repent after that and correct themselves - indeed, your Lord, thereafter, is Forgiving and Merciful.

﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينِ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ مَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ مِنَ اللَّواتِي قَبْلَها كَمَوْقِعِ قَوْلِهِ السّابِقِ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ [النحل: ١١٠]، فَلَمّا ذُكِرَتْ أحْوالُ أهْلِ الشِّرْكِ، وكانَ مِنها ما حَرَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ، وكانَ المُسْلِمُونَ قَدْ شارَكُوهم أيّامَ الجاهِلِيَّةِ في ذَلِكَ، ووَرَدَتْ قَوارِعُ الذَّمِّ لِما صَنَعُوا، كانَ مِمّا يُتَوَهَّمُ عُلُوقُهُ بِأذْهانِ المُسْلِمِينَ أنْ يَحْسَبُوا أنَّهم سَيَنالُهم شَيْءٌ مِن غَمْضٍ لِما اقْتَرَفُوهُ في الجاهِلِيَّةِ، فَطَمْأنَ اللَّهُ نُفُوسَهم بِأنَّهم لَمّا تابُوا بِالإقْلاعِ عَنْ ذَلِكَ بِالإسْلامِ، وأصْلَحُوا عَمَلَهم بَعْدَ أنْ أفْسَدُوا فَإنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَهم مَغْفِرَةً عَظِيمَةً، ورَحِمَهم رَحْمَةً واسِعَةً.

ووَقَعَ الإقْبالُ بِالخِطابِ عَلى النَّبِيءِ ﷺ؛ إيماءً إلى أنَّ تِلْكَ المَغْفِرَةَ مِن بَرَكاتِ الدِّينِ الَّذِي أُرْسِلَ بِهِ.

وذِكْرُ اسْمِ الرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِ النَّبِيءِ لِلنُّكْتَةِ المُتَقَدِّمَةِ آنِفًا في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا﴾ [النحل: ١١٠] .

والجَهالَةُ: انْتِفاءُ العِلْمِ بِما يَجِبُ، والمُرادُ: جَهالَتُهم بِأدِلَّةِ الإسْلامِ.

و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ المَعْطُوفَةَ بِـ (ثُمَّ) تَضَمَّنَتْ حُكْمَ التَّوْبَةِ، وأنَّ المَغْفِرَةَ والرَّحْمَةَ مِن آثارِها، وذَلِكَ أهَمُّ عِنْدَ المُخاطِبِينَ مِمّا سَبَقَ مِن وعِيدٍ، أيِ الَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ جاهِلِينَ بِما يَدُلُّ عَلى فَسادِ ما عَمِلُوهُ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَسْتَجِيبُوا لِدَعْوَةِ الرَّسُولِ، فَإنَّهم في مُدَّةِ تَأخُّرِهِمْ عَنِ الدُّخُولِ في

صفحة ٣١٤

الإسْلامِ مَوْصُوفُونَ بِأنَّهم أهْلُ جَهالَةٍ وجاهِلِيَّةٍ، أوْ جاهِلِينَ بِالعِقابِ المُنْتَظَرِ عَلى مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ، وعِنادِهِمْ إيّاهُ.

ويَدْخُلُ في هَذا الحُكْمِ مَن عَمِلَ حَرامًا مِنَ المُسْلِمِينَ جاهِلًا بِأنَّهُ حَرامٌ، وكانَ غَيْرَ مُقَصِّرٍ في جَهْلِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما التَّوْبَةُ عَلى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ﴾ [النساء: ١٧] في سُورَةِ النِّساءِ.

وقَوْلُهُ ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها﴾ تَأْكِيدٌ لَفْظِيٌّ لِقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ﴾؛ لِزِيادَةِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ عَلى الِاهْتِمامِ الحاصِلِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ، ولامِ الِابْتِداءِ. ويَتَّصِلُ خَبَرُ (إنَّ) بِاسْمِها لِبُعْدِ ما بَيْنَهُما.

ووَقَعَ الخَبَرُ بِوَصْفِ اللَّهِ بِصِفَةِ المُبالَغَةِ في المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ، وهو كِنايَةٌ عَنْ غُفْرانِهِ لَهم، ورَحْمَتِهِ إيّاهم في ضِمْنِ وصْفِ اللَّهِ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ العَظِيمَتَيْنِ.

والباءُ في (بِجَهالَةٍ) لِلْمُلابَسَةِ، وهي في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ عَمِلُوا.

وضَمِيرُ ﴿مِن بَعْدِها﴾ عائِدٌ إلى الجَهالَةِ أوْ إلى التَّوْبَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском