Ibn 'AshurAn‑Nahl · 16:24–29

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

An-Nahl 16:24–29

16:24–25Page 269

وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمۡ قَالُوٓاْ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٢٤

And when it is said to them, "What has your Lord sent down?" they say, "Legends of the former peoples,"

لِيَحۡمِلُوٓاْ أَوۡزَارَهُمۡ كَامِلَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَمِنۡ أَوۡزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيۡرِ عِلۡمٍۗ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ ٢٥

That they may bear their own burdens [i.e., sins] in full on the Day of Resurrection and some of the burdens of those whom they misguide without [i.e., by lack of] knowledge. Unquestionably, evil is that which they bear.

﴿وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾

﴿وإذا قِيلَ لَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ﴾ [النحل: ٢٢]؛ لِأنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ مِن أحْوالِهِمُ المُتَقَدِّمُ بَعْضُها، فَإنَّهُ ذَكَرَ اسْتِكْبارَهم وإنْكارَهُمُ الوَحْدانِيَّةَ، وأتْبَعَ بِمَعاذِيرِهِمُ الباطِلَةِ لِإنْكارِ نُبُوءَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وبِصَدِّهِمُ النّاسَ عَنِ اتِّباعِ الإسْلامِ، والتَّقْدِيرُ: قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ ومُسْتَكْبِرَةٌ؛ فَلا يَعْتَرِفُونَ

صفحة ١٣٠

بِالنُّبُوءَةِ، ولا يُخَلُّونَ بَيْنَكَ وبَيْنَ مَن يَتَطَلَّبُ الهُدى، مُضِلُّونَ لِلنّاسِ صادُّونَهم عَنِ الإسْلامِ.

وذِكْرُ فِعْلِ القَوْلِ يَقْتَضِي صُدُورَهُ عَنْ قائِلٍ يَسْألُهم عَنْ أمْرٍ حَدَثَ بَيْنَهم، ولَيْسَ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، وأنَّهم يُجِيبُونَ بِما ذُكِرَ مَكْرًا بِالدِّينِ، وتَظاهُرًا بِمَظْهَرِ النّاصِحِينَ لِلْمُسْتَرْشِدِينِ المُسْتَنْصِحِينِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ .

و(إذا) ظَرْفٌ مُضَمَّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ، وهَذا الشَّرْطُ يُؤْذِنُ بِتَكَرُّرِ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ، وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ قُرَيْشًا لَمّا أهَمَّهم أمْرُ النَّبِيءِ ﷺ، ورَأوْا تَأْثِيرَ القُرْآنِ في نُفُوسِ النّاسِ، وأخَذَ أتْباعُ الإسْلامِ يَكْثُرُونَ، وصارَ الوارِدُونَ إلى مَكَّةَ في مَوْسِمِ الحَجِّ وغَيْرِهِ يَسْألُونَ النّاسَ عَنْ هَذا القُرْآنِ، وماذا يَدْعُو إلَيْهِ، دَبَّرَ لَهُمُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ مَعاذِيرَ واخْتِلاقًا يَخْتَلِقُونَهُ لِيُقْنِعُوا السّائِلِينَ بِهِ، فَنَدَبَ مِنهم سِتَّةَ عَشَرَ رَجُلًا بَعَثَهم أيّامَ المَوْسِمِ يَقْعُدُونَ في عَقَباتِ مَكَّةَ وطُرُقِها الَّتِي يَرِدُ مِنها النّاسُ، يَقُولُونَ لِمَن سَألَهم: لا تَغْتَرُّوا بِهَذا الَّذِي يَدَّعِي أنَّهُ نَبِيٌّ فَإنَّهُ مَجْنُونٌ، أوْ ساحِرٌ، أوْ شاعِرٌ أوْ كاهِنٌ، وأنَّ الكَلامَ الَّذِي يَقُولُهُ أساطِيرُ مِن أساطِيرِ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في آخِرِ سُورَةِ الحِجْرِ، وكانَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ يَقُولُ: أنا أقْرَأُ عَلَيْكم ما هو أجْمَلُ مِن حَدِيثِ مُحَمَّدٍ؛ أحادِيثَ رُسْتُمَ، وإسْفَنْدِيارَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَن قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٣] في سُورَةِ الأنْعامِ.

ومُساءَلَةُ العَرَبِ عَنْ بَعْثِ النَّبِيءِ ﷺ كَثِيرَةٌ واقِعَةٌ، وأصْرَحُها ما رَواهُ البُخارِيُّ «عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّهُ قالَ: كُنْتُ رَجُلًا مِن غِفارٍ فَبَلَغَنا أنَّ رَجُلًا قَدْ خَرَجَ بِمَكَّةَ يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيٌّ، فَقُلْتُ لِأخِي أُنَيْسٍ: انْطَلِقْ إلى هَذا الرَّجُلِ كَلِّمْهُ، وائْتِنِي بِخَبَرِهِ، فانْطَلَقَ فَلَقِيَهُ ثُمَّ رَجَعَ، فَقُلْتُ: ما عِنْدَكَ ؟ فَقالَ: واللَّهِ لَقَدْ رَأيْتُ رَجُلًا يَأْمُرُ بِالخَيْرِ ويَنْهى عَنِ الشَّرِّ، فَقُلْتُ: لَمْ تَشْفِنِي مِنَ الخَبَرِ، فَأخَذْتُ جِرابًا وعَصًا ثُمَّ أقْبَلْتُ إلى مَكَّةَ فَجَعَلْتُ لا أعْرِفُهُ

صفحة ١٣١

وأكْرَهُ أنْ أسْألَ عَنْهُ، وأشْرَبُ مِن ماءِ زَمْزَمَ وأكُونُ في المَسْجِدِ» . . . إلى آخِرِ الحَدِيثِ.

وسُؤالُ السّائِلِينَ لِطَلَبِ الخَبَرِ عَنِ المُنَزَّلِ مِنَ اللَّهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ سُؤالَهم سُؤالُ مُسْتَرْشِدٍ عَنْ دَعْوى بَلَغَتْهم، وشاعَ خَبَرُها في بِلادِ العَرَبِ، وأنَّهم سَألُوا عَنْ حُسْنِ طَوِيَّةٍ، ويَصُوغُونَ السُّؤالَ عَنِ الخَبَرِ كَما بَلَغَتْهم دَعْوَتُهُ.

وأمّا الجَوابُ فَهو جَوابٌ بَلِيغٌ تَضَمَّنَ بَيانَ نَوْعِ هَذا الكَلامِ، وإبْطالَ أنْ يَكُونَ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ لِأنَّ أساطِيرَ الأوَّلِينَ مَعْرُوفَةٌ، والمُنَزَّلُ مِن عِنْدِ اللَّهِ شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مَعْرُوفٍ مِن قَبْلُ.

و(ماذا) كَلِمَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن (ما) الِاسْتِفْهامِيَّةِ واسْمِ الإشارَةِ، ويَقَعُ بَعْدَها فِعْلٌ هو صِلَةٌ لِمَوْصُولٍ مَحْذُوفٍ نابَ عَنْهُ اسْمُ الإشارَةِ، والمَعْنى: ما هَذا الَّذِي أُنْزِلَ ؟

و(ما) يُسْتَفْهَمُ بِها عَنْ بَيانِ الجِنْسِ ونَحْوِهِ، ومَوْضِعُها أنَّها خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، ومَوْضِعُ اسْمِ الإشارَةِ الِابْتِداءُ، والتَّقْدِيرُ: هَذا الَّذِي أنْزَلَ رَبُّكم ما هو، وقَدْ تَسامَحَ النَّحْوِيُّونَ فَقالُوا: إنَّ (ذا) مِن قَوْلِهِمْ (ماذا) صارَتِ اسْمَ مَوْصُولٍ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢١٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

و﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ما في السُّؤالِ، والتَّقْدِيرُ: هو أساطِيرُ الأوَّلِينَ، أيِ المَسْئُولُ عَنْهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ.

ويُعْلَمُ مِن ذَلِكَ أنَّهُ لَيْسَ مُنَزَّلًا مِن رَبِّهِمْ؛ لِأنَّ أساطِيرَ الأوَّلِينَ لا تَكُونُ مُنَزَّلَةً مِنَ اللَّهِ كَما قُلْناهُ آنِفًا، ولِذَلِكَ لَمْ يَقَعْ ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ مَنصُوبًا؛ لِأنَّهُ لَوْ نُصِبَ لاقْتَضى التَّقْدِيرُ: أنْزَلَ أساطِيرَ الأوَّلِينَ، وهو كَلامٌ مُتَناقِضٌ؛ لِأنَّ أساطِيرَ الأوَّلِينَ السّابِقَةَ لا تَكُونُ الَّذِي أنْزَلَ اللَّهُ الآنَ.

والأساطِيرُ: جَمْعُ أسْطارٍ الَّذِي هو جَمْعُ سَطْرٍ، فَأساطِيرُ جَمْعُ الجَمْعِ، وقالَ المُبَرِّدُ: جَمْعُ أُسْطُورَةٍ بِضَمِّ الهَمْزَةِ كَأُرْجُوحَةٍ، وهي مُؤَنَّثَةٌ بِاعْتِبارِ أنَّها

صفحة ١٣٢

قِصَّةٌ مَكْتُوبَةٌ، وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ المُبَرِّدُ أوْلى؛ لِأنَّها أساطِيرُ في الأكْثَرِ يَعْنِي بِها القِصَصَ لا كُلَّ كِتابٍ مَسْطُورٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] في سُورَةِ الأنْعامِ.

واللّامُ في ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِفِعْلِ (قالُوا)، وهي غايَةٌ، ولَيْسَتْ بِعِلَّةٍ؛ لِأنَّهم لَمّا قالُوا ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ لَمْ يُرِيدُوا أنْ يَكُونَ قَوْلُهم سَبَبًا؛ لِأنْ يَحْمِلُوا أوْزارَ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم، فاللّامُ مُسْتَعْمَلَةٌ مَجازًا في العاقِبَةِ مِثْلُ ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] .

والتَّقْدِيرُ: قالُوا ذَلِكَ القَوْلَ كَحالِ مَن يُغْرِي عَلى ما يَجُرُّ إلَيْهِ زِيادَةُ الضُّرِّ إذْ حَمَلُوا بِذَلِكَ أوْزارَ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم زِيادَةً عَلى أوْزارِهِمْ.

والأوْزارُ: حَقِيقَتُها الأثْقالُ، جَمْعُ وِزْرٍ بِكَسْرِ الواوِ وسُكُونِ الزّايِ وهو الثِّقْلُ، واسْتُعْمِلَ في الجُرْمِ والذَّنْبِ؛ لِأنَّهُ يُثْقِلُ فاعِلَهُ عَنِ الخَلاصِ مِنَ الألَمِ والعَناءِ، فَأصْلُ ذَلِكَ اسْتِعارَةٌ بِتَشْبِيهِ الجُرْمِ والذَّنْبِ بِالوِزْرِ، وشاعَتْ هَذِهِ الِاسْتِعارَةُ، قالَ تَعالى ﴿وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣١] في سُورَةِ الأنْعامِ، كَما يُعَبِّرُ عَنِ الذُّنُوبِ بِالأثْقالِ قالَ تَعالى ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] .

وحَمْلُ الأوْزارِ تَمْثِيلٌ لِحالَةِ وُقُوعِهِمْ في تَبِعاتِ جَرائِمِهِمْ بِحالَةِ حامِلِ الثِّقْلِ لا يَسْتَطِيعُ تَفَصِّيًا مِنهُ، فَلَمّا شُبِّهَ الإثْمُ بِالثِّقْلِ فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ الوِزْرُ شُبِّهَ التَّوَرُّطُ في تَبِعاتِهِ بِحَمْلِ الثِّقْلِ عَلى طَرِيقَةِ التَّخْيِيلِيَّةِ، وحَصَلَ مِن الِاسْتِعارَتَيْنِ المُفَرَّقَتَيْنِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ لِلْهَيْئَةِ كُلِّها، وهَذا مِن أبْدَعِ التَّمْثِيلِ أنْ تَكُونَ الِاسْتِعارَةُ التَّمْثِيلِيَّةُ صالِحَةً لِلتَّفْرِيقِ إلى عِدَّةِ تَشابِيهَ أوِ اسْتِعاراتٍ.

وإضافَةُ الأوْزارِ إلى ضَمِيرِ هم لِأنَّهم مَصْدَرُها.

ووُصِفَتِ الأوْزارُ بِـ (كامِلَةً) تَحْقِيقًا لِوَفائِها وشِدَّةِ ثِقْلِها؛ لِيَسْرِيَ ذَلِكَ إلى شِدَّةِ ارْتِباكِهِمْ في تَبِعاتِها إذْ هو المَقْصُودُ مِن إضافَةِ الحَمْلِ إلى الأوْزارِ.

صفحة ١٣٣

و(مِن) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ حَرْفُ العَطْفِ وحَرْفُ الجَرِّ بَعْدَهُ إذْ لا بُدَّ لِحَرْفِ الجَرِّ مِن مُتَعَلِّقٍ، وتَقْدِيرُهُ: ويَحْمِلُوا، ومَفْعُولُ الفِعْلِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مَفْعُولُ نَظِيرِهِ، والتَّقْدِيرُ: ويَحْمِلُوا أوْزارًا ناشِئَةً عَنْ أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم، أيْ ناشِئَةً لَهم عَنْ تَسَبُّبِهِمْ في ضَلالِ المُضَلَّلِينَ (بِفَتْحِ اللّامِ)، فَإنَّ تَسَبُّبَهم في الضَّلالِ يَقْتَضِي مُساواةَ المُضَلَّلِ لِلضّالِّ في جَرِيمَةِ الضَّلالِ، إذْ لَوْلا إضْلالُهُ إيّاهُ لاهْتَدى بِنَظَرِهِ أوْ بِسُؤالِ النّاصِحِينَ، وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «ومَن دَعا إلى ضَلالَةٍ كانَ عَلَيْهِ مِنَ الإثْمِ مِثْلُ آثامِ مَن تَبِعَهُ لا يُنْقِصُ ذَلِكَ مِن آثامِهِمْ شَيْئًا» .

و(بِغَيْرِ عِلْمٍ) في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ النَّصْبِ في (يُضِلُّونَهم)، أيْ يُضِلُّونَ ناسًا غَيْرَ عالِمِينَ يَحْسَبُونَ إضْلالَهم نُصْحًا، والمَقْصُودُ مِن هَذا الحالِ تَفْظِيعُ التَّضْلِيلِ لا تَقْيِيدُهُ، فَإنَّ التَّضْلِيلَ لا يَكُونُ إلّا عَنْ عَدَمِ عِلْمٍ كُلًّا أوْ بَعْضًا.

وجُمْلَةُ ﴿ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ تَذْيِيلٌ، افْتُتِحَ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ اهْتِمامًا بِما تَتَضَمَّنُهُ لِلتَّحْذِيرِ مِنَ الوُقُوعِ فِيهِ أوْ لِلْإقْلاعِ عَنْهُ.

16:26Page 269

قَدۡ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنۡيَٰنَهُم مِّنَ ٱلۡقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيۡهِمُ ٱلسَّقۡفُ مِن فَوۡقِهِمۡ وَأَتَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ ٢٦

Those before them had already plotted, but Allāh came at [i.e., uprooted] their building from the foundations, so the roof fell upon them from above them,1 and the punishment came to them from where they did not perceive.

﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾

لَمّا ذَكَرَ عاقِبَةَ إضْلالِهِمْ وصَدِّهِمُ السّائِلِينَ عَنِ القُرْآنِ والإسْلامِ في الآخِرَةِ أتْبَعَ بِالتَّهْدِيدِ بِأنْ يَقَعَ لَهم ما وقَعَ فِيهِ أمْثالُهم في الدُّنْيا مِنَ الخِزْيِ والعَذابِ مَعَ التَّأْيِيسِ مِن أنْ يَبْلُغُوا بِصُنْعِهِمْ ذَلِكَ مَبْلَغَ مُرادِهِمْ، وأنَّهم خائِبُونَ في صُنْعِهِمْ كَما خابَ مِن قَبْلِهِمُ الَّذِينَ مَكَرُوا بِرُسُلِهِمْ.

ولَمّا كانَ جَوابُهُمُ السّائِلِينَ عَنِ القُرْآنِ بِقَوْلِهِمْ هو ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤] مُظْهِرِينَهُ بِمَظْهَرِ النَّصِيحَةِ والإرْشادِ، وهم يُرِيدُونَ الِاسْتِبْقاءَ عَلى كُفْرِهِمْ، سُمِّيَ ذَلِكَ

صفحة ١٣٤

مَكْرًا بِالمُؤْمِنِينَ، إذِ المَكْرُ إلْحاقُ الضُّرِّ بِالغَيْرِ في صُورَةِ تَمْوِيهِهِ بِالنُّصْحِ والنَّفْعِ، فَنُظِّرَ فِعْلُهم بِمَكْرِ مَن قَبْلَهم، أيْ مِنَ الأُمَمِ السّابِقَةِ الَّذِينَ مَكَرُوا بِغَيْرِهِمْ مِثْلُ قَوْمِ هُودٍ، وقَوْمِ صالِحٍ، وقَوْمِ لُوطٍ، وقَوْمِ فِرْعَوْنَ، قالَ تَعالى في قَوْمِ صالِحٍ ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا﴾ [النمل: ٥٠] الآيَةَ، وقالَ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وما يَمْكُرُونَ إلّا بِأنْفُسِهِمْ وما يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٣] .

فالتَّعْرِيفُ بِالمَوْصُولِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مُساوٍ لِلتَّعْرِيفِ بِلامِ الجِنْسِ.

ومَعْنى ﴿فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ﴾ اسْتِعارَةٌ بِتَشْبِيهِ القاصِدِ لِلِانْتِقامِ بِالجائِي نَحْوَ المُنْتَقَمِ مِنهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: ٢] .

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ﴾ تَمْثِيلٌ لِحالاتِ اسْتِئْصالِ الأُمَمِ، فالبُنْيانُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيِ المَبْنِيِّ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلْقُوَّةِ والعِزَّةِ والمَنَعَةِ وعُلُوِّ القَدْرِ.

وإطْلاقُ البِناءِ عَلى مِثْلِ هَذا وارِدٌ في فَصِيحِ الكَلامِ، قالَ عَبْدَةُ بْنُ الطَّبِيبِ:

فَما كانَ قَيْسٌ هُلْكُهُ هُلْكُ واحِدٍ ولَكِنَّهُ بُنْيانُ قَـوْمٍ تَـهَـدَّمَـا

وقالَتْ سُعْدَةُ أُمُّ الكُمَيْتِ بْنِ مَعْرُوفٍ:

بَنى لَكَ مَعْرُوفٌ بِناءً هَدَمْتَهُ ∗∗∗ ولِلشَّرَفِ العادِيِّ بانٍ وهادِمِ

ومِنَ القَواعِدِ مُتَعَلِّقٌ بِـ أتى، (ومِن) ابْتِدائِيَّةٌ، ومَجْرُورُها هو مَبْدَأُ الإتْيانِ الَّذِي هو بِمَعْنى الِاسْتِئْصالِ، فَهو في مَعْنى هَدْمِهِ.

والقَواعِدُ: الأُسُسُ والأساطِينُ الَّتِي تُجْعَلُ عُمُدًا لِلْبِناءِ يُقامُ عَلَيْها السَّقْفُ، وهو تَخْيِيلٌ أوْ تَرْشِيحٌ، إذْ لَيْسَ في الكَلامِ شَيْءٌ يُشَبَّهُ بِالقَواعِدِ.

والخُرُورُ: السُّقُوطُ والهُوِيُّ، فَفِعْلُ خَرَّ مُسْتَعارٌ لِزَوالِ ما بِهِ المَنَعَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ﴾ [الحشر: ٢] .

صفحة ١٣٥

والسَّقْفُ: حَقِيقَتُهُ غِطاءُ الفَراغِ الَّذِي بَيْنَ جُدْرانِ البَيْتِ، يُجْعَلُ عَلى الجُدْرانِ، وتَكُونُ مِن حَجَرٍ ومِن أعْوادٍ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِما اسْتُعِيرَ لَهُ البِناءُ.

ومِن فَوْقِهِمْ تَأْكِيدٌ لِجُمْلَةِ ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ﴾ .

ومِن مَجْمُوعِ هَذِهِ الِاسْتِعاراتِ تَتَرَكَّبُ الِاسْتِعارَةُ التَّمْثِيلِيَّةُ، وهي تَشْبِيهُ هَيْئَةِ القَوْمِ الَّذِينَ مَكَرُوا في المَنَعَةِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِسُرْعَةٍ وأزالَ تِلْكَ العِزَّةَ بِهَيْئَةِ قَوْمٍ أقامُوا بُنْيانًا عَظِيمًا ذا دَعائِمَ وآوَوْا إلَيْهِ، فاسْتَأْصَلَهُ اللَّهُ مِن قَواعِدِهِ فَخَرَّ سَقْفُ البِناءِ دُفْعَةً عَلى أصْحابِهِ؛ فَهَلَكُوا جَمِيعًا، فَهَذا مِن إبْداعِ التَّمْثِيلِيَّةِ؛ لِأنَّها تَنْحَلُّ إلى عِدَّةِ اسْتِعاراتٍ.

وجُمْلَةُ ﴿وأتاهُمُ العَذابُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ﴾، و(ألْ) في العَذابِ لِلْعَهْدِ فَهي مُفِيدَةٌ مَضْمُونَ قَوْلِهِ مِن فَوْقِهِمْ مَعَ زِيادَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾، فَبِاعْتِبارِ هَذِهِ الزِّيادَةِ ورَدَتْ مَعْطُوفَةً لِحُصُولِ المُغايَرَةِ وإلّا فَإنَّ شَأْنَ المُؤَكَّدَةِ أنْ لا تُعْطَفَ، والمَعْنى: أنَّ العَذابَ المَذْكُورَ حَلَّ بِهِمْ بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ فَإنَّ الأخْذَ فَجْأةً أشَدُّ نِكايَةً لِما يَصْحَبُهُ مِنَ الرُّعْبِ الشَّدِيدِ بِخِلافِ الشَّيْءِ الوارِدِ تَدْرِيجًا فَإنَّ النَّفْسَ تَتَلَقّاهُ بِصَبْرٍ.

16:27Page 270

ثُمَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يُخۡزِيهِمۡ وَيَقُولُ أَيۡنَ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمۡ تُشَٰٓقُّونَ فِيهِمۡۚ قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ إِنَّ ٱلۡخِزۡيَ ٱلۡيَوۡمَ وَٱلسُّوٓءَ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٧

Then on the Day of Resurrection He will disgrace them and say, "Where are My 'partners' for whom you used to oppose [the believers]?" Those who were given knowledge will say, "Indeed disgrace, this Day, and evil are upon the disbelievers" -

﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يُخْزِيهِمْ ويَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونِ فِيهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [النحل: ٢٥]؛ لِأنَّ ذَلِكَ وعِيدٌ لَهم وهَذا تَكْمِلَةٌ لَهُ.

وضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ تَعالى يُخْزِيهِمْ عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِاللّامِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ [النحل: ٢٤]، وذَلِكَ عائِدٌ إلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ.

صفحة ١٣٦

و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتَبِيِّ، فَإنَّ خِزْيَ الآخِرَةِ أعْظَمُ مِنَ اسْتِئْصالِ نَعِيمِ الدُّنْيا.

والخِزْيُ: الإهانَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَما جَزاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكم إلّا خِزْيٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [البقرة: ٨٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلِاهْتِمامِ بِيَوْمِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ يَوْمُ الأحْوالِ الأبَدِيَّةِ فَما فِيهِ مِنَ العَذابِ مُهَوِّلٌ لِلسّامِعِينَ.

و(أيْنَ) لِلِاسْتِفْهامِ عَنِ المَكانِ، وهو يَقْتَضِي العِلْمَ بِوُجُودِ مَن يَحُلُّ في المَكانِ، ولَمّا كانَ المَقامُ هُنا مَقامَ تَهَكُّمٍ كانَ الِاسْتِفْهامُ عَنِ المَكانِ مُسْتَعْمَلًا في التَّهَكُّمِ؛ لِيَظْهَرَ لَهم كالطَّماعِيَةِ لِلْبَحْثِ عَنْ آلِهَتِهِمْ، وهم عَلِمُوا أنْ لا وُجُودَ لَهم ولا مَكانَ لِحُلُولِهِمْ.

وإضافَةُ الشُّرَكاءِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ زِيادَةٌ في التَّوْبِيخِ؛ لِأنَّ مَظْهَرَ عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى يَوْمَئِذٍ لِلْعَيانِ يُنافِي أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ، فالمُخاطَبُونَ عالِمُونَ حِينَئِذٍ بِتَعَذُّرِ المُشارَكَةِ.

والمَوْصُولُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونَ فِيهِمْ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى ضَلالِهِمْ وخَطَئِهِمْ في ادِّعاءِ المُشارَكَةِ مِثْلُ الَّذِي في قَوْلِ عَبْدَةَ:

إنَّ الَّذِينَ تَرَوْنَـهُـمْ إخْـوانَـكُـمْ يَشْفِي غَلِيلَ صُدُورِهِمْ أنْ تُصْرَعُوا

والمُشاقَّةُ: المُشادَّةُ في الخُصُومَةِ، كَأنَّها خُصُومَةٌ لا سَبِيلَ مَعَها إلى الوِفاقِ، إذْ قَدْ صارَ كُلُّ خَصْمٍ في شِقٍّ غَيْرِ شَقِّ الآخَرِ.

وقَرَأ نافِعٌ (تُشاقُّونِ) بِكَسْرِ النُّونِ عَلى حَذْفِ ياءِ المُتَكَلِّمِ، أيْ تُعانِدُونَنِي، وذَلِكَ بِإنْكارِهِمْ ما أمَرَهُمُ اللَّهُ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ، وقَرَأ البَقِيَّةُ تُشاقُّونَ بِفَتْحِ النُّونِ وحَذْفِ المَفْعُولِ لِلْعِلْمِ، أيْ تُعانِدُونَ مَن يَدْعُوكم إلى التَّوْحِيدِ.

و(في) لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ مَعَ حَذْفِ مُضافٍ، إذِ المُشاقَّةُ لا تَكُونُ في الذَّواتِ بَلْ في المَعانِي، والتَّقْدِيرُ: في إلَهِيَّتِهِمْ أوْ في شَأْنِهِمْ.

* * *

صفحة ١٣٧

﴿قالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُّوءَ عَلى الكافِرِينَ﴾ جُمْلَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ حَكَتْ قَوْلَ أفاضِلِ الخَلائِقِ حِينَ يَسْمَعُونَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى عَلى لِسانِ مَلائِكَةِ العَذابِ: ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونَ فِيهِمْ﴾ .

وجِيءَ بِجُمْلَةِ ﴿قالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ غَيْرَ مَعْطُوفَةٍ؛ لِأنَّها واقِعَةٌ مَوْقِعَ الجَوابِ لِقَوْلِهِ أيْنَ شُرَكائِيَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ابْتَدَرُوا الجَوابَ - لَمّا وجَمَ المُشْرِكُونَ - فَلَمْ يُحِيرُوا جَوابًا، فَأجابَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ جَوابًا جامِعًا لِنَفْيِ أنْ يَكُونَ الشُّرَكاءُ المَزْعُومُونَ مُغْنِينَ عَنِ الَّذِينَ أشْرَكُوا شَيْئًا، وأنَّ الخِزْيَ والسُّوءَ أحاطا بِالكافِرِينَ.

والتَّعْبِيرُ بِالمُضِيِّ لِتَحْقِيقِ وُقُوعِ القَوْلِ.

والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ هُمُ الَّذِينَ آتاهُمُ اللَّهُ عِلْمَ الحَقائِقِ مِنَ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والمُؤْمِنُونَ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ [الروم: ٥٦]، أيْ يَقُولُونَ في ذَلِكَ المَوْقِفِ مِن جَرّاءِ ما يُشاهِدُوا مِن مُهَيَّأِ العَذابِ لِلْكافِرِينَ كَلامًا يَدُلُّ عَلى حَصْرِ الخِزْيِ والضُّرِّ يَوْمَ القِيامَةِ في الكَوْنِ عَلى الكافِرِينَ، وهو قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ المُعَرَّفُ بِلامِ الجِنْسِ عَلى حَدِّ النِّهايَةِ في جِنْسِهِ حَتّى كَأنَّ غَيْرَهُ مِن جِنْسِهِ لَيْسَ مِن ذَلِكَ الجِنْسِ.

وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ، وبِصِيغَةِ القَصْرِ والإتْيانِ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ الدّالِّ عَلى تَمَكُّنِ الخِزْيِ والسُّوءِ مِنهم يُفِيدُ مَعْنى التَّعَجُّبِ مِن هَوْلِ ما أُعِدَّ لَهم.

16:28–29Page 270

ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡۖ فَأَلۡقَوُاْ ٱلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعۡمَلُ مِن سُوٓءِۭۚ بَلَىٰٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٢٨

The ones whom the angels take in death [while] wronging themselves,1 and [who] then offer submission, [saying], "We were not doing any evil." But, yes! Indeed, Allāh is Knowing of what you used to do.

فَٱدۡخُلُوٓاْ أَبۡوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ فَلَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلۡمُتَكَبِّرِينَ ٢٩

So enter the gates of Hell to abide eternally therein, and how wretched is the residence of the arrogant.

صفحة ١٣٨

﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ فَألْقَوُا السَّلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلى إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ القَرِينَةُ ظاهِرَةٌ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ لَيْسَتْ مِن مَقُولِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ يَوْمَ القِيامَةِ، إذْ لا مُناسَبَةَ؛ لِأنْ يُعَرَّفَ الكافِرُونَ يَوْمَ القِيامَةِ بِأنَّهُمُ الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ، فَإنَّ صِيغَةَ المُضارِعِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ قَرِيبَةٌ مِنَ الصَّرِيحِ في أنَّ هَذا التَّوَفِّيَ مَحْكِيٌّ في حالِ حُصُولِهِ وهم يَوْمَ القِيامَةِ مَضَتْ وفاتُهم، ولا فائِدَةَ أُخْرى في ذِكْرِ تِلْكَ يَوْمَئِذٍ، فالوَجْهُ أنْ يَكُونَ هَذا كَلامًا مُسْتَأْنَفًا.

وعَنْ عِكْرِمَةَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِالمَدِينَةِ في قَوْمٍ أسْلَمُوا بِمَكَّةَ، ولَمْ يُهاجِرُوا فَأخْرَجَهم قُرَيْشٌ إلى بَدْرٍ كُرْهًا فَقُتِلُوا بِبَدْرٍ.

فالوَجْهُ أنَّ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ [النحل: ٣٢] بَدَلٌ مِنَ (الَّذِينَ) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ [النحل: ٢٢] أوْ صِفَةٌ لَهم، كَما يُومِئُ إلَيْهِ وصْفُهم في آخِرِ الآيَةِ بِالمُتَكَبِّرِينَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾، فَهُمُ الَّذِينَ وُصِفُوا فِيما قَبْلُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٢٢]، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، وإنْ أبَيْتَ ذَلِكَ لِبُعْدِ ما بَيْنَ المَتْبُوعِ والتّابِعِ فاجْعَلِ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ [النحل: ٣٢] خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: هُمُ الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ.

وحَذْفُ المُسْنَدِ إلَيْهِ جارٍ عَلى الِاسْتِعْمالِ في أمْثالِهِ مِن كُلِّ مُسْنَدٍ إلَيْهِ جَرى فِيما سَلَفَ مِنَ الكَلامِ، أُخْبِرَ عَنْهُ، وحُدِّثَ عَنْ شَأْنِهِ، وهو ما يُعْرَفُ عِنْدَ السَّكّاكِيِّ بِالحَذْفِ المُتَّبَعُ فِيهِ الِاسْتِعْمالُ، ويُقابِلُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى فِيما يَأْتِي ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٢] فَإنَّهُ صِفَةٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا فَهَذِهِ نَظِيرُهُ.

والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الصِّلَةِ وصْفُ حالَةِ الَّذِينَ يَمُوتُونَ عَلى الشِّرْكِ، فَبَعْدَ أنْ ذَكَرَ حالَ حُلُولِ العَذابِ بِمَن حَلَّ بِهِمْ الِاسْتِئْصالُ وما يَحِلُّ بِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ

صفحة ١٣٩

ذُكِرَتْ حالَةُ وفاتِهِمُ الَّتِي هي بَيْنَ حالَيِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهي حالٌ تَعْرِضُ لِجَمِيعِهِمْ سَواءٌ مِنهم مَن أدْرَكَهُ الِاسْتِئْصالُ ومَن هَلَكَ قَبْلَ ذَلِكَ.

وأطْبَقَ مَن تَصَدّى لِرَبْطِهِ بِما قَبْلَهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ، عَلى جَعْلِ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ الآيَةَ بَدَلًا مِنَ الكافِرِينَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُّوءَ عَلى الكافِرِينَ﴾ [النحل: ٢٧]، أوْ صِفَةً لَهُ، وسَكَتَ عَنْهُ صاحِبُ الكَشّافِ (وهو سُكُوتٌ مِن ذَهَبٍ) . وقالَ الخَفاجِيُّ: وهو يَصِحُّ فِيهِ أنْ يَكُونَ مَقُولًا لِلْقَوْلِ، وغَيْرَ مُنْدَرِجٍ تَحْتَهُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) مُرْتَفِعًا بِالِابْتِداءِ مُنْقَطِعًا مِمّا قَبْلَهُ وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ ﴿فَألْقَوُا السَّلَمَ﴾ اهـ.

واقْتِرانُ الفِعْلِ بِتاءِ المُضارَعَةِ الَّتِي لِلْمُؤَنَّثِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِاعْتِبارِ إسْنادِهِ إلى الجَماعَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وخَلَفٌ (يَتَوَفّاهم) بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الأصْلِ.

وظُلْمُ النَّفْسِ: الشِّرْكُ.

والإلْقاءُ: مُسْتَعارٌ إلى الإظْهارِ المُقْتَرِنِ بِمَذَلَّةٍ، شُبِّهَ بِإلْقاءِ السِّلاحِ عَلى الأرْضِ، ذَلِكَ أنَّهم تَرَكُوا اسْتِكْبارَهم وإنْكارَهم وأسْرَعُوا إلى الِاعْتِرافِ والخُضُوعِ لَمّا ذاقُوا عَذابَ انْتِزاعِ أرْواحِهِمْ.

والسَّلَمُ: بِفَتْحِ السِّينِ وفَتْحِ اللّامِ الِاسْتِسْلامُ، وتَقَدَّمَ الإلْقاءُ والسَّلَمُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وألْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ [النساء: ٩٠] في سُورَةِ النِّساءِ، وتَقَدَّمَ الإلْقاءُ الحَقِيقِيُّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ﴾ [النحل: ١٥] في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ.

ووَصْفُهم بِـ ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ يَرْمِي إلى أنَّ تَوَفِّيَ المَلائِكَةِ إيّاهم مُلابِسٌ لِغِلْظَةٍ وتَعْذِيبٍ، قالَ تَعالى ﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٠]

وجُمْلَةُ ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ألْقَوُا السَّلَمَ؛ لِأنَّ إلْقاءَ السَّلَمِ أوَّلُ مَظاهِرِهِ القَوْلُ الدّالُّ عَلى الخُضُوعِ، يَقُولُونَ ذَلِكَ لِلْمَلائِكَةِ الَّذِينَ يَنْتَزِعُونَ أرْواحَهم لِيَكُفُّوا عَنْهم تَعْذِيبَ الِانْتِزاعِ، وهم مِنَ

صفحة ١٤٠

اضْطِرابِ عُقُولِهِمْ يَحْسَبُونَ المَلائِكَةَ إنَّما يُجَرِّبُونَهم بِالعَذابِ لِيَطَّلِعُوا عَلى دَخِيلَةِ أمْرِهِمْ، فَيَحْسَبُونَ أنَّهم إنْ كَذَبُوهم راجَ كَذِبُهم عَلى المَلائِكَةِ فَكَفُّوا عَنْهُمُ العَذابَ، لِذَلِكَ جَحَدُوا أنْ يَكُونُوا يَعْمَلُونَ سُوءًا مِن قَبْلُ.

ولِذَلِكَ فَجُمْلَةُ ﴿بَلى إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ جَوابُ المَلائِكَةِ لَهم، ولِذَلِكَ افْتُتِحَتْ بِالحَرْفِ الَّذِي يَبْطُلُ بِهِ النَّفْيُ وهو (بَلى)، وقَدْ جَعَلُوا عِلْمَ اللَّهِ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ كِنايَةً عَنْ تَكْذِيبِهِمْ في قَوْلِهِمْ ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾، وكِنايَةً عَلى أنَّهم ما عامَلُوهم بِالعَذابِ إلّا بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى العالِمِ بِهِمْ.

وأسْنَدُوا العِلْمَ إلى اللَّهِ دُونَ أنْ يَقُولُوا: إنّا نَعْلَمُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، أدَبًا مَعَ اللَّهِ، وإشْعارًا بِأنَّهم ما عَلِمُوا ذَلِكَ إلّا بِتَعْلِيمٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى.

وتَفْرِيعُ ﴿فادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾ عَلى إبْطالِ نَفْيِهِمْ عَمَلَ السُّوءِ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ إثْباتَ كَوْنِهِمْ كانُوا يَعْمَلُونَ السُّوءَ يَقْتَضِي اسْتِحْقاقَهُمُ العَذابَ، وذَلِكَ عِنْدَما كُشِفَ لَهم عَنْ مَقَرِّهِمُ الأخِيرِ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: «القَبْرُ رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ أوْ حُفْرَةٌ مِن حُفَرِ النّارِ»، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهم وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [الأنفال: ٥٠] .

وجُمْلَةُ ﴿فَلَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ تَذْيِيلٌ، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حِكايَةَ كَلامِ المَلائِكَةِ، والأظْهَرُ أنَّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ الحِكايَةِ لا مِنَ المَحْكِيِّ، ووَصْفُهم بِالمُتَكَبِّرِينَ يُرَجِّحُ ذَلِكَ، فَإنَّهُ لِرَبْطِ هَذِهِ الصِّفَةِ بِالمَوْصُوفِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٢٢]، واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى بِئْسَ لامُ القَسَمِ.

والمَثْوى: المَرْجِعُ، مِن (ثَوى) إذا رَجَعَ، أوِ المَقامُ مِن ثَوى إذا أقامَ وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ النّارُ مَثْواكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢٨] في سُورَةِ الأنْعامِ.

ولَمْ يُعَبِّرْ عَنْ جَهَنَّمَ بِالدّارِ كَما عَبَّرَ عَنِ الجَنَّةِ فِيما يَأْتِي بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠] تَحْقِيرًا لَهم، وأنَّهم لَيْسُوا في جَهَنَّمَ بِمَنزِلَةِ أهْلِ الدّارِ بَلْ هم مُتَراصُّونَ في النّارِ وهم في مَثْوًى، أيْ مَحَلٍّ ثَواءٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском