Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
An-Nahl 16:45–52
16:45Page 272
أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَخۡسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلۡأَرۡضَ أَوۡ يَأۡتِيَهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ ٤٥
Then, do those who have planned evil deeds feel secure that Allāh will not cause the earth to swallow them or that the punishment will not come upon them from where they do not perceive?
﴿أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ بَعْدَ أنْ ذُكِرَتْ مَساوِيهِمْ ومَكائِدُهم وبَعْدَ تَهْدِيدِهِمْ بِعَذابِ يَوْمِ البَعْثِ تَصْرِيحًا، وبِعَذابِ الدُّنْيا تَعْرِيضًا فَرَّعَ عَلى ذَلِكَ تَهْدِيدَهُمُ الصَّرِيحَ بِعَذابِ الدُّنْيا بِطَرِيقِ اسْتِفْهامِ التَّعْجِيبِ مِنَ اسْتِرْسالِهِمْ في المُعانَدَةِ غَيْرُ مُقَدِّرِينَ أنْ
صفحة ١٦٥
يَقَعَ ما يُهَدِّدُهم بِهِ اللَّهُ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ فَلا يُقْلِعُونَ عَنْ تَدْبِيرِ المَكْرِ بِالنَّبِيءِ ﷺ، فَكانَتْ حالُهم في اسْتِرْسالِهِمْ كَحالِ مَن هم آمِنُونَ بَأْسَ اللَّهِ، فالِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ المَشُوبِ بِالتَّوْبِيخِ.
والَّذِينَ مَكَرُوا: هُمُ المُشْرِكُونَ.
والمَكْرُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦] في هَذِهِ السُّورَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى (السَّيِّئاتِ) صِفَةٌ لِمَصْدَرِ (مَكَرُوا) مَحْذُوفًا يُقَدَّرُ مُناسِبًا لِتَأْنِيثِ صِفَتِهِ، فالتَّقْدِيرُ: مَكَرُوا المَكَراتِ السَّيِّئاتِ، كَما وُصِفَ المَكْرُ بِالسَّيِّئِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]، والتَّأْنِيثُ في مِثْلِ هَذا يُقْصَدُ مِنهُ الدَّلالَةُ عَلى مَعْنى الخَصْلَةِ أوِ الفِعْلَةِ، كالغَدْرَةِ لِلْغَدْرِ.
ويَجُوزُ أنْ يُضَمَّنَ (مَكَرُوا) مَعْنى (اقْتَرَفُوا) فانْتَصَبَ (السَّيِّئاتِ) عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى نَزْعِ الخافِضِ وهو باءُ الجَرِّ الَّتِي مَعْناها الآلَةُ.
والخَسْفُ: زِلْزالٌ شَدِيدٌ تَنْشَقُّ بِهِ الأرْضُ فَتَحْدُثُ بِانْشِقاقِها هُوَّةٌ عَظِيمَةٌ تَسْقُطُ فِيها الدِّيارُ والنّاسُ، ثُمَّ تَنْغَلِقُ الأرْضُ عَلى ما دَخَلَ فِيها، وقَدْ أصابَ ذَلِكَ أهْلَ بابِلَ، ومَكانُهم يُسَمّى خَسْفُ بابِلَ. وأصابَ قَوْمَ لُوطٍ إذْ جَعَلَ اللَّهُ عالِيَها سافِلَها، وبِلادُهم مَخْسُوفَةٌ اليَوْمَ في بُحَيْرَةِ لُوطٍ مِن فِلَسْطِينَ.
وخَسَفَ مِن بابِ ضَرَبَ، ويُسْتَعْمَلُ قاصِرًا ومُتَعَدِّيًا، يُقالُ: خَسَفَتِ الأرْضُ، ويُقالُ: خَسَفَ اللَّهُ الأرْضَ، قالَ تَعالى ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ [القصص: ٨١]، ولا يَتَعَدّى إلى ما زادَ عَلى المَفْعُولِ إلّا بِحَرْفِ التَّعْدِيَةِ، والأكْثَرُ أنْ يُعَدّى بِالباءِ كَما هُنا وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ [القصص: ٨١]، أيْ جَعَلْناها خاسِفَةً بِهِ، فالباءُ لِلتَّعْدِيَةِ، كَما يُقالُ: ذَهَبَ بِهِ.
والعَذابُ يَعُمُّ كُلَّ ما فِيهِ تَأْلِيمٌ يَسْتَمِرُّ زَمَنًا؛ فَلِذَلِكَ عَطَفَ عَلى الخَسْفِ، وإتْيانُ العَذابِ إلَيْهِمْ: إصابَتُهُ إيّاهم، شُبِّهَ ذَلِكَ بِالإتْيانِ.
صفحة ١٦٦
و﴿مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ مِن مَكانٍ لا يَتَرَقَّبُونَ أنْ يَأْتِيَهم مِنهُ ضُرٌّ، فَمَعْنى ﴿مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ أنَّهُ يَأْتِيهِمْ بَغْتَةً لا يَسْتَطِيعُونَ دَفْعَهُ؛ لِأنَّهم لِبَأْسِهِمْ ومَنَعَتِهِمْ لا يَبْغَتُهم ما يَحْذَرُونَهُ إذْ قَدْ أعَدُّوا لَهُ عُدَّتَهُ، فَكانَ الآتِي مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ عَذابًا غَيْرَ مَعْهُودٍ، فَوَقَعَ قَوْلُهُ ﴿مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ كِنايَةً عَنْ عَذابٍ لا يُطِيقُونَ دَفْعَهُ بِحَسَبِ اللُّزُومِ العُرْفِيِّ، وإلّا فَقَدَ جاءَ العَذابُ عادًا مِن مَكانٍ يَشْعُرُونَ بِهِ، قالَ تَعالى ﴿فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ [الأحقاف: ٢٤]، وحَلَّ بِقَوْمِ نُوحٍ عَذابُ الطُّوفانِ وهم يَنْظُرُونَ، وكَذَلِكَ عَذابُ الغَرَقِ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ.
16:46–47Page 272
أَوۡ يَأۡخُذَهُمۡ فِي تَقَلُّبِهِمۡ فَمَا هُم بِمُعۡجِزِينَ ٤٦
Or that He would not seize them during their [usual] activity, and they could not cause failure [i.e., escape from Him]?
أَوۡ يَأۡخُذَهُمۡ عَلَىٰ تَخَوُّفٖ فَإِنَّ رَبَّكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٌ ٤٧
Or that He would not seize them gradually [in a state of dread]?1 But indeed, your Lord is Kind and Merciful.2
﴿أوْ يَأْخُذَهم في تَقَلُّبِهِمْ فَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿أوْ يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ الأخْذُ مُسْتَعارٌ لِلْإهْلاكِ قالَ تَعالى ﴿فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ [الحاقة: ١٠]، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] في سُورَةِ الأنْعامِ.
والتَّقَلُّبُ: السَّعْيُ في شُئُونِ الحَياةِ مِن مُتاجَرَةٍ ومُعامَلَةٍ وسَفَرٍ ومُحادَثَةٍ ومُزاحَمَةٍ، وأصْلُهُ: الحَرَكَةُ إقْبالًا وإدْبارًا، والمَعْنى: أنْ يُهْلِكَهُمُ اللَّهُ وهم شاعِرُونَ بِمَجِيءِ العَذابِ.
وهَذا قَسِيمُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: ٤٥]، وفي مَعْناهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا وهم نائِمُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧] ﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٨] .
وتَفْرِيعُ ﴿فَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ اعْتِراضٌ، أيْ لا يَمْنَعُهم مِن أخْذِهِ إيّاهم تَقَلُّبُهم شَيْءٌ إذْ لا يُعْجِزُهُ اجْتِماعُهم وتَعاوُنُهم.
و(في) لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ، أيِ المُلابَسَةِ، وهي حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في (يَأْخُذَهم) .
صفحة ١٦٧
والتَّخَوُّفُ في اللُّغَةِ يَأْتِي مَصْدَرُ تَخَوَّفَ القاصِرُ بِمَعْنى خافَ ومَصْدَرُ تَخَوَّفَ المُتَعَدِّي بِمَعْنى (تَنَقَّصَ)، وهَذا الثّانِي لُغَةُ هُذَيْلٍ، وهي مِنَ اللُّغاتِ الفَصِيحَةِ الَّتِي جاءَ بِها القُرْآنُ.
فَلِلْآيَةِ مَعْنَيانِ: إمّا أنْ يَكُونَ المَعْنى يَأْخُذُهم، وهم في حالَةِ تَوَقُّعِ نُزُولِ العَذابِ بِأنْ يُرِيَهم مُقَدَّماتِهِ؛ مِثْلَ الرَّعْدِ قَبْلَ الصَّواعِقِ، وإمّا أنْ يَكُونَ المَعْنى يَأْخُذُهم وهم في حالَةِ تَنَقُّصٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَنَقَّصَهم قَبْلَ الأخْذِ بِأنْ يُكْثِرَ فِيهِمُ المَوَتانَ والفَقْرَ والقَحْطَ.
وحَرْفُ (عَلى) مُسْتَعْمَلٌ في التَّمَكُّنِ عَلى كِلا المَعْنَيَيْنِ، ومَحَلُّ المَجْرُورِ حالٌ مِن ضَمِيرِ النَّصْبِ في (يَأْخُذَهم) وهو كَقَوْلِهِمْ: أخَذَهُ عَلى غِرَّةٍ.
رَوى الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ يَزِيدُ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ: أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - خَفِيَ عَلَيْهِ مَعْنى التَّخَوُّفِ في هَذِهِ الآيَةِ، وأرادَ أنْ يَكْتُبَ إلى الأمْصارِ، وأنَّهُ سَألَ النّاسَ، وهو عَلى المِنبَرِ: ما تَقُولُونَ فِيها ؟ فَقامَ شَيْخٌ مِن هُذَيْلٍ فَقالَ: هَذِهِ لُغَتُنا، التَّخَوُّفُ: التَّنَقُّصُ، قالَ: فَهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ في أشْعارِها ؟ قالَ: نَعَمْ قالَ شاعِرُنا:
تَخَوَّفَ الرَّحْلُ مِنها تامِكًا قَرِدا كَما تَخَوَّفَ عُودَ النَّبْعَةِ السَّفَنُ
فَقالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أيُّها النّاسُ عَلَيْكم بِدِيوانِكم لا يَضِلُّ، قالُوا: وما دِيوانُنا ؟ قالَ: شِعْرُ الجاهِلِيَّةِ فَإنَّ فِيهِ تَفْسِيرَ كِتابِكم.
وتَفَرَّعَ ﴿فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ عَلى الجُمَلِ الماضِيَةِ تَفْرِيعَ العِلَّةِ عَلى المُعَلَّلِ، وحَرْفُ (إنَّ) هُنا مُفِيدٌ لِلتَّعْلِيلِ، ومُغْنٍ عَنْ فاءِ التَّفْرِيعِ كَما
صفحة ١٦٨
بَيَّنَهُ عَبْدُ القاهِرِ، فَهي مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَتْهُ الفاءُ، والتَّعْلِيلُ هُنا لِما فُهِمَ مِن مَجْمُوعِ المَذْكُوراتِ في الآيَةِ مِن أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى تَعْجِيلِ هَلاكِهِمْ، وأنَّهُ أمْهَلَهم حَتّى نَسُوا بَأْسَ اللَّهِ فَصارُوا كالآمَنِينَ مِنهُ بِحَيْثُ يَسْتَفْهِمُ عَنْهم: أهم آمِنُونَ مِن ذَلِكَ أمْ لا.
16:48Page 272
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٖ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلَٰلُهُۥ عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَٱلشَّمَآئِلِ سُجَّدٗا لِّلَّهِ وَهُمۡ دَٰخِرُونَ ٤٨
Have they not considered what things Allāh has created? Their shadows incline to the right and to the left, prostrating to Allāh, while they [i.e., those creations] are humble.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وهم داخِرُونَ﴾ بَعْدَ أنْ نَهَضَتْ بَراهِينُ انْفِرادِهِ تَعالى بِالخَلْقِ بِما ذَكَرَ مِن تَعْدادِ مَخْلُوقاتِهِ العَظِيمَةِ جاءَ الِانْتِقالُ إلى دَلالَةٍ مِن حالِ الأجْسامِ الَّتِي عَلى الأرْضِ كُلِّها مُشْعِرَةً بِخُضُوعِها لِلَّهِ تَعالى خُضُوعًا مُقارِنًا لِوُجُودِها، وتَقَلُّبِها آنًا فَآنًا عَلِمَ بِذَلِكَ مَن عَلِمَهُ، وجَهِلَهُ مَن جَهِلَهُ، وأنْبَأ عَنْهُ لِسانُ الحالِ بِالنِّسْبَةِ لِما لا عِلْمَ لَهُ، وهو ما خَلَقَ اللَّهُ عَلَيْهِ النِّظامَ الأرْضِيَّ خَلْقًا يَنْطِقُ لِسانُ حالِهِ بِالعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى، وذَلِكَ في أشَدِّ الأعْراضِ مُلازَمَةً لِلذَّواتِ، ومُطابَقَةً لِأشْكالِها وهو الظِّلُّ.
وقَدْ مَضى تَفْصِيلُ هَذا الِاسْتِدْلالِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ [الرعد: ١٥] في سُورَةِ الرَّعْدِ.
فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ.
والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، أيْ قَدْ رَأوْا، والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ بِتَحْتِيَّةٍ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ (أوَلَمْ تَرَوْا) بِالمُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ.
و﴿مِن شَيْءٍ﴾ بَيانٌ لِلْإبْهامِ الَّذِي في (ما) المَوْصُولَةِ، وإنَّما كانَ بَيانًا بِاعْتِبارِ ما جَرى عَلَيْهِ مِنَ الوَصْفِ بِجُمْلَةِ ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ﴾ الآيَةَ.
صفحة ١٦٩
والتَّفَيُّؤُ: تَفَعُّلُ مِن فاءَ الظِّلُّ فَيْئًا، أيْ عادَ بَعْدَ أنْ أزالَهُ ضَوْءُ الشَّمْسِ، لَعَلَّ أصْلَهُ مِن (فاءَ) إذا رَجَعَ بَعْدَ مُغادَرَةِ المَكانِ، وتَفَيُّؤُ الظِّلالِ تَنَقُّلُها مِن جِهاتٍ بَعْدَ شُرُوقِ الشَّمْسِ، وبَعْدَ زَوالِها.
وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الظِّلالِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ [الرعد: ١٥] في سُورَةِ الرَّعْدِ.
وقَوْلُهُ ﴿عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ﴾، أيْ عَنْ جِهاتِ اليَمِينِ وجِهاتِ الشَّمائِلِ مَقْصُودٌ بِهِ إيضاحُ الحالَةِ العَجِيبَةِ لِلظِّلِّ إذْ يَكُونُ عَنْ يَمِينِ الشَّخْصِ مَرَّةً وعَنْ شِمالِهِ أُخْرى، أيْ إذا اسْتَقْبَلَ جِهَةً ما ثُمَّ اسْتَدْبَرَها.
ولَيْسَ المُرادُ خُصُوصَ اليَمِينِ والشِّمالِ، بَلْ كَذَلِكَ الأمامُ والخَلْفُ، فاخْتُصِرَ الكَلامُ.
وأُفْرِدَ اليَمِينُ؛ لِأنَّ المُرادَ بِهِ جِنْسُ الجِهَةِ كَما يُقالُ المَشْرِقُ، وجَمْعُ الشَّمائِلِ مُرادًا بِهِ تَعَدُّدُ جِنْسِ جِهَةِ الشَّمالِ بِتَعَدُّدِ أصْحابِها، كَما قالَ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ﴾ [المعارج: ٤٠]، فالمُخالَفَةُ بِالإفْرادِ والجَمْعِ تَفَنُّنٌ.
ومَجِيءُ فِعْلِ يَتَفَيَّأُ بِتَحْتِيَّةٍ في أوَّلِهِ عَلى صِيغَةِ الإفْرادِ جَرى عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ في الفِعْلِ: إذا كانَ فاعِلُهُ جَمْعًا غَيْرَ جَمْعِ تَصْحِيحٍ، وبِذَلِكَ قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ (تَتَفَيَّأُ) بِفَوْقِيَّتَيْنِ عَلى الوَجْهِ الآخَرِ.
وأُفْرِدَ الضَّمِيرُ المُضافُ إلَيْهِ (ظِلالُ) مُراعاةً لِلَفْظِ (شَيْءٍ) وإنْ كانَ في المَعْنى مُتَعَدِّدًا، وبِاعْتِبارِ المَعْنى أُضِيفَ إلَيْهِ الجَمْعُ.
و(سُجَّدًا) حالٌ مِن ضَمِيرِ (ظِلالُهُ) العائِدِ إلى (مِن شَيْءٍ) فَهو قَيْدٌ لِلتَّفَيُّؤِ، أيْ أنَّ ذَلِكَ التَّفَيُّؤَ يُقارِنُهُ السُّجُودُ مُقارَنَةَ الحُصُولِ ضِمْنَهُ، وقَدْ مَضى بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ [الرعد: ١٥] في سُورَةِ الرَّعْدِ.
وجُمْلَةُ ﴿وهم داخِرُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في ظِلالِهِ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ لِرُجُوعِهِ ﴿إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾، وجُمِعَ بِصِيغَةِ الجَمْعِ الخاصَّةِ بِالعُقَلاءِ تَغْلِيبًا؛ لِأنَّ في جُمْلَةِ الخَلائِقِ العُقَلاءَ، وهُمُ الجِنْسُ الأهَمُّ.
صفحة ١٧٠
والدّاخِرُ: الخاضِعُ الذَّلِيلُ، أيْ (داخِرُونَ) لِعَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى.
16:49–50Page 272
وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن دَآبَّةٖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ ٤٩
And to Allāh prostrates whatever is in the heavens and whatever is on the earth of creatures, and the angels [as well], and they are not arrogant.
يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوۡقِهِمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ۩ ٥٠
They fear their Lord above them, and they do what they are commanded.
﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ والمَلائِكَةُ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ لَمّا ذُكِرَ في الآيَةِ السّابِقَةِ السُّجُودُ القَسْرِيُّ ذُكِرَ بَعْدَهُ هُنا سُجُودٌ آخَرُ بَعْضُهُ اخْتِيارٌ، وفي بَعْضِهِ شِبْهُ اخْتِيارٍ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى فِعْلِهِ مُؤْذِنٌ بِالحَصْرِ، أيْ يَسْجُدُ لِلَّهِ لا لِغَيْرِهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ، وهو تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ إذْ يَسْجُدُونَ لِلْأصْنامِ.
وأُوثِرَتْ (ما) المَوْصُولَةُ دُونَ (مَن) تَغْلِيبًا لِكَثْرَةِ غَيْرِ العُقَلاءِ.
ومِن دابَّةٍ بَيانٌ لِـ ما في الأرْضِ، إذِ الدّابَّةُ ما يَدِبُّ عَلى الأرْضِ غَيْرُ الإنْسانِ.
ومَعْنى سُجُودِ الدَّوابِّ لِلَّهِ أنَّ اللَّهَ جَعَلَ في تَفْكِيرِها الإلْهامِيِّ التِذاذَها بِوُجُودِها، وبِما هي فِيهِ مِنَ المَرَحِ والأكْلِ والشُّرْبِ، وتَطْلُبُ الدَّفْعَ عَنْ نَفْسِها مِنَ المُتَغَلِّبِ، ومِنَ العَوارِضِ بِالمُدافَعَةِ أوْ بِالتَّوَقِّي، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ المُلائِماتِ، فَحالُها بِذَلِكَ كَحالِ شاكِرٍ تَتَيَسَّرُ تِلْكَ المُلائِماتُ لَها، وإنَّما تَيْسِيرُها لَها مِمَّنْ فَطَرَها، وقَدْ تَصْحَبُ أحْوالَ تَنَعُّمِها حَرَكاتٌ تُشْبِهُ إيماءَ الشّاكِرِ المُقارِبِ لِلسُّجُودِ، ولَعَلَّ مِن حَرَكاتِها ما لا يَشْعُرُ بِهِ النّاسُ؛ لِخَفائِهِ وجَهْلِهِمْ بِأوْقاتِهِ، وإطْلاقُ السُّجُودِ عَلى هَذا مَجازٌ.
ويَشْمَلُ ما في السَّماواتِ مَخْلُوقاتٍ غَيْرَ المَلائِكَةِ، مِثْلَ الأرْواحِ، أوْ يُرادُ بِـ (السَّماواتِ) الأجْواءُ فَيُرادُ بِما فِيها الطُّيُورُ والفَراشُ.
صفحة ١٧١
وفِي ذِكْرِ أشْرَفِ المَخْلُوقاتِ وأقَلِّها تَعْرِيضٌ بِذَمِّ مَن نَزَلَ مِنَ البَشَرِ عَنْ مَرْتَبَةِ الدَّوابِّ في كُفْرانِ الخالِقِ، وبِمَدْحِ مَن شابَهَ مِنَ البَشَرِ حالَ المَلائِكَةِ.
وفِي جَعْلِ الدَّوابِّ والمَلائِكَةِ مَعْمُولَيْنِ لِـ (يَسْجُدُ) اسْتِعْمالٌ لِلَفْظٍ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ.
ووَصْفُ المَلائِكَةِ بِأنَّهم ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ تَعْرِيضٌ بِبُعْدِ المُشْرِكِينَ عَنْ أوْجِ تِلْكَ المَرْتَبَةِ المَلَكِيَّةِ، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ المَلائِكَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿يَخافُونَ رَبَّهُمْ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ .
والفَوْقِيَّةُ في قَوْلِهِ ﴿مِن فَوْقِهِمْ﴾ فَوْقِيَّةُ تَصَرُّفٍ ومِلْكٍ وشَرَفٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨] وقَوْلِهِ ﴿وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] .
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾، أيْ يُطِيعُونَ، ولا تَصْدُرُ مِنهم مُخالَفَةٌ.
وهُنا مَوْضِعُ سُجُودٍ لِلْقارِئِ بِالِاتِّفاقِ، وحِكْمَتُهُ هُنا: إظْهارُ المُؤْمِنِ أنَّهُ مِنَ الفَرِيقِ المَمْدُوحِ بِأنَّهُ مُشابِهٌ لِلْمَلائِكَةِ في السُّجُودِ لِلَّهِ تَعالى.
16:51Page 272
۞ وَقَالَ ٱللَّهُ لَا تَتَّخِذُوٓاْ إِلَٰهَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِۖ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ ٥١
And Allāh has said, "Do not take for yourselves two1 deities. He [i.e., Allāh] is but one God, so fear only Me."
﴿وقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ فَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾
لَمّا أُشْبِعَ القَوْلُ في إبْطالِ تَعَدُّدِ الآلِهَةِ الشّائِعِ في جَمِيعِ قَبائِلِ العَرَبِ، وأُتْبِعَ بِإبْطالِ الِاخْتِلاقِ عَلى الرَّسُولِ ﷺ والقُرْآنِ، نُقِلَ الكَلامُ إلى إبْطالِ نَوْعٍ آخَرَ مِنَ الشِّرْكِ مُتَّبَعٍ عِنْدَ قَبائِلَ مِنَ العَرَبِ، وهو الإشْراكُ بِإلَهِيَّةِ أصْلَيْنِ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ، تَقَلَّدَتْهُ قَبائِلُ العَرَبِ المُجاوِرَةُ بِلادُ فارِسَ، والسّارِي فِيهِمْ سُلْطانُ كِسْرى وعَوائِدُهم، مِثْلُ بَنِي بَكْرِ بْنِ وائِلٍ وبَنِي تَمِيمٍ، فَقَدْ دانَ مِنهم كَثِيرٌ بِالمَجُوسِيَّةِ، أيِ المَزْدَكِيَّةِ والمانَوِيَّةِ في زَمَنِ كِسْرى أبْرُويِشَ وفي زَمَنِ كِسْرى أنُوشُرْوانَ، والمَجُوسِيَّةُ تُثْبِتُ عَقِيدَةً بِإلَهَيْنِ:
صفحة ١٧٢
إلَهٍ لِلْخَيْرِ: وهو النُّورُ، وإلَهٍ لِلشَّرِّ: وهو الظُّلْمَةُ، فَإلَهُ الخَيْرِ لا يَصْدُرُ مِنهُ إلّا الخَيْرَ والإنْعامَ، وإلَهُ الشَّرِّ لا يَصْدُرُ عَنْهُ إلّا الشَّرُّ والآلامُ، وسَمُّوا إلَهَ الخَيْرِ (يَزْدانُ)، وسَمُّوا إلَهَ الشَّرِّ (آهْرُمُنُ)، وزَعَمُوا أنَّ (يَزْدانَ) كانَ مُنْفَرِدًا بِالإلَهِيَّةِ، وكانَ لا يَخْلُقُ إلّا الخَيْرَ فَلَمْ يَكُنْ في العالَمِ إلّا الخَيْرُ، فَخَطَرَ في نَفْسِهِ مَرَّةً خاطِرُ شَرٍّ فَتَوَلَّدَ عَنْهُ إلَهٌ آخَرُ شَرِيكٌ لَهُ هو إلَهُ الشَّرِّ، وقَدْ حَكى هَذا المَعَرِّي في لُزُومِيّاتِهِ بِقَوْلِهِ:
فَكَّرَ يَزْدانُ عَلَـى غِـرَّةٍ فَصِيغَ مِن تَفْكِيرِهِ أهْرُمُنْ
.
ولَمْ يَكُونُوا يَجْعَلُونَ لِهَذَيْنِ الأصْلَيْنِ صُوَرًا مُجَسَّمَةً، فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ دِينُهم مِن عِدادِ عِبادَةِ الطّاغُوتِ؛ لِاخْتِصاصِ اسْمِ الطّاغُوتِ بِالصُّوَرِ والأجْسامِ المَعْبُودَةِ، وهَذا الدِّينُ مِن هَذِهِ الجِهَةِ يُشْبِهُ الأدْيانَ الَّتِي لا تَعْبُدُ صُوَرًا مَحْسُوسَةً، وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى المَجُوسِيَّةِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا﴾ [الحج: ١٧] إلى قَوْلِهِ (والمَجُوسَ) في سُورَةِ الحَجِّ.
ويَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الدِّينَ هو المُرادُ التَّعْقِيبُ بِآيَةِ ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ [النحل: ٥٣] كَما سَيَأْتِي.
فَقَوْلُهُ تَعالى ﴿وقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ، وهو مُرْتَبِطٌ بِجُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] .
ومَعْنى ﴿وقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ﴾ أنَّهُ دَعا النّاسَ، ونَصَبَ الأدِلَّةَ عَلى بُطْلانِ اعْتِقادِهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥]، وقَوْلِهِ ﴿كَذَلِكم قالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ﴾ [الفتح: ١٥] .
وصِيغَةُ التَّثْنِيَةِ مِن قَوْلِهِ إلَهَيْنِ أُكِّدَتْ بِلَفْظِ اثْنَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الِاثْنِينِيَّةَ مَقْصُودَةٌ بِالنَّهْيِ إبْطالًا لِشِرْكٍ مَخْصُوصٍ مِن إشْراكِ المُشْرِكِينَ، وأنَّ لا
صفحة ١٧٣
اكْتِفاءَ بِالنَّهْيِ عَنْ تَعَدُّدِ الإلَهِ بَلِ المَقْصُودُ النَّهْيُ عَنِ التَّعَدُّدِ الخاصِّ، وهو قَوْلُ المَجُوسِ بِإلَهَيْنِ، ووَقَعَ في الكَشّافِ تَوْجِيهُ ذِكْرِ اثْنَيْنِ بِأنَّهُ لِدَفْعِ احْتِمالِ إرادَةِ الجِنْسِ حَقِيقَةً لا مَجازًا.
وإذْ نُهُوا عَنِ اتِّخاذِ إلَهَيْنِ، فَقَدْ دَلَّ بِدَلالَةِ الِاقْتِضاءِ عَلى إبْطالِ اتِّخاذِ آلِهَةٍ كَثِيرَةٍ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَيانًا لِجُمْلَةِ ﴿لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾، فالجُمْلَةُ مَقُولَةٌ لِفِعْلِ ﴿وقالَ اللَّهُ﴾؛ لِأنَّ عَطْفَ البَيانِ تابِعٌ لِلْمُبَيَّنِ كَمَوْقِعِ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ في قَوْلِ الشّاعِرِ:
أقُولُ لَهُ ارْحَلْ لا تُقِيمَنَّ عِنْدَنا
فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ، وبِذَلِكَ أُفِيدَ بِالمَنطُوقِ ما أُفِيدَ قَبْلُ بِدَلالَةِ الِاقْتِضاءِ، والضَّمِيرُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ﴿وقالَ اللَّهُ﴾، أيْ قالَ اللَّهُ إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ، وهَذا جَرْيٌ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ في حِكايَةِ القَوْلِ، وما في مَعْناهُ بِالمَعْنى كَما هُنا، وقَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٧] فَـ ﴿أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [النحل: ٣٦] مُفَسِّرُ (أمَرْتَنِي)، وفِعْلُ (أمَرْتَنِي) فِيهِ مَعْنى القَوْلِ، واللَّهُ قالَ لَهُ: قُلْ لَهُمُ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبَّكَ ورَبَّهم، فَحَكاهُ بِالمَعْنى، فَقالَ: رَبِّي.
والقَصْرُ في قَوْلِهِ ﴿إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ قَصْرٌ مَوْصُوفٌ عَلى صِفَةٍ، أيِ اللَّهُ مُخْتَصٌّ بِصِفَةِ تَوَحُّدِ الإلَهِيَّةِ، وهو قَصْرُ قَلْبٍ؛ لِإبْطالِ دَعْوى تَثْنِيَةِ الإلَهِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ مُعْتَرِضَةً واقِعَةً تَعْلِيلًا لِجُمْلَةِ ﴿لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أيْ نَهى اللَّهُ عَنِ اتِّخاذِ إلَهَيْنِ؛ لِأنَّ اللَّهَ واحِدٌ، أيْ واللَّهُ هو مُسَمّى إلَهٍ فاتِّخاذُ إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ قَلْبٌ لِحَقِيقَةِ الإلَهِيَّةِ.
صفحة ١٧٤
وحَصْرُ صِفَةِ الوَحْدانِيَّةِ في عَلَمِ الجَلالَةِ بِالنَّظَرِ إلى أنَّ مُسَمّى ذَلِكَ العَلَمِ مُساوٍ لِمُسَمّى إلَهٍ، إذِ الإلَهُ مُنْحَصِرٌ في مُسَمّى ذَلِكَ العَلَمِ.
وتَفْرِيعُ ﴿فَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَفْرِيعًا عَلى جُمْلَةِ ﴿لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ فَيَكُونُ ﴿فَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ مِن مَقُولِ القَوْلِ، ويَكُونُ في ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ مِن قَوْلِهِ فارْهَبُونِ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَفْرِيعًا عَلى فِعْلِ (وقالَ اللَّهُ) فَلا يَكُونُ مِن مَقُولِ القَوْلِ، أيْ قالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ فَلا تَرْهَبُوا غَيْرِي، ولَيْسَ في الكَلامِ التِفاتٌ عَلى هَذا الوَجْهِ.
وتَفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ بِصِيغَةِ القَصْرِ، أيْ قَصْرَ قَلْبٍ إضافِيًّا، أيْ قَصَرَ الرَّهْبَةَ التّامَّةَ مِنهُ عَلَيْهِ فَلا اعْتِدادَ بِقُدْرَةِ غَيْرِهِ عَلى ضُرِّ أحَدٍ، وهو رَدٌّ عَلى الَّذِينَ يَرْهَبُونَ إلَهَ الشَّرِّ فالمَقْصُودُ هو المَرْهُوبُ.
والِاقْتِصارُ عَلى الأمْرِ بِالرَّهْبَةِ وقَصْرُها عَلى كَوْنِها مِنَ اللَّهِ يُفْهَمُ مِنهُ الأمْرُ بِقَصْرِ الرَّغْبَةِ عَلَيْهِ لِدَلالَةِ قَصْرِ الرَّهْبَةِ عَلى اعْتِقادِ قَصْرِ القُدْرَةِ التّامَّةِ عَلَيْهِ تَعالى فَيُفِيدُ الرَّدَّ عَلى الَّذِينَ يَطْمَعُونَ في إلَهِ الخَيْرِ بِطَرِيقِ الأوْلى، وإنَّما اقْتَصَرَ عَلى الرَّهْبَةِ؛ لِأنَّ شَأْنَ المُزَكِّيَةِ أنْ تَكُونَ عِبادَتُهم عَنْ خَوْفِ إلَهِ الشَّرِّ؛ لِأنَّ إلَهَ الخَيْرِ هم في أمْنٍ مِنهُ فَإنَّهُ مَطْبُوعٌ عَلى الخَيْرِ.
ووَقَعَ في ضَمِيرِ (فَإيّايَ) التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ لِمُناسَبَةِ انْتِقالِ الكَلامِ مِن تَقْرِيرِ دَلِيلِ وحْدانِيَّةِ اللَّهِ عَلى وجْهٍ كُلِّيٍّ إلى تَعْيِينِ هَذا الواحِدِ أنَّهُ اللَّهُ مُنَزِّلُ القُرْآنِ تَحْقِيقًا لِتَقْرِيرِ العَقِيدَةِ الأصْلِيَّةِ، وفي هَذا الِالتِفاتِ اهْتِمامٌ بِالرَّهْبَةِ لِما في الِالتِفاتِ مِن هَزِّ فَهْمِ المُخاطَبِينَ، وتَقَدَّمَ تَرْكِيبُ نَظِيرِهِ بِدُونِ التِفاتٍ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
واقْتِرانُ فِعْلِ (فارْهَبُونِ) بِالفاءِ؛ لِيَكُونَ تَفْرِيعًا عَلى تَفْرِيعٍ فَيُفِيدُ مَفادَ التَّأْكِيدِ لِأنَّ تَعَلُّقَ فِعْلِ (ارْهَبُونِ) بِالمَفْعُولِ لَفْظًا يَجْعَلُ الضَّمِيرَ
صفحة ١٧٥
المُنْفَصِلَ المَذْكُورَ قَبْلَهُ في تَقْدِيرِ مَعْمُولٍ لِفِعْلٍ آخَرَ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: فَإيّايَ ارْهَبُوا فارْهَبُونِ، أيْ أمَرْتُكم بِأنْ تَقْصُرُوا رَهْبَتَكم عَلَيَّ فارْهَبُونِ؛ امْتِثالًا لِلْأمْرِ.
16:52Page 272
وَلَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِبًاۚ أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ ٥٢
And to Him belongs whatever is in the heavens and the earth, and to Him is [due] worship constantly. Then is it other than Allāh that you fear?
﴿ولَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ولَهُ الدِّينُ واصِبًا أفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾
مُناسَبَةُ مَوْقِعِ جُمْلَةِ ﴿ولَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ بَعْدَ جُمْلَةِ ﴿وقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [النحل: ٥١] أنَّ الَّذِينَ جَعَلُوا إلَهَيْنِ جَعَلُوهُما النُّورَ والظُّلْمَةَ، وإذْ كانَ النُّورُ والظُّلْمَةُ مَظْهَرَيْنِ مِن مَظاهِرِ السَّماءِ والأرْضِ كانَ المَعْنى: أنَّ ما تَزْعُمُونَهُ إلَهًا لِلْخَيْرِ وإلَها لِلشَّرِّ هُما مِن مَخْلُوقاتِهِ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ يُفِيدُ الحَصْرَ فَدَخَلَ جَمِيعُ ما في السَّماءِ والأرْضِ في مُفادِ لامِ المِلْكِ، فَأفادَ أنَّ لَيْسَ لِغَيْرِهِ شَيْءٌ مِنَ المَخْلُوقاتِ خَيْرِها وشَرِّها، فانْتَفى أنْ يَكُونَ مَعَهُ إلَهٌ آخَرُ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مَعَهُ إلَهٌ آخَرُ لَكانَ لَهُ بَعْضُ المَخْلُوقاتِ إذْ لا يُعْقَلُ إلَهٌ بِدُونِ مَخْلُوقاتٍ.
وضَمِيرُ (لَهُ) عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿وقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ﴾ [النحل: ٥١] .
فَعَطْفُهُ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ [النحل: ٥١]؛ لِأنَّ عَظَمَةَ الإلَهِيَّةِ اقْتَضَتِ الرَّهْبَةَ مِنهُ وقَصْرَها عَلَيْهِ، فَناسَبَ أنْ يُشارَ إلى أنَّ صِفَةَ المالِكِيَّةِ تَقْتَضِي إفْرادَهُ بِالعِبادَةِ.
وأمّا قَوْلُهُ ﴿ولَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ فالدِّينُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الطّاعَةَ، مِن قَوْلِهِمْ: دانَتِ القَبِيلَةُ لِلْمَلِكِ، أيْ أطاعَتْهُ، فَهو مِن مُتَمِّماتِ جُمْلَةِ ﴿ولَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾؛ لِأنَّهُ لَمّا قَصَرَ المَوْجُوداتِ عَلى الكَوْنِ في مِلْكِهِ كانَ حَقِيقًا بِقَصْرِ الطّاعَةِ عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ قَدَّمَ المَجْرُورَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى فِعْلِهِ كَما وقَعَ في الَّتِي قَبْلَها.
صفحة ١٧٦
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الدِّينُ بِمَعْنى الدِّيانَةِ، فَيَكُونُ تَذْيِيلًا لِجُمْلَةِ ﴿وقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [النحل: ٥١]؛ لِأنَّ إبْطالَ دِينِ الشِّرْكِ يُناسِبُهُ أنْ لا يَدِينَ النّاسُ إلّا بِما يُشَرِّعُهُ اللَّهُ لَهم، أيْ هو الَّذِي يُشَرِّعُ لَكُمُ الدِّينَ لا غَيْرُهُ مِن أئِمَّةِ الضَّلالِ مِثْلُ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ، وزَرادَشْتَ، ومَزْدَكَ، ومانِي، قالَ تَعالى ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الدِّينُ بِمَعْنى الجَزاءِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]، فَيَكُونُ إدْماجًا لِإثْباتِ البَعْثِ الَّذِي يُنْكِرُهُ أُولَئِكَ أيْضًا، والمَعْنى: لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ وإلَيْهِ يَرْجِعُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ، لا يَرْجِعُونَ إلى غَيْرِهِ، ولا يَنْفَعُهم يَوْمَئِذٍ أحَدٌ.
والواصِبُ: الثّابِتُ الدّائِمُ، وهو صالِحٌ لِلِاحْتِمالاتِ الثَّلاثَةِ، ويَزِيدُ عَلى الِاحْتِمالِ الثّالِثِ؛ لِأنَّهُ تَأْكِيدٌ لِرَدِّ إنْكارِهِمُ البَعْثَ.
وتَفَرَّعَ عَلى هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ التَّوْبِيخُ عَلى تَقْواهم غَيْرَهُ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَتَّقُونَ إلَهَ الشَّرِّ، ويَتَقَرَّبُونَ إلَيْهِ لِيَأْمَنُوا شَرَّهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences