Ibn 'AshurAn‑Nahl · 16:61–65

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

An-Nahl 16:61–65

16:61Page 273

وَلَوۡ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلۡمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيۡهَا مِن دَآبَّةٖ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ ٦١

And if Allāh were to impose blame on the people for their wrongdoing, He would not have left upon it [i.e., the earth] any creature, but He defers them for a specified term. And when their term has come, they will not remain behind an hour, nor will they precede [it].

﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ ولَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى فَإذا جا أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾

هَذا اعْتِراضٌ في أثْناءِ التَّوْبِيخِ عَلى كُفْرِهِمُ الَّذِي مِن شَرائِعِهِ وأْدُ البَناتِ، فَأمّا وصْفُ جَعْلِهِمْ لِلَّهِ البَناتِ اللّاتِي يَأْنَفُونَ مِنها لِأنْفُسِهِمْ، ووَصَفَ ذَلِكَ بِأنَّهُ حُكْمُ سُوءٍ، ووَصَفَ حالَهم بِأنَّها مَثَلُ سَوْءٍ، وعَرَّفَهم بِأخَصِّ عَقائِدِهِمْ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِالوَعِيدِ عَلى أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ.

والظُّلْمُ: الِاعْتِداءُ عَلى الحَقِّ، وأعْظَمُهُ الِاعْتِداءُ عَلى حَقِّ الخالِقِ عَلى مَخْلُوقاتِهِ، وهو حَقُّ إفْرادِهِ بِالعِبادَةِ، ولِذَلِكَ كانَ الظُّلْمُ في القُرْآنِ إذا لَمْ يُعَدَّ إلى مَفْعُولٍ نَحْوَ (ظَلَمُوا أنْفُسَهم) مُرادًا مِنهُ أعْظَمُ الظُّلْمِ، وهو الشِّرْكُ حَتّى صارَ ذَلِكَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً في مُصْطَلَحِ القُرْآنِ، وهو المُرادُ هُنا مِن هَذا الإنْذارِ، وأمّا الظُّلْمُ الَّذِي هو دُونَ الإشْراكِ بِاللَّهِ فَغَيْرُ مُرادٍ هُنا؛ لِأنَّهُ مَراتِبُ مُتَفاوِتَةٌ كَما يَأْتِي قَرِيبًا فَلا يَقْتَضِي عِقابَ الِاسْتِئْصالِ عَلى عُمُومِهِ.

صفحة ١٨٨

والتَّعْرِيفُ في النّاسِ يُحْمَلُ عَلى تَعْرِيفِ الجِنْسِ لِيَشْمَلَ جَمِيعَ النّاسِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أنْسَبُ بِمَقامِ الزَّجْرِ، فَلَيْسَ قَوْلُهُ تَعالى (النّاسَ) مُرادًا بِهِ خُصُوصُ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ الَّذِينَ عادَتْ عَلَيْهِمُ الضَّمائِرُ المُتَقَدِّمَةُ في قَوْلِهِ لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم وما بَعْدَهُ مِنَ الضَّمائِرِ، وبِذَلِكَ لا يَكُونُ لَفْظُ (النّاسِ) إظْهارًا في مَقامِ الإضْمارِ.

وضَمِيرُ (عَلَيْها) صادِقٌ عَلى الأرْضِ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ في الكَلامِ، فَإنَّ المَقامَ دالٌّ عَلَيْها، وذَلِكَ اسْتِعْمالٌ مَعْرُوفٌ في كَلامِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢] يَعْنِي الشَّمْسَ، ويَقُولُونَ: أصْبَحَتْ بارِدَةً، يُرِيدُونَ الغَداةَ، ويَقُولُ أهْلُ المَدِينَةِ: ما بَيْنَ لابَتَيْها أحَدٌ يَفْعَلُ كَذا، يُرِيدُونَ لابَتَيِ المَدِينَةِ.

والدّابَّةُ: اسْمٌ لِما يَدِبُّ عَلى الأرْضِ، أيْ يَمْشِي، وتَأْنِيثُهُ بِتَأْوِيلِ ذاتٍ، وخُصَّ اسْمُ (دابَّةٍ) في الِاسْتِعْمالِ بِالإطْلاقِ عَلى ما عَدا الإنْسانِ مِمّا يَمْشِي عَلى الأرْضِ.

وحَرْفُ (لَوْ) حَرْفُ امْتِناعٍ لِامْتِناعٍ، أيْ حَرْفُ شَرْطٍ يَدُلُّ عَلى امْتِناعِ وُقُوعِ جَوابِهِ؛ لِأجْلِ امْتِناعِ وُقُوعِ شَرْطِهِ، وشَرْطُ (لَوْ) مُلازِمٌ لِلزَّمَنِ الماضِي فَإذا وقَعَ بَعْدَ (لَوْ) مُضارِعٌ انْصَرَفَ إلى الماضِي غالِبًا.

فالمَعْنى: لَوْ كانَ اللَّهُ مُؤاخِذًا الخَلْقَ عَلى شِرْكِهِمْ لَأفْناهم مِنَ الأرْضِ، وأفْنى الدَّوابَّ مَعَهم، أيْ ولَكِنَّهُ لَمْ يُؤاخِذْهم.

ودَلِيلُ انْتِفاءِ شَرْطِ (لَوْ) هو انْتِفاءُ جَوابِها، ودَلِيلُ انْتِفاءِ جَوابِها هو المُشاهَدَةُ، فَإنَّ النّاسَ والدَّوابَّ ما زالُوا مَوْجُودِينَ عَلى الأرْضِ.

ووَجْهُ المُلازَمَةِ بَيْنَ مُؤاخَذَةِ الظّالِمِينَ بِذُنُوبِهِمْ، وبَيْنَ إفْناءِ النّاسِ غَيْرِ الظّالِمِينَ، وإفْناءِ الدَّوابِّ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ النّاسَ لِيَعْبُدُوهُ، أيْ لِيَعْتَرِفُوا لَهُ بِالإلَهِيَّةِ والوَحْدانِيَّةِ فِيها، لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وأنَّ ذَلِكَ مُودَعٌ في الفِطْرَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى (﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّياتِهِمْ وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمُ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا﴾ [الأعراف: ١٧٢]) .

صفحة ١٨٩

فَنِعْمَةُ الإيجادِ تَقْضِي عَلى العاقِلِ أنْ يَشْكُرَ مُوجِدَهُ، فَإذا جَحَدَ وُجُودَهُ أوْ جَحَدَ انْفِرادَهُ بِالإلَهِيَّةِ فَقَدْ نَقَضَ العَهْدَ الَّذِي وُجِدَ عَلى شَرْطِهِ، فاسْتَحَقَّ المَحْوَ مِنَ الوُجُودِ بِالِاسْتِئْصالِ والإفْناءِ.

وبِذَلِكَ تَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ مِنَ الظُّلْمِ في قَوْلِهِ تَعالى (بِظُلْمِهِمْ) الإشْراكُ أوِ التَّعْطِيلُ، وأمّا ما دُونَ ذَلِكَ مِن الِاعْتِداءِ عَلى حَقِّ اللَّهِ بِمَعْصِيَةِ أمْرِهِ، أوْ عَلى حُقُوقِ المَخْلُوقاتِ بِاغْتِصابِها فَهو مَراتِبُ كَثِيرَةٌ، مِنها اعْتِداءُ أحَدٍ عَلى وُجُودِ إنْسانٍ آخَرَ مُحْتَرَمِ الحَياةِ فَيَعْدِمُهُ عَمْدًا، فَذَلِكَ جَزاؤُهُ الإفْناءُ؛ لِأنَّهُ أفْنى مُماثِلَهُ، ولا يَتَعَدّاهُ إلى إفْناءِ مَن مَعَهُ، وما دُونُ ذَلِكَ مِنَ الظُّلْمِ لَهُ عِقابٌ دُونَ ذَلِكَ، فَلا يَسْتَحِقُّ شَيْءٌ غَيْرُ الشِّرْكِ الإهْلاكَ، ولَكِنْ شَأْنُ العِقابِ أنْ يُقْصَرَ عَلى الجانِي.

فَوَجْهُ اقْتِضاءِ العِقابِ عَلى الشِّرْكِ إفْناءُ جَمِيعِ المُشْرِكِينَ ودَوابِّهِمْ أنَّ إهْلاكَ الظّالِمِينَ لا يَحْصُلُ إلّا بِحَوادِثَ عَظِيمَةٍ لا تَتَحَدَّدُ بِمِساحَةِ دِيارِهِمْ؛ لِأنَّ أسْبابَ الإهْلاكِ لا تَتَحَدَّدُ في عادَةِ نِظامِ هَذا العالَمِ، فَلِذَلِكَ يَتَناوَلُ الإهْلاكُ النّاسَ غَيْرَ الظّالِمِينَ ويَتَناوَلُ دَوابَّهم.

وإذْ قَدْ كانَ الظُّلْمُ، أيِ الإشْراكُ لَمْ تَخْلُ مِنهُ الأرْضُ لَزِمَ مِن إهْلاكِ أهْلِ الظُّلْمِ سَرَيانُ الإهْلاكِ إلى جَمِيعِ بِقاعِ الأرْضِ فاضْمَحَلَّ النّاسُ والدَّوابُّ، فَيَأْتِي الفَناءُ في قُرُونٍ مُتَوالِيَةٍ مِن زَمَنِ نُوحٍ مَثَلًا، فَلا يُوجَدُ عَلى الأرْضِ دابَّةٌ في وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ.

فَأمّا مَن عَسى أنْ يَكُونَ بَيْنَ الأُمَّةِ المُشْرِكَةِ مِن صالِحِينَ فَإنَّ اللَّهَ يُقَدِّرُ لِلصّالِحِينَ أسْبابَ النَّجاةِ بِأحْوالٍ خارِقَةٍ لِلْعادَةِ كَما قالَ تَعالى ﴿ويُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر: ٦١]، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ نَجّى هُودًا، والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ، وأخْبَرَ بِأنَّهُ نَجّى أنْبِياءَ آخَرِينَ، وكَفاكَ نَجاةُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مِنَ الطُّوفانِ في السَّفِينَةِ.

وقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ أنَّ تَأْخِيرَهم مُتَفاوِتُ الآجالِ، فَفي مَدَدِ تِلْكَ الآجالِ تَبْقى أقْوامٌ كَثِيرَةٌ تَعْمُرُ بِهِمُ الأرْضُ، فَذَلِكَ سَبَبُ بَقاءِ أُمَمٍ كَثِيرَةٍ مِنَ المُشْرِكِينَ ومِن حَوْلِهِمْ.

صفحة ١٩٠

واقْتَضى قَوْلُهُ تَعالى (مِن دابَّةٍ) إهْلاكَ دَوابِّ النّاسِ مَعَهم لَوْ شاءَ اللَّهُ ذَلِكَ؛ لَأنَّ اسْتِئْصالَ أُمَّةٍ يَشْتَمِلُ عَلى اسْتِئْصالِ دَوابِّها؛ لِأنَّ الدَّوابَّ خُلِقَتْ لِنَفْعِ النّاسِ، فَلا بِدَعَ أنْ يَسْتَأْصِلَها اللَّهُ إذا اسْتَأْصَلَ ذَوِيها.

والِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ دابَّةٍ في هَذِهِ الآيَةِ إيجازٌ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ ظُلْمُ النّاسِ مُفْضِيًا إلى اسْتِئْصالِ الدَّوابِّ كانَ العِلْمُ بِأنَّهُ مُفْضٍ إلى اسْتِئْصالِ الظّالِمِينَ حاصِلًا بِدَلالَةِ الِاقْتِضاءِ.

وهَذا في عَذابِ الِاسْتِئْصالِ، وأمّا ما يُصِيبُ النّاسَ مِنَ المَصائِبِ والفِتَنِ الوارِدُ فِيهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] فَذَلِكَ مَنُوطٌ بِأسْبابٍ عادِيَّةٍ، فاسْتِثْناءُ الصّالِحِينَ يَقْتَضِي تَعْطِيلَ دَوالِيبَ كَثِيرَةٍ مِن دَوالِيبِ النِّظامِ الفِطْرِيِّ العامِّ، وذَلِكَ لا يُرِيدُ اللَّهُ تَعْطِيلَهُ لِما يَسْتَتْبِعُ تَعْطِيلَهُ مِن تَعْطِيلِ مَصالِحَ عَظِيمَةٍ، واللَّهُ أعْلَمُ بِذَلِكَ.

فَقَدْ جاءَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إذا أرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ عَذابًا أصابَ العَذابُ مَن كانَ فِيهِمْ ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلى نِيّاتِهِمْ»، أيْ يَكُونُ لِلْمُحْسِنِ الَّذِي أصابَهُ العَذابُ تَبَعًا جَزاءٌ عَلى ما أصابَهُ مِن مُصِيبَةِ غَيْرِهِ، وإنَّما الَّذِي لا يَنالُ البَرِيءَ هو العِقابُ الأُخْرَوِيُّ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ جَزاءً عَلى التَّكْلِيفِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ الدَّوابَّ الَّتِي عَلى الأرْضِ مَخْلُوقَةٌ لِأجْلِ انْتِفاعِ الإنْسانِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنِ اسْتِعْمالُ الإنْسانِ إيّاها فِيما تَصْلُحُ لَهُ ظُلْمًا لَها، ولا قَتْلُها لِأكْلِها ظُلْمًا لَها.

والمُؤاخَذَةُ: الأخْذُ المَقْصُودُ مِنهُ الجَزاءُ، فَهو أخْذٌ شَدِيدٌ، ولِذَلِكَ صِيغَتْ لَهُ صِيغَةَ المُفاعَلَةِ الدّالَّةِ عَلى الكَثْرَةِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ المُؤاخَذَةَ المُنْتَفِيَةَ بِـ (لَوْ) هي الأخْذُ العاجِلُ المُناسِبُ لِلْمُجازاةِ؛ لَأنَّ شَأْنَ الجَزاءِ في العُرْفِ أنْ لا يَتَأخَّرَ عَنْ وقْتِ حُصُولِ الذَّنْبِ.

صفحة ١٩١

ولِهَذا جاءَ الِاسْتِدْراكُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾، فَمَوْقِعُ الِاسْتِدْراكِ هُنا أنَّهُ تَعْقِيبٌ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ﴾ .

والأجَلُ: المُدَّةُ المُعَيَّنَةُ لِفِعْلٍ ما، والمُسَمّى: المُعَيَّنُ؛ لِأنَّ التَّسْمِيَةَ تَعْيِينُ الشَّيْءِ وتَمْيِيزُهُ، وتَسْمِيَةُ الآجالِ تَحْدِيدُها.

وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.

16:62Page 273

وَيَجۡعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكۡرَهُونَۚ وَتَصِفُ أَلۡسِنَتُهُمُ ٱلۡكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفۡرَطُونَ ٦٢

And they attribute to Allāh that which they dislike [i.e., daughters], and their tongues assert the lie that they will have the best [from Him]. Assuredly, they will have the Fire, and they will be [therein] neglected.1

﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ أنَّ لَهُمُ الحُسْنى لا جَرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ وأنَّهم مُفْرِطُونَ﴾

هَذا ضِغْثٌ عَلى إبّالَةٍ مِن أحْوالِهِمْ في إشْراكِهِمْ تُخالِفُ قِصَّةَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ﴾ [النحل: ٥٧] بِاعْتِبارِ ما يَخْتَصُّ بِهَذِهِ القِصَّةِ مِن إضافَتِهِمُ الأشْياءَ المَكْرُوهَةَ عِنْدَهم إلى اللَّهِ مِمّا اقْتَضَتْهُ كَراهَتُهُمُ البَناتَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧]، فَكانَ ذَلِكَ الجَعْلُ يَنْطَوِي عَلى خَصْلَتَيْنِ مِن دِينِ الشِّرْكِ، وهُما: نِسْبَةُ البُنُوَّةِ إلى اللَّهِ، ونِسْبَةُ أخَسِّ أصْنافِ الأبْناءِ في نَظَرِهِمْ إلَيْهِ، فَخَصَّتِ الأُولى بِالذِّكْرِ بِقَوْلِهِ ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ﴾ [النحل: ٥٧] مَعَ الإيماءِ إلى كَراهَتِهِمُ البَناتِ كَما تَقَدَّمَ، وخَصَّتْ هَذِهِ بِذِكْرِ الكَراهِيَةِ تَصْرِيحًا، ولِذَلِكَ كانَ الإتْيانُ بِالمَوْصُولِ والصِّلَةِ ما يَكْرَهُونَ هو مُقْتَضى المَقامِ الَّذِي هو تَفْظِيعُ قَوْلِهِمْ، وتَشْنِيعُ اسْتِئْثارِهِمْ، وقَدْ يَكُونُ المَوْصُولُ لِلْعُمُومِ فَيُشِيرُ إلى أنَّهم جَعَلُوا لِلَّهِ أشْياءَ يَكْرَهُونَها لِأنْفُسِهِمْ مِثْلَ الشَّرِيكِ في التَّصَرُّفِ، وأشْياءَ لا يَرْضَوْنَها لِآلِهَتِهِمْ، ونَسَبُوها لِلَّهِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إلى اللَّهِ وما كانَ لِلَّهِ فَهو يَصِلُ إلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٦] .

وفِي الكَشّافِ: (يَجْعَلُونَ لِلَّهِ أرْذَلَ أمْوالِهِمْ ولِأصْنامِهِمْ أكْرَمَها)، فَهو مُرادُ عُمُومِ المَوْصُولِ، فَتَكُونُ هَذِهِ القِصَّةُ أعَمَّ مِن قِصَّةِ قَوْلِهِ تَعالى

صفحة ١٩٢

﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ﴾ [النحل: ٥٧]، ويَكُونُ تَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ مِن جِهَتَيْنِ: جِهَةِ اخْتِلافِ الِاعْتِبارِ، وجِهَةِ زِيادَةِ أنْواعِ هَذا الجَعْلِ.

وجُمْلَةُ ﴿وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ﴾ عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ أُخْرى مِن أحْوالِ كُفْرِهِمْ.

ومَعْنى تَصِفُ تَذْكُرُ بِشَرْحٍ وبَيانٍ وتَفْصِيلٍ، حَتّى كَأنَّها تَذْكُرُ أوْصافَ الشَّيْءِ، وحَقِيقَةُ الوَصْفِ: ذِكْرُ الصِّفاتِ والحُلى، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى القَوْلِ المُبِينِ المُفَصِّلِ، قالَ في الكَشّافِ في الآيَةِ الآتِيَةِ في أواخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ: هَذا مِن فَصِيحِ الكَلامِ وبَلِيغِهِ، جَعَلَ القَوْلَ كَأنَّهُ عَيْنُ الكَذِبِ فَإذا نَطَقَتْ بِهِ ألْسِنَتُهم فَقَدْ صَوَّرَتِ الكَذِبَ بِصُورَتِهِ، كَقَوْلِهِمْ: وجْهُها يَصِفُ الجَمالَ، وعَيْنُها تَصِفُ السِّحْرَ اهـ.

وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٠] في سُورَةِ الأنْعامِ، وسَيَأْتِي في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ ﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ [النحل: ١١٦]، ومِنهُ قَوْلُ المَعَرِّي:

سَرى بَرَقُ المَعَرَّةِ بَعْدَ وهْنٍ فَباتَ بِرامَةٍ يَصِفُ الكَلالا

أيْ يَشْكُو الإعْياءَ مِن قَطْعِ مَسافَةٍ طَوِيلَةٍ في زَمَنٍ قَلِيلٍ، وهو مِن بَدِيعِ اسْتِعاراتِهِ.

والمُرادُ مِن هَذا الكَذِبِ كُلُّ ما يَقُولُونَهُ مِن أقْوالِ خاصَّتِهِمْ ودَهْمائِهِمْ بِاعْتِقادٍ أوْ تَهَكُّمٍ، فَمِنَ الأوَّلِ قَوْلُ العاصِي بْنِ وائِلٍ المَحْكِيِّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧] وفي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فصلت: ٥٠]، ومِنَ الثّانِي قَوْلُهم في البَلِيَّةِ: أنَّ صاحِبَها يَرْكَبُها يَوْمَ القِيامَةِ لِكَيْلا يُعْيى.

وانْتَصَبَ (الكَذِبَ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ (تَصِفُ) .

و(﴿أنَّ لَهُمُ الحُسْنى﴾) بَدَلٌ مِنَ (الكَذِبَ) أوِ (الحُسْنى) صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ، أيِ الحالَةُ الحُسْنى.

صفحة ١٩٣

وجُمْلَةُ ﴿لا جَرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ﴾ جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِمُ المَحْكِيِّ، ومَعْنى لا جَرَمَ: لا شَكَّ، أيْ حَقًّا، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ.

و(مُفْرِطُونَ) بِكَسْرِ الرّاءِ المُخَفَّفَةِ في قِراءَةِ نافِعٍ: اسْمُ فاعِلٍ مِن أفْرَطَ، إذا بَلَغَ غايَةَ شَيْءٍ ما، أيْ مُفْرِطُونَ في الأخْذِ مِن عَذابِ النّارِ.

وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِكَسْرِ الرّاءِ مُشَدِّدَةً مِن فَرَّطَ المُضاعَفِ، وقَرَأهُ البَقِيَّةُ بِفَتْحِ الرّاءِ مُخَفَّفَةً عَلى زِنَةِ اسْمِ المَفْعُولِ، أيْ مَجْعُولُونَ فَرَطًا بِفَتْحَتَيْنِ، وهو المُقَدَّمُ إلى الماءِ لِيَسْقِيَ.

والمُرادُ: أنَّهم سابِقُونَ إلى النّارِ مُعَجِّلُونَ إلَيْها؛ لِأنَّهم أشَدُّ أهْلِ النّارِ اسْتِحْقاقًا لَها، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ إطْلاقُ الإفْراطِ عَلى هَذا المَعْنى اسْتِعارَةً تَهَكُّمِيَّةً كَقَوْلِ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ:

فَعَجَّلْنا القِرى أنْ تَشْتُمُونا

أرادَ فَبادَرْنا بِقِتالِكم حِينَ نَزَلْتُمْ بِنا مُغِيرِينَ عَلَيْنا.

وفِيهِ مَعَ ذِكْرِ النّارِ في مُقابَلَتِها مُحَسِّنُ الطِّباقِ، عَلى أنَّ قِراءَةَ نافِعٍ تَحْتَمِلُ التَّفْسِيرَ بِهَذا أيْضًا لِجَوازِ أنْ يُقالَ: أفْرَطَ إلى الماءِ إذا تَقَدَّمَ لَهُ.

16:63Page 273

تَٱللَّهِ لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٖ مِّن قَبۡلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلۡيَوۡمَ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٦٣

By Allāh, We did certainly send [messengers] to nations before you, but Satan made their deeds attractive to them. And he is their [i.e., the disbelievers] ally today [as well], and they will have a painful punishment.

﴿تاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَهْوَ ولِيُّهُمُ اليَوْمَ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ داخِلٌ في الكَلامِ الِاعْتِراضِيِّ قُصِدَ مِنهُ تَنْظِيرُ حالِ المُشْرِكِينَ المُتَحَدَّثِ عَنْهم وكُفْرِهِمْ في سُوءِ أعْمالِهِمْ وأحْكامِهِمْ بِحالِ الأُمَمِ الضّالَّةِ مِن قَبْلِهِمُ الَّذِينَ اسْتَهْواهُمُ الشَّيْطانُ مِنَ الأُمَمِ البائِدَةِ مِثْلُ عادٍ وثَمُودَ، والحاضِرَةِ كاليَهُودِ والنَّصارى.

صفحة ١٩٤

ووَجْهُ الخِطابِ إلى النَّبِيءِ ﷺ لِقَصْدِ إبْلاغِهِ إلى أسْماعِ النّاسِ، فَإنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ لِهَدْيِ النّاسِ، فَتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِالقَسَمِ مَنظُورٌ فِيهِ إلى المَقْصُودِينَ بِالخَبَرِ لا إلى المُوَجَّهِ إلَيْهِ الخَبَرُ؛ لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ لا يَشُكُّ في ذَلِكَ.

ومَصَبُّ القَسَمِ هو التَّفْرِيعُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ .

وأمّا الإرْسالُ إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِهِمْ فَلا يَشُكُّ فِيهِ المُشْرِكُونَ، وشَأْنُ التّاءِ المُثَنّاةِ أنْ تَقَعَ في قَسَمٍ عَلى مُسْتَغْرَبٍ مَصَبُّ القَسَمِ هُنا هو المُفْرَدُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾؛ لِأنَّ تَأْثِيرَ تَزْيِينِ الشَّيْطانِ لَهم أعْمالَهم بَعْدَما جاءَهم مِن إرْشادِ رُسُلِهِمْ أمْرٌ عَجِيبٌ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى حَرْفِ تاءِ القَسَمِ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿تاللَّهِ لَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ [النحل: ٥٦] .

وجُمْلَةُ ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ القَسَمِ، والتَّقْدِيرُ: أرْسَلْنا فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم.

وتَزْيِينُ الشَّيْطانِ أعْمالَهم كِنايَةٌ عَنِ المَعاصِي، فَمِن ذَلِكَ عَدَمُ الإيمانِ بِالرُّسُلِ وهو كَمالُ التَّنْظِيرِ، ومِنها الِابْتِداعاتُ المُنافِيَةُ لِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مِثْلُ ابْتِداعِ المُشْرِكِينَ البَحِيرَةَ والسّائِبَةَ، والمَقْصُودُ: أنَّ المُشْرِكِينَ سَلَكُوا مَسْلَكَ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ الَّتِي زَيَّنَّ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم.

وجُمْلَةُ ﴿فَهُوَ ولِيُّهُمُ اليَوْمَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَرَّعَةً عَلى جُمْلَةِ القَسَمِ بِتَمامِها، عَلى أنْ يَكُونَ التَّفْرِيعُ هو المَقْصُودُ مِن جُمْلَةِ الِاسْتِئْنافِ لِلتَّنْظِيرِ؛ فَيَكُونُ ضَمِيرُ (ولِيُّهُمُ) عائِدًا إلى المُنَظِّرِينَ بِقَرِينَةِ السِّياقِ. ولا مانِعَ مِنَ اخْتِلافٍ مُعادِي ضَمِيرَيْنِ مُتَقارِبَيْنِ مَعَ القَرِينَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾ [الروم: ٩] .

والمَعْنى: فالشَّيْطانُ ولِيُّ المُشْرِكِينَ اليَوْمَ، أيْ مُتَوَلِّي أمْرَهم كَما كانَ ولِيَّ الأُمَمِ مِن قَبْلِهِمْ إذْ زَيَّنَ لَهم أعْمالَهم، أيْ لا ولِيَّ لَهُمُ اليَوْمَ غَيْرُهُ، رَدًّا

صفحة ١٩٥

عَلى زَعْمِهِمْ أنَّ لَهُمُ الحُسْنى، ويَكُونُ في الكَلامِ شِبْهُ الِاحْتِباكِ، والتَّقْدِيرُ: لَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَكانَ ولِيَّهم حِينَئِذٍ، وهو ولِيُّ المُشْرِكِينَ اليَوْمَ يُزَيِّنُ لَهم أعْمالَهم، كَما كانَ ولِيَّ مَن قَبْلَهم.

وقَوْلُهُ (اليَوْمَ) مُسْتَعْمَلٌ في زَمانٍ مَعْهُودٍ بِعَهْدِ الحُضُورِ، أيْ فَهو ولِيُّهُمُ الآنَ، و(هو) كِنايَةٌ عَنِ اسْتِمْرارِ وِلايَتِهِ لَهم إلى زَمَنِ المُتَكَلِّمِ مُطْلَقًا بِدُونِ قَصْدٍ، لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُهُ مِنَ الوَقْتِ الَّذِي مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ.

وهُوَ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِلزَّمانِ الحاضِرِ، وأصْلُهُ: اليَوْمُ الحاضِرُ، وهو اليَوْمُ الَّذِي أنْتَ فِيهِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ﴾ [المائدة: ٣] في سُورَةِ العُقُودِ.

ولا يُسْتَعْمَلُ في يَوْمٍ مَضى مُعَرَّفًا بِاللّامِ إلّا بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ، نَحْوَ: ذَلِكَ اليَوْمُ، أوْ مِثْلُ يَوْمَئِذٍ.

16:64Page 273

وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٦٤

And We have not revealed to you the Book, [O Muḥammad], except for you to make clear to them that wherein they have differed and as guidance and mercy for a people who believe.

﴿وما أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ إلّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وهُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ القَسَمِ، والمُناسَبَةُ أنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ لِإتْمامِ الهِدايَةِ، وكَشْفِ الشُّبْهاتِ الَّتِي عَرَضَتْ لِلْأُمَمِ الماضِيَةِ والحاضِرَةِ فَتُرِكَتْ أمْثالُها في العَرَبِ وغَيْرِهِمْ.

فَلَمّا ذُكِرَتْ ضَلالاتُهم وشُبْهاتُهم عُقِّبَ ذَلِكَ بِبَيانِ الحِكْمَةِ في إرْسالِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وإنْزالِ القُرْآنِ إلَيْهِ، فالقُرْآنُ جاءَ مُبَيِّنًا لِلْمُشْرِكِينَ ضَلالَهم بَيانًا لا يَتْرُكُ لِلْباطِلِ مَسْلَكًا إلى النُّفُوسِ، ومُفْصِحًا عَنِ الهُدى إفْصاحًا لا يَتْرُكُ لِلْحِيرَةِ مَجالًا في العُقُولِ، ورَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ بِما جازاهم عَنْ إيمانِهِمْ مِن خَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.

صفحة ١٩٦

وعَبَّرَ عَنِ الضَّلالِ بِطَرِيقَةِ المَوْصُولِيَّةِ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ سَبَبَ الضَّلالِ هو اخْتِلافُهم عَلى أنْبِيائِهِمْ، فالعَرَبُ اخْتَلَفَتْ ضَلالَتُهم في عِبادَةِ الأصْنامِ، عَبَدَتْ كُلُّ قَبِيلَةٍ مِنهم صَنَمًا، وعَبَدَ بَعْضُهُمُ الشَّمْسَ والكَواكِبَ، واتَّخَذَتْ كُلُّ قَبِيلَةٍ لِنَفْسِها أعْمالًا يَزْعُمُونَها دِينًا صَحِيحًا، واخْتَلَفُوا مَعَ المُسْلِمِينَ في جَمِيعِ ذَلِكَ الدِّينِ.

والإتْيانُ بِصِيغَةِ القَصْرِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ إلّا لِتُبَيِّنَ﴾ لِقَصْدِ الإحاطَةِ بِالأهَمِّ مِن غايَةِ القُرْآنِ وفائِدَتِهِ الَّتِي أُنْزِلَ لِأجْلِها، فَهو قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِيَرْغَبَ السّامِعُونَ في تَلَقِّيهِ وتَدَبُّرِهِ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ كُلٌّ بِما يَلِيقُ بِحالِهِ حَتّى يَسْتَوُوا في الِاهْتِداءِ.

ثُمَّ إنَّ القَصْرَ يُعَرِّضُ بِتَفْنِيدِ أقْوالِ مَن حَسِبُوا مِنَ المُشْرِكِينَ أنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ لِذِكْرِ القَصَصِ لِتَعْلِيلِ الأنْفُسِ في الأسْمارِ ونَحْوِها حَتّى قالَ مُضِلُّهم: أنا آتِيكم بِأحْسَنِ مِمّا جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ، آتِيكم بِقِصَّةِ رُسْتُمَ واسْفَنْدِيارَ، فالقُرْآنُ أهَمُّ مَقاصِدِهِ هَذِهِ الفَوائِدُ الجامِعَةُ لِأُصُولِ الخَيْرِ، وهي كَشْفُ الجَهالاتِ والهُدى إلى المَعارِفِ الحَقِّ وحُصُولُ أثَرِ ذَيْنَكِ الأمْرَيْنِ، وهو الرَّحْمَةُ النّاشِئَةُ عَنْ مُجانَبَةِ الضَّلالِ، وإتْباعِ الهُدى.

وأُدْخِلَتْ لامُ التَّعْلِيلِ عَلى فِعْلِ (تَبَيَّنَ) الواقِعِ مَوْقِعَ المَفْعُولِ لِأجْلِهِ؛ لِأنَّهُ مِن فِعْلِ المُخاطَبِ لا مِن فِعْلِ فاعِلِ (أنْزَلْنا)، فالنَّبِيءُ هو المُباشِرُ لِلْبَيانِ بِالقُرْآنِ تَبْلِيغًا وتَفْسِيرًا، فَلا يَصِحُّ في العَرَبِيَّةِ الإتْيانُ بِالتَّبْيِينِ مَصْدَرًا مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِأجْلِهِ، إذْ لَيْسَ مُتَّحِدًا مَعَ العامِلِ في الفاعِلِ، ولِذَلِكَ خُولِفَ في المَعْطُوفِ فَنُصِبَ (هُدًى ورَحْمَةً)؛ لِأنَّهُما مِن أفْعالِ مُنْزِلِ القُرْآنِ، فاللَّهُ هو الهادِي والرّاحِمُ بِالقُرْآنِ، وكُلٌّ مِنَ البَيانِ والهُدى والرَّحْمَةِ حاصِلٌ بِالقُرْآنِ، فَآلَتِ الصِّفاتُ الثَّلاثُ إلى أنَّها صِفاتٌ لِلْقُرْآنِ أيْضًا.

صفحة ١٩٧

والتَّعْبِيرُ بِـ (لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) دُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ، أوْ لِلَّذِينَ آمَنُوا، لِلْإيماءِ إلى أنَّهُمُ الَّذِينَ الإيمانُ كالسَّجِيَّةِ لَهم والعادَةُ الرّاسِخَةُ الَّتِي تَتَقَوَّمُ بِها قَوْمِيَّتُهم، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى (لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وهاتِهِ الآيَةُ بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ لِلْعِبَرِ والحُجَجِ النّاشِئَةِ عَنْ وصْفِ أحْوالِ المَخْلُوقاتِ، ونِعَمِ الخالِقِ عَلى النّاسِ المُبْتَدِئَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧] .

16:65Page 274

وَٱللَّهُ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَسۡمَعُونَ ٦٥

And Allāh has sent down rain from the sky and given life thereby to the earth after its lifelessness. Indeed in that is a sign for a people who listen.

﴿واللَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾

انْتَهى الكَلامُ المُعْتَرَضُ بِهِ، وعادَ الكَلامُ إلى دَلائِلِ الِانْفِرادِ بِالخَلْقِ مَعَ ما أُدْمِجَ فِيهِ ذَلِكَ مِنَ التَّذْكِيرِ بِالنِّعَمِ، فَهَذِهِ مِنَّةٌ مِنَ المِنَنِ وعِبْرَةٌ مِنَ العِبَرِ وحُجَّةٌ مِنَ الحُجَجِ المُتَفَرِّعَةِ عَنِ التَّذْكِيرِ بِنِعَمِ اللَّهِ والِاعْتِبارِ بِعَجِيبِ صُنْعِهِ.

عادَ الكَلامُ إلى تَعْدادِ نِعَمٍ جَمَّةٍ، ومَعَها ما فِيها مِنَ العِبَرِ أيْضًا جَمْعًا عَجِيبًا بَيْنَ الِاسْتِدْلالِ، ووَصْلًا لِلْكَلامِ المُفارِقِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦]، كَما عَلِمْتَهُ فِيما تَقَدَّمَ، فَكانَ ذِكْرُ إنْزالِ الماءِ في الآيَةِ السّابِقَةِ مَسُوقًا مَساقَ الِاسْتِدْلالِ، وهو هُنا مَسُوقٌ مَساقَ الِامْتِنانِ بِنِعْمَةِ إحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها بِالماءِ النّازِلِ مِنَ السَّماءِ.

وبِهَذا الِاعْتِبارِ خالَفَتْ هَذِهِ النِّعْمَةُ النِّعْمَةَ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ سابِقًا ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ﴾ [النحل: ١٠] بِاخْتِلافِ الغَرَضِ الأوَّلِيِّ، فَهو هُنالِكَ الِاسْتِدْلالُ بِتَكْوِينِ الماءِ، وهُنا الِامْتِنانُ.

وبِناءُ الجُمْلَةِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ لِإفادَةِ التَّخْصِيصِ، أيِ اللَّهُ لا غَيْرُهُ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً، وذَلِكَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم

صفحة ١٩٨

مِن شَيْءٍ﴾ [الروم: ٤٠]، وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ دُونَ الإضْمارِ الَّذِي هو مُقْتَضى الظّاهِرِ لِقَصْدِ التَّنْوِيهِ بِالخَبَرِ إذِ افْتُتِحَ بِهَذا الِاسْمِ، ولِأنَّ دَلالَةَ الِاسْمِ العَلَمِ أوْضَحُ وأصْرَحُ، فَهو مُقْتَضى مَقامِ تَحْقِيقِ الِانْفِرادِ بِالخَلْقِ والإنْعامِ دُونَ غَيْرِهِ مِن شُرَكائِهِمْ؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ يُقِرُّونَ بِأنَّ اللَّهَ هو فاعِلُ هَذِهِ الأشْياءِ.

وإحْياءُ الأرْضِ: إخْراجُ ما فِيهِ الحَياةُ، وهو الكَلَأُ والشَّجَرُ، ومَوْتُها ضِدُّ ذَلِكَ، فَتَعْدِيَةُ فِعْلِ (أحْيا) إلى الأرْضِ تَعْدِيَةٌ مَجازِيَّةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وتَقَدَّمَ وجْهُ العِبْرَةِ في آيَةِ نُزُولِ المَطَرِ هُنالِكَ.

وجُمْلَةُ (إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً) مُسْتَأْنَفَةٌ، والتَّأْكِيدُ بِـ (إنَّ) ولامِ الِابْتِداءِ؛ لِأنَّ مَن لَمْ يَهْتَدِ بِذَلِكَ إلى الوَحْدانِيَّةِ يُنْكِرُونَ أنَّ القَوْمَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ذَلِكَ قَدْ عَلِمُوا دَلالَتَهُ عَلى الوَحْدانِيَّةِ، أيْ يُنْكِرُونَ صَلاحِيَةَ ذَلِكَ لِلِاسْتِدْلالِ.

والإتْيانُ بِاسْمِ الإشارَةِ دُونَ الضَّمِيرِ؛ لِيَكُونَ مَحَلُّ الآيَةِ جَمِيعَ المَذْكُوراتِ مِن إنْزالِ المَطَرِ، وإحْياءِ الأرْضِ بِهِ، ومَوْتِها مِن قَبْلِ الإحْياءِ.

والكَلامُ في (قَوْمٍ يَسْمَعُونَ) كالكَلامِ في قَوْلِهِ آنِفًا (لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) .

والسَّمْعُ: هُنا مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ مَعْناهُ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ، وهو سَماعُ التَّدَبُّرِ والإنْصافِ لِما تَدَبَّرُوا بِهِ، وهو تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَمْ يَفْهَمُوا دَلالَةَ ذَلِكَ عَلى الوَحْدانِيَّةِ، ولِذَلِكَ اخْتِيرَ وصْفُ السَّمْعِ هُنا المُرادُ مِنهُ الإنْصافُ والِامْتِثالُ؛ لِأنَّ دَلالَةَ المَطَرِ وحَياةَ الأرْضِ بِهِ مَعْرُوفَةٌ مَشْهُورَةٌ، ودَلالَةُ ذَلِكَ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى ظاهِرَةٌ لا يَصُدُّ عَنْها إلّا المُكابَرَةُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском