Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
An-Nahl 16:30–37
16:30–31Page 270
۞ وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمۡۚ قَالُواْ خَيۡرٗاۗ لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٞۚ وَلَدَارُ ٱلۡأٓخِرَةِ خَيۡرٞۚ وَلَنِعۡمَ دَارُ ٱلۡمُتَّقِينَ ٣٠
And it will be said to those who feared Allāh, "What did your Lord send down?" They will say, "[That which is] good." For those who do good in this world is good; and the home of the Hereafter is better. And how excellent is the home of the righteous -
جَنَّٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ لَهُمۡ فِيهَا مَا يَشَآءُونَۚ كَذَٰلِكَ يَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلۡمُتَّقِينَ ٣١
Gardens of perpetual residence, which they will enter, beneath which rivers flow. They will have therein whatever they wish. Thus does Allāh reward the righteous -
صفحة ١٤١
﴿وقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا﴾
لَمّا افْتُتِحَتْ صِفَةُ سَيِّئاتِ الكافِرِينَ وعَواقِبِها بِأنَّهم إذا قِيلَ لَهم ﴿ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ قالُوا ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤]، جاءَتْ هُنا مُقابَلَةُ حالِهِمْ بِحالِ حَسَناتِ المُؤْمِنِينَ، وحُسْنِ عَواقِبِها، فافْتُتِحَ ذَلِكَ بِمُقابِلِ ما افْتُتِحَتْ بِهِ قِصَّةُ الكافِرِينَ، فَجاءَ النَّظِيرُ بَيْنَ القِصَّتَيْنِ في أبْدَعِ نَظْمٍ.
وهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها، وهي مُعْتَرِضَةٌ في خِلالِ أحْوالِ المُشْرِكِينَ اسْتِطْرادًا، ولَمْ تَقْتَرِنْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِأداةِ الشَّرْطِ كَما قُرِنَتْ مُقابِلَتُها بِها ﴿وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ [النحل: ٢٤]؛ لِأنَّ قَوْلَهم ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤] لَمّا كانَ كَذِبًا اخْتَلَقُوهُ كانَ مَظِنَّةَ أنْ يُقْلِعَ عَنْهُ قائِلُهُ وأنْ يَرْعَوِيَ إلى الحَقِّ، وأنْ لا يُجْمِعَ عَلَيْهِ القائِلُونَ، قُرِنَ بِأداةِ الشَّرْطِ المُقْتَضِيَةِ تَكَرُّرَ ذَلِكَ لِلدَّلالَةِ عَلى إصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ، بِخِلافِ ما هُنا فَإنَّ الصِّدْقَ مَظَنَّةُ اسْتِمْرارِ قائِلِهِ عَلَيْهِ فَلَيْسَ بِحاجَةٍ إلى التَّنْبِيهِ عَلى تَكْرارٍ مِنهُ.
والَّذِينَ اتَّقَوْا: هُمُ المُؤْمِنُونَ؛ لِأنَّ الإيمانَ تَقْوى اللَّهِ وخَشْيَةُ غَضَبِهِ، والمُرادُ بِهِمُ المُؤْمِنُونَ المَعْهُودُونَ في مَكَّةَ، فالمَوْصُولُ لِلْعَهْدِ.
والمَعْنى أنَّ المُؤْمِنِينَ سُئِلُوا عَنِ القُرْآنِ، ومَن جاءَ بِهِ، فَأرْشَدُوا السّائِلِينَ، ولَمْ يَتَرَدَّدُوا في الكَشْفِ عَنْ حَقِيقَةِ القُرْآنِ بِأوْجَزِ بَيانٍ وأجْمَعِهِ، وهو كَلِمَةُ (خَيْرًا) المَنصُوبَةُ، فَإنَّ لَفْظَها شامِلٌ لِكُلِّ خَيْرٍ في الدُّنْيا، وكُلِّ خَيْرٍ في الآخِرَةِ، ونَصْبُها دالٌّ عَلى أنَّهم جَعَلُوها مَعْمُولَةً لِـ (أنْزَلَ) الواقِعُ في سُؤالِ السّائِلِينَ، فَدَلَّ النَّصْبُ عَلى أنَّهم مُصَدِّقُونَ بِأنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وهَذا وجْهُ المُخالَفَةِ بَيْنَ الرَّفْعِ في جَوابِ المُشْرِكِينَ حِينَ قِيلَ لَهم ﴿ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤] بِالرَّفْعِ وبَيْنَ النَّصْبِ في كَلامِ المُؤْمِنِينَ حِينَ قِيلَ لَهم ﴿ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا﴾ بِالنَّصْبِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤] .
* * *
صفحة ١٤٢
﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾
مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ، وهي كَلامٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى مِثْلُ نَظِيرِها في آيَةِ ﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ﴾ [الزمر: ١٠] في سُورَةِ الزُّمَرِ، ولَيْسَتْ مِن حِكايَةِ قَوْلِ الَّذِينَ اتَّقَوْا.
والَّذِينَ أحْسَنُوا: هُمُ المُتَّقُونَ، فَهو مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ تَوْصِيلًا بِالإتْيانِ بِالمَوْصُولِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ، أيْ جَزاؤُهم حَسَنَةٌ؛ لِأنَّهم أحْسَنُوا.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيا﴾ [الأعراف: ١٥٦] يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِفِعْلِ (أحْسَنُوا)، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا حالًا مِن (حَسَنَةٌ)، وانْظُرْ ما يَأْتِي في نَظَرِ هَذِهِ الآيَةِ مِن سُورَةِ الزُّمَرِ مِن نُكْتَةِ التَّوَسُّطِ.
ومَعْنى ﴿ولَدارُ الآخِرَةِ﴾ أنَّها خَيْرٌ لَهم مِنَ الدُّنْيا فَإذا كانَتْ لَهم في الدُّنْيا حَسَنَةٌ فَلَهم في الآخِرَةِ أحْسَنُ، فَكَما كانَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا عَذابُ الدُّنْيا، وعَذابُ جَهَنَّمَ كانَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا خَيْرُ الدُّنْيا وخَيْرُ الآخِرَةِ، فَهَذا مُقابِلُ قَوْلِهِ تَعالى في حَقِّ المُشْرِكِينَ ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً﴾ [النحل: ٢٥]، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: ٢٦] .
وحَسَنَةُ الدُّنْيا هي الحَياةُ الطَّيِّبَةُ، وما فَتَحَ اللَّهُ لَهم مِن زَهْرَةِ الدُّنْيا مَعَ نِعْمَةِ الإيمانِ، وخَيْرُ الآخِرَةِ هو النَّعِيمُ الدّائِمُ، قالَ تَعالى ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا
صفحة ١٤٣
مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] .
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها﴾ مُقابِلُ قَوْلِهِ تَعالى في ضِدِّهِمْ ﴿فادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ [النحل: ٢٩] .
وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا وجْهُ تَسْمِيَةِ جَهَنَّمَ مَثْوًى والجَنَّةِ دارًا.
و(نِعْمَ) فِعْلُ مَدْحٍ غَيْرُ مُتَصَرِّفٍ، ومَرْفُوعُهُ فاعِلٌ دالٌّ عَلى جِنْسِ المَمْدُوحِ، ويُذْكَرُ بَعْدَهُ مَرْفُوعٌ آخَرُ يُسَمّى المَخْصُوصُ بِالمَدْحِ، وهو مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أوْ خَبَرٌ مَحْذُوفُ المُبْتَدَأِ، فَإذا تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلى المَخْصُوصِ بِالمَدْحِ لَمْ يُذْكَرْ بَعْدَ ذَلِكَ كَما هُنا، فَإنَّ تَقَدُّمَ ﴿ولَدارُ الآخِرَةِ﴾ دَلَّ عَلى أنَّ المَخْصُوصَ بِالمَدْحِ هو دارُ الآخِرَةِ، والمَعْنى: ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ دارُ الآخِرَةِ.
وارْتَفَعَ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ مِمّا حُذِفَ فِيهِ المُسْنَدُ إلَيْهِ جَرْيًا عَلى الِاسْتِعْمالِ في مُسْنَدٍ إلَيْهِ جَرى كَلامٌ عَلَيْهِ مِن قَبْلُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ [النحل: ٢٨]، والتَّقْدِيرُ: هي جَنّاتُ عَدْنٍ، أيْ دارُ المُتَّقِينَ جَنّاتُ عَدْنٍ.
وجُمْلَةُ (يَدْخُلُونَها) حالٌ مِنَ المُتَّقِينَ. والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِهِ اسْتِحْضارُ تِلْكَ الحالَةِ البَدِيعَةِ حالَةِ دُخُولِهِمْ لِدارِ الخَيْرِ والحُسْنى والجَنّاتِ.
وجُمْلَةُ ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ﴾ حالُ ضَمِيرٍ مِن ضَمِيرِ الرَّفْعِ في (يَدْخُلُونَها)، ومَضْمُونُها مُكَمِّلٌ لِما في جُمْلَةِ (يَدْخُلُونَها) مِنَ اسْتِحْضارِ الحالَةِ البَدِيعَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، والإتْيانُ بِاسْمِ الإشارَةِ؛ لِتَمْيِيزِ الجَزاءِ والتَّنْوِيهِ بِهِ، وجَعْلِ الجَزاءِ لِتَمْيِيزِهِ وكَمالِهِ بِحَيْثُ يُشَبَّهُ بِهِ جَزاءُ المُتَّقِينَ، والتَّقْدِيرُ: يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ جَزاءً كَذَلِكَ الجَزاءِ الَّذِي عَلِمْتُمُوهُ، وهو تَذْيِيلٌ؛ لِأنَّ التَّعْرِيفَ في المُتَّقِينَ لِلْعُمُومِ.
16:32Page 270
ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمُ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٣٢
The ones whom the angels take in death, [being] good and pure; [the angels] will say, "Peace be upon you. Enter Paradise for what you used to do."
صفحة ١٤٤
﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
مُقابِلُ قَوْلِهِ في أضْدادِهِمْ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ [النحل: ٢٨]، فَما قِيلَ في مُقابِلِهِ يُقالُ فِيهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ تَتَوَفّاهُمُ بِفَوْقِيَّتَيْنِ، مِثْلُ نَظِيرِهِ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ وخَلَفٌ بِتَحْتِيَّةٍ أُولى كَذَلِكَ.
والطَّيِّبُ: بِزِنَةِ فَيْعِلَ، مِثْلُ قَيِّمٍ ومَيِّتٍ، وهو مُبالَغَةٌ في الِاتِّصافِ بِالطِّيبِ، وهو حُسْنُ الرّائِحَةِ، ويُطْلَقُ عَلى مَحاسِنِ الأخْلاقِ وكَمالِ النَّفْسِ عَلى وجْهِ المَجازِ المَشْهُورِ فَتُوصَفُ بِهِ المَحْسُوساتُ كَقَوْلِهِ تَعالى حَلالًا طَيِّبًا والمَعانِي والنَّفْسِيّاتُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ﴾ [الزمر: ٧٣]، وقَوْلِهِمْ: طِبْتَ نَفْسًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ٥٨]، وفي الحَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلّا طَيِّبًا» أيْ مالًا طَيِّبًا حَلالًا.
فَقَوْلُهُ تَعالى هُنا طَيِّبِينَ يَجْمَعُ كُلَّ هَذِهِ المَعانِي، أيْ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ مُنَزَّهِينَ مِنَ الشِّرْكِ مُطْمَئِنِّي النُّفُوسِ، وهَذا مُقابِلُ قَوْلِهِ في أضْدادِهِمُ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ [النحل: ٢٨] .
وجُمْلَةُ ﴿يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ﴾ حالٌ مِنَ المَلائِكَةِ وهي حالُ مُقارَنَةٍ لِـ (تَتَوَفّاهم)، أيْ يَتَوَفَّوْنَهم مُسَلِّمِينَ عَلَيْهِمْ، وهو سَلامُ تَأْنِيسٍ وإكْرامٍ حِينَ مَجِيئِهِمْ لِيَتَوَفَّوْهم،؛ لِأنَّ فِعْلَ (تَتَوَفّاهم) يَبْتَدِئُ مِن وقْتِ حُلُولِ المَلائِكَةِ إلى أنْ تُنْتَزَعَ الأرْواحُ، وهي حِصَّةٌ قَصِيرَةٌ.
وقَوْلُهُمُ ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وهو مُقابِلُ قَوْلِهِمْ لِأضْدادِهِمْ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٢٨] ﴿فادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾ [النحل: ٢٩] . والقَوْلُ في الأمْرِ بِالدُّخُولِ لِلْجَنَّةِ حِينَ التَّوَفِّي كالقَوْلِ في ضِدِّهِ المُتَقَدِّمِ آنِفًا، وهو هُنا نَعِيمُ المُكاشَفَةِ.
16:33–34Page 270
هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأۡتِيَهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَوۡ يَأۡتِيَ أَمۡرُ رَبِّكَۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٣٣
Do they [i.e., the disbelievers] await except that the angels should come to them or there comes the command of your Lord? Thus did those do before them. And Allāh wronged them not, but they had been wronging themselves.
فَأَصَابَهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٣٤
So they were struck by the evil consequences of what they did and were enveloped by what they used to ridicule.
صفحة ١٤٥
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ جُمْلَةِ ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦]؛ لِأنَّها تُثِيرُ سُؤالَ مَن يَسْألُ عَنْ إبّانِ حُلُولِ العَذابِ عَلى هَؤُلاءِ كَما حَلَّ بِالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، فَقِيلَ: ما يَنْظُرُونَ إلّا أحَدَ أمْرَيْنِ هُما مَجِيءُ المَلائِكَةِ لَقَبْضِ أرْواحِهِمْ فَيَحِقُّ عَلَيْهِمُ الوَعِيدُ المُتَقَدِّمُ، أوْ أنْ يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ، والمُرادُ بِهِ الِاسْتِئْصالُ المُعَرَّضُ بِالتَّهْدِيدِ في قَوْلِهِ ﴿فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ﴾ [النحل: ٢٦] .
والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ في مَعْنى النَّفْيِ؛ ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ الِاسْتِثْناءُ.
و(يَنْظُرُونَ) هُنا بِمَعْنى الِانْتِظارِ وهو النِّظَرَةُ، والكَلامُ مُوَجَّهٌ إلى النَّبِيءِ ﷺ تَذْكِيرًا بِتَحْقِيقِ الوَعِيدِ وعَدَمِ اسْتِبْطائِهِ، وتَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ بِالتَّحْذِيرِ مِنَ اغْتِرارِهِمْ بِتَأخُّرِ الوَعِيدِ، وحَثًّا لَهم عَلى المُبادَرَةِ بِالإيمانِ.
وإسْنادُ الِانْتِظارِ المَذْكُورِ إلَيْهِمْ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ بِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ مَن يَنْتَظِرُ أحَدَ الأمْرَيْنِ؛ لِأنَّ حالَهم مِنَ الإعْراضِ عَنِ الوَعِيدِ وعَدَمِ التَّفَكُّرِ في دَلائِلِ صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ مَعَ ظُهُورِ تِلْكَ الدَّلائِلِ وإفادَتِها التَّحَقُّقَ كَحالِ مَن أيْقَنَ حُلُولَ أحَدِ الأمْرَيْنِ بِهِ فَهو يَتَرَقَّبُ أحَدَهُما، كَما تَقُولُ لِمَن لا يَأْخُذُ حَذَرَهُ مِنَ العَدُوِّ: ما تَتَرَقَّبُ إلّا أنْ تَقَعَ أسِيرًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ﴾ [يونس: ١٠٢] وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ وما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ﴾ [القصص: ١٩]، وهَذا قَرِيبٌ مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ وما هو بِذَلِكَ.
صفحة ١٤٦
وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النحل: ٣٥] تَنْظِيرٌ بِأحْوالِ الأُمَمِ الماضِيَةِ تَحْقِيقًا لِلْغَرَضَيْنِ.
والإشارَةُ إلى الِانْتِظارِ المَأْخُوذِ مِن (يَنْظُرُونَ) المُرادُ مِنهُ الإعْراضُ والإبْطاءُ، أيْ كَإبْطائِهِمْ فِعْلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، أنْ يَأْخُذَهُمُ العَذابُ بَغْتَةً كَما أخَذَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، وهَذا التَّحْذِيرُ لَهم وقَدْ رَفَعَ اللَّهُ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ عَنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِبَرَكَتِهِ ولِإرادَتِهِ انْتِشارَ دِينِهِ.
و﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النحل: ٣٥] هُمُ المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦] .
وجُمْلَةُ ﴿وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النحل: ٣٥] وجُمْلَةِ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾ .
ووَجْهُ هَذا الِاعْتِراضِ أنَّ التَّعَرُّضَ إلى ما فَعَلَهُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ يُشِيرُ إلى ما كانَ مِن عاقِبَتِهِمْ، وهو اسْتِئْصالُهم، فَعُقِّبَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾، أيْ فِيما أصابَهم.
ولَمّا كانَ هَذا الِاعْتِراضُ مُشْتَمِلًا عَلى أنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم صارَ تَفْرِيعُ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾ عَلَيْهِ أوْ عَلى ما قَبْلَهُ، وهو أُسْلُوبٌ مِن نَظْمِ الكَلامِ عَزِيزٌ، وتَقْدِيرُ أصْلِهِ: كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وظَلَمُوا أنْفُسَهم فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ، فَفي تَغْيِيرِ الأُسْلُوبِ المُتَعارَفِ تَشْوِيقٌ إلى الخَبَرِ، وتَهْوِيلٌ لَهُ بِأنَّهُ ظُلْمُ أنْفُسِهِمْ، وأنَّ اللَّهَ لَمْ يَظْلِمْهم، فَيَتَرَقَّبُ السّامِعُ خَبَرًا مُفْظِعًا، وهو ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾ .
وإصابَةُ السَّيِّئاتِ إمّا بِتَقْدِيرٍ مُضافٍ، أيْ أصابَهم جَزاؤُها، أوْ جُعِلَتْ أعْمالُهُمُ السَّيِّئَةُ كَأنَّها هي الَّتِي أصابَتْهم؛ لِأنَّها سَبَبُ ما أصابَهم، فَهو مَجازٌ عَقْلِيٌّ.
وحاقَ: أحاطَ، والحَيْقُ: الإحاطَةُ، ثُمَّ خَصَّ الِاسْتِعْمالُ الحَيْقَ بِإحاطَةِ الشَّرِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام: ١٠] في أوائِلِ سُورَةِ الأنْعامِ.
صفحة ١٤٧
و(ما) مَوْصُولَةٌ، ماصَدَقُها العَذابُ المُتَوَعَّدُونَ بِهِ، والباءُ في (بِهِ) لِلسَّبَبِيَّةِ، وهو ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ هو صِفَةٌ لِمَفْعُولٍ مُطْلَقٍ، والتَّقْدِيرُ: الَّذِي يَسْتَهْزِئُونَ اسْتِهْزاءً بِسَبَبِهِ، أيْ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ وُقُوعَهُ، وهَذا اسْتِعْمالٌ في مِثْلِهِ، وقَدْ تَكَرَّرَ في القُرْآنِ، مِن ذَلِكَ ما في سُورَةِ الأحْقافِ، ولَيْسَتِ الباءُ لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ يَسْتَهْزِئُونَ، وقُدِّمَ المَجْرُورُ عَلى عامِلِ مَوْصُوفِهِ لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.
16:35–36Page 271
وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ لَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدۡنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖ نَّحۡنُ وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمۡنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ فَهَلۡ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ٣٥
And those who associate others with Allāh say, "If Allāh had willed, we would not have worshipped anything other than Him, neither we nor our fathers, nor would we have forbidden anything through other than Him." Thus did those do before them. So is there upon the messengers except [the duty of] clear notification?
وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنۡهُم مَّنۡ حَقَّتۡ عَلَيۡهِ ٱلضَّلَٰلَةُۚ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ٣٦
And We certainly sent into every nation a messenger, [saying], "Worship Allāh and avoid ṭāghūt."1 And among them were those whom Allāh guided, and among them were those upon whom error was [deservedly] decreed. So proceed [i.e., travel] through the earth and observe how was the end of the deniers.
﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ؛ لِحِكايَةِ حالٍ مِن أحْوالِ شُبُهاتِهِمْ ومُكابَرَتِهِمْ، وبابٌ مِن أبْوابِ تَكْذِيبِهِمْ.
وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يُحاوِلُونَ إفْحامَ الرَّسُولِ ﷺ بِأنَّهُ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ، وإنَّهُ القادِرُ عَلَيْهِمْ وعَلى آلِهَتِهِمْ، وإنَّهُ لا يَرْضى بِأنْ يُعْبَدَ ما سِواهُ، وإنَّهُ يَنْهاهم عَنِ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ ونَحْوِهِما، فَحَسِبُوا أنَّهم خَصَمُوا النَّبِيءَ ﷺ وحاجُّوهُ فَقالُوا لَهُ: لَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ لا نَعْبُدَ أصْنامًا لَما أقْدَرَنا عَلى عِبادَتِها، ولَوْ شاءَ أنْ لا نُحَرِّمَ ما حَرَّمْنا مِن نَحْوِ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ لَما أقَرَّنا عَلى تَحْرِيمِ ذَلِكَ، وذَلِكَ قَصْدُ إفْحامٍ وتَكْذِيبٍ.
وهَذا رَدَّهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِتَنْظِيرِ أعْمالِهِمْ بِأعْمالِ الأُمَمِ الَّذِينَ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ فَلَوْ كانَ اللَّهُ يَرْضى بِما عَمِلُوهُ لَما عاقَبَهم بِالِاسْتِئْصالِ، فَكانَتْ عاقِبَتُهم نُزُولُ العَذابِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، ثُمَّ بِقَطْعِ المُحاجَّةِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾، أيْ ولَيْسَ مِن شَأْنِ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - المُناظَرَةُ مَعَ الأُمَّةِ.
صفحة ١٤٨
وقالَ في سُورَةِ الأنْعامِ ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، فَسَمّى قَوْلَهم هَذا تَكْذِيبًا كَتَكْذِيبِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ التَّكْذِيبُ، وتَعْضِيدُ تَكْذِيبِهِمْ بِحُجَّةٍ أساءُوا الفَهْمَ فِيها، فَهم يَحْسَبُونَ أنَّ اللَّهَ يَتَوَلّى تَحْرِيكَ النّاسِ لِأعْمالِهِمْ كَما يُحَرِّكُ صاحِبُ خَيالِ الظِّلِّ ومُحَرِّكُ اللُّعَبِ أشْباحَهُ وتَماثِيلَهُ، وذَلِكَ جَهْلٌ مِنهم بِالفَرْقِ بَيْنَ تَكْوِينِ المَخْلُوقاتِ وبَيْنَ ما يَكْسِبُونَهُ بِأنْفُسِهِمْ، وبِالفَرْقِ بَيْنَ أمْرِ التَّكْذِيبِ وأمْرِ التَّكْلِيفِ، وتَخْلِيطٌ بَيْنَ الرِّضى والإرادَةِ، ولَوْلا هَذا التَّخْلِيطُ لَكانَ قَوْلُهم إيمانًا.
والإشارَةُ بِـ (كَذَلِكَ) إلى الإشْراكِ وتَحْرِيمِ أشْياءَ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ، أيْ كَفِعْلِ هَؤُلاءِ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، وهُمُ المَذْكُورُونَ فِيما تَقَدَّمَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦] وبِقَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ [النحل: ٣٣] . والمَقْصُودُ: أنَّهم فَعَلُوا كَفِعْلِهِمْ فَكانَتْ عاقِبَتُهم ما عَلِمْتُمْ، فَلَوْ كانَ فِعْلُهم مُرْضِيًا لِلَّهِ لَما أهْلَكَهم، فَهَلّا اسْتَدَلُّوا بِهَلاكِهِمْ عَلى أنَّ اللَّهَ غَيْرُ راضٍ بِفِعْلِهِمْ، فَإنَّ دَلالَةَ الِانْتِقامِ أظْهَرُ مِن دَلالَةِ الإمْلاءِ؛ لِأنَّ دَلالَةَ الِانْتِقامِ وُجُودِيَّةٌ ودَلالَةُ الإمْهالِ عَدَمِيَّةٌ.
وضَمِيرُ (نَحْنُ) تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المُتَّصِلِ في (عَبَدْنا)، وحَصَلَ بِهِ تَصْحِيحُ العَطْفِ عَلى ضَمِيرِ الرَّفْعِ المُتَّصِلِ، وإعادَةُ حَرْفِ النَّفْيِ في قَوْلِهِ تَعالى (ولا آباؤُنا) لِتَأْكِيدِ (ما) النّافِيَةِ.
وقَدْ فُرِّعَ عَلى ذَلِكَ قَطْعُ المُحاجَّةِ مَعَهم، وإعْلامُهم أنَّ الرُّسُلَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - ما عَلَيْهِمْ إلّا البَلاغُ، ومِنهم مُحَمَّدٌ ﷺ، فاحْذَرُوا أنْ تَكُونَ عاقِبَتُكم عاقِبَةَ أقْوامِ الرُّسُلِ السّالِفِينَ، ولَيْسَ الرُّسُلُ بِمُكَلَّفِينَ بِإكْراهِ النّاسِ عَلى الإيمانِ حَتّى تَسْلُكُوا مَعَهُمُ التَّحَكُّكَ بِهِمْ، والإغاظَةَ لَهم.
والبَلاغُ: اسْمُ مَصْدَرِ الإبْلاغِ، والمُبِينُ: المُوَضِّحُ الصَّرِيحُ.
والِاسْتِفْهامُ بِـ (هَلْ) إنْكارِيٌّ بِمَعْنى النَّفْيِ، ولِذَلِكَ جاءَ الِاسْتِثْناءُ عَقِبَهُ.
صفحة ١٤٩
والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِنَ النَّفْيِ والِاسْتِثْناءِ قَصْرٌ إضافِيٌّ لِقَلْبِ اعْتِقادِ المُشْرِكِينَ مِن مُعامَلَتِهِمُ الرَّسُولَ ﷺ أنَّ لِلرَّسُولِ غَرَضًا شَخْصِيًّا فِيما يَدْعُو إلَيْهِ.
وأُثْبِتَ الحُكْمُ لِعُمُومِ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -، وإنْ كانَ المَرْدُودُ عَلَيْهِمْ لَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِمْ أمْرُ الرُّسُلِ الأوَّلِينَ لِتَكُونَ الجُمْلَةُ تَذْيِيلًا لِلْمُحاجَّةِ، فَتُفِيدُ ما هو أعَمُّ مِنَ المَرْدُودِ.
والكَلامُ مُوَجَّهٌ إلى النَّبِيءِ ﷺ تَعْلِيمًا وتَسْلِيَةً، ويَتَضَمَّنُ تَعْرِيضًا بِإبْلاغِ المُشْرِكِينَ.
* * *
﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنُ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، وهو تَكْمِلَةٌ لِإبْطالِ شُبْهَةِ المُشْرِكِينَ إبْطالًا بِطَرِيقَةِ التَّفْصِيلِ بَعْدَ الإجْمالِ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ الحُجَّةِ، فَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ بَيانٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ .
وجُمْلَةُ ﴿فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ﴾ إلى آخِرِها بَيانٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ .
والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ بَيَّنَ لِلْأُمَمِ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أنَّهُ يَأْمُرُهم بِعِبادَتِهِ واجْتِنابِ عِبادَةِ الأصْنامِ، فَمِن كُلِّ أُمَّةٍ أقْوامٌ هَداهُمُ اللَّهُ فَصَدَّقُوا
صفحة ١٥٠
وآمَنُوا، ومِنهم أقْوامٌ تَمَكَّنَتْ مِنهُمُ الضَّلالَةُ فَهَلَكُوا، ومَن سارَ في الأرْضِ رَأى دَلائِلَ اسْتِئْصالِهِمْ.
و(أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ لِجُمْلَةِ (فَبَعَثْنا)؛ لِأنَّ البَعْثَ يَتَضَمَّنُ مَعْنى القَوْلِ، إذْ هو بَعْثٌ لِلتَّبْلِيغِ.
والطّاغُوتُ: جِنْسُ ما يُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ مِنَ الأصْنامِ، وقَدْ يَذْكُرُونَهُ بِصِيغَةِ الجَمْعِ، فَيُقالُ: الطَّواغِيتُ، وهي الأصْنامُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١] في سُورَةِ النِّساءِ.
وأُسْنِدَتْ هِدايَةُ بَعْضِهِمْ إلى اللَّهِ مَعَ أنَّهُ أمَرَ جَمِيعَهم بِالهُدى تَنْبِيهًا لِلْمُشْرِكِينَ عَلى إزالَةِ شُبْهَتِهِمْ في قَوْلِهِمْ ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ بِأنَّ اللَّهَ بَيَّنَ لَهُمُ الهُدى، فاهْتِداءُ المُهْتَدِينَ بِسَبَبِ بَيانِهِ، فَهو الهادِي لَهم.
والتَّعْبِيرُ في جانِبِ الضَّلالَةِ بِلَفْظِ ”حَقَّتْ عَلَيْهِمْ“ دُونَ إسْنادِ الإضْلالِ إلى اللَّهِ إشارَةٌ إلى أنَّ اللَّهَ لَمّا نَهاهم عَنِ الضَّلالَةِ فَقَدْ كانَ تَصْمِيمُهم عَلَيْها إبْقاءً لِضَلالَتِهِمُ السّابِقَةِ ”فَحَقَّتْ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ“، أيْ ثَبَتَتْ ولَمْ تَرْتَفِعْ.
وفِي ذَلِكَ إيماءٌ إلى أنَّ بَقاءَ الضَّلالَةِ مِن كَسْبِ أنْفُسِهِمْ، ولَكِنْ ورَدَ في آياتٍ أُخْرى أنَّ اللَّهَ يُضِلُّ الضّالِّينَ، كَما في قَوْلِهِ ﴿ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥]، وقَوْلِهِ عَقِبَ هَذا ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ﴾ [النحل: ٣٧] عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، لِيَحْصُلَ مِن مَجْمُوعِ ذَلِكَ عِلْمٌ بِأنَّ اللَّهَ كَوَّنَ أسْبابًا عَدِيدَةً بَعْضُها جاءَ مِن تَوالُدِ العُقُولِ والأمْزِجَةِ واقْتِباسِ بَعْضِها مِن بَعْضٍ، وبَعْضُها تابِعٌ لِلدَّعَواتِ الضّالَّةِ بِحَيْثُ تَهَيَّأتْ مِنَ اجْتِماعِ أُمُورٍ شَتّى لا يُحْصِيها إلّا اللَّهُ، أسْبابٌ تامَّةٌ تَحُولُ بَيْنَ الضّالِّ وبَيْنَ الهُدى، فَلا جَرَمَ كانَتْ تِلْكَ الأسْبابُ هي سَبَبُ حَقِّ الضَّلالَةِ عَلَيْهِمْ، فَبِاعْتِبارِ الأسْبابِ المُباشِرَةِ كانَ ضَلالُهم مِن لَدُنْ خالِقِ تِلْكَ الأسْبابِ، وخالِقِ نَوامِيسِها في مُتَقادِمِ العُصُورِ، فافْهَمْ.
صفحة ١٥١
ثُمَّ فَرَّعَ عَلى ذَلِكَ: الأمْرَ بِالسَّيْرِ في الأرْضِ لِيَنْظُرُوا آثارَ الأُمَمِ فَيَرَوْا مِنها آثارَ اسْتِئْصالٍ مُخالِفٍ لِأحْوالِ الفَناءِ المُعْتادِ، ولِذَلِكَ كانَ الِاسْتِدْلالُ بِها مُتَوَقِّفًا عَلى السَّيْرِ في الأرْضِ، ولَوْ كانَ المُرادُ مُطْلَقُ الفَناءِ لَأمَرَهم بِمُشاهَدَةِ المَقابِرِ وذِكْرِ السَّلَفِ الأوائِلِ.
16:37Page 271
إِن تَحۡرِصۡ عَلَىٰ هُدَىٰهُمۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَن يُضِلُّۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٣٧
[Even] if you should strive for their guidance, [O Muḥammad], indeed, Allāh does not guide those He sends astray,1 and they will have no helpers.
﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يُهْدى مَن يُضِلُّ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ؛ لِأنَّ تَقْسِيمَ كُلِّ أُمَّةٍ ضالَّةٍ إلى مُهْتَدٍ مِنها وباقٍ عَلى الضَّلالِ يُثِيرُ سُؤالًا في نَفْسِ النَّبِيءِ ﷺ عَنْ حالِ هَذِهِ الأُمَّةِ: أهُوَ جارٍ عَلى حالِ الأُمَمِ الَّتِي قَبْلَها، أوْ أنَّ اللَّهَ يَهْدِيهِمْ جَمِيعًا، وذَلِكَ مِن حِرْصِهِ عَلى خَيْرِهِمْ ورَأْفَتِهِ بِهِمْ، فَأعْلَمَهُ اللَّهُ أنَّهُ مَعَ حِرْصِهِ عَلى هُداهم فَإنَّهم سَيَبْقى مِنهم فَرِيقٌ عَلى ضَلالَةٍ.
وفِي الآيَةِ لَطِيفَتانِ:
الأُولى: التَّعْرِيضُ بِالثَّناءِ عَلى النَّبِيءِ ﷺ في حِرْصِهِ عَلى خَيْرِهِمْ مَعَ ما لَقِيَهُ مِنهم مِنَ الأذى الَّذِي شَأْنُهُ أنْ يُثِيرَ الحَنَقَ في نَفْسِ مَن يَلْحَقُهُ الأذى، ولَكِنَّ نَفْسَ مُحَمَّدٍ ﷺ مُطَهَّرَةٌ مِن كُلِّ نَقْصٍ يَنْشَأُ عَنِ الأخْلاقِ الحَيَوانِيَّةِ.
واللَّطِيفَةُ الثّانِيَةُ: الإيماءُ إلى أنَّ غالِبَ أُمَّةِ الدَّعْوَةِ المُحَمَّدِيَّةِ سَيَكُونُونَ مُهْتَدِينَ، وأنَّ الضَّلالَ مِنهم فِئَةٌ قَلِيلَةٌ، وهُمُ الَّذِينَ لَمْ يُقَدِّرِ اللَّهُ هَدْيَهم في سابِقِ عِلْمِهِ بِما نَشَأ عَنْ خَلْقِهِ وقُدْرَتِهِ مِنَ الأسْبابِ الَّتِي هَيَّأتْ لَهُمُ البَقاءَ في الضَّلالِ.
والحِرْصُ: فَرْطُ الإرادَةِ المُلِحَّةِ في تَحْصِيلِ المُرادِ بِالسَّعْيِ في أسْبابِهِ.
والشَّرْطُ هُنا لَيْسَ لِتَعْلِيقِ حُصُولِ مَضْمُونِ الجَوابِ عَلى حُصُولِ مَضْمُونِ الشَّرْطِ؛ لِأنَّ مَضْمُونَ الشَّرْطِ مَعْلُومُ الحُصُولِ؛ لِأنَّ عَلاماتِهِ ظاهِرَةٌ بِحَيْثُ يَعْلَمُهُ
صفحة ١٥٢
النّاسُ، كَما قالَ تَعالى ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]، وإنَّما هو لِتَعْلِيقِ العِلْمِ بِمَضْمُونِ الجَوابِ عَلى دَوامِ حُصُولِ مَضْمُونِ الشَّرْطِ، فالمَعْنى: إنْ كُنْتَ حَرِيصًا عَلى هُداهم حِرْصًا مُسْتَمِرًّا فاعْلَمْ أنَّ مَن أضَلَّهُ اللَّهُ لا تَسْتَطِيعُ هَدْيَهُ، ولا تَجِدُ لِهَدْيهِ وسِيلَةً، ولا يَهْدِيهِ أحَدٌ، فالمُضارِعُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى التَّجَدُّدِ لا غَيْرَ، كَقَوْلِ عَنْتَرَةَ:
إنْ تُغْدِ في دُونِي القِناعِ فَإنَّنِي طَبٌّ بِأخْذِ الفارِسِ المُسْتَلْئِمِ
وأظْهَرُ مِنهُ في هَذا المَعْنى قَوْلُهُ أيْضًا:
إنْ كُنْتِ أزْمَعْتِ الفِراقَ فَإنَّما ∗∗∗ زُمَّتْ رِكابُكُمُ بِلَيْلٍ مُظْـلِـمِ
فَإنَّ فِعْلَ الشَّرْطِ في البَيْتَيْنِ في مَعْنى: إنْ كانَ ذَلِكَ تَصْمِيمًا، وجَوابُ الشَّرْطِ فِيهِما في مَعْنى إفادَةِ العِلْمِ.
وجُعِلَ المُسْنَدُ إلَيْهِ في جُمْلَةِ الإخْبارِ عَنِ اسْتِمْرارِ ضَلالِهِمُ اسْمَ الجَلالَةِ لِلتَّهْوِيلِ المُشَوِّقِ إلى اسْتِطْلاعِ الخَبَرِ، والخَبَرُ هو أنَّ هُداهم لا يَحْصُلُ إلّا إذا أرادَهُ اللَّهُ، ولا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ تَحْصِيلَهُ لا أنْتَ ولا غَيْرُكَ، فَمَن قَدَّرَ اللَّهُ دَوامَ ضَلالِهِ فَلا هادِيَ لَهُ، ولَوْلا هَذِهِ النُّكْتَةُ لَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَكُونَ المُسْنَدُ إلَيْهِ ضَمِيرَ المُتَحَدَّثِ عَنْهم بِأنْ يُقالَ: فَإنَّهم لا يَهْدِيهِمْ غَيْرُ اللَّهِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ (لا يُهْدى) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الدّالِ مَبْنِيًّا لِلنّائِبِ. وحُذِفَ الفاعِلُ لِلتَّعْمِيمِ، أيْ لا يَهْدِيهِ هادٍ.
و(مَن) نائِبُ فاعِلٍ، وضَمِيرُ (يُضِلُّ) عائِدٌ إلى اللَّهِ، أيْ فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي المُضَلَّلَ بِفَتْحِ اللّامِ مِنهُ، فالمُسْنَدُ سَبَبِيٌّ وحُذِفَ الضَّمِيرُ السَّبَبِيُّ المَنصُوبُ لِظُهُورِهِ، وهو في مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ [الرعد: ٣٣]، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٦] .
وقَرَأهُ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ (لا يَهْدِي) بِفَتْحِ الياءِ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ، وضَمِيرُ اسْمِ الجَلالَةِ هو الفاعِلُ، و(مَن) مَفْعُولُ (يَهْدِي)، والضَّمِيرُ
صفحة ١٥٣
فِي (يُضِلُّ) لِلَّهِ، والضَّمِيرُ السَّبَبِيُّ أيْضًا مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن قَدَّرَ دَوامَ ضَلالِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣] إلى قَوْلِهِ ﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ٢٣] .
ومَعْنى ﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ما لَهم ناصِرٌ يُنْجِيهِمْ مِنَ العَذابِ، أيْ كَما أنَّهم ما لَهم مُنْقِذٌ مِنَ الضَّلالِ الواقِعِينَ فِيهِ ما لَهم ناصِرٌ يَدْفَعُ عَنْهم عَواقِبَ الضَّلالِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences