Ibn 'AshurAn‑Nahl · 16:120–124

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

An-Nahl 16:120–124

16:120–122Page 281

إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةٗ قَانِتٗا لِّلَّهِ حَنِيفٗا وَلَمۡ يَكُ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٢٠

Indeed, Abraham was a [comprehensive] leader,1 devoutly obedient to Allāh, inclining toward truth, and he was not of those who associate others with Allāh.

شَاكِرٗا لِّأَنۡعُمِهِۚ ٱجۡتَبَىٰهُ وَهَدَىٰهُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ١٢١

[He was] grateful for His favors. He [i.e., Allāh] chose him and guided him to a straight path.

وَءَاتَيۡنَٰهُ فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١٢٢

And We gave him good in this world, and indeed, in the Hereafter he will be among the righteous.

﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿شاكِرًا لِأنْعُمِهِ اجْتَباهُ وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً وإنَّهُ في الآخِرَةِ لِمَنِ الصّالِحِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلِانْتِقالِ إلى غَرَضِ التَّنْوِيهِ بِدِينِ الإسْلامِ بِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا﴾ [النحل: ١١٩] المَقْصُودُ بِهِ أنَّهم كانُوا في الجاهِلِيَّةِ ثُمَّ اتَّبَعُوا الإسْلامَ، فَبَعْدَ أنْ بَشَّرَهم بِأنَّهُ غَفَرَ لَهم ما عَمِلُوهُ مِن قَبْلُ، زادَهم فَضْلًا بِبَيانِ فَضْلِ الدِّينِ الَّذِي اتَّبَعُوهُ.

صفحة ٣١٥

وجَعَلَ الثَّناءَ عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُقَدِّمَةً لِذَلِكَ؛ لِبَيانِ أنَّ فَضْلَ الإسْلامِ فَضْلٌ زائِدٌ عَلى جَمِيعِ الأدْيانِ بِأنَّ مَبْدَأهُ بِرَسُولٍ ومُنْتَهاهُ بِرَسُولٍ، وهَذا فَضْلٌ لَمْ يَحْظَ بِهِ دِينٌ آخَرُ.

فالمَقْصُودُ بَعْدَ هَذا التَّمْهِيدِ، وهاتِهِ المُقَدِّمَةِ هو الإفْضاءُ إلى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]، وقَدْ قالَ تَعالى في الآيَةِ الأُخْرى ﴿مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ هو سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨] .

والأصْلُ الأصِيلُ الَّذِي تَفَرَّعَ عَنْهُ وعَنْ فُرُوعِهِ هَذا الِانْتِقالُ ما ذُكِرَ في الآيَةِ قَبْلَها مِن تَحْرِيمِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ عَلى أنْفُسِهِمْ كَثِيرًا مِمّا أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلى النّاسِ.

ونَظَّرَهم بِاليَهُودِ إذْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أشْياءَ، تَشْدِيدًا عَلَيْهِمْ، فَجاءَ بِهَذا الِانْتِقالِ؛ لِإفادَةِ أنَّ كِلا الفَرِيقَيْنِ قَدْ حادُوا عَنِ الحَنِيفِيَّةِ الَّتِي يَزْعُمُونَ أنَّهم مُتابِعُوها، وأنَّ الحَنِيفِيَّةَ هي ما جاءَ بِهِ الإسْلامُ مِن إباحَةِ ما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنَ الطَّيِّباتِ إلّا ما بَيَّنَ اللَّهُ تَحْرِيمَهُ في آيَةِ ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآيَةَ.

وقَدْ وُصِفَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهُ كانَ أُمَّةً، والأُمَّةُ: الطّائِفَةُ العَظِيمَةُ مِنَ النّاسِ الَّتِي تَجْمَعُها جِهَةٌ جامِعَةٌ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

ووَصْفَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ وصْفٌ بَدِيعٌ لِمَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ في الفَضْلِ والفُتُوَّةِ والكَمالِ بِمَنزِلَةِ أُمَّةٍ كامِلَةٍ، وهَذا كَقَوْلِهِمْ: أنْتَ الرَّجُلُ كُلُّ الرَّجُلِ، وقالَ البُحْتُرِيُّ:

ولَمْ أرَ أمْثالَ الرِّجالِ تَـفَـاوُتًـا لَدى الفَضْلِ حَتّى عُدَّ ألْفٌ بِواحِدِ

وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «مُعاذٌ أُمَّةٌ قانِتٌ لِلَّهِ» .

صفحة ٣١٦

والثّانِي: أنَّهُ كانَ أُمَّةً وحْدَهُ في الدِّينِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في وقْتِ بِعْثَتِهِ مُوَحِّدٌ لِلَّهِ غَيْرُهُ، فَهو الَّذِي أحْيا اللَّهُ بِهِ التَّوْحِيدَ، وبَثَّهُ في الأُمَمِ والأقْطارِ، وبَنى لَهُ مَعْلَمًا عَظِيمًا، وهو الكَعْبَةُ، ودَعا النّاسَ إلى حَجِّهِ؛ لِإشاعَةِ ذِكْرِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، ولَمْ يَزَلْ باقِيًا عَلى العُصُورِ، وهَذا كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ في خَطَرِ بْنِ مالِكٍ الكاهِنِ «وأنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ أُمَّةً وحْدَهُ»، رَواهُ السُّهَيْلِيُّ في الرَّوْضِ الأُنُفِ، ورَأيْتُ رِوايَةً أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ هَذِهِ المَقالَةَ في زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ.

والقانِتُ: المُطِيعُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

واللّامُ لامُ التَّقْوِيَةِ؛ لِأنَّ العامِلَ فَرْعٌ في العَمَلِ.

والحَنِيفُ: المُجانِبُ لِلْباطِلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ، والأسْماءُ الثَّلاثَةِ أخْبارُ (كانَ) وهي فَضائِلُ.

﴿ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ اعْتِراضٌ لِإبْطالِ مَزاعِمِ المُشْرِكِينَ أنَّ ما هم عَلَيْهِ هو دِينُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ صَوَّرُوا إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ يَسْتَقْسِمانِ بِالأزْلامِ ووَضَعُوا الصُّورَةَ في جَوْفِ الكَعْبَةِ، كَما جاءَ في حَدِيثِ غَزْوَةِ الفَتْحِ، فَلَيْسَ قَوْلُهُ ﴿ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ مَسُوقًا مَساقَ الثَّناءِ عَلى إبْراهِيمَ، ولَكِنَّهُ تَنْزِيهٌ لَهُ عَمّا اخْتَلَقَهُ عَلَيْهِ المُبْطِلُونَ، فَوِزانُهُ وِزانُ قَوْلِهِ ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢]، وهو كالتَّأْكِيدِ لِوَصْفِ الحَنِيفِ بِنَفْيِ ضِدِّهِ مِثْلُ ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ [طه: ٧٩] .

ونُفِيَ كَوْنُهُ مِنَ المُشْرِكِينَ بِحَرْفِ (لَمْ) لِأنَّ (لَمْ) تَقْلِبُ زَمَنَ الفِعْلِ المُضارِعِ إلى المُضِيِّ، فَتُفِيدُ انْتِفاءَ مادَّةِ الفِعْلِ في الزَّمَنِ الماضِي، وتُفِيدُ تَجَدُّدَ ذَلِكَ المَنفِيِّ الَّذِي هو مِن خَصائِصِ الفِعْلِ المُضارِعِ فَيَحْصُلُ مَعْنَيانِ: انْتِفاءُ مَدْلُولِ الفِعْلِ بِمادَّتِهِ، وتَجَدُّدُ الِانْتِفاءِ بِصِيغَتِهِ، فَيُفِيدُ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ

صفحة ٣١٧

السَّلامُ لَمْ يَتَلَبَّسْ بِالإشْراكِ قَطُّ، فَإنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ مُنْذُ صارَ مُمَيِّزًا، وأنَّهُ لا يَتَلَبَّسُ بِالإشْراكِ أبَدًا.

و﴿شاكِرًا لِأنْعُمِهِ﴾ خَبَرٌ رابِعٌ عَنْ (كانَ)، وهو مَدْحٌ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَعْرِيضٌ بِذُرِّيَّتِهِ الَّذِينَ أشْرَكُوا، وكَفَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ مُقابِلَ قَوْلِهِ ﴿فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١١٢]، وتَقَدَّمَ قَرِيبًا الكَلامُ عَلى أنْعُمِ اللَّهِ.

وجُمْلَةُ اجْتَباهُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ الثَّناءَ المُتَقَدِّمَ يُثِيرُ سُؤالَ سائِلٍ عَنْ سَبَبِ فَوْزِ إبْراهِيمَ بِهَذِهِ المَحامِدِ، فَيُجابُ بِأنَّ اللَّهَ اجْتَباهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤] .

والِاجْتِباءُ: الِاخْتِيارُ، وهو افْتِعالٌ مَن جَبى إذا جَمَعَ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واجْتَبَيْناهم وهَدَيْناهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٨٧] في سُورَةِ الأنْعامِ.

والهِدايَةُ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ: الهِدايَةُ إلى التَّوْحِيدِ، ودِينِ الحَنِيفِيَّةِ.

وضَمِيرُ (آتَيْناهُ) التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ؛ تَفَنُّنًا في الأُسْلُوبِ لِتَوالِي ثَلاثَةِ ضَمائِرَ غَيْبَةٍ.

والحَسَنَةُ في الدُّنْيا: كُلُّ ما فِيهِ راحَةُ العَيْشِ مِنِ اطْمِئْنانِ القَلْبِ بِالدِّينِ، والصِّحَّةِ، والسَّلامَةِ، وطُولِ العُمْرِ، وسَعَةِ الرِّزْقِ الكافِي، وحُسْنِ الذِّكْرِ بَيْنَ النّاسِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١] .

والصَّلاحُ: تَمامُ الِاسْتِقامَةِ في دِينِ الحَقِّ، واخْتِيرَ هَذا الوَصْفُ إشارَةً إلى أنَّ اللَّهَ أكْرَمُهُ بِإجابَةِ دَعْوَتِهِ، إذْ حَكى عَنْهُ أنَّهُ قالَ ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [الشعراء: ٨٣] .

16:123Page 281

ثُمَّ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ أَنِ ٱتَّبِعۡ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٢٣

Then We revealed to you, [O Muḥammad], to follow the religion of Abraham, inclining toward truth; and he was not of those who associate with Allāh.

صفحة ٣١٨

﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ (ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ المُشِيرِ إلى أنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ مُتَباعِدٌ في رُتْبَةِ الرِّفْعَةِ عَلى مَضْمُونِ ما قَبْلَها؛ تَنْوِيهًا جَلِيلًا بِشَأْنِ النَّبِيءِ ﷺ، وبِشَرِيعَةِ الإسْلامِ، وزِيادَةً في التَّنْوِيهِ بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أيْ جَعَلْناكَ مُتَّبِعًا مِلَّةَ إبْراهِيمَ. وذَلِكَ أجَلُّ ما أوْلَيْناكُما مِنَ الكَرامَةِ، وقَدْ بَيَّنْتُ آنِفًا أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ هي المَقْصُودُ، وأنَّ جُمْلَةَ ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠] إلَخْ تَمْهِيدٌ لَها.

وزِيدَ ﴿أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ اتِّباعِ مُحَمَّدٍ مِلَّةَ إبْراهِيمَ كانَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ، وإرْشادٍ صادِقٍ؛ تَعْرِيضًا بِأنَّ الَّذِينَ زَعَمُوا اتِّباعَهم مِلَّةَ إبْراهِيمَ مِنَ العَرَبِ مِن قَبْلُ قَدْ أخْطَأُوها بِشُبْهَةٍ مِثْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ، وزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، أوْ بِغَيْرِ شُبْهَةٍ مِثْلُ مَزاعِمِ قُرَيْشٍ في دِينِهِمْ.

و(أنْ) تَفْسِيرِيَّةُ فِعْلِ أوْحَيْنا؛ لِأنَّ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ، فاحْتِيجَ إلى تَفْسِيرِهِ بِحَرْفِ التَّفْسِيرِ.

والِاتِّباعُ: اقْتِفاءُ السَّيْرِ عَلى سَيْرٍ آخَرَ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلْعَمَلِ بِمِثْلِ عَمَلِ الآخَرِ.

وانْتَصَبَ حَنِيفًا عَلى الحالِ مِن إبْراهِيمَ فَيَكُونُ زِيادَةَ تَأْكِيدٍ لِمُماثِلِهِ قَبْلَهُ أوْ حالًا مِن ضَمِيرِ (إلَيْكَ) أوْ مِن ضَمِيرِ (اتَّبِعْ)، أيْ كُنْ يا مُحَمَّدُ حَنِيفًا كَما كانَ إبْراهِيمُ حَنِيفًا، ولِذَلِكَ قالَ النَّبِيءُ ﷺ: «بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» .

وتَفْسِيرُ فِعْلِ أوْحَيْنا بِجُمْلَةِ ﴿أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ تَفْسِيرٌ بِكَلامٍ جامِعٍ لِما أوْحى اللَّهُ بِهِ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ مِن شَرائِعِ الإسْلامِ

صفحة ٣١٩

مَعَ الإعْلامِ بِأنَّها مُقامَةٌ عَلى أُصُولِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ، ولَيْسَ المُرادُ أوْحَيْنا إلَيْكَ كَلِمَةَ ﴿اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾؛ لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ لا يَعْلَمُ تَفاصِيلَ مِلَّةِ إبْراهِيمَ، فَتَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ أنَّ المُوحى بِهِ إلَيْهِ مُنْبَجِسٌ مِن شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وقَوْلُهُ ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ هو مِمّا أوْحاهُ اللَّهُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ المَحْكِيِّ بِقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾، وهو عَطْفٌ عَلى حَنِيفًا عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ في صاحِبِ ذَلِكَ الحالِ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ الحالُ زِيادَةَ تَأْكِيدٍ لِقَوْلِهِ قَبْلَهُ ﴿ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠]، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي يَكُونُ تَنْزِيهًا لِشَرِيعَةِ الإسْلامِ المُتَّبِعَةِ لِمِلَّةِ إبْراهِيمَ مِن أنْ يُخالِطَها شَيْءٌ مِنَ الشِّرْكِ.

ونَفِيُ كَوْنِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ هُنا بِحَرْفِ (ما) النّافِيَةِ؛ لِأنَّ (ما) إذا نَفَتْ فِعْلَ (كانَ) أفادَتْ قُوَّةَ النَّفْيِ، ومُباعَدَةَ المَنفِيِّ، وحَسَبُكَ أنَّها يُبْنى عَلَيْها الجُحُودُ في نَحْوِ: ما كانَ لِيَفْعَلَ كَذا.

فَحَصَلَ مِن قَوْلِهِ السّابِقِ ﴿ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠] مِن قَوْلِهِ هُنا ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ثَلاثُ فَوائِدَ: نَفْيُ الإشْراكِ عَنْ إبْراهِيمَ في جَمِيعِ أزْمِنَةِ الماضِي، وتَجَدُّدُ نَفْيِ الإشْراكِ تَجَدُّدًا مُسْتَمِرًّا، وبَراءَتُهُ مِنَ الإشْراكِ بَراءَةً تامَّةً.

وقَدْ عُلِمَ مِن هَذا أنَّ دِينَ الإسْلامِ مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ تَتَعَلَّقَ بِهِ شَوائِبُ الإشْراكِ؛ لِأنَّهُ جاءَ كَما جاءَ إبْراهِيمُ مُعْلِنًا تَوْحِيدًا لِلَّهِ بِالإلَهِيَّةِ، ومُجْتَثًّا لِوَشِيجِ الشِّرْكِ، والشَّرائِعِ الإلَهِيَّةِ كُلِّها - وإنْ كانَتْ تُحَذِّرُ مِنَ الإشْراكِ - فَقَدِ امْتازَ القُرْآنُ مِن بَيْنِها بِسَدِّ المَنافِذِ الَّتِي يَتَسَلَّلُ مِنها الإشْراكُ بِصَراحَةِ أقْوالِهِ، وفَصاحَةِ بَيانِهِ، وأنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ في ذَلِكَ كَلامًا مُتَشابِهًا كَما قَدْ يُوجَدُ في بَعْضِ الكُتُبِ الأُخْرى؛ مِثْلُ ما جاءَ في التَّوْراةِ مَن وصْفِ اليَهُودِ بِأبْناءِ اللَّهِ، وما في الأناجِيلِ مِن تَوَهُّمِ بُنُوَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِلَّهِ، سُبْحانَهُ عَمّا يَصِفُونَ.

صفحة ٣٢٠

وقَدْ أشارَ إلى هَذا المَعْنى قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ في خُطْبَةِ حِجَّةِ الوَداعِ: «أيُّها النّاسُ إنَّ الشَّيْطانَ قَدْ يَئِسَ أنْ يُعْبَدَ في أرْضِكم هَذِهِ - أيْ أرْضِ الإسْلامِ - أبَدًا، ولَكِنَّهُ قَدْ رَضِيَ أنْ يُطاعَ فِيما سِوى ذَلِكَ مِمّا تَحْقِرُونَ مِن أعْمالِكم فاحْذَرُوهُ عَلى دِينِكم» .

ومَعْنى اتِّباعِ مُحَمَّدٍ مِلَّةَ إبْراهِيمَ الواقِعِ في كَثِيرٍ مِن آياتِ القُرْآنِ أنَّ دِينَ الإسْلامِ بُنِيَ عَلى أُصُولِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ، وهي أُصُولُ الفِطْرَةِ، والتَّوَسُّطُ بَيْنَ الشِّدَّةِ واللِّينِ، كَما قالَ تَعالى ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨] .

وفِي قَضِيَّةِ أمْرِ إبْراهِيمَ بِذَبْحِ ولَدِهِ عَلَيْهِما السَّلامُ، ثُمَّ فِدائِهِ بِذَبْحِ شاةٍ رَمَزٌ إلى الِانْتِقالِ مِن شِدَّةِ الأدْيانِ الأُخْرى في قَرابِينِها إلى سَماحَةِ دِينِ اللَّهِ الحَنِيفِ في القُرْبانِ بِالحَيَوانِ دُونَ الآدَمِيِّ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى ﴿ونادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ [الصافات: ١٠٤] ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٥] ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٦] ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] .

فالشَّرِيعَةُ الَّتِي تُبْنى تَفاصِيلُها وتَفارِيعُها عَلى أُصُولِ شَرِيعَةٍ تُعْتَبَرُ كَأنَّها تِلْكَ الشَّرِيعَةُ، ولِذَلِكَ قالَ المُحَقِّقُونَ مِن عُلَمائِنا: إنَّ الحُكْمَ الثّابِتَ بِالقِياسِ في الإسْلامِ يَصِحُّ أنْ يُقالَ إنَّهُ دِينُ اللَّهِ، وإنْ كانَ لا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: قالَهُ اللَّهُ. ولَيْسَ المُرادُ أنَّ جَمِيعَ ما جاءَ بِهِ الإسْلامُ قَدْ جاءَ بِهِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ لا يَخْطُرُ ذَلِكَ بِالبالِ - فَإنَّ الإسْلامَ شَرِيعَةٌ قانُونِيَّةٌ سُلْطانِيَّةٌ وشَرْعُ إبْراهِيمَ شَرِيعَةٌ قَبائِلِيَّةٌ خاصَّةٌ بِقَوْمٍ، ولا أنَّ المُرادَ أنَّ اللَّهَ أمَرَ النَّبِيءَ مُحَمَّدًا ﷺ بِاتِّباعِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ ابْتِداءً قَبْلَ أنْ يُوحِي إلَيْهِ بِشَرائِعِ دِينِ الإسْلامِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ؛ وإنْ كانَ صَحِيحًا مِن جِهَةِ المَعْنى وتَحْتَمِلُهُ ألْفاظُ الآيَةِ؛ لَكِنَّهُ لا يَسْتَقِيمُ إذْ لَمْ يَرِدْ في شَيْءٍ مِنَ التَّشْرِيعِ الإسْلامِيِّ ما يُشِيرُ إلى أنَّهُ نَسْخٌ لِما كانَ عَلَيْهِ النَّبِيءُ ﷺ مِن قَبْلُ.

صفحة ٣٢١

فاتِّباعُ النَّبِيءِ مِلَّةَ إبْراهِيمَ كانَ بِالقَوْلِ والعَمَلِ في أُصُولِ الشَّرِيعَةِ مِن إثْباتِ التَّوْحِيدِ والمُحاجَّةِ لَهُ، واتِّباعِ ما تَقْتَضِيهِ الفِطْرَةُ، وفي فُرُوعِها مِمّا أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ مِنَ الحَنِيفِيَّةِ مِثْلُ الخِتانِ، وخِصالِ الفِطْرَةِ، والإحْسانِ.

16:124Page 281

إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبۡتُ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِۚ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ١٢٤

The sabbath was only appointed for those who differed over it. And indeed, your Lord will judge between them on the Day of Resurrection concerning that over which they used to differ.

﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ مَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ يُنادِي عَلى أنَّها تَضَمَّنَتْ مَعْنًى يَرْتَبِطُ بِمِلَّةِ إبْراهِيمَ، وبِمَجِيءِ الإسْلامِ عَلى أساسِها.

فَلَمّا نَفَتِ الآيَةُ قَبْلَ هَذِهِ أنْ يَكُونَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ المُشْرِكِينَ رَدًّا عَلى مَزاعِمِ العَرَبِ المُشْرِكِينَ أنَّهم عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ؛ انْتَقَلَ بِهَذِهِ المُناسَبَةِ إلى إبْطالِ ما يُشْبِهُ تِلْكَ المَزاعِمَ، وهي مَزاعِمُ اليَهُودِ أنَّ مِلَّةَ اليَهُودِيَّةِ هي مِلَّةُ إبْراهِيمَ زَعْمًا ابْتَدَعُوهُ حِينَ ظُهُورِ الإسْلامِ؛ جَحْدًا لِفَضِيلَةٍ فاتَتْهم، وهي فَضِيلَةُ بِناءِ دِينِهِمْ عَلى أوَّلِ دِينٍ لِلْفِطْرَةِ الكامِلَةِ حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهِيمَ﴾ [آل عمران: ٦٥] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

فَهَذِهِ الآيَةُ مِثْلُ آيَةِ آلِ عِمْرانَ ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهِيمَ وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلّا مِن بَعْدِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ٦٥] ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٦] ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧] فَذَلِكَ دالٌّ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ الفِرَقَ الثَّلاثَ اخْتَلَفُوا في إبْراهِيمَ، فَكُلُّ واحِدَةٍ مِن هَؤُلاءِ تَدَّعِي أنَّها عَلى مِلَّتِهِ، إلّا أنَّهُ اقْتَصَرَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى إبْطالِ مَزاعِمِ المُشْرِكِينَ بِأعْظَمِ دَلِيلٍ، وهو أنَّ دِينَهُمُ الإشْراكَ، وإبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ، وعَقَّبَ ذَلِكَ

صفحة ٣٢٢

بِإبْطالِ مَزاعِمِ اليَهُودِ؛ لِأنَّها قَدْ تَكُونُ أكْثَرَ رَواجًا؛ لِأنَّ اليَهُودَ كانُوا مُخالِطِينَ العَرَبَ في بِلادِهِمْ، فَأهْلُ مَكَّةَ كانُوا يَتَّصِلُونَ بِاليَهُودِ في أسْفارِهِمْ، وأسْواقِهِمْ بِخِلافِ النَّصارى.

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةً لَمْ يَتَعَرَّضْ فِيها لِلنَّصارى الَّذِينَ تَعَرَّضَ لَهم في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

ولِهَذا تَكُونُ جُمْلَةُ ﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ﴾ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] إذْ يُثِيرُ سُؤالًا مِنَ المُخالِفِينَ: كَيْفَ يَكُونُ الإسْلامُ مِن مِلَّةِ إبْراهِيمَ ؟ وفِيهِ جُعِلَ يَوْمُ الجُمْعَةِ اليَوْمَ المُقَدَّسَ، وقَدْ جَعَلَتِ التَّوْراةُ لِلْيَهُودِ يَوْمَ التَّقْدِيسِ يَوْمَ السَّبْتِ، ولَعَلَّ اليَهُودَ شَغَبُوا بِذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ، فَكانَ قَوْلُهُ ﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ بَيانًا لِجَوابِ هَذا السُّؤالِ.

وقَدْ وقَعَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] وجُمْلَةِ ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] إلَخْ.

ولِذَلِكَ افْتُتِحَتِ الجُمْلَةُ بِأداةِ الحَصْرِ؛ إشْعارًا بِأنَّها لِقَلْبِ ما ظَنَّهُ السّائِلُونَ المُشَغِّبُونَ.

وهَذا أُسْلُوبٌ مَعْرُوفٌ في كَثِيرٍ مِنَ الأجْوِبَةِ المُورَدَةِ لِرَدِّ رَأْيِ مَوْهُومٍ، فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ فِيهِ عائِدٌ إلى إبْراهِيمَ عَلى تَقْدِيرٍ مُضافٍ، أيِ اخْتَلَفُوا في مِلَّتِهِ، ولَيْسَ عائِدًا عَلى السَّبْتِ، إذْ لا طائِلَ مِنَ المَعْنى في ذَلِكَ، والَّذِينَ اخْتَلَفُوا في إبْراهِيمَ، أيْ في مِلَّتِهِ هُمُ اليَهُودُ؛ لِأنَّهم أصْحابُ السَّبْتِ.

ومَعْنى (جُعِلَ السَّبْتُ) فُرِضَ وعُيِّنَ عَلَيْهِمْ، أيْ فُرِضَتْ عَلَيْهِمْ أحْكامُ السَّبْتِ: مِن تَحْرِيمِ العَمَلِ فِيهِ، وتَحْرِيمِ اسْتِخْدامِ الخَدَمِ والدَّوابِّ في يَوْمِ السَّبْتِ.

وعَدَلَ عَنْ ذِكْرِ اسْمِ اليَهُودِ أوْ بَنِي إسْرائِيلَ مَعَ كَوْنِهِ أوْجَزَ إلى التَّعْبِيرِ عَنْهم بِالمَوْصُولِ؛ لِأنَّ اشْتِهارَهم بِالصِّلَةِ كافٍ في تَعْرِيفِهِمْ مَعَ ما في

صفحة ٣٢٣

المَوْصُولِ وصِلَتِهِ مِنَ الإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ، وذَلِكَ الإيماءُ هو المَقْصُودُ هُنا؛ لِأنَّ المَقْصُودَ إثْباتُ أنَّ اليَهُودَ لَمْ يَكُونُوا عَلى الحَنِيفِيَّةِ كَما عَلِمْتَ آنِفًا.

ولَيْسَ مَعْنى فِعْلِ اخْتَلَفُوا وُقُوعُ خِلافٍ بَيْنِهِمْ بِأمْرِ السَّبْتِ بَلْ فِعْلُ (اخْتَلَفُوا) مُرادٌ بِهِ خالَفُوا كَما في قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «واخْتِلافِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ»، أيْ عَمَلِهِمْ خِلافَ ما أمَرَ بِهِ أنْبِياؤُهم، فَحاصِلُ المَعْنى هَكَذا: ما فُرِضَ السَّبْتُ عَلى أهْلِ السَّبْتِ إلّا لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ، إذْ مِمّا لا شَكَّ فِيهِ عِنْدَهم أنَّ مِلَّةَ إبْراهِيمَ لَيْسَ مِنها حُرْمَةُ السَّبْتِ، ولا هو مِن شَرائِعِها.

ولَمْ يَقَعِ التَّعَرُّضُ لِلْيَوْمِ المُقَدَّسِ عِنْدَ النَّصارى لِعَدَمِ الدّاعِي إلى ذَلِكَ حِينَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ كَما عَلِمْتَ.

ولا يُؤْخَذُ مِن هَذا أنَّ مِلَّةَ إبْراهِيمَ كانَ اليَوْمُ المُقَدَّسُ فِيها يَوْمَ الجُمْعَةِ؛ لِعَدَمِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، والكافِي في نَفْيِ أنْ يَكُونَ اليَهُودُ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ أنَّ يَوْمَ حُرْمَةِ السَّبْتِ لَمْ تَكُنْ مِن مِلَّةِ إبْراهِيمَ.

ثُمَّ الأظْهَرُ أنَّ حُرْمَةَ يَوْمِ الجُمْعَةِ ادُّخِرَتْ لِلْمِلَّةِ الإسْلامِيَّةِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «فَهَذا اليَوْمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدانا اللَّهُ إلَيْهِ فالنّاسُ لَنا فِيهِ تَبَعٌ؛ اليَهُودُ غَدًا والنَّصارى بَعْدَ غَدٍ»؛ فَقَوْلُهُ (فَهَدانا اللَّهُ إلَيْهِ) يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ ذَلِكَ في مِلَّةٍ أُخْرى.

فَهَذا وجْهُ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، ومَحْمَلُ الفِعْلِ والضَّمِيرُ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ ﴿اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ .

وما ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ مِن وُجُوهٍ لا يَخْلُو مِن تَكَلُّفٍ، وعَدَمِ طائِلٍ، وقَدْ جَعَلُوا ضَمِيرَ (فِيهِ) عائِدًا إلى السَّبْتِ، وتَأوَّلُوا مَعْنى الِاخْتِلافِ فِيهِ بِوُجُوهٍ، ولا مُناسَبَةَ بَيْنَ الخَبَرِ وبَيْنَ ما تُوُهِّمَ أنَّهُ تَعْلِيلٌ لَهُ عَلى مَعْنى جَعْلِ السَّبْتِ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُمُ اخْتَلَفُوا عَلى نَبِيِّهِمْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِأجْلِ السَّبْتِ؛ لِأنَّ نَبِيَّهم

صفحة ٣٢٤

أمَرَهم أنْ يُعَظِّمُوا يَوْمَ الجُمْعَةِ فَأبَوْا، وطَلَبُوا أنْ يَكُونَ السَّبْتُ هو المُفَضَّلَ مِنَ الأُسْبُوعِ؛ بِعِلَّةِ أنَّ اللَّهَ قَضى خَلْقَ السَّماواتِ والأرَضِينَ قَبْلَ يَوْمِ السَّبْتِ، ولَمْ يَكُنْ في يَوْمِ السَّبْتِ خَلْقٌ، فَعاقَبَهُمُ اللَّهُ بِالتَّشْدِيدِ عَلَيْهِمْ في حُرْمَةِ السَّبْتِ، كَذا نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو لا يَصِحُّ عَنْهُ. وكَيْفَ وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وقُلْنا لَهم لا تَعْدُوا في السَّبْتِ﴾ [النساء: ١٥٤]، وكَيْفَ يَسْتَقِيمُ أنْ يَعْدِلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ اليَوْمِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِتَعْظِيمِهِ إلى يَوْمٍ آخَرَ لِشَهْوَةِ قَوْمِهِ، وقَدْ عُرِفَ بِالصَّلابَةِ في الدِّينِ.

ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن زَعَمَ أنَّ التَّوْراةَ أمَرَتْهم بِيَوْمٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ فَعَيَّنُوهُ السَّبْتَ، وهَذا لا يَسْتَقِيمُ؛ لِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عاشَ بَيْنَهم ثَمانِينَ سَنَةً، فَكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَكُونُوا فَعَلُوا ذَلِكَ لَسُوءِ فَهْمِهِمْ في التَّوْراةِ ؟ ولَعَلَّكَ تَلُوحُ لَكَ حَيْرَةُ المُفَسِّرِينَ في التِئامِ مَعانِي هَذِهِ الآيَةِ.

و(إنَّما) لِلْحَصْرِ، وهو قَصْرُ قَلْبٍ مَقْصُودٌ بِهِ الرَّدُّ عَلى اليَهُودِ بِالِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لَيْسُوا عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ؛ لِأنَّ السَّبْتَ جَعَلَهُ اللَّهُ لَهم شَرْعًا جَدِيدًا بِصَرِيحِ كِتابِهِمْ، إذْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَلَفُهم، وتَرْكِيبُ الِاسْتِدْلالِ: إنْ حُرْمَةَ السَّبْتِ لَمْ تَكُنْ مِن مِلَّةِ إبْراهِيمَ فَأصْحابُ تِلْكَ الحُرْمَةِ لَيْسُوا عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ.

ومَعْنى (جُعِلَ السَّبْتُ) أنَّهُ جُعِلَ يَوْمًا مُعَظَّمًا لا عَمَلَ فِيهِ، أيْ جَعَلَ اللَّهُ السَّبْتَ مُعَظَّمًا، فَحُذِفَ المَفْعُولُ الثّانِي لِفِعْلِ الجَعْلِ؛ لِأنَّهُ نُزِّلَ مَنزِلَةَ اللّازِمِ؛ إيجازًا لِيَشْمَلَ كُلَّ أحْوالِ السَّبْتِ المَحْكِيَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقُلْنا لَهم لا تَعْدُوا في السَّبْتِ﴾ [النساء: ١٥٤] وقَوْلُهُ ﴿إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] .

وضُمِّنَ فِعْلُ (جُعِلَ) مَعْنى (فُرِضَ) فَعُدِّيَ بِحَرْفِ (عَلى) .

وقَدِ ادَّخَرَ اللَّهُ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ أنْ يَكُونَ هو الوارِثُ لِأُصُولِ إبْراهِيمَ، فَجَعَلَ لِلْيَهُودِ والنَّصارى دِينًا مُخالِفًا لِمِلَّةِ إبْراهِيمَ، ونَصَبَ عَلى ذَلِكَ شِعارًا، وهو اليَوْمُ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ أصْلُ ذَلِكَ الدِّينِ. وتَغْيِيرُ ذَلِكَ اليَوْمِ عِنْدَ بِعْثَةِ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ إشارَةٌ إلى ذَلِكَ؛ لِئَلّا يَكُونَ يَوْمَ السَّبْتِ مُسْتَرْسِلًا

صفحة ٣٢٥

فِي بَنِي إسْرائِيلَ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم عُرْضَةٌ لِنَسْخِ دِينِهِمْ بِدِينِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وإعْدادًا لَهم لِتَلَقِّي نَسْخٍ آخَرَ بَعْدَ ذَلِكَ بِدِينٍ آخَرَ، يَكُونُ شِعارُهُ يَوْمًا آخَرَ غَيْرَ السَّبْتِ، وغَيْرَ الأحَدِ. فَهَذا هو التَّفْسِيرُ الَّذِي بِهِ يَظْهَرُ انْتِساقُ الآيِ بَعْضِها مَعَ بَعْضٍ.

و(بَيْنَهم) ظَرْفٌ لِلْحُكْمِ المُسْتَفادِ مِن (يَحْكُمُ)، أيْ حُكْمًا بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ، ولَيْسَتْ (بَيْنَهم) لِتَعْدِيَةِ (يَحْكُمُ) إذْ لَيْسَ ثَمَّةَ ذِكْرُ الِاخْتِلافِ بَيْنَ فَرِيقَيْنِ هُنا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском