Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
An-Nahl 16:80–87
16:80Page 276
وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۢ بُيُوتِكُمۡ سَكَنٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ ٱلۡأَنۡعَٰمِ بُيُوتٗا تَسۡتَخِفُّونَهَا يَوۡمَ ظَعۡنِكُمۡ وَيَوۡمَ إِقَامَتِكُمۡ وَمِنۡ أَصۡوَافِهَا وَأَوۡبَارِهَا وَأَشۡعَارِهَآ أَثَٰثٗا وَمَتَٰعًا إِلَىٰ حِينٖ ٨٠
And Allāh has made for you from your homes a place of rest and made for you from the hides of the animals tents which you find light on your day of travel and your day of encampment; and from their wool, fur and hair is furnishing and enjoyment [i.e., provision] for a time.
﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بِيُوتِكم سَكَنًا وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بِيُوتًا تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعَنِكم ويَوْمَ إقامَتِكُمْوَمِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها أثاثًا ومَتاعًا إلى حِينٍ﴾ هَذا مِن تَعْدادِ النِّعَمِ الَّتِي ألْهَمَ اللَّهُ إلَيْها الإنْسانَ، وهي نِعْمَةُ الفِكْرِ بِصُنْعِ المَنازِلِ الواقِيَةِ والمُرَفَّهَةِ، وما يُشْبِهُها مِنَ الثِّيابِ والأثاثِ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨] . وكُلُّها مِنَ الألْطافِ الَّتِي أعَدَّ اللَّهُ لَها عَقْلَ الإنْسانِ، وهَيَّأ لَهُ وسائِلَها.
صفحة ٢٣٧
وهَذِهِ نِعْمَةُ الإلْهامِ إلى اتِّخاذِ المَساكِنِ، وذَلِكَ أصْلُ حِفْظِ النَّوْعِ مِن غَوائِلِ حَوادِثِ الجَوِّ مِن شِدَّةِ بَرْدٍ أوْ حَرٍّ، ومِن غَوائِلِ السِّباعِ والهَوامِ، وهي أيْضًا أصْلُ الحَضارَةِ والتَّمَدُّنِ؛ لِأنَّ البُلْدانَ ومَنازِلَ القَبائِلِ تَتَقَوَّمُ مِنِ اجْتِماعِ البُيُوتِ، وأيْضًا تَتَقَوَّمُ مِن مُجْتَمَعِ الحُلَلِ والخِيامِ.
والقَوْلُ في نَظْمِ جُمْلَةِ ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ﴾ [النحل: ٧٢] كالقَوْلِ في الَّتِي قَبْلَها.
وبُيُوتٌ: يَجُوزُ فِيهِ ضَمُّ المُوَحَّدَةِ وكَسْرُها، وهو جَمْعُ بَيْتٍ، وضَمُّ المُوَحَّدَةِ هو القِياسُ؛ لِأنَّهُ عَلى وزْنِ فُعُولٌ، وهو مُطَّرِدٌ في جَمْعِ فَعْلٍ بِفَتْحِ الفاءِ وسُكُونِ العَيْنِ، وأمّا لُغَةُ كَسْرِ الباءِ فَلِمُناسَبَةِ وُقُوعِ الياءِ التَّحْتِيَّةِ بَعْدَ المُوَحَّدَةِ المَضْمُومَةِ؛ لِأنَّ الِانْتِقالَ مِن حَرَكَةِ الضَّمِّ إلى النُّطْقِ بِالياءِ ثَقِيلٌ، وقالَ الزَّجّاجُ: أكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ لا يَعْرِفُونَ الكَسْرَ (أيْ لا يَعْرِفُونَهُ لُغَةً) وبَيَّنَ أبُو عَلِيٍّ جَوازَهُ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وبِالكَسْرِ قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأها بِالضَّمِّ أبُو عَمْرٍو ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ.
والبَيْتُ: مَكانٌ يُجْعَلُ لَهُ بِناءٌ وفُسْطاطٌ يُحِيطُ بِهِ يُعَيِّنُ مَكانَهُ لِيَتَّخِذَهُ جاعِلُهُ مَقَرًّا يَأْوِي إلَيْهِ، ويَسْتَكِنُّ بِهِ مِنَ الحَرِّ والقَرِّ، وقَدْ يَكُونُ مُحِيطُهُ مِن حَجَرٍ وطِينٍ ويُسَمّى جِدارًا، أوْ مِن أخْشابٍ أوْ قَصَبٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وتُسَمّى أيْضًا الأخْصاصُ، ويُوضَعُ فَوْقَ مُحِيطِهِ غِطاءٌ ساتِرٌ مِن أعْلاهُ يُسَمّى السَّقْفُ، يُتَّخَذُ مِن أعْوادٍ ويُطَيَّنُ عَلَيْها، وهَذِهِ بُيُوتُ أهْلِ المُدُنِ والقُرى.
وقَدْ يَكُونُ المُحِيطُ بِالبَيْتِ مُتَّخَذًا مِن أدِيمٍ مَدْبُوغٍ ويُسَمّى القُبَّةَ، أوْ مِن أثْوابٍ تُنْسَجُ مِن وبَرٍ أوْ شَعْرٍ أوْ صُوفٍ، ويُسَمّى الخَيْمَةَ أوِ الخِباءَ، وكُلُّها يَكُونُ بِشَكْلٍ قَرِيبٍ مِنَ الهَرَمِيِّ تَلْتَقِي شُقَّتاهُ أوْ شُقَقُهُ مِن أعْلاهُ مُعْتَمِدَةً عَلى عَمُودٍ، وتَنْحَدِرُ مِنهُ مُتَّسِعَةً عَلى شَكْلٍ مَخْرُوطٍ، وهَذِهِ بُيُوتُ الأعْرابِ في البَوادِي أهْلِ الإبِلِ والغَنَمِ يَتَّخِذُونَها؛ لِأنَّها أسْعَدُ لَهم في انْتِجاعِهِمْ، فَيَنْقُلُونَها مَعَهم إذا انْتَقَلُوا
صفحة ٢٣٨
يَتَتَبَّعُونَ مَواقِعَ الكَلَأِ لِأنْعامِهِمْ والكَمْأةِ لِعَيْشِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ البَيْتِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
و(جَعَلَ) هُنا بِمَعْنى أوْجَدَ، فَتَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ.
والسَّكَنُ: اسْمٌ بِمَعْنى المَسْكُونِ، والسُّكْنى: مَصْدَرُ سَكَنَ فُلانٌ البَيْتَ، إذا جَعَلَهُ مَقَرًّا لَهُ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ السُّكُونِ، أيِ القَرارِ.
وانْتَصَبَ قَوْلُهُ تَعالى سَكَنًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِـ (جَعَلَ) .
وقَوْلُهُ ﴿مِن بُيُوتِكُمْ﴾ بَيانٌ لِلسَّكَنِ، فَتَكُونُ (مِن) بَيانِيَّةٌ، أوْ تُجْعَلُ ابْتِدائِيَّةً، ويَكُونُ الكَلامُ مِن قَبِيلِ التَّجْرِيدِ بِتَنْزِيلِ البُيُوتِ مَنزِلَةَ شَيْءٍ آخَرَ غَيْرِ السَّكَنِ، كَقَوْلِهِمْ: لَئِنْ لَقِيتَ فُلانًا لَتَلْقَيَنَّ مِنهُ بَحْرًا، وأصْلُ التَّرْكِيبِ: واللَّهُ جَعَلَ لَكم بُيُوتَكم سَكَنًا.
وقِيلَ: إنَّ سَكَنًا مَصْدَرٌ، وهو قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وعَلَيْهِ فَيَكُونُ الِامْتِنانُ بِالإلْهامِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ السُّكُونُ، وتَكُونُ (مِن) ابْتِدائِيَّةً؛ لِأنَّ أوَّلَ السُّكُونِ يَقَعُ في البُيُوتِ.
وشَمِلَ البُيُوتُ هُنا جَمِيعَ أصْنافِها.
وخُصَّ بِالذِّكْرِ القِبابُ والخِيامُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا﴾؛ لِأنَّ القِبابَ مَن أدَمٍ، والخِيامَ مِن مَنسُوجِ الأوْبارِ والأصْوافِ والأشْعارِ، وهي ناشِئَةٌ مِنَ الجِلْدِ؛ لِأنَّ الجِلْدَ هو الإهابُ بِما عَلَيْهِ، فَإذا دُبِغَ وأُزِيلَ مِنهُ الشَّعْرُ فَهو الأدِيمُ.
وهَذا امْتِنانٌ خاصٌّ بِالبُيُوتِ القابِلَةِ لِلِانْتِقالِ والِارْتِحالِ. والبَشَرُ كُلُّهم لا يَعْدُونَ أنْ يَكُونُوا أهْلَ قُرًى أوْ قَبائِلَ رُحَّلًا.
والسِّينُ والتّاءُ في (تَسْتَخِفُّونَها) لِلْوِجْدانِ، أيْ تَجِدُونَها خَفِيفَةً، أيْ خَفِيفَةَ المَحْمَلِ حِينَ تَرْحَلُونَ، إذْ يَسْهُلُ نَقْضُها مِن مَواضِعِها وطَيُّها وحَمْلُها عَلى الرَّواحِلِ، وحِينَ تُنِيخُونَ إناخَةَ الإقامَةِ في المَوْضِعِ المُنْتَقَلِ إلَيْهِ فَيَسْهُلُ ضَرْبُها وتَوْثِيقُها في الأرْضِ.
صفحة ٢٣٩
و(الظَّعْنُ) بِفَتْحِ الظّاءِ والعَيْنِ وتَسْكِينِ العَيْنِ، وقَدْ قَرَأهُ بِالأوَّلِ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ، وبِالثّانِي الباقُونَ، وهو السَّفَرُ.
وأطْلَقَ اليَوْمَ عَلى الحِينِ والزَّمَنِ، أيْ وقْتَ سَفَرِكم.
والأثاثُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ اسْمُ جَمْعٍ لِلْأشْياءِ الَّتِي تُفْرَشُ في البُيُوتِ مِن وسائِدَ وبُسُطٍ وزَرابِيِّ، وكُلُّها تُنْسَجُ أوْ تُحْشى بِالأصْوافِ والأشْعارِ والأوْبارِ.
والمَتاعُ أعَمُّ مِنَ الأثاثِ، فَيَشْمَلُ الأعْدالَ والخَطْمَ والرَّحائِلَ واللُّبُودَ والعُقُلَ.
فالمَتاعُ: ما يُتَمَتَّعُ بِهِ ويُنْتَفَعُ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ المُتَعِ، وهو الذَّهابُ بِالشَّيْءِ، ولِمُلاحَظَةِ اشْتِقاقِهِ تَعَلَّقَ بِهِ إلى حِينٍ، والمَقْصُودُ مِن هَذا المُتَعَلِّقِ الوَعْظُ بِأنَّها أوْ أنَّهم صائِرُونَ إلى زَوالٍ يَحُولُ دُونَ الِانْتِفاعِ بِها؛ لِيَكُونَ النّاسُ عَلى أُهْبَةٍ واسْتِعْدادٍ لِلْآخِرَةِ؛ فَيَتْبَعُوا ما يُرْضِي اللَّهَ تَعالى، كَما قالَ ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها﴾ [الأحقاف: ٢٠] .
16:81Page 276
وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَٰلٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡجِبَالِ أَكۡنَٰنٗا وَجَعَلَ لَكُمۡ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلۡحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأۡسَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُسۡلِمُونَ ٨١
And Allāh has made for you, from that which He has created, shadows [i.e., shade] and has made for you from the mountains, shelters and has made for you garments which protect you from the heat and garments [i.e., coats of mail] which protect you from your [enemy in] battle. Thus does He complete His favor upon you that you might submit [to Him].
﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِمّا خَلَقَ ظِلالًا وجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا وجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ وسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكم كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى أخَواتِها.
والقَوْلُ في نَظْمِ ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ﴾ [النحل: ٨٠] كالقَوْلِ في نَظائِرِهِ المُتَقَدِّمَةِ.
وهَذا امْتِنانٌ بِنِعْمَةِ الإلْهامِ إلى التَّوَقِّي مِن أضْرارِ الحَرِّ والقَرِّ في حالَةِ الِانْتِقالِ، أعْقَبَتْ بِهِ المِنَّةَ بِذَلِكَ في حالِ الإقامَةِ والسُّكْنى، وبِنِعْمَةِ خَلْقِ الأشْياءِ الَّتِي
صفحة ٢٤٠
يَكُونُ بِها ذَلِكَ التَّوَقِّي بِاسْتِعْمالِ المَوْجُودِ، وصُنْعِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ الإنْسانُ مِنَ اللِّباسِ، إذْ خَلَقَ اللَّهُ الظِّلالَ صالِحَةً لِلتَّوَقِّي مِن حَرِّ الشَّمْسِ. وخَلَقَ الكُهُوفَ في الجِبالِ؛ لِيُمْكِنَ اللَّجَأُ إلَيْها. وخَلَقَ مَوادَّ اللِّباسِ مَعَ الإلْهامِ إلى صِناعَةِ نَسْجِها، وخَلَقَ الحَدِيدَ؛ لِاتِّخاذِ الدُّرُوعِ لِلْقِتالِ.
و(مِن) في ﴿مِمّا خَلَقَ﴾ ابْتِدائِيَّةٌ.
والظِّلالُ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ﴾ [النحل: ٤٨] آنِفًا؛ لِأنَّ الظِّلالَ آثارُ حَجْبِ الأجْسامِ ضَوْءَ الشَّمْسِ مِنَ الوُقُوعِ عَلى الأرْضِ.
والأكْنانُ: جَمَعَ (كِنٍّ) بِكَسْرِ الكافِ، وهو فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ مَكْنُونٍ فِيهِ، وهي الغِيرانُ والكُهُوفُ.
و(مِن) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿مِمّا خَلَقَ﴾، و﴿مِنَ الجِبالِ﴾، لِلتَّبْعِيضِ، كانُوا يَأْوُونَ إلى الكُهُوفِ في شِدَّةِ حَرِّ الهَجِيرِ أوْ عِنْدَ اشْتِدادِ المَطَرِ، كَما ورَدَ في حَدِيثِ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ سَألُوا اللَّهَ بِأفْضَلِ أعْمالِهِمْ في صَحِيحِ البُخارِيِّ.
والسَّرابِيلُ: جَمْعُ سِرْبالٍ، وهو القَمِيصُ يَقِي الجَسَدَ حَرَّ الشَّمْسِ، كَما يَقِيهِ البَرْدَ.
وخَصَّ الحَرَّ هُنا؛ لِأنَّهُ أكْثَرُ أحْوالِ بِلادِ المُخاطَبِينَ في وقْتِ نُزُولِها، عَلى أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ الدِّفْءَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ﴾ [النحل: ٥] ذَكَرَ ضِدَّهُ هُنا.
والسَّرابِيلُ الَّتِي تَقِي البَأْسَ: هي دُرُوعُ الحَدِيدِ، ولَها مِن أسْماءِ القَمِيصِ الدِّرْعُ، والسِّرْبالُ، والبَدَنُ.
والبَأْسُ: الشِّدَّةُ في الحَرْبِ، وإضافَتُهُ إلى الضَّمِيرِ عَلى مَعْنى التَّوْزِيعِ، أيْ تَقِي بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ، كَما فَسَّرَ بِهِ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ويُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥]، وقالَ تَعالى ﴿وأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥]، وهو بَأْسُ السُّيُوفِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكم لِيُحْصِنَكم مِن بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠] .
صفحة ٢٤١
وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ تَذْيِيلٌ لِما ذُكِرَ مِنَ النِّعَمِ، والمُشارُ إلَيْهِ هو ما في النِّعَمِ المَذْكُورَةِ مِنَ الإتْمامِ، أوْ إلى الإتْمامِ المَأْخُوذِ مِن (يُتِمَّ) .
و(لَعَلَّ) لِلرَّجاءِ، اسْتُعْمِلَتْ في مَعْنى الرَّغْبَةِ، أيْ رَغْبَةٌ في أنْ تُسْلِمُوا، أيْ تَتَّبِعُوا دِينَ الإسْلامِ الَّذِي يَدْعُوكم إلى ما مَآلُهُ شُكْرُ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى.
وتَقَدَّمَ تَأْوِيلُ مَعْنى الرَّجاءِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى مِن سُورَةِ البَقَرَةِ.
16:82Page 276
فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ٨٢
But if they turn away, [O Muḥammad] - then only upon you is [responsibility for] clear notification.
﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾ [النحل: ٨١] وقَعَ اعْتِراضًا بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [النحل: ٨١] وجُمْلَةُ ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ [النحل: ٨٤] .
وقَدْ حَوَّلَ الخِطابَ عَنْهم إلى خِطابِ النَّبِيءِ ﷺ وهو نَوْعٌ مِنَ الِالتِفاتِ مِن أُسْلُوبٍ إلى أُسْلُوبٍ، والتِفاتٌ عَمَّنْ كانَ الكَلامُ مُوَجَّهًا إلَيْهِ بِتَوْجِيهِ الكَلامِ إلى شَخْصٍ آخَرَ.
والمَعْنى: كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لِتُسْلِمُوا فَإنْ لَمْ يُسْلِمُوا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ.
والمَقْصُودُ: تَسْلِيَةُ النَّبِيءِ ﷺ عَلى عَدَمِ اسْتِجابَتِهِمْ.
والتَّوَلِّي: الإعْراضُ، وفِعْلُ (تَوَلَّوْا) هُنا بِصِيغَةِ المُضِيِّ، أيْ فَإنْ أعْرَضُوا عَنِ الدَّعْوَةِ فَلا تَقْصِيرَ مِنكَ، ولا غَضاضَةَ عَلَيْكَ فَإنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ البَلاغَ المُبِينَ لِلْمَحَجَّةِ.
والقَصْرُ إضافِيٌّ؛ أيْ ما عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ لا تَقْلِيبُ قُلُوبِهِمْ إلى الإسْلامِ، أوْ لا تَوَلِّي جَزاءَهم عَلى الإعْراضِ، بَلْ عَلَيْنا جَزاؤُهم كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ وعَلَيْنا الحِسابُ﴾ [الرعد: ٤٠] .
وجَعَلَ هَذا جَوابًا لِجُمْلَةِ (فَإنْ تَوَلَّوْا) مِن إقامَةِ السَّبَبِ والعِلَّةِ مَقامَ المُسَبِّبِ والمَعْلُولِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: فَإنْ تَوَلَّوْا فَلا تَقْصِيرَ ولا مُؤاخَذَةَ عَلَيْكَ
صفحة ٢٤٢
لِأنَّكَ ما عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ، ونَظِيرُ هَذِهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ واحْذَرُوا فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [المائدة: ٩٢] .
16:83Page 276
يَعۡرِفُونَ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٨٣
They recognize the favor of Allāh; then they deny it. And most of them are disbelievers.
﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ؛ لِأنَّ تَوَلِّيَهم عَنِ الإسْلامِ مَعَ وفْرَةِ أسْبابِ اتِّباعِهِ يُثِيرُ سُؤالًا في نَفْسِ السّامِعِ: كَيْفَ خَفِيَتْ عَلَيْهِمْ دَلائِلُ الإسْلامِ ؟ فَيُجابُ بِأنَّهم عَرَفُوا نِعْمَةَ اللَّهِ، ولَكِنَّهم أعْرَضُوا عَنْها إنْكارًا ومُكابَرَةً، ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَها حالًا مِن ضَمِيرِ (تَوَلَّوْا)، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَدَلَ اشْتِمالٍ لِجُمْلَةِ (تَوَلَّوْا) .
وهَذِهِ الوُجُوهُ كُلُّها تَقْتَضِي عَدَمَ عَطْفِها عَلى ما قَبْلَها، والمَعْنى: هم يَعْلَمُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ المَعْدُودَةَ عَلَيْهِمْ فَإنَّهم مُنْتَفِعُونَ بِها، ومَعَ تَحَقُّقُهِمْ أنَّها نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ يُنْكِرُونَها، أيْ يَنْكَرُونَ شُكْرَها، فَإنَّ النِّعْمَةَ تَقْتَضِي أنْ يَشْكُرَ المُنْعَمُ عَلَيْهِ بِها مَن أنْعَمَ عَلَيْهِ، فَلَمّا عَبَدُوا ما لا يُنْعِمُ عَلَيْهِمْ فَكَأنَّهم أنْكَرُوها، فَقَدْ أُطْلِقَ فِعْلُ (يُنْكِرُونَ) بِمَعْنى إنْكارِ حَقِّ النِّعْمَةِ، فَإسْنادُ إنْكارِ النِّعْمَةِ إلَيْهِمْ مَجازٌ لُغَوِيٌّ، أوْ هو مَجازٌ عَقْلِيٌّ، أيْ يُنْكِرُونَ مُلابِسَها وهو الشُّكْرُ.
و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ، كَما هو شَأْنُها في عَطْفِ الجُمَلِ، فَهو عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ)، وكَأنَّهُ قِيلَ: ويُنْكِرُونَها؛ لِأنَّ (ثُمَّ) لَمّا كانَتْ لِلْعَطْفِ اقْتَضَتِ التَّشْرِيكَ في الحُكْمِ، ولَمّا كانَتْ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ زالَ عَنْها مَعْنى المُهْلَةِ الزَّمانِيَّةِ المَوْضُوعَةِ هي لَهُ؛ فَبَقِيَ لَها مَعْنى التَّشْرِيكِ، وصارَتِ المُهْلَةُ مُهْلَةً رُتَبِيَّةً؛ لِأنَّ إنْكارَ نِعْمَةِ اللَّهِ أمْرٌ غَرِيبٌ.
وإنْكارُ النِّعْمَةِ يَسْتَوِي فِيهِ جَمِيعُ المُشْرِكِينَ أئِمَّتُهم ودَهْماؤُهم، فَفَرِيقٌ مِنَ المُشْرِكِينَ - وهم أئِمَّةُ الكُفْرِ شَأْنُهُمُ التَّعَقُّلُ والتَّأمُّلُ فَإنَّهم عَرِفُوا النِّعْمَةَ بِإقْرارِهِمْ بِالمُنْعِمِ، وبِما سَمِعُوا مِن دَلائِلِ القُرْآنِ حَتّى تَرَدَّدُوا وشَكُّوا في
صفحة ٢٤٣
دِينِ الشِّرْكِ ثُمَّ رَكِبُوا رُءُوسَهم وصَمَّمُوا عَلى الشِّرْكِ، ولِهَذا عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالإنْكارِ المُقابِلِ لِلْإقْرارِ.
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ فَظاهِرُ كَلِمَةِ (أكْثَرُ) وكَلِمَةِ (الكافِرُونَ) أنَّ الَّذِينَ وُصِفُوا بِأنَّهُمُ الكافِرُونَ هم غالِبُ المُشْرِكِينَ لا جَمِيعُهم، فَيُحْمَلُ المُرادُ بِالغالِبِ عَلى دَهْماءِ المُشْرِكِينَ، فَإنَّ مُعْظَمَهم بُسَطاءُ العُقُولِ بُعَداءُ عَنِ النَّظَرِ، فَهم لا يَشْعُرُونَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ، فَإنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ تَقْتَضِي إفْرادَهُ بِالعِبادَةِ، فَكانَ إشْراكَهم راسِخًا، بِخِلافِ عُقَلائِهِمْ وأهْلِ النَّظَرِ، فَإنَّ لَهم تَرَدُّدًا في نُفُوسِهِمْ، ولَكِنْ يَحْمِلُهم عَلى الكُفْرِ حُبُّ السِّيادَةِ في قَوْمِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى فِيهِمْ ﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وأكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٣] في سُورَةِ العُقُودِ، وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] .
16:84Page 276
وَيَوۡمَ نَبۡعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدٗا ثُمَّ لَا يُؤۡذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلَا هُمۡ يُسۡتَعۡتَبُونَ ٨٤
And [mention] the Day when We will resurrect from every nation a witness [i.e., their prophet]. Then it will not be permitted to the disbelievers [to apologize or make excuses], nor will they be asked to appease [Allāh].
﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾
الواوُ عاطِفَةٌ جُمْلَةَ يَوْمَ نَبْعَثُ إلَخْ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ﴾ [النحل: ٨٢] بِتَقْدِيرِ: واذْكُرْ يَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا، فالتَّذْكِيرُ بِذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ البَلاغِ المُبِينِ، والمَعْنى: فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ، وسَنُجازِي يَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْها، ذَلِكَ أنَّ وصْفَ شَهِيدٍ يَقْتَضِي أنَّهُ شاهِدٌ عَلى المُؤْمِنِينَ بِهِ وعَلى الكافِرِينَ، أيْ شَهِيدٌ؛ لِأنَّهُ بَلَّغَهم رِسالَةَ اللَّهِ.
وبَعْثُ شَهِيدٍ مِن كُلِّ أُمَّةٍ يُفِيدُ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ شَهِيدٌ عَلى هَؤُلاءِ الكافِرِينَ كَما سَيَجِيءُ عَقِبَهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ﴾ [النحل: ٨٩]، وبِذَلِكَ انْتَظَمَ أمْرُ العَطْفِ، والتَّخَلُّصِ إلى وصْفِ يَوْمِ الحِسابِ، وإلى التَّنْوِيهِ بِشَأْنِهِ.
صفحة ٢٤٤
وانْتَصَبَ يَوْمَ نَبْعَثُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ يَوْمَ مَنصُوبًا عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِعامِلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ المَذْكُورُ يُقَدَّرُ بِما يَسْمَحُ بِهِ المَعْنى، مِثْلُ: نُحاسِبُهم حِسابًا لا يُسْتَعْتَبُونَ مِنهُ، أوْ وقَعُوا فِيما وقَعُوا مِنَ الخَطْبِ العَظِيمِ.
والَّذِي دَعا إلى هَذا الحَذْفِ هو أنَّ ما حَقُّهُ أنْ يَكُونَ عامِلًا في الظَّرْفِ وهو (لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينِ كَفَرُوا) قَدْ حُوِّلَ إلى جَعْلِهِ مَعْطُوفًا عَلى جُمْلَةِ الظَّرْفِ بِحَرْفِ (ثُمَّ) الدّالِّ عَلى التَّراخِي الرُّتْبِيِّ، إذِ الأصْلُ: ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ﴾ . . . إلى آخِرِهِ، فَبَقِيَ الظَّرْفُ بِدُونِ مُتَعَلَّقٍ، فَلَمْ يَكُنْ لِلسّامِعِ بُدٌّ مِن تَقْدِيرِهِ بِما تَذْهَبُ إلَيْهِ نَفْسُهُ، وذَلِكَ يُفِيدُ التَّهْوِيلَ والتَّفْظِيعَ وهو مِن بَدِيعِ الإيجازِ.
والشَّهِيدُ: الشّاهِدُ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] في سُورَةِ النِّساءِ.
والبَعْثُ: إحْضارُهُ في المَوْقِفِ.
و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ؛ لِأنَّ إلْجامَهم عَنِ الكَلامِ مَعَ تَعَذُّرِ الِاسْتِعْتابِ أشَدُّ هَوْلًا مِنَ الإتْيانِ بِالشَّهِيدِ عَلَيْهِمْ، ولَيْسَتْ (ثُمَّ) لِلتَّراخِي في الزَّمَنِ؛ لِأنَّ عَدَمَ الإذْنِ لَهم مُقارِنٌ لِبَعْثِ الشَّهِيدِ عَلَيْهِمْ، والمَعْنى: لا يُؤْذَنُ لَهم بِالمُجادَلَةِ عَنْ أنْفُسِهِمْ، فَحُذِفَ مُتَعَلَّقِ يُؤْذَنُ لِظُهُورِهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَفْيُ الإذْنِ كِنايَةً عَنِ الطَّرْدِ كَما كانَ الإذْنُ كِنايَةً عَنِ الإكْرامِ، كَما في حَدِيثِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «ما اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللَّهِ مُنْذُ أسْلَمْتُ إلّا أذِنَ لِي»، وحِينَئِذٍ لا يُقَدَّرُ لَهُ مُتَعَلَّقٌ، أوْ لا يُؤْذَنُ لَهم في الخُرُوجِ مِن جَهَنَّمَ حِينَ يَسْألُونَهُ بِقَوْلِهِمُ ﴿ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٩] فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الجاثية: ٣٥] .
والِاسْتِعْتابُ: أصْلُهُ طَلَبُ العُتْبى، والعُتْبى: الرِّضى بَعْدَ الغَضَبِ، يُقالُ: اسْتَعْتَبَ فُلانٌ فُلانًا فَأعْتَبَهُ، إذا أرْضاهُ، قالَ تَعالى ﴿وإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ [فصلت: ٢٤] .
صفحة ٢٤٥
وإذا بُنِيَ لِلْمَجْهُولِ فالأصْلُ أنْ يَكُونَ نائِبَ فاعِلِهِ هو المَطْلُوبُ مِنهُ الرِّضى، تَقُولُ: اسْتَعْتَبَ فُلانٌ فَلَمْ يَعْتِبْ. وأمّا ما وقَعَ في القُرْآنِ مِنهُ مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ فَقَدْ وقَعَ نائِبُ فاعِلِهِ ضَمِيرَ المُسْتَعْتِبِينَ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وكَما في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الرُّومِ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهم ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الروم: ٥٧]، وفي سُورَةِ الجاثِيَةِ ﴿فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الجاثية: ٣٥]، فَفَسَّرَهُ الرّاغِبُ فَقالَ: الِاسْتِعْتابُ أنْ يُطْلَبَ مِنَ الإنْسانِ أنْ يَطْلُبَ العُتْبى اهـ.
وعَلَيْهِ فَقالَ: اسْتَعْتَبَ فَلَمْ يُسْتَعْتَبْ. ويُقالُ: عَلى الأصْلِ اسْتَعْتَبَ فُلانٌ فَلَمْ يُعْتَبْ، وهَذا اسْتِعْمالٌ نَشَأ عَنِ الحَذْفِ، وأصْلُهُ: اسْتَعْتَبَ لَهُ، أيْ طَلَبَ مِنهُ أنْ يَسْتَعْتِبَ، فَكَثُرَ في الِاسْتِعْمالِ حَتّى قَلَّ اسْتِعْمالُ اسْتَعْتَبَ مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ في غَيْرِ هَذا المَعْنى.
وعُطِفَ ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ عَلى ﴿لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وإنْ كانَ أخَصَّ مِنهُ، فَهو عَطْفُ خاصٍّ عَلى عامٍّ، لِلِاهْتِمامِ بِخُصُوصِهِ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم مَأْيُوسٌ مِنَ الرِّضى عَنْهم عِنْدَ سائِرِ أهْلِ المَوْقِفِ بِحَيْثُ يَعْلَمُونَ أنْ لا طائِلَ في اسْتِعْتابِهِمْ، فَلِذَلِكَ لا يُشِيرُ أحَدٌ عَلَيْهِمْ بِأنْ يَسْتَعْتِبُوا، فَإنْ جُعِلَتْ (لا يُؤْذَنُ) كِنايَةً عَنِ الطَّرْدِ فالمَعْنى: أنَّهم يُطْرَدُونَ ولا يَجِدُونَ مَن يُشِيرُ عَلَيْهِمْ بِأنْ يَسْتَعْتِبُوا.
16:85Page 276
وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلۡعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ ٨٥
And when those who wronged see the punishment, it will not be lightened for them, nor will they be reprieved.
﴿وإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النحل: ٨٤]) . و(إذا) شَرْطِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ.
وجُمْلَةُ (فَلا يُخَفَّفُ) جَوابُ (إذا) وقُرِنَ بِالفاءِ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الشَّرْطِيَّةِ والجَوابِيَّةِ لِدَفْعِ احْتِمالِ الِاسْتِئْنافِ.
صفحة ٢٤٦
وصاحِبُ الكَشّافِ جَعَلَ (إذا) ظَرْفًا مُجَرَّدًا عَنْ مَعْنى الشَّرْطِيَّةِ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ لِقَصْدِ التَّهْوِيلِ يَقْتَضِي تَقْدِيرُهُ عَدَمَ وُجُودِ مُتَعَلَّقٍ لِلظَّرْفِ فَيُقَدَّرُ لَهُ مُتَعَلَّقٌ بِما يُناسِبُ، كَما قُدِّرَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ﴾ [النحل: ٨٤]، والتَّقْدِيرُ: إذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ ثَقُلَ عَلَيْهِمْ وبَغَتَهم، وعَلى هَذا فالفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَلا يُخَفَّفُ﴾ فَصِيحَةٌ، ولَيْسَتْ رابِطَةً لِلْجَوابِ.
و(الَّذِينَ ظَلَمُوا) هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا، فالتَّعْبِيرُ بِهِ مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ؛ لِقَصْدِ إجْراءِ الصِّفاتِ المُتَلَبِّسِينَ بِها عَلَيْهِمْ، والمَعْنى: فَلا يُؤْذَنُ لِلَّذِينِ كَفَرُوا ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ، ثُمَّ يُساقُونَ إلى العَذابِ فَإذا رَأوْهُ لا يُخَفَّفُ عَنْهم، أيْ يَسْألُونَ تَخْفِيفَهُ، أوْ تَأْخِيرَ الإقْحامِ فِيهِ فَلا يُسْتَجابُ لَهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، وأطْلَقَ العَذابَ عَلى آلاتِهِ ومَكانِهِ.
وجاءَ المُسْنَدُ إلَيْهِ مُخْبَرًا عَنْهُ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ؛ لِأنَّ الإخْبارَ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ عَنِ الِاسْمِ يُفِيدُ تَقَوِّي الحُكْمِ، فَأُرِيدَ تَقَوِّي حُكْمَ النَّفْيِ، أيْ أنَّ عَدَمَ تَخْفِيفِ العَذابِ عَنْهم مُحَقَّقُ الوُقُوعِ لا طَماعِيَةَ في إخْلافِهِ، فَحَصَلَ تَأْكِيدُ هَذِهِ الجُمْلَةِ كَما حَصَلَ تَأْكِيدُ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها بِالفاءِ، أيْ فَهم يُلْقَوْنَ بِسُرْعَةٍ في العَذابِ.
16:86–87Page 276
وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ شُرَكَآءَهُمۡ قَالُواْ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدۡعُواْ مِن دُونِكَۖ فَأَلۡقَوۡاْ إِلَيۡهِمُ ٱلۡقَوۡلَ إِنَّكُمۡ لَكَٰذِبُونَ ٨٦
And when those who associated others with Allāh see their "partners," they will say, "Our Lord, these are our partners [to You] whom we used to invoke [in worship] besides You." But they will throw at them the statement, "Indeed, you are liars."
وَأَلۡقَوۡاْ إِلَى ٱللَّهِ يَوۡمَئِذٍ ٱلسَّلَمَۖ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٨٧
And they will impart to Allāh that Day [their] submission, and lost from them is what they used to invent.
﴿وإذا رَأى الَّذِينَ أشْرَكُوا شُرَكاءَهم قالُوا رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُو مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ إنَّكم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿وألْقَوْا إلى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾
الَّذِينَ أشْرَكُوا هُمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا الَّذِينَ يَرَوْنَ العَذابَ، وهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا والَّذِينَ لا يُؤْذَنُ لَهم، وإجْراءُ هَذِهِ الصِّلاتِ الثَّلاثِ عَلَيْهِمْ لِزِيادَةِ التَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِأنْواعِ إجْرامِهِمُ الرّاجِعَةِ إلى تَكْذِيبِ ما دَعاهُمُ اللَّهُ إلَيْهِ، وهو نُكْتَةُ
صفحة ٢٤٧
الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ هُنا، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ﴾ [النحل: ٨٥] .
فالإشْراكُ المَقْصُودُ هُنا هو إشْراكُهُمُ الأصْنامَ في صِفَةِ الإلَهِيَّةِ مَعَ اللَّهِ تَعالى، فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالشُّرَكاءِ الأصْنامَ، أيِ الشُّرَكاءَ لِلَّهِ حَسَبَ اعْتِقادِهِمْ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ أُضِيفَ لَفْظُ (شُرَكاءَ) إلى ضَمِيرِ الَّذِينَ ظَلَمُوا في قَوْلِهِ تَعالى (شُرَكاءَهم)، كَقَوْلِ خالِدِ بْنِ الصَّقْعَبِ النَّهْدِيِّ لِعَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ وقَدْ تَحَدَّثَ عَمْرٌو في مَجْلِسِ قَوْمٍ بِأنَّهُ أغارَ عَلى بَنِي نَهْدٍ، وقَتَلَ خالِدًا، وكانَ خالِدٌ حاضِرًا في ذَلِكَ المَجْلِسِ فَناداهُ: مَهْلًا أبا ثَوْرٍ قَتِيلُكُ يَسْمَعُ، أيْ قَتِيلُكُ المَزْعُومُ. فالإضافَةُ لِلتَّهَكُّمِ. والمَعْنى: إذا رَأى الَّذِينَ أشْرَكُوا الشُّرَكاءَ عِنْدَهم، أيْ في ظَنِّهِمْ.
ولَكَ أنْ تَجْعَلَ لَفْظَ (شُرَكاءَ) لَقَبًا زالَ مِنهُ مَعْنى الوَصْفِ بِالشَّرِكَةِ، وصارَ لَقَبًا لِلْأصْنامِ، فَتَكُونُ الإضافَةُ عَلى أصْلِها.
والمَعْنى: أنَّهم يَرَوْنَ الأصْنامَ حِينَ تُقْذَفُ مَعَهم في النّارِ، قالَ تَعالى ﴿وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] .
وقَوْلُهم ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا﴾ إمّا مِن قَبِيلِ الِاعْتِرافِ عَنْ غَيْرِ إرادَةٍ؛ فَضْحًا لَهم، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمُ ألْسِنَتُهُمْ﴾ [النور: ٢٤]، وإمّا مِن قَبِيلِ التَّنَصُّلِ وإلْقاءِ التَّبِعَةِ عَلى المَعْبُوداتِ، كَأنَّهم يَقُولُونَ هَؤُلاءِ أغْرَوْنا بِعِبادَتِهِمْ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأ مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنّا﴾ [البقرة: ١٦٧] .
والفاءُ في فَألْقَوْا لِلتَّعْقِيبِ لِلدَّلالَةِ عَلى المُبادَرَةِ بِتَكْذِيبِ ما تَضَمَّنَهُ مَقالُهم، أنْطَقَ اللَّهُ تِلْكَ الأصْنامَ فَكَذَّبَتْ ما تَضَمَّنَهُ مَقالُهم مِن كَوْنِ الأصْنامِ شُرَكاءَ لِلَّهِ، أوْ مِن كَوْنِ عِبادَتِهِمْ بِإغْراءٍ مِنها تَفْضِيحًا لَهم وحَسْرَةً عَلَيْهِمْ.
والجَمْعُ في اسْمِ الإشارَةِ واسْمِ المَوْصُولِ جَمْعُ العُقَلاءِ؛ جَرْيًا عَلى اعْتِقادِهِمْ إلَهِيَّةَ الأصْنامِ.
صفحة ٢٤٨
ولَمّا كانَ نُطْقُ الأصْنامِ غَيْرَ جارٍ عَلى المُتَعارَفِ عَبَّرَ عَنْهُ بِالإلْقاءِ المُؤْذِنِ بِكَوْنِ القَوْلِ أجْراهُ اللَّهُ عَلى أفْواهِ الأصْنامِ مِن دُونِ أنْ يَكُونُوا ناطِقِينَ، فَكَأنَّهُ سَقَطَ مِنها.
وإسْنادُ الإلْقاءِ إلى ضَمِيرِ الشُّرَكاءِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ؛ لِأنَّها مَظْهَرُهُ.
وأجْرى عَلَيْهِمْ ضَمِيرَ جَمْعِ العُقَلاءِ في فِعْلِ ألْقَوْا مُشاكَلَةً لِاسْمِ الإشارَةِ، واسْمِ المَوْصُولِ لِلْعُقَلاءِ.
ووَصْفُهم بِالكَذِبِ مُتَعَلِّقٌ بِما تَضَمَّنَهُ كَلامُهم أنَّ أُولَئِكَ آلِهَةٌ يُدْعَوْنَ مِن دُونِ اللَّهِ عَلى نَحْوِ ما وقَعَ في الحَدِيثِ: فَيُقالُ لِلنَّصارى: ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، فَيَقُولُونَ: كُنّا نَعْبُدُ المَسِيحَ ابْنَ اللَّهِ، فَيُقالُ لَهم: كَذَبْتُمْ ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ. وأمّا صَرِيحُ كَلامِهِمْ وهو قَوْلُهم ﴿هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُو مِن دُونِكَ﴾ فَهم صادِقُونَ فِيهِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّكم لَكاذِبُونَ﴾ بَدَلٌ مِنَ القَوْلِ، وأُعِيدَ فِعْلُ ألْقَوْا في قَوْلِهِ ﴿وألْقَوْا إلى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾؛ لِاخْتِلافِ فاعِلِ الإلْقاءِ، فَضَمِيرُ القَوْلِ الثّانِي عائِدٌ إلى الَّذِينَ أشْرَكُوا.
ولَكَ أنْ تَجْعَلَ فِعْلَ (ألْقَوُا) الثّانِيَ مُماثِلًا لِفِعْلِ ألْقَوُا السّابِقِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الإلْقاءَ تَمْثِيلًا لِحالِهِمْ بِحالِ المُحارِبِ إذا غُلِبَ إذْ يُلْقِي سِلاحَهُ بَيْنَ يَدَيْ غالِبِهِ، فَفي قَوْلِهِ ألْقَوْا مَكْنِيَّةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ مَعَ ما في لَفْظِ ألْقَوْا مِنَ المُشاكَلَةِ، والسَّلْمُ بِفَتْحِ اللّامِ: الِاسْتِسْلامُ، أيِ الطّاعَةُ وتَرْكُ العِنادِ.
﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ غابَ عَنْهم وزايَلَهم ما كانُوا يَفْتَرُونَهُ في الدُّنْيا مِنَ الِاخْتِلافاتِ لِلْأصْنامِ مِن أنَّها تَسْمَعُ لَهم ونَحْوِ ذَلِكَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences