Ibn 'AshurAn‑Nahl · 16:14–23

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

An-Nahl 16:14–23

16:14Page 268

وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلۡبَحۡرَ لِتَأۡكُلُواْ مِنۡهُ لَحۡمٗا طَرِيّٗا وَتَسۡتَخۡرِجُواْ مِنۡهُ حِلۡيَةٗ تَلۡبَسُونَهَاۖ وَتَرَى ٱلۡفُلۡكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٤

And it is He who subjected the sea for you to eat from it tender meat and to extract from it ornaments which you wear. And you see the ships plowing through it, and [He subjected it] that you may seek of His bounty; and perhaps you will be grateful.

﴿وهْوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ القَوْلُ في هَذا الِاسْتِدْلالِ، وإدْماجُ الِامْتِنانِ فِيهِ كالقَوْلِ فِيما سَبَقَ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى تَسْخِيرِ الفُلْكِ في البَحْرِ، وتَسْخِيرِ الأنْهارِ في أثْناءِ سُورَةِ إبْراهِيمَ.

صفحة ١١٩

ومِن تَسْخِيرِ البَحْرِ خَلْقُهُ عَلى هَيْئَةٍ يُمْكِنُ مَعَها السَّبْحُ والسَّيْرُ بِالفُلْكِ، وتَمْكِينُ السّابِحِينَ والماخِرِينَ مِن صَيْدِ الحِيتانِ المَخْلُوقَةِ فِيهِ والمُسَخَّرَةِ لِحِيَلِ الصّائِدِينَ، وزِيدَ في الِامْتِنانِ أنَّ لَحْمَ صَيْدِهِ طَرِيٌّ.

و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ تَأْكُلُوا لَحْمًا طَرِيًّا صادِرًا مِنَ البَحْرِ.

والطَّرِيُّ: ضِدُّ اليابِسِ، والمَصْدَرُ: الطَّراوَةُ، وفِعْلُهُ: طَرُوَ، بِوَزْنِ خَشُنَ.

والحِلْيَةُ: ما يَتَحَلّى بِهِ النّاسُ، أيْ يَتَزَيَّنُونَ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ﴾ [الرعد: ١٧]) في سُورَةِ الرَّعْدِ، وذَلِكَ اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ؛ فاللُّؤْلُؤُ يُوجَدُ في بَعْضِ البِحارِ مِثْلِ الخَلِيجِ الفارِسِيِّ، والمَرْجانُ يُوجِدُ في جَمِيعِ البِحارِ، ويَكْثُرُ ويَقِلُّ، وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى اللُّؤْلُؤِ في سُورَةِ الحَجِّ، وفي سُورَةِ الرَّحْمَنِ، ويَأْتِي الكَلامُ عَلى المَرْجانِ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ.

والِاسْتِخْراجُ: كَثْرَةُ الإخْراجِ، فالسِّينُ والتّاءُ لِلتَّأْكِيدِ مِثْلُ: اسْتَجابَ لِمَعْنى أجابَ.

واللُّبْسُ: جَعْلُ الثَّوْبِ والعِمامَةِ والمَصُوغِ عَلى الجَسَدِ، يُقالُ: لُبْسُ التّاجِ، ولُبْسُ الخاتَمِ، ولُبْسُ القَمِيصِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا﴾ [الأعراف: ٢٦] في سُورَةِ الأعْرافِ.

وإسْنادُ لِباسِ الحِلْيَةِ إلى ضَمِيرِ جَمْعِ الذُّكُورِ تَغْلِيبٌ، وإلّا فَإنَّ غالِبَ الحِلْيَةِ يَلْبَسُها النِّساءُ عَدا الخَواتِيمِ وحِلْيَةِ السُّيُوفِ.

وجُمْلَةُ ﴿وتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمَلِ المُتَعاطِفَةِ مَعَ إمْكانِ العَطْفِ؛ لِقَصْدِ مُخالَفَةِ الأُسْلُوبِ لِلتَّعْجِيبِ مِن تَسْخِيرِ السَّيْرِ في البَحْرِ بِاسْتِحْضارِ الحالَةِ العَجِيبَةِ بِواسِطَةِ فِعْلِ الرُّؤْيَةِ، وهو يُسْتَعْمَلُ في التَّعْجِيبِ كَثِيرًا بِصِيَغٍ كَثِيرَةٍ نَحْوَ: ولَوْ تَرى، وأرَأيْتَ، وماذا تَرى، واجْتِلابُ فِعْلِ الرُّؤْيَةِ في أمْثالِهِ يُفِيدُ الحَثَّ عَلى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ، فَهَذا النَّظْمُ لِلْكَلامِ؛ لِإفادَةِ هَذا المَعْنى، ولَوْلاها لَكانَ الكَلامُ هَكَذا: (وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ في فُلْكٍ مَواخِرَ) .

صفحة ١٢٠

وعَطْفُ (ولِتَبْتَغُوا) عَلى (تَسْتَخْرِجُوا) لِيَكُونَ مِن جُمْلَةِ النِّعَمِ الَّتِي نَشَأتْ عَنْ حِكْمَةِ تَسْخِيرِ البَحْرِ، ولَمْ يُجْعَلْ عِلَّةً لِمَخْرِ الفُلْكِ كَما جُعِلَ في سُورَةِ فاطِرٍ ﴿وتَرى الفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ [فاطر: ١٢]؛ لِأنَّ تِلْكَ لَمْ تُصَدَّرْ بِمِنَّةِ تَسْخِيرِ البَحْرِ بَلْ جاءَتْ في غَرَضٍ آخَرَ.

وأُعِيدَ حَرْفُ التَّعْلِيلِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾؛ لِأجْلِ البُعْدِ بِسَبَبِ الجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ.

والِابْتِغاءُ مِن فَضْلِ اللَّهِ: التِّجارَةُ كَما عَبَّرَ عَنْها بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وعَطْفُ ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ عَلى بَقِيَّةِ العِلَلِ؛ لِأنَّهُ مِنَ الحِكَمِ الَّتِي سَخَّرَ اللَّهُ بِها البَحْرَ لِلنّاسِ حَمْلًا لَهم عَلى الِاعْتِرافِ لِلَّهِ بِالعُبُودِيَّةِ، ونَبْذَهم إشْراكَ غَيْرٍ بِهِ فِيها، وهو تَعْرِيضٌ بِالَّذِينَ أشْرَكُوا.

16:15–16Page 269

وَأَلۡقَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمۡ وَأَنۡهَٰرٗا وَسُبُلٗا لَّعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ١٥

And He has cast into the earth firmly set mountains, lest it shift with you, and [made] rivers and roads, that you may be guided,

وَعَلَٰمَٰتٖۚ وَبِٱلنَّجۡمِ هُمۡ يَهۡتَدُونَ ١٦

And landmarks. And by the stars they are [also] guided.1

﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكم وأنْهارًا وسُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ ﴿وعَلاماتٍ وبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ﴾

انْتِقالٌ إلى الِاسْتِدْلالِ والِامْتِنانِ بِما عَلى سَطْحِ الأرْضِ مِنَ المَخْلُوقاتِ العَظِيمَةِ الَّتِي في وُجُودِها لُطْفٌ بِالإنْسانِ، وهَذِهِ المَخْلُوقاتُ لَمّا كانَتْ مَجْعُولَةً كالتَّكْمِلَةِ لِلْأرْضِ، ومَوْضُوعَةً عَلى ظاهِرِ سَطْحِها عَبَّرَ عَنْ خَلْقِها ووَضْعِها بِالإلْقاءِ الَّذِي هو رَمْيُ شَيْءٍ عَلى الأرْضِ، ولَعَلَّ خَلْقَها كانَ مُتَأخِّرًا عَنْ خَلْقِ الأرْضِ، إذْ لَعَلَّ الجِبالَ انْبَثَقَتْ بِاضْطِراباتٍ أرْضِيَّةٍ كالزِّلْزالِ العَظِيمِ ثُمَّ حَدَثَتِ الأنْهارُ بِتَهاطُلِ الأمْطارِ، وأمّا السُّبُلُ والعَلاماتُ فَتَأخُّرُ وجُودِها ظاهِرٌ، فَصارَ خَلْقُ هَذِهِ الأرْبَعَةِ شَبِيهًا بِإلْقاءِ شَيْءٍ في شَيْءٍ بَعْدَ تَمامِهِ.

ولَعَلَّ أصْلَ تَكْوِينِ الجِبالِ كانَ مِن شَظايا رَمَتْ بِها الكَواكِبُ فَصادَفَتْ سَطْحَ الأرْضِ، كَما أنَّ الأمْطارَ تَهاطَلَتْ فَكَوَّنَتِ الأنْهارَ؛ فَيَكُونُ تَشْبِيهُ حُصُولِ

صفحة ١٢١

هَذَيْنِ بِالإلْقاءِ بَيِّنًا، وإطْلاقُهُ عَلى وضْعِ السُّبُلِ والعَلاماتِ تَغْلِيبٌ، ومِن إطْلاقِ الإلْقاءِ عَلى الإعْطاءِ ونَحْوِهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا﴾ [القمر: ٢٥] .

و(رَواسِيَ) جَمْعُ راسٍ، وهو وصْفٌ مِنَ الرَّسْوِ بِفَتْحِ الرّاءِ وسُكُونِ السِّينِ، ويُقالُ بِضَمِّ الرّاءِ والسِّينِ مُشَدَّدَةً وتَشْدِيدِ الواوِ، وهو الثَّباتُ والتَّمَكُّنُ في المَكانِ، قالَ تَعالى ﴿وقُدُورٍ راسِياتٍ﴾ [سبإ: ١٣] .

ويُطْلَقُ عَلى الجَبَلِ (راسٍ) بِمَنزِلَةِ الوَصْفِ الغالِبِ، وجَمْعُهُ عَلى زِنَةِ فَواعِلَ عَلى خِلافِ القِياسِ، وهو مِنَ النَّوادِرِ مِثْلُ عَواذِلَ وفَوارِسَ، وتَقَدَّمَ بَعْضُ الكَلامِ عَلَيْهِ في أوَّلِ الرَّعْدِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [لقمان: ١٠] تَعْلِيلٌ لِإلْقاءِ الرَّواسِي في الأرْضِ، والمَيْدُ: الِاضْطِرابُ، وضَمِيرُ (تَمِيدَ) عائِدٌ إلى الأرْضِ بِقَرِينَةِ قَرْنِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى بِكم؛ لِأنَّ المَيْدَ إذا عُدِّيَ بِالباءِ عُلِمَ أنَّ المَجْرُورَ بِالباءِ هو الشَّيْءُ المُسْتَقِرُّ في الظَّرْفِ المائِدِ، والِاضْطِرابُ يُعَطِّلُ مَصالِحَ النّاسِ ويُلْحِقُ بِهِمْ آلامًا.

ولَمّا كانَ المَقامُ مَقامَ امْتِنانٍ عُلِمَ أنَّ المُعَلَّلَ بِهِ هو انْتِفاءُ المَيْدِ لا وُقُوعُهُ، فالكَلامُ جارٍ عَلى حَذْفٍ تَقْتَضِيهِ القَرِينَةُ، ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في القُرْآنِ وكَلامِ العَرَبِ، قالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ:

فَعَجَّلْنا القِرى أنْ تَشْتُمُونا

أرادَ أنْ لا تَشْتُمُونا، فالعِلَّةُ هي انْتِفاءُ الشَّتْمِ لا وُقُوعُهُ، ونُحاةُ الكُوفَةِ يُخَرِّجُونَ أمْثالَ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ حَرْفِ النَّفْيِ بَعْدَ (أنْ)، والتَّقْدِيرُ: لِأنْ لا تَمِيدَ بِكم، ولِئَلّا تَشْتُمُونا، وهو الظّاهِرُ، ونُحاةُ البَصْرَةِ يُخَرِّجُونَ مِثْلَهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ بَيْنَ الفِعْلِ المُعَلَّلِ و(أنْ)، تَقْدِيرُهُ: كَراهِيَةَ أنْ تَمِيدَ بِكم.

وهَذا المَعْنى الَّذِي أشارَتْ إلَيْهِ الآيَةُ مَعْنًى غامِضٌ، ولَعَلَّ اللَّهَ جَعَلَ نُتُوءَ الجِبالِ عَلى سَطْحِ الأرْضِ مُعَدَّلًا لِكُرَوِيَّتِها بِحَيْثُ لا تَكُونُ بِحَدٍّ مِنَ المَلاسَةِ يُخَفِّفُ حَرَكَتَها في الفَضاءِ تَخْفِيفًا يُوجِبُ شِدَّةَ اضْطِرابِها.

صفحة ١٢٢

ونِعْمَةُ الأنْهارِ عَظِيمَةٌ، فَإنَّ مِنها شَرابَهم وسَقْيَ حَرْثِهِمْ، وفِيها تَجْرِي سُفُنُهم لِأسْفارِهِمْ.

ولِهَذِهِ المِنَّةِ الأخِيرَةِ عَطَفَ عَلَيْها (وسُبُلًا) جَمْعُ سَبِيلٍ، وهو الطَّرِيقُ الَّذِي يُسافَرُ فِيهِ بَرًّا.

وجُمْلَةُ ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، أيْ رَجاءَ اهْتِدائِكم، وهو كَلامٌ مُوَجَّهٌ، يَصْلُحُ لِلِاهْتِداءِ إلى المَقاصِدِ في الأسْفارِ مِن رَسْمِ الطُّرُقِ، وإقامَةِ المَراسِي عَلى الأنْهارِ، واعْتِبارِ المَسافاتِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن جَعْلِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ ذَلِكَ حاصِلٌ بِإلْهامِهِ، ويَصْلُحُ لِلِاهْتِداءِ إلى الدِّينِ الحَقِّ وهو دِينُ التَّوْحِيدِ؛ لِأنَّ في تِلْكَ الأشْياءِ دَلالَةً عَلى الخالِقِ المُتَوَحِّدِ بِالخَلْقِ.

والعَلاماتُ: الأماراتُ الَّتِي ألْهَمَ اللَّهُ النّاسَ أنْ يَضَعُوها أوْ يَتَعارَفُوها؛ لِتَكُونَ دَلالَةً عَلى المَسافاتِ والمَسالِكِ المَأْمُونَةِ في البَرِّ والبَحْرِ فَتَتْبَعُها السّابِلَةُ.

وجُمْلَةُ ﴿وبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ﴾؛ لِأنَّها في مَعْنى: وهَداكم بِالنَّجْمِ فَأنْتُمْ تَهْتَدُونَ بِهِ، وهَذِهِ مِنَّةٌ بِالِاهْتِداءِ في اللَّيْلِ؛ لِأنَّ السَّبِيلَ والعَلاماتِ إنَّما تَهْدِي في النَّهارِ، وقَدْ يَضْطَرُّ السّالِكُ إلى السَّيْرِ لَيْلًا، فَمَواقِعُ النُّجُومِ عَلاماتٌ لِاهْتِداءِ النّاسِ السّائِرِينَ لَيْلًا تُعْرَفُ بِها السَّماواتُ، وأخَصُّ مَن يَهْتَدِي بِها البَحّارَةُ؛ لِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ الإرْساءَ في كُلِّ لَيْلَةٍ فَهم مُضْطَرُّونَ إلى السَّيْرِ لَيْلًا، وهي هِدايَةٌ عَظِيمَةٌ في وقْتِ ارْتِباكِ الطَّرِيقِ عَلى السّائِرِ، ولِذَلِكَ قَدَّمَ المُتَعَلِّقُ في قَوْلِهِ تَعالى وبِالنَّجْمِ تَقْدِيمًا يُفِيدُ الِاهْتِمامَ، وكَذَلِكَ بِالمُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هم يَهْتَدُونَ﴾ .

وعَدَلَ عَنِ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ التِفاتًا يُومِئُ إلى فَرِيقٍ خاصٍّ، وهُمُ السَّيّارَةُ والمَلّاحُونَ؛ فَإنَّ هِدايَتَهم بِهَذِهِ النُّجُومِ لا غَيْرَ.

والتَّعْرِيفُ في النَّجْمِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، والمَقْصُودُ مِنهُ النُّجُومُ الَّتِي تَعارَفَها النّاسُ لِلِاهْتِداءِ بِها مِثْلُ القُطْبِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها﴾ [الأنعام: ٩٧] في سُورَةِ الأنْعامِ.

صفحة ١٢٣

وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هم يَهْتَدُونَ﴾ لِمُجَرَّدِ تَقَوِّي الحُكْمِ، إذْ لا يَسْمَحُ المَقامُ بِقَصْدِ القَصْرِ، وإنْ تَكَلَّفَهُ في الكَشّافِ.

16:17–18Page 269

أَفَمَن يَخۡلُقُ كَمَن لَّا يَخۡلُقُۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ١٧

Then is He who creates like one who does not create? So will you not be reminded?

وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٨

And if you should count the favors of Allāh, you could not enumerate them. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ بَعْدَ أنْ أُقِيمَتِ الدَّلائِلُ عَلى انْفِرادِ اللَّهِ بِالخَلْقِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ [النحل: ٣] وثَبَتَتِ المِنَّةُ وحُقَّ الشُّكْرُ، فَرَّعَ عَلى ذَلِكَ هاتانِ الجُمْلَتانِ لِتَكُونا كالنَّتِيجَتَيْنِ لِلْأدِلَّةِ السّابِقَةِ إنْكارًا عَلى المُشْرِكِينَ، فالِاسْتِفْهامُ عَنِ المُساواةِ إنْكارِيٌّ، أيْ لا يَسْتَوِي مَن يَخْلُقُ بِمَن لا يَخْلُقُ، فالكافُ لِلْمُماثَلَةِ، وهي مَوْرِدُ الإنْكارِ حَيْثُ جَعَلُوا الأصْنامَ آلِهَةً شَرِيكَةً لِلَّهِ تَعالى، ومِن مَضْمُونِ الصِّلَتَيْنِ يُعْرَفُ أيُّ المَوْصُولَيْنِ أوْلى بِالإلَهِيَّةِ فَيَظْهَرُ مَوْرِدُ الإنْكارِ.

وحِينَ كانَ المُرادُ بِمَن لا يَخْلُقُ الأصْنامَ كانَ إطْلاقُ (مَن) الغالِبَةُ في العاقِلِ مُشاكَلَةً لِقَوْلِهِ أفَمَن يَخْلُقُ.

وفُرِّعَ عَلى إنْكارِ التَّسْوِيَةِ اسْتِفْهامٌ عَنْ عَدَمِ التَّذَكُّرِ في انْتِفائِها، فالِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ أفَلا تَذَكَّرُونَ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ عَلى انْتِفاءِ التَّذَكُّرِ، وذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ المُخاطَبِينَ، فَهو إنْكارٌ عَلى إعْراضِ المُشْرِكِينَ عَنِ التَّذَكُّرِ في ذَلِكَ.

وجُمْلَةُ ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾، وهي كالتَّكْمِلَةِ لَها؛ لِأنَّها نَتِيجَةٌ لِما تَضَمَّنَتْهُ تِلْكَ الأدِلَّةُ مِن الِامْتِنانِ كَما تَقَدَّمَ، وهي بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ لِلِامْتِنانِ؛ لِأنَّ فِيها عُمُومًا يَشْمَلُ النِّعَمَ المَذْكُورَةَ وغَيْرَها.

وهَذا كَلامٌ جامِعٌ لِلتَّنْبِيهِ عَلى وفْرَةِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلى النّاسِ بِحَيْثُ لا يَسْتَطِيعُ عَدَّها العادُّونَ، وإذا كانَتْ كَذَلِكَ فَقَدْ حَصَلَ التَّنْبِيهُ إلى كَثْرَتِها بِمَعْرِفَةِ أُصُولِها، وما يَحْوِيها مِنَ العَوالِمِ.

صفحة ١٢٤

وفِي هَذا إيماءٌ إلى الِاسْتِكْثارِ مِنَ الشُّكْرِ عَلى مُجْمَلِ النِّعَمِ، وتَعْرِيضٌ بِفَظاعَةِ كُفْرِ مَن كَفَرُوا بِهَذا المُنْعِمِ، وتَغْلِيظُ التَّهْدِيدِ لَهم، وتَقَدَّمَ نَظِيرُها في سُورَةِ إبْراهِيمَ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ اسْتِئْنافٌ عَقَّبَ بِهِ تَغْلِيظَ الكُفْرِ والتَّهْدِيدِ عَلَيْهِ تَنْبِيهًا عَلى تَمَكُّنِهِمْ مِن تَدارُكِ أمْرِهِمْ بِأنْ يُقْلِعُوا عَنِ الشِّرْكِ، ويَتَأهَّبُوا لِلشُّكْرِ بِما يُطِيقُونَ، عَلى عادَةِ القُرْآنِ مِن تَعْقِيبِ الزَّواجِرِ بِالرَّغائِبِ؛ كَيْلا يَقْنَطَ المُسْرِفُونَ.

وقَدْ خُولِفَ بَيْنَ خِتامِ هَذِهِ الآيَةِ وخِتامِ آيَةِ سُورَةِ إبْراهِيمَ، إذْ وقَعَ هُنالِكَ ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤]؛ لِأنَّ تِلْكَ جاءَتْ في سِياقِ وعِيدٍ وتَهْدِيدٍ عَقِبَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨] فَكانَ المُناسِبُ لَها تَسْجِيلَ ظُلْمِهِمْ وكُفْرِهِمْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ.

وأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَقَدْ جاءَتْ خِطابًا لِلْفَرِيقَيْنِ كَما كانَتِ النِّعَمُ المَعْدُودَةُ عَلَيْهِمْ مُنْتَفِعًا بِها كِلاهُما.

ثُمَّ كانَ مِنَ اللَّطائِفِ أنْ قُوبِلَ الوَصْفانِ اللَّذانِ في آيَةِ سُورَةِ إبْراهِيمَ ﴿لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤] بِوَصْفَيْنِ هُنا ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ إشارَةً إلى أنَّ تِلْكَ النِّعَمَ كانَتْ سَبَبًا لِظُلْمِ الإنْسانِ وكُفْرِهِ، وهي سَبَبٌ لِغُفْرانِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ، والأمْرُ في ذَلِكَ مَنُوطٌ بِعَمَلِ الإنْسانِ.

16:19Page 269

وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعۡلِنُونَ ١٩

And Allāh knows what you conceal and what you declare.

﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧]، فَبَعْدَ أنْ أثْبَتَ أنَّ اللَّهَ مُنْفَرِدٌ بِصِفَةِ الخَلْقِ دُونَ غَيْرِهِ بِالأدِلَّةِ العَدِيدَةِ ثُمَّ بِاسْتِنْساخِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧] انْتَقَلَ هُنا إلى إثْباتِ أنَّهُ مُنْفَرِدٌ بِعُمُومِ العِلْمِ.

ولَمْ يُقَدَّمْ لِهَذا الخَبَرِ اسْتِدْلالٌ ولا عُقِّبَ بِالدَّلِيلِ؛ لِأنَّهُ مِمّا دَلَّتْ عَلَيْهِ أدِلَّةُ الِانْفِرادِ بِالخَلْقِ؛ لِأنَّ خالِقَ أجْزاءِ الإنْسانِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ يَجِبُ لَهُ أنْ

صفحة ١٢٥

يَكُونُ عالِمًا بِدَقائِقِ حَرَكاتِ تِلْكَ الأجْزاءِ وهي بَيْنَ ظاهِرٍ وخَفِيٍّ، فَلِذَلِكَ قالَ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ .

والمُخاطَبُ هُنا هُمُ المُخاطَبُونَ بِقَوْلِهِ تَعالى أفَلا تَذَكَّرُونَ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ بِأنَّ اللَّهَ مُحاسِبُهم عَلى كُفْرِهِمْ.

وفِيهِ إعْلامٌ بِأنَّ أصْنامَهم بِخِلافِ ذَلِكَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ تَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ، فَإنَّهُ يُفِيدُ القَصْرَ لِرَدِّ دَعْوى الشَّرِكَةِ.

وقَرَأ حَفْصٌ (ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ) بِالتَّحْتِيَّةِ فِيهِما، وهو التِفاتٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، وعَلى قِراءَتِهِ تَكُونُ الجُمْلَةُ أظْهَرُ في التَّهْدِيدِ مِنها في قَصْدِ التَّعْلِيمِ.

16:20–21Page 269

وَٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَخۡلُقُونَ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ ٢٠

And those they invoke other than Allāh create nothing, and they [themselves] are created.

أَمۡوَٰتٌ غَيۡرُ أَحۡيَآءٖۖ وَمَا يَشۡعُرُونَ أَيَّانَ يُبۡعَثُونَ ٢١

They are [in fact] dead,1 not alive, and they do not perceive when they will be resurrected.

﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧] وجُمْلَةِ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ﴾ [النحل: ١٩] .

وماصَدَقُ (الَّذِينَ) الأصْنامُ، وظاهِرٌ أنَّ الخِطابَ هُنا مُتَمَحِّضٌ لِلْمُشْرِكِينَ، وهم بَعْضُ المُخاطَبِينَ في الضَّمائِرِ السّابِقَةِ.

والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ التَّصْرِيحُ بِما اسْتُفِيدَ ضِمْنًا مِمّا قَبْلَها، وهو نَفْيُ الخالِقِيَّةِ، ونَفْيُ العِلْمِ عَنِ الأصْنامِ.

فالخَبَرُ الأوَّلُ وهو جُمْلَةُ ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ اسْتُفِيدَ مِن جُمْلَةِ ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧]، وعَطْفُ ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾ ارْتِقاءٌ في الِاسْتِدْلالِ عَلى انْتِفاءِ إلَهِيَّتِها.

والخَبَرُ الثّانِي وهو جُمْلَةُ ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ﴾ تَصْرِيحٌ بِما اسْتُفِيدَ مِن جُمْلَةِ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ [النحل: ١٩] بِطَرِيقَةِ نَفْيِ الشَّيْءِ بِنَفْيِ مَلْزُومِهِ.

صفحة ١٢٦

وهِيَ طَرِيقَةُ الكِنايَةِ الَّتِي هي كَذِكْرِ الشَّيْءِ بِدَلِيلِهِ، فَنَفْيُ الحَياةِ عَنِ الأصْنامِ في قَوْلِهِ غَيْرُ أحْياءٍ يَسْتَلْزِمُ نَفْيُ العِلْمِ عَنْها؛ لِأنَّ الحَياةَ شَرْطٌ في قَبُولِ العِلْمِ، ولِأنَّ نَفْيَ أنْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ ما هو مِن أحْوالِهِمْ يَسْتَلْزِمُ انْتِفاءَ أنْ يَعْلَمُوا أحْوالَ غَيْرِهِمْ بِدَلالَةِ فَحْوى الخِطابِ، ومَن كانَ هَكَذا فَهو غَيْرُ إلَهٍ.

وأُسْنِدَ يَخْلُقُونَ إلى النّائِبِ لِظُهُورِ الفاعِلِ مِنَ المَقامِ، أيْ (وهم مَخْلُوقُونَ لِلَّهِ تَعالى)؛ فَإنَّهم مِنَ الحِجارَةِ الَّتِي هي مِن خَلْقِ اللَّهِ، ولا يُخْرِجُها نَحْتُ البَشَرِ إيّاها عَلى صُوَرٍ وأشْكالٍ عَنْ كَوْنِ الأصْلِ مَخْلُوقًا لِلَّهِ تَعالى، كَما قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَوْلَهُ ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] .

وجُمْلَةُ غَيْرُ أحْياءٍ تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ (أمْواتٌ)، لِلدَّلالَةِ عَلى عَراقَةِ وصْفِ المَوْتِ فِيهِمْ بِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شائِبَةُ حَياةٍ؛ لِأنَّهم حِجارَةٌ.

ووُصِفَتِ الحِجارَةُ بِالمَوْتِ بِاعْتِبارِ كَوْنِ المَوْتِ عَدَمَ الحَياةِ، ولا يُشْتَرَطُ في الوَصْفِ بِأسْماءِ الإعْدامِ قَبُولُ المَوْصُوفاتِ بِها لِمَلَكاتِها، كَما اصْطَلَحَ عَلَيْهِ الحُكَماءُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ اصْطِلاحٌ مَنطِقِيٌّ دَعا إلَيْهِ تَنْظِيمُ أُصُولِ المُحاجَّةِ.

وقَرَأ عاصِمٌ ويَعْقُوبُ (يَدْعُونَ) بِالتَّحْتِيَّةِ، وفِيها زِيادَةُ تَبْيِينٍ لِصَرْفِ الخِطابِ إلى المُشْرِكِينَ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ.

وجُمْلَةُ ﴿وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ إدْماجٌ لِإثْباتِ البَعْثِ عَقِبَ الكَلامِ عَلى إثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ هَذَيْنِ هُما أصْلُ إبْطالِ عَقِيدَةِ المُشْرِكِينَ، وتَمْهِيدٌ لِوَجْهِ التَّلازُمِ بَيْنَ إنْكارِ البَعْثِ وبَيْنَ إنْكارِ التَّوْحِيدِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٢٢]، ولِذَلِكَ فالظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَيْ (يَشْعُرُونَ) و(يُبْعَثُونَ) عائِدانِ إلى الكُفّارِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وعَلى تَناسُقِ الضَّمائِرِ في قِراءَةِ عاصِمٍ ويَعْقُوبَ.

والمَقْصُودُ مِن نَفْيِ شُعُورِهِمْ بِالبَعْثِ تَهْدِيدُهم بِأنَّ البَعْثَ الَّذِي أنْكَرُوهُ واقِعٌ، وأنَّهم لا يَدْرُونَ مَتّى يَبْغَتُهم، كَما قالَ تَعالى ﴿لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧] .

صفحة ١٢٧

والبَعْثُ: حَقِيقَتُهُ الإرْسالُ مِن مَكانٍ إلى آخَرَ، ويُطْلَقُ عَلى إثارَةِ الجاثِمِ، ومِنهُ قَوْلُهم: بَعَثْتُ البَعِيرَ، إذا أثَرْتُهُ مِن مَبْرَكِهِ، ولَعَلَّهُ مِن إطْلاقِ اسْمِ الشَّيْءِ عَلى سَبَبِهِ، وقَدْ غَلَبَ البَعْثُ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ عَلى إحْضارِ النّاسِ إلى الحِسابِ بَعْدَ المَوْتِ، فَمَن كانَ مِنهم مَيِّتًا فَبَعْثُهُ مِن جَدَثِهِ، ومَن كانَ مِنهم حَيًّا فَصادَفَتْهُ ساعَةُ انْتِهاءِ الدُّنْيا فَماتَ ساعَتَئِذٍ فَبَعْثُهُ هو إحْياؤُهُ عَقِبَ المَوْتِ، وبِذَلِكَ لا يُعَكَّرُ إسْنادُ نَفْيِ الشُّعُورِ بِوَقْتِ البَعْثِ عَنِ الكُفّارِ الأحْياءِ المُهَدَّدِينَ، ولا يَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ (يَشْعُرُونَ) عائِدًا إلى الَّذِينَ تَدْعُونَ، أيِ الأصْنامِ.

و(أيّانَ) اسْمُ اسْتِفْهامٍ عَنِ الزَّمانِ، مُرَكَّبَةٌ مِن (أيٍّ) و(آنٍ) بِمَعْنى أيُّ زَمَنٍ ؟، وهي مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ (يَشْعُرُونَ) عَنِ العَمَلِ بِالِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى: وما يَشْعُرُونَ بِزَمَنِ بَعْثِهِمْ، وتَقَدَّمَ (أيّانَ) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها﴾ [الأعراف: ١٨٧] في سُورَةِ الأعْرافِ.

16:22–23Page 269

إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۚ فَٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٞ وَهُم مُّسۡتَكۡبِرُونَ ٢٢

Your god is one God. But those who do not believe in the Hereafter - their hearts are disapproving, and they are arrogant.

لَا جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡتَكۡبِرِينَ ٢٣

Assuredly, Allāh knows what they conceal and what they declare. Indeed, He does not like the arrogant.

﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ﴾

اسْتِئْنافُ نَتِيجَةٍ لِحاصِلِ المُحاجَّةِ الماضِيَةِ، أيْ قَدْ ثَبَتَ بِما تَقَدَّمَ إبْطالُ إلَهِيَّةِ غَيْرِ اللَّهِ، فَثَبَتَ أنَّ لَكم إلَهًا واحِدًا لا شَرِيكَ لَهُ، ولِكَوْنِ ما مَضى كافِيًا في إبْطالِ إنْكارِهِمُ الوَحْدانِيَّةِ عَرِيَتِ الجُمْلَةُ عَنِ المُؤَكِّدِ تَنْزِيلًا لِحالِ المُشْرِكِينَ بَعْدَما سَمِعُوا مِنَ الأدِلَّةِ مَنزِلَةَ مَن لا يُظَنُّ بِهِ أنَّهُ يَتَرَدَّدُ في ذَلِكَ بِخِلافِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ [الصافات: ٤] في سُورَةِ الصّافّاتِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ ابْتِداءُ كَلامٍ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ دَلِيلٌ، كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ خِطابٌ لِأهْلِ الكِتابِ.

صفحة ١٢٨

وتَفَرَّعَ عَلَيْهِ الإخْبارُ بِجُمْلَةِ ﴿فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ﴾

وهُوَ تَفْرِيعُ الأخْبارِ عَنِ الأخْبارِ، أيْ يَتَفَرَّعُ عَلى هَذِهِ القَضِيَّةِ القاطِعَةِ بِما تَقَدَّمَ مِنَ الدَّلائِلِ أنَّكم قُلُوبُكم مُنْكِرَةٌ، وأنْتُمْ مُسْتَكْبِرُونَ وأنَّ ذَلِكَ ناشِئٌ عَنْ عَدَمِ إيمانِكم بِالآخِرَةِ.

والتَّعْبِيرُ عَنِ المُشْرِكِينَ بِالمَوْصُولِ وصِلَتِهِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ؛ لِأنَّهم قَدْ عُرِفُوا بِمَضْمُونِ الصِّلَةِ واشْتُهِرُوا بِها اشْتِهارَ لَمْزٍ وتَنْقِيصٍ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ، كَقَوْلِهِ ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا﴾ [الفرقان: ٢١]، ولِلْإيماءِ إلى أنَّ لِهَذِهِ الصِّلَةِ ارْتِباطًا بِاسْتِمْرارِهِمْ عَلى العِنادِ؛ لِأنَّ انْتِفاءَ إيمانِهِمْ بِالبَعْثِ والحِسابِ قَدْ جَرَّأهم عَلى نَبْذِ دَعْوَةِ الإسْلامِ ظِهْرِيًّا فَلَمْ يَتَوَقَّعُوا مُؤاخَذَةً عَلى نَبْذِها، عَلى تَقْدِيرِ أنَّها حَقٌّ فَيَنْظُرُوا في دَلائِلِ أحَقِّيَّتِها مَعَ أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولَكِنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِأنَّهُ أعَدَّ لِلنّاسِ يَوْمَ جَزاءٍ عَلى أعْمالِهِمْ.

ومَعْنى ﴿قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ﴾ جاحِدَةٌ بِما هو واقِعٌ، اسْتُعْمِلَ الإنْكارُ في جَحْدِ الأمْرِ الواقِعِ؛ لِأنَّهُ ضِدُّ الإقْرارِ، فَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (مُنْكِرَةٌ) لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ، أيْ مُنْكِرَةٌ لِلْوَحْدانِيَّةِ.

وعَبَّرَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ ﴿قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الإنْكارَ ثابِتٌ لَهم دائِمٌ لِاسْتِمْرارِهِمْ عَلى الإنْكارِ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ مِنَ الأدِلَّةِ، وذَلِكَ يُفِيدُ أنَّ الإنْكارَ صارَ لَهم سَجِيَّةً، وتَمَكَّنَ مِن نُفُوسِهِمْ؛ لِأنَّهم ضُرُّوا بِهِ مِن حَيْثُ إنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فاعْتادُوا عَدَمَ التَّبَصُّرِ في العَواقِبِ.

وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ بُنِيَتْ عَلى الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِ الِاسْتِكْبارِ مِنهم، وقَدْ خُولِفَ ذَلِكَ في آيَةِ سُورَةِ الفُرْقانِ ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٢١]؛ لِأنَّ تِلْكَ الآيَةَ لَمْ تَتَقَدَّمْها دَلائِلُ عَلى الوَحْدانِيَّةِ مِثْلُ الدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ.

صفحة ١٢٩

والجَرَمُ - بِالتَّحْرِيكِ -: أصْلُهُ البُدُّ، وكَثُرَ في الِاسْتِعْمالِ حَتّى صارَ بِمَعْنى حَقًّا، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ [هود: ٢٢] في سُورَةِ هُودٍ.

وقَوْلُهُ ﴿أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ في مَوْضِعِ جَرٍّ بِحَرْفِ جَرٍّ مَحْذُوفٍ مُتَعَلِّقٍ بِـ (جَرَمَ)، وخَبَرُ (لا) النّافِيَةِ مَحْذُوفٌ لِظُهُورِهِ، إذِ التَّقْدِيرُ: لا جَرَمَ مَوْجُودٌ، وحَذْفُ الخَبَرِ في مِثْلِهِ كَثِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: لا جَرَمَ في أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أوْ لا جَرَمَ مِن أنَّهُ يَعْلَمُ، أيْ لا بُدَّ أنَّهُ يَعْلَمُ، أيْ لا بُدَّ مِن عِلْمِهِ، أيْ لا شَكَّ في ذَلِكَ.

وجُمْلَةُ ﴿أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنِ الوَعِيدِ بِالمُؤاخَذَةِ بِما يُخْفُونَ وما يُظْهِرُونَ مِنَ الإنْكارِ والِاسْتِكْبارِ وغَيْرِهِما مُؤاخَذَةِ عِقابٍ وانْتِقامٍ، فَلِذَلِكَ عَقَّبَ بِجُمْلَةِ ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ﴾ الواقِعَةِ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ والتَّذْيِيلِ لَها؛ لِأنَّ الَّذِي لا يُحِبُّ فِعْلًا - وهو قادِرٌ - يُجازِي فاعِلَهُ بِالسُّوءِ.

والتَّعْرِيفُ في المُسْتَكْبِرِينَ لِلِاسْتِغْراقِ؛ لِأنَّ شَأْنَ التَّذْيِيلِ العُمُومُ، ويَشْمَلُ هَؤُلاءِ المُتَحَدَّثُ عَنْهم فَيَكُونُ إثْباتُ العِقابِ لَهم كَإثْباتِ الشَّيْءِ بِدَلِيلِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском