Ibn 'AshurAn‑Nahl · 16:8–13

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

An-Nahl 16:8–13

16:8Page 268

وَٱلۡخَيۡلَ وَٱلۡبِغَالَ وَٱلۡحَمِيرَ لِتَرۡكَبُوهَا وَزِينَةٗۚ وَيَخۡلُقُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٨

And [He created] the horses, mules and donkeys for you to ride and [as] adornment. And He creates that which you do not know.

﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾

و(الخَيْلَ) مَعْطُوفٌ عَلى ﴿والأنْعامَ خَلَقَها﴾ [النحل: ٥]، فالتَّقْدِيرُ: وخَلَقَ الخَيْلَ.

والقَوْلُ في مَناطِ الِاسْتِدْلالِ وما بَعْدَهُ مِن الِامْتِنانِ، والعِبْرَةُ في كُلٍّ، كالقَوْلِ فِيما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ﴾ [النحل: ٥] الآيَةَ.

والفِعْلُ المَحْذُوفُ يَتَعَلَّقُ بِهِ ﴿لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾، أيْ خَلَقَها اللَّهُ لِتَكُونَ مَراكِبَ لِلْبَشَرِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ تَكُنْ في وُجُودِها فائِدَةٌ لِعُمْرانِ العالَمِ.

وعَطْفُ (وزِينَةً) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى شِبْهِ الجُمْلَةِ في لِتَرْكَبُوها، فَجُنِّبَ قَرْنُهُ بِلامِ التَّعْلِيلِ مِن أجْلِ تَوَفُّرِ شَرْطِ انْتِصابِهِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِأجْلِهِ؛ لِأنَّ فاعِلَهُ وفاعِلَ عامِلِهِ واحِدٌ، فَإنَّ عامِلَهُ فِعْلُ (خَلَقَ) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والأنْعامَ خَلَقَها﴾ [النحل: ٥] إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿والخَيْلَ والبِغالَ﴾ فَذَلِكَ كُلُّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلِ (خَلَقَها) .

ولا مِرْيَةَ في أنَّ فاعِلَ جَعَلَها زِينَةً هو اللَّهُ تَعالى؛ لِأنَّ المَقْصُودَ أنَّها في ذاتِها زِينَةً، أيْ خَلَقَها تُزَيِّنُ الأرْضَ، أوْ زَيَّنَ بِها الأرْضَ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ [الملك: ٥] .

وهَذا النَّصْبُ أوْضَحُ دَلِيلٍ عَلى أنَّ المَفْعُولِ لِأجْلِهِ مَنصُوبٌ عَلى تَقْدِيرِ لامِ التَّعْلِيلِ.

وهَذا واقِعٌ مَوْقِعَ الِامْتِنانِ فَكانَ مُقْتَصِرًا عَلى ما يَنْتَفِعُ بِهِ المُخاطَبُونَ الأوَّلُونَ في عادَتِهِمْ.

وقَدِ اقْتَصَرَ عَلى مِنَّةِ الرُّكُوبِ عَلى الخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ والزِّينَةِ، ولَمْ يَذْكُرِ الحَمْلَ عَلَيْها كَما قالَ في شَأْنِ الأنْعامِ ﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكُمْ﴾ [النحل: ٧]؛ لِأنَّهم لَمْ تَكُنْ مِن

صفحة ١٠٨

عادَتِهِمْ الحَمْلُ عَلى الخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ، فَإنَّ الخَيْلَ كانَتْ تُرْكَبُ لِلْغَزْوِ ولِلصَّيْدِ، والبِغالُ تُرْكَبُ لِلْمَشْي والغَزْوِ، والحَمِيرُ تُرْكَبُ لِلتَّنَقُّلِ في القُرى، وشِبْهِها.

وفِي حَدِيثِ البُخارِيِّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في حَجَّةِ الوَداعِ أنَّهُ قالَ: جِئْتُ عَلى حِمارِ أتانٍ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِالنّاسِ» الحَدِيثَ.

وكانَ أبُو سَيّارَةَ يُجِيزُ بِالنّاسِ مِن عَرَفَةَ في الجاهِلِيَّةِ عَلى حِمارٍ وقالَ فِيهِ:

خَلُّوا السَّبِيلَ عَنْ أبِي سَيّارَهْ وعَنْ مَوالِيهِ بَنِي فَـزارَهْ

حَتّى يُجِيزَ راكِبًا حِمَـارَهْ ∗∗∗ مُسْتَقْبِلَ الكَعْبَةِ يَدْعُو جارَهْ

فَلا يَتَعَلَّقُ الِامْتِنانُ بِنِعْمَةٍ غَيْرِ مُسْتَعْمَلَةٍ عِنْدَ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ، وإنْ كانَ الشَّيْءُ المُنْعَمُ بِهِ قَدْ تَكُونُ لَهُ مَنافِعُ لا يَقْصِدُها المُخاطَبُونَ مِثْلُ الحَرْثِ بِالإبِلِ والخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ، وهو مِمّا يَفْعَلُهُ المُسْلِمُونَ، ولا يُعْرَفُ مُنْكِرٌ عَلَيْهِمْ، أوْ مَنافِعُ لَمْ يَتَفَطَّنْ لَها المُخاطَبُونَ مِثْلُ ما ظَهَرَ مِن مَنافِعِ الأدْوِيَةِ في الحَيَوانِ مِمّا لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا لِلنّاسِ مِن قَبْلُ، فَيَدْخُلُ كُلُّ ذَلِكَ في عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ، فَإنَّهُ عُمُومٌ في الذَّواتِ يَسْتَلْزِمُ عُمُومَ الأحْوالِ عَدا ما خَصَّصَهُ الدَّلِيلُ مِمّا في آيَةِ الأنْعامِ ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآيَةَ.

وبِهَذا يُعْلَمُ أنْ لا دَلِيلَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى تَحْرِيمِ أكَلِ لُحُومِ الخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ؛ لِأنَّ أكْلَها نادِرُ الخُطُورِ بِالبالِ لِقِلَّتِهِ، وكَيْفَ وقَدْ أكَلَ المُسْلِمُونَ لُحُومَ الحُمُرِ في غَزْوَةِ خَيْبَرَ بِدُونِ أنْ يَسْتَأْذِنُوا النَّبِيءَ ﷺ كانُوا في حالَةِ اضْطِرارٍ، وآيَةُ سُورَةِ النَّحْلِ يَوْمَئِذٍ مَقْرُوءَةٌ مُنْذُ سِنِينَ كَثِيرَةٍ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ أحَدٌ، ولا أنْكَرَهُ النَّبِيءُ ﷺ .

كَما جاءَ في الصَّحِيحِ: أنَّهُ «أُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: أُكِلَتِ الحُمُرُ، فَسَكَتَ، ثُمَّ أُتِيَ فَقِيلَ: أُكِلَتِ الحُمُرُ فَسَكَتَ، ثُمَّ أُتِيَ فَقِيلَ: أُفْنِيَتِ الحُمُرُ فَنادى مُنادِي النَّبِيءِ - صَلّى اللَّهُ

صفحة ١٠٩

عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ يَنْهَيانِكم عَنْ أكْلِ لُحُومِ الحُمُرِ. فَأُهْرِقَتِ القُدُورُ» .

وأنَّ الخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ سَواءٌ في أنَّ الآيَةَ لا تَشْمَلُ حُكْمَ أكْلِها، فالمَصِيرُ في جَوازِ أكْلِها ومَنعِهِ إلى أدِلَّةٍ أُخْرى.

فَأمّا الخَيْلُ والبِغالُ فَفي جَوازِ أكْلِها خِلافٌ قَوِيٌّ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ، وجُمْهُورُهم أباحُوا أكْلَها، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ وأحْمَدَ وأبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ والظّاهِرِيِّ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ وعَطاءٍ والزُّهْرِيِّ والنَّخَعِيِّ وابْنِ جُبَيْرٍ.

وقالَ مالِكٌ وأبُو حَنِيفَةَ: يَحْرُمُ أكْلُ لُحُومِ الخَيْلِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾، ولَوْ كانَتْ مُباحَةَ الأكْلِ لامْتَنَّ بِأكْلِها كَما امْتَنَّ في الأنْعامِ بِقَوْلِهِ ﴿ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥]، وهو دَلِيلٌ لا يَنْهَضُ بِمُفْرَدِهِ، فَيُجابُ عَنْهُ بِما قَرَّرْنا مِن جَرَيانِ الكَلامِ عَلى مُراعاةِ عادَةِ المُخاطَبِينَ بِهِ، وقَدْ ثَبَتَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ أنَّ المُسْلِمِينَ أكَلُوا لُحُومَ الخَيْلِ في زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَلِمَهُ، ولَكِنَّهُ كانَ نادِرًا في عادَتِهِمْ.

وعَنْ مالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رِوايَةٌ بِكَراهَةِ لُحُومِ الخَيْلِ واخْتارَ ذَلِكَ القُرْطُبِيُّ.

وأمّا الحَمِيرُ فَقَدْ ثَبَتَ أكْلُ المُسْلِمِينَ لُحُومَها يَوْمَ خَيْبَرَ، ثُمَّ نُهُوا عَنْ ذَلِكَ كَما في الحَدِيثِ المُتَقَدِّمِ، واخْتُلِفَ في مَحْمَلِ ذَلِكَ، فَحَمَلَهُ الجُمْهُورُ عَلى التَّحْرِيمِ لِذاتِ الحَمِيرِ، وحَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى تَأْوِيلِ أنَّها كانَتْ حُمُولَتُهم يَوْمَئِذٍ فَلَوِ اسْتَرْسَلُوا عَلى أكْلِها لانْقَطَعُوا بِذَلِكَ المَكانِ فَآبُوا رِجالًا، ولَمْ يَسْتَطِيعُوا حَمْلَ أمْتِعَتِهِمْ، وهَذا رَأْيُ فَرِيقٍ مِنَ السَّلَفِ، وأخَذَ فَرِيقٌ مِنَ السَّلَفِ بِظاهِرِ النَّهْيِ؛ فَقالُوا بِتَحْرِيمِ أكْلِ لُحُومِ الحُمُرِ الإنْسِيَّةِ؛ لِأنَّها مَوْرِدُ النَّهْيِ، وأبْقَوُا الوَحْشِيَّةَ عَلى الإباحَةِ الأصْلِيَّةِ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ الأيِمَّةِ مالِكٍ وأبِي حَنِيفَةَ والشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - وغَيْرِهِمْ.

صفحة ١١٠

وفِي هَذا إثْباتُ حُكْمٍ تَعَبُّدِيٍّ في التَّفْرِقَةِ، وهو مِمّا لا يَنْبَغِي المَصِيرُ إلَيْهِ في الِاجْتِهادِ إلّا بِنَصٍّ لا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ، كَما بَيَّنّاهُ في كِتابِ مَقاصِدِ الشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ.

عَلى أنَّهُ لا يُعْرَفُ في الشَّرِيعَةِ أنْ يُحَرَّمَ صِنْفٌ إنْسِيٌّ لِنَوْعٍ مِنَ الحَيَوانِ دُونَ وحْشِيِّهِ.

وأمّا البِغالُ؛ فالجُمْهُورُ عَلى تَحْرِيمِها، فَأمّا مَن قالَ بِحُرْمَةِ أكْلِ الخَيْلِ؛ فَلِأنَّ البِغالَ صِنْفٌ مُرَكَّبٌ مِن نَوْعَيْنِ مُحَرَّمَيْنِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ أكْلُهُ حَرامًا، ومَن قالَ بِإباحَةِ أكْلِ الخَيْلِ فَلِتَغْلِيبِ تَحْرِيمِ أحَدِ النَّوْعَيْنِ المُرَكَّبِ مِنهُما، وهو الحَمِيرُ عَلى تَحْلِيلِ النَّوْعِ الآخَرِ وهو الخَيْلُ، وعَنْ عَطاءٍ أنَّهُ رَآها حَلالًا.

والخَيْلُ: اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ عَلى الأصَحِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: ١٤] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

والبِغالُ: جَمْعُ بَغْلٍ، وهو اسْمٌ لِلذَّكَرِ، والأُنْثى مِن نَوْعِ أُمِّهِ مِنَ الخَيْلِ وأبُوهُ مِنَ الحَمِيرِ، وهو مِنَ الأنْواعِ النّادِرَةِ والمُتَوَلِّدَةِ مِن نَوْعَيْنِ، وعَكْسُهُ البِرْذَوْنُ، ومِن خَصائِصِ البِغالِ عُقْمُ أُنْثاها بِحَيْثُ لا تَلِدُ.

والحَمِيرُ: جَمْعُ تَكْسِيرِ حِمارٍ وقَدْ يُجْمَعُ عَلى أحْمِرَةٍ وعَلى حُمُرٍ، وهو غالِبٌ لِلذَّكَرِ مِنَ النَّوْعِ، وأمّا الأُنْثى فَأتانٌ، وقَدْ رُوعِيَ في الجَمْعِ التَّغْلِيبُ.

* * *

﴿ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ اعْتِراضٌ في آخِرِ الكَلامِ، أوْ في وسَطِهِ عَلى ما سَيَأْتِي.

و(يَخْلُقُ) مُضارِعٌ مُرادٌ بِهِ زَمَنُ الحالِ لا الِاسْتِقْبالِ، أيْ هو الآنَ يَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ أيُّها النّاسُ مِمّا هو مَخْلُوقٌ لِنَفْعِهِمْ، وهم لا يَشْعُرُونَ بِهِ، فَكَما خَلَقَ لَهُمُ الأنْعامَ والكُراعَ، خَلَقَ لَهم ويَخْلُقُ لَهم خَلائِقَ أُخْرى لا يَعْلَمُونَها

صفحة ١١١

الآنَ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ ما هو غَيْرُ مَعْهُودٍ أوْ غَيْرُ مَعْلُومٍ لِلْمُخاطَبِينَ وهو مَعْلُومٌ عِنْدَ أُمَمٍ أُخْرى؛ كالفِيلِ عِنْدَ الحَبَشَةِ والهُنُودِ، وما هو غَيْرُ مَعْلُومٍ لِأحَدٍ ثُمَّ يَعْلَمُهُ النّاسُ مِن بَعْدُ مِثْلُ دَوابِّ الجِهاتِ القُطْبِيَّةِ؛ كالفُقْمَةِ، والدُّبِّ الأبْيَضِ، ودَوابِّ القارَّةِ الأمْرِيكِيَّةِ الَّتِي كانَتْ مَجْهُولَةً لِلنّاسِ في وقْتِ نُزُولِ القُرْآنِ، فَيَكُونُ المُضارِعُ مُسْتَعْمَلًا في الحالِ لِلتَّجْدِيدِ، أيْ هو خالِقٌ ويَخْلُقُ.

ويَدْخُلُ فِيهِ كَما قِيلَ ما يَخْلُقُهُ اللَّهُ مِنَ المَخْلُوقاتِ في الجَنَّةِ، غَيْرَ أنَّ ذَلِكَ خاصٌّ بِالمُؤْمِنِينَ، فالظّاهِرُ أنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ مِن سِياقِ الِامْتِنانِ العامِّ لِلنّاسِ المُتَوَسَّلِ بِهِ إلى إقامَةِ الحُجَّةِ عَلى كافِرِي النِّعْمَةِ.

فالَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن مُعْجِزاتِ القُرْآنِ الغَيْبِيَّةِ العِلْمِيَّةِ، وأنَّها إيماءٌ إلى أنَّ اللَّهَ سَيُلْهِمُ البَشَرَ اخْتِراعَ مَراكِبَ هي أجْدى عَلَيْهِمْ مِنَ الخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ، وتِلْكَ العَجَلاتُ الَّتِي يَرْكَبُها الواحِدُ ويُحَرِّكُها بِرِجْلَيْهِ وتُسَمّى (بِسِكْلاتٍ)، وأرْتالُ السِّكَكِ الحَدِيدِيَّةِ، والسَّيّاراتُ المُسَيَّرَةُ بِمُصَفّى النِّفْطِ وتُسَمّى أُطُومُوبِيلَ، ثُمَّ الطّائِراتُ الَّتِي تَسِيرُ بِالنِّفْطِ المُصَفّى في الهَواءِ، فَكُلُّ هَذِهِ مَخْلُوقاتٌ نَشَأتْ في عُصُورٍ مُتَتابِعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُها مَن كانُوا قَبْلَ عَصْرِ وُجُودِ كُلٍّ مِنها.

وإلْهامُ اللَّهِ النّاسَ لِاخْتِراعِها هو مُلْحَقٌ بِخَلْقِ اللَّهِ، فاللَّهُ هو الَّذِي ألْهَمَ المُخْتَرِعِينَ مِنَ البَشَرِ بِما فَطَرَهم عَلَيْهِ مِنَ الذَّكاءِ والعِلْمِ وبِما تَدَرَّجُوا في سُلَّمِ الحَضارَةِ، واقْتِباسِ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ إلى اخْتِراعِها، فَهي بِذَلِكَ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ الكُلَّ مِن نِعْمَتِهِ.

16:9Page 268

وَعَلَى ٱللَّهِ قَصۡدُ ٱلسَّبِيلِ وَمِنۡهَا جَآئِرٞۚ وَلَوۡ شَآءَ لَهَدَىٰكُمۡ أَجۡمَعِينَ ٩

And upon Allāh1 is the direction of the [right] way, and among them [i.e., the various paths] are those deviating. And if He willed, He could have guided you all.

﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ومِنها جائِرٌ ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، اقْتَضَتِ اعْتِراضَها مُناسَبَةُ الِامْتِنانِ بِنِعْمَةِ تَيْسِيرِ الأسْفارِ بِالرَّواحِلِ، والخَيْلِ، والبِغالِ، والحَمِيرِ.

صفحة ١١٢

فَلَمّا ذُكِرَتْ نِعْمَةُ تَيْسِيرِ السَّبِيلِ المُوَصِّلَةِ إلى المَقاصِدِ الجُثْمانِيَّةِ ارْتَقى إلى التَّذْكِيرِ بِسَبِيلِ الوُصُولِ إلى المَقاصِدِ الرَّوْحانِيَّةِ، وهو سَبِيلُ الهُدى، فَكانَ تَعَهُّدُ اللَّهِ بِهَذِهِ السَّبِيلِ نِعْمَةً أعْظَمَ مِن تَيْسِيرِ المَسالِكِ الجُثْمانِيَّةِ؛ لِأنَّ سَبِيلَ الهُدى تَحْصُلُ بِهِ السَّعادَةُ الأبَدِيَّةُ، وهَذا السَّبِيلُ هي مَوْهِبَةُ العَقْلِ الإنْسانِيِّ الفارِقِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وإرْسالُ الرُّسُلِ لِدَعْوَةِ النّاسِ إلى الحَقِّ، وتَذْكِيرُهم بِما يَغْفُلُونَ عَنْهُ، وإرْشادُهم إلى ما لا تَصِلُ إلَيْهِ عُقُولُهم أوْ تَصِلُ إلَيْهِ بِمَشَقَّةٍ عَلى خَطَرٍ مِنَ التَّوَرُّطِ في بِنْياتِ الطَّرِيقِ.

فالسَّبِيلُ: مَجازٌ لِما يَأْتِيهِ النّاسُ مِنَ الأعْمالِ مِن حَيْثُ هي مُوَصِّلَةٌ إلى دارِ الثَّوابِ أوْ دارِ العِقابِ، كَما في قَوْلِهِ ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف: ١٠٨]، ويَزِيدُ هَذِهِ المُناسَبَةَ بَيانًا لِما شَرَحْتُ دَلائِلُ التَّوْحِيدِ ناسَبَ التَّنْبِيهَ عَلى أنَّ ذَلِكَ طَرِيقٌ لِلْهُدى، وإزالَةٌ لِلْعُذْرِ، وأنَّ مِن بَيْنِ الطُّرُقِ الَّتِي يَسْلُكُها النّاسُ طَرِيقَ ضَلالٍ وجَوْرٍ.

وقَدِ اسْتُعِيرَ لِتَعَهُّدِ اللَّهِ بِتَبْيِينِ سَبِيلِ الهُدى حَرْفُ (عَلى) المُسْتَعارُ كَثِيرًا في القُرْآنِ، وكَلامُ العَرَبِ لِمَعْنى التَّعَهُّدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ [الليل: ١٢]، شَبَّهَ التِزامَ هَذا البَيانِ والتَّعَهُّدِ بِهِ بِالحَقِّ والواجِبِ عَلى المَحْقُوقِ بِهِ.

والقَصْدُ: اسْتِقامَةُ الطَّرِيقِ، وقَعَ هُنا وصْفًا لِلسَّبِيلِ مِن قَبِيلِ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: طَرِيقٌ قاصِدٌ، أيْ مُسْتَقِيمٌ، وذَلِكَ أقْوى في الوَصْفِ بِالِاسْتِقامَةِ كَشَأْنِ الوَصْفِ بِالمَصادِرِ، وإضافَةُ (قَصْدُ) إلى (السَّبِيلِ) مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، وهي صِفَةٌ مُخَصِّصَةٌ؛ لِأنَّ التَّعْرِيفَ في السَّبِيلِ لِلْجِنْسِ، ويَتَعَيَّنُ تَقْدِيرُ مُضافٍ؛ لِأنَّ الَّذِي تَعَهَّدَ اللَّهُ بِهِ هو بَيانُ السَّبِيلِ لا ذاتُ السَّبِيلِ.

وضَمِيرُ (ومِنها) عائِدٌ إلى (السَّبِيلِ) عَلى اعْتِبارِ جَوازِ تَأْنِيثِهِ.

و(جائِرٌ) وصْفٌ لِـ (السَّبِيلِ) بِاعْتِبارِ اسْتِعْمالِهِ مُذَكَّرًا، أيْ مِن جِنْسِ السَّبِيلِ الَّذِي مِنهُ أيْضًا قَصْدُ سَبِيلٍ جائِرٍ غَيْرُ قَصْدٍ.

والجائِرُ: هو الحائِدُ عَنْ الِاسْتِقامَةِ، وكُنِّيَ بِهِ عَنْ طَرِيقٍ غَيْرِ مُوصِّلٍ إلى المَقْصُودِ، أيْ إلى الخَيْرِ، وهو المُفْضِي إلى ضُرٍّ، فَهو جائِرٌ بِسالِكِهِ، ووَصْفُهُ

صفحة ١١٣

بِالجائِرِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ، ولَمْ يُضَفِ السَّبِيلُ الجائِرُ إلى اللَّهِ؛ لِأنَّ سَبِيلَ الضَّلالِ اخْتَرَعَها أهْلُ الضَّلالَةِ اخْتِراعًا لا يَشْهَدُ لَهُ العَقْلُ الَّذِي فَطَرَ اللَّهُ النّاسَ عَلَيْهِ، وقَدْ نَهى اللَّهُ النّاسَ عَنْ سُلُوكِها.

وجُمْلَةُ ﴿ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ تَذْيِيلٌ.

16:10Page 268

هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗۖ لَّكُم مِّنۡهُ شَرَابٞ وَمِنۡهُ شَجَرٞ فِيهِ تُسِيمُونَ ١٠

It is He who sends down rain from the sky; from it is drink and from it is foliage in which you pasture [animals].

﴿هو الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ لِذِكْرِ دَلِيلٍ آخَرَ مِن مَظاهِرِ بَدِيعِ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى أُدْمِجَ فِيهِ امْتِنانٌ بِما يَأْتِي بِهِ ذَلِكَ الماءُ العَجِيبُ مِنَ المَنافِعِ لِلنّاسِ مِن نِعْمَةِ الشَّرابِ، ونِعْمَةِ الطَّعامِ لِلْحَيَوانِ الَّذِي بِهِ قِوامُ حَياةِ النّاسِ ولِلنّاسِ أنْفُسِهِمْ.

وصِيغَةُ تَعْرِيفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ والمُسْنَدِ أفادَتِ الحَصْرَ، أيْ هو لا غَيْرُهُ، وهَذا قَصْرٌ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ؛ لِأنَّ المُخاطَبِينَ لا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ، ولا يَدَّعُونَ لَهُ شَرِيكًا في ذَلِكَ، ولَكِنَّهم لَمّا عَبَدُوا أصْنامًا لَمْ تُنْعِمْ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، وكانَ حالُهم كَحالِ مَن يَدَّعِي أنَّ الأصْنامَ أنْعَمَتْ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ النِّعَمِ، فَنَزَلُوا مَنزِلَةَ مَن يَدَّعِي الشَّرِكَةَ لِلَّهِ في الخَلْقِ، فَكانَ القَصْرُ قَصْرَ إفْرادٍ تَخْرِيجًا لِلْكَلامِ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ.

وإنْزالُ الماءِ مِنَ السَّماءِ تَقَدَّمَ مَعْناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وذَكَرَ في الماءِ مِنَّتَيْنِ: الشَّرابَ مِنهُ، والإنْباتَ لِلشَّجَرِ والزَّرْعِ.

وجُمْلَةُ (﴿لَكم مِنهُ شَرابٌ﴾) صِفَةٌ لِـ (ماءً)، و(لَكم) مُتَعَلِّقٌ بِـ (شَرابٌ) قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ، و(مِنهُ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ كَذَلِكَ، وتَقْدِيمُهُ سَوَّغَ أنْ يَكُونَ المُبْتَدَأُ نَكِرَةً.

صفحة ١١٤

والشَّرابُ: اسْمٌ لِلْمَشْرُوبِ، وهو المائِعُ الَّذِي تَشْتَفُّهُ الشَّفَتانِ وتُبْلِغُهُ إلى الحَلْقِ فَيُبْلَعُ دُونَ مَضْغٍ.

و(مِن) تَبْعِيضَيَّةٌ، وقَوْلُهُ تَعالى و(مِنهُ شَجَرٌ) نَظِيرُ قَوْلِهِ (﴿مِنهُ شَرابٌ﴾)، وأُعِيدَ حَرْفُ (مِن) بَعْدَ واوِ العَطْفِ؛ لِأنَّ حَرْفَ (مِن) هُنا لِلِابْتِداءِ، أوْ لِلسَّبَبِيَّةِ فَلا يَحْسُنُ عَطْفُ (شَجَرٌ) عَلى (شَرابٌ) .

والشَّجَرُ: يُطْلَقُ عَلى النَّباتِ ذِي السّاقِ الصُّلْبَةِ، ويُطْلَقُ عَلى مُطْلَقِ العُشْبِ والكَلَأِ تَغْلِيبًا.

ورُوعِيَ هَذا التَّغْلِيبُ هُنا؛ لِأنَّهُ غالِبُ مَرْعى أنْعامِ أهْلِ الحِجازِ؛ لِقِلَّةِ الكَلَأِ في أرْضِهِمْ، فَهم يَرْعَوْنَ الشَّعارِي والغاباتِ، وفي حَدِيثِ ضالَّةُ الإبِلِ تَشْرَبُ الماءَ وتَرْعى الشَّجَرَ حَتّى يَأْتِيَها رَبُّها.

ومِنَ الدَّقائِقِ البَلاغِيَّةِ الإتْيانُ بِحَرْفِ (في) الظَّرْفِيَّةِ، فالإسامَةُ فِيهِ تَكُونُ بِالأكْلِ مِنهُ، والأكْلُ مِمّا تَحْتَهُ مِنَ العُشْبِ.

والإسامَةُ: إطْلاقُ الإبِلِ لِلسَّوْمِ وهو الرَّعْيُ، يُقالُ: سامَتِ الماشِيَةُ فَهي سائِمَةٌ وأسامَها رَبُّها.

16:11Page 268

يُنۢبِتُ لَكُم بِهِ ٱلزَّرۡعَ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلۡأَعۡنَٰبَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ١١

He causes to grow for you thereby the crops, olives, palm trees, grapevines, and of all the fruits. Indeed in that is a sign for a people who give thought.

﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأعْنابَ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ جُمْلَةُ (يُنْبِتُ) حالٌ مِن ضَمِيرِ (أنْزَلَ)، أيْ يُنْبِتُ اللَّهُ لَكم.

وإنَّما لَمْ يُعْطَفْ هَذا عَلى جُمْلَةِ (﴿لَكم مِنهُ شَرابٌ﴾ [النحل: ١٠])؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِمّا يَحْصُلُ بِنُزُولِ الماءِ وحْدَهُ بَلْ لا بُدَّ مَعَهُ زَرْعٌ وغَرْسٌ.

وهَذا الإتْيانُ مِن دَلائِلِ عَظِيمِ القُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ، فالغَرَضُ مِنهُ الِاسْتِدْلالُ مَمْزُوجًا بِالتَّذْكِيرِ بِالنِّعْمَةِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (لَكم) عَلى وِزانِ ما

صفحة ١١٥

تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ﴾ [النحل: ٥] الآيَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها﴾ [النحل: ٨] الآيَةَ.

وأُسْنِدَ الإنْباتُ إلى اللَّهِ؛ لِأنَّهُ المُلْهِمُ لِأسْبابِهِ والخالِقُ لِأُصُولِهِ تَنْبِيهًا لِلنّاسِ عَلى دَفْعِ غُرُورِهِمْ بِقُدْرَةِ أنْفُسِهِمْ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ لِكَثْرَةِ ما تَحْتَ ذَلِكَ مِنَ الدَّقائِقِ.

وذِكْرُ الزَّرْعِ والزَّيْتُونِ وما مَعَهُما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ في سُورَةِ الأنْعامِ.

والتَّفْكِيرُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ أفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ٥٠] في سُورَةِ الأنْعامِ.

وإقْحامُ لَفْظِ قَوْمٍ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ التَّفْكِيرَ مِن سَجاياهم، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

﴿ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ﴾، أيْ ويُنْبِتُ لَكم بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ مِمّا لَمْ يُذْكَرْ هُنا.

والتَّعْرِيفُ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، والمُرادُ: أجْناسُ ثَمَراتِ الأرْضِ الَّتِي يُنْبِتُها الماءُ، ولِكُلِّ قَوْمٍ مِنَ النّاسِ ثَمَراتُ أرْضِهِمْ وجَوِّهِمْ، و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ قُصِدَ مِنها تَنْوِيعُ الِامْتِنانِ عَلى كُلِّ قَوْمٍ بِما نالَهم مِن نِعَمِ الثَّمَراتِ، وإنَّما لَمْ تَدْخُلْ عَلى الزَّرْعِ، وما عُطِفَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّها مِنَ الثَّمَراتِ الَّتِي تَنْبُتُ في كُلِّ مَكانٍ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ تَذْيِيلٌ.

والآيَةُ: الدَّلالَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى المُبْدِعُ الحَكِيمُ، وتِلْكَ هي إنْباتُ أصْنافٍ مُخْتَلِفَةٍ مِن ماءٍ واحِدٍ، كَما قالَ ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ﴾ [الرعد: ٤] في سُورَةِ الرَّعْدِ.

ونِيطَتْ دَلالَةُ هَذِهِ بِوَصْفِ التَّفْكِيرِ؛ لِأنَّها دَلالَةٌ خَفِيَّةٌ لِحُصُولِها بِالتَّدْرِيجِ، وهو تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَمْ يَهْتَدُوا بِما في ذَلِكَ مِن دَلالَةٍ عَلى تَفَرُّدِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَتَفَكَّرُونَ.

صفحة ١١٦

وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُنْبِتُ) بِياءِ الغَيْبَةِ، وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِنُونِ العَظَمَةِ.

16:12Page 268

وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ وَٱلنُّجُومُ مُسَخَّرَٰتُۢ بِأَمۡرِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ١٢

And He has subjected for you the night and day and the sun and moon, and the stars are subjected by His command. Indeed in that are signs for a people who reason.

﴿وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ آياتٌ أُخْرى عَلى دَقِيقِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى، وعِلْمِهِ مَمْزُوجَةٌ بِامْتِنانٍ.

وتَقَدَّمَ ما يُفَسِّرُ هَذِهِ الآيَةَ في صَدْرِ سُورَةِ يُونُسَ، وتَسْخِيرُ هَذِهِ الأشْياءِ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] في أوائِلِ سُورَةِ الأعْرافِ، وفي أوائِلِ سُورَةِ الرَّعْدِ وفي سُورَةِ إبْراهِيمَ.

وهَذا انْتِقالٌ لِلِاسْتِدْلالِ بِإتْقانِ الصُّنْعِ عَلى وحْدانِيَّةِ الصّانِعِ وعِلْمِهِ، وإدْماجٌ بَيْنَ الِاسْتِدْلالِ والِامْتِنانِ، ونِيطَتِ الدَّلالاتُ بِوَصْفِ العَقْلِ؛ لِأنَّ أصْلَ العَقْلِ كافٍ في الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى الوَحْدانِيَّةِ والقُدْرَةِ، إذْ هي دَلائِلُ بَيِّنَةٌ واضِحَةٌ حاصِلَةٌ بِالمُشاهَدَةِ كُلَّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ.

وتَقَدَّمَ وجْهُ إقْحامِ لَفْظِ قَوْمٍ آنِفًا، وأنَّ الجُمْلَةَ تَذْيِيلٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ جَمِيعَ هَذِهِ الأسْماءِ مَنصُوبَةً عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِفِعْلِ سَخَّرَ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومُ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، ورَفَعَ (مُسَخَّراتٌ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ عَنْها، فَنُكْتَةُ اخْتِلافِ الإعْرابِ الإشارَةُ إلى الفَرْقِ بَيْنَ التَّسْخِيرَيْنِ، وقَرَأ حَفْصٌ بِرَفْعِ (النُّجُومُ) و(مُسَخَّراتٌ)، ونُكْتَةُ اخْتِلافِ الأُسْلُوبِ الفَرْقُ بَيْنَ التَّسْخِيرَيْنِ مِن حَيْثُ إنَّ الأوَّلَ واضِحٌ، والآخَرَ خَفِيٌّ لِقِلَّةِ مَن يَرْقُبُ حَرَكاتِ النُّجُومِ.

والمُرادُ بِأمْرِهِ: أمْرُ التَّكْوِينِ لِلنِّظامِ الشَّمْسِيِّ المَعْرُوفِ.

وقَدْ أبْدى الفَخْرُ في كِتابِ (دُرَّةِ التَّنْزِيلِ) وجْهًا لِلْفَرْقِ بَيْنَ إفْرادِ (آيَةً) في المَرَّةِ الأُولى والثّالِثَةِ، وبَيْنَ جَمْعِ (آياتٍ) في المَرَّةِ الثّانِيَةِ: بِأنَّ ما ذُكِرَ

صفحة ١١٧

أوَّلًا وثالِثًا يَرْجِعُ إلى ما نَجَمَ مِنَ الأرْضِ، فَجَمِيعُهُ آيَةٌ واحِدَةٌ تابِعَةٌ لِخَلْقِ الأرْضِ، وما تَحْتَوِيهِ (أيْ وهو كُلُّهُ ذُو حالَةٍ واحِدَةٍ وهي حالَةُ النَّباتِ في الأرْضِ في الأوَّلِ وحالَةٌ واحِدَةٌ وهي حالَةُ الذَّرْءِ في التَّناسُلِ في الحَيَوانِ في الآيَةِ الثّالِثَةِ) وأمّا ما ذُكِرَ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ فَإنَّهُ راجِعٌ إلى اخْتِلافِ أحْوالِ الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ، وفي كُلِّ واحِدٍ مِنها نِظامٌ يَخُصُّهُ، ودَلائِلُ تُخالِفُ دَلائِلَ غَيْرِهِ، فَكانَ ما ذُكِرَ في ذَلِكَ مَجْمُوعُ آياتٍ (أيْ لِأنَّ بَعْضَها أعْراضٌ كاللَّيْلِ والنَّهارِ وبَعْضَها أجْرامٌ لَها أنْظِمَةٌ مُخْتَلِفَةٌ ودَلالاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ) .

16:13Page 268

وَمَا ذَرَأَ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُخۡتَلِفًا أَلۡوَٰنُهُۥٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَذَّكَّرُونَ ١٣

And [He has subjected] whatever He multiplied for you on the earth of varying colors. Indeed in that is a sign for a people who remember.

﴿وما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى اللَّيْلِ والنَّهارِ، أيْ وسَخَّرَ لَكم ما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ، وهو دَلِيلٌ عَلى دَقِيقِ الصُّنْعِ والحِكْمَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾، وأوْمَأ إلى ما فِيهِ مِن مِنَّةٍ بِقَوْلِهِ (لَكم) .

والذَّرْءُ: الخَلْقُ بِالتَّناسُلِ والتَّوَلُّدُ بِالحَمْلِ والتَّفْرِيخِ، فَلَيْسَ الإنْباتُ ذَرْءًا، وهو شامِلٌ لِلْأنْعامِ والكُراعِ، وقَدْ مَضَتِ المِنَّةُ بِهِ ولِغَيْرِها مِثْلِ كِلابِ الصَّيْدِ والحِراسَةِ، وجَوارِحِ الصَّيْدِ، والطُّيُورِ، والوُحُوشِ المَأْكُولَةِ، ومِنَ الشَّجَرِ والنَّباتِ.

وزِيدَ هُنا وصْفُ اخْتِلافِ ألْوانِهِ، وهو زِيادَةٌ لِلتَّعْجِيبِ، ولا دَخْلَ لَهُ في الِامْتِنانِ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ﴾ [الرعد: ٤] في سُورَةِ الرَّعْدِ، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنَ الجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧] ﴿ومِنَ النّاسِ والدَّوابِّ والأنْعامِ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ﴾ [فاطر: ٢٨] في سُورَةِ فاطِرٍ، وبِذَلِكَ صارَ هَذا آيَةً مُسْتَقِلَّةً؛ فَلِذَلِكَ ذَيَّلَهُ بِجُمْلَةِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾، ولِكَوْنِ مَحَلِّ الِاسْتِدْلالِ هو اخْتِلافُ الألْوانِ مَعَ اتِّحادِ أصْلِ الذَّرْءِ أُفْرِدَتِ الآيَةُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ .

صفحة ١١٨

والألْوانُ: جَمْعُ لَوْنٍ، وهو كَيْفِيَّةٌ لِسُطُوحِ الأجْسامِ مُدْرَكَةٌ بِالبَصَرِ تَنْشَأُ مِنَ امْتِزاجِ بَعْضِ العَناصِرِ بِالسَّطْحِ بِأصْلِ الخِلْقَةِ أوْ بِصَبْغِها بِعُنْصُرٍ ذِي لَوْنٍ مَعْرُوفٍ، وتَنْشَأُ مِنَ اخْتِلاطِ عُنْصُرَيْنِ فَأكْثَرَ ألْوانٌ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها﴾ [البقرة: ٦٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

ونِيطَ الِاسْتِدْلالُ بِاخْتِلافِ الألْوانِ بِوَصْفِ التَّذَكُّرِ؛ لِأنَّهُ اسْتِدْلالٌ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ تَذَكُّرِ الألْوانِ المُخْتَلِفَةِ إذْ هي مَشْهُورَةٌ.

وإقْحامُ لَفْظِ (قَوْمٍ) وكَوْنُ الجُمْلَةِ تَذْيِيلًا تَقَدَّمَ آنِفًا.

وأبْدى الفَخْرُ في (دُرَّةِ التَّنْزِيلِ) وجْهًا لِاخْتِلافِ الأوْصافِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١١]، وقَوْلِهِ ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ١٢]، وقَوْلِهِ ﴿لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾: بِأنَّ ذَلِكَ لِمُراعاةِ اخْتِلافِ شِدَّةِ الحاجَةِ إلى قُوَّةِ التَّأمُّلِ بِدَلالَةِ المَخْلُوقاتِ النّاجِمَةِ عَنِ الأرْضِ يَحْتاجُ إلى التَّفْكِيرِ، وهو إعْمالُ النَّظَرِ المُؤَدِّي إلى العِلْمِ، ودَلالَةُ ما ذَرَأهُ في الأرْضِ مِنَ الحَيَوانِ مُحْتاجَةٌ إلى مَزِيدِ تَأمُّلٍ في التَّفْكِيرِ لِلِاسْتِدْلالِ عَلى اخْتِلافِ أحْوالِها وتَناسُلِها وفَوائِدِها، فَكانَتْ بِحاجَةٍ إلى التَّذْكِيرِ، وهو التَّفَكُّرُ مَعَ تَذَكُّرِ أجْناسِها واخْتِلافِ خَصائِصِها، وأمّا دَلالَةُ تَسْخِيرِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والعَوالِمِ العُلْوِيَّةِ؛ فَلِأنَّها أدَقُّ وأحْوَجُ إلى التَّعَمُّقِ، عَبَّرَ عَنِ المُسْتَدِلِّينَ عَلَيْها بِأنَّهم يَعْقِلُونَ، والتَّعَقُّلُ هو أعْلى أحْوالِ الِاسْتِدْلالِ اهـ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском