Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
An-Nahl 16:91–96
16:91Page 277
وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ إِذَا عَٰهَدتُّمۡ وَلَا تَنقُضُواْ ٱلۡأَيۡمَٰنَ بَعۡدَ تَوۡكِيدِهَا وَقَدۡ جَعَلۡتُمُ ٱللَّهَ عَلَيۡكُمۡ كَفِيلًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ ٩١
And fulfill the covenant of Allāh when you have taken it, [O believers], and do not break oaths after their confirmation while you have made Allāh, over you, a security [i.e., witness]. Indeed, Allāh knows what you do.
﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلًا إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ لَمّا أمَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ بِمِلاكِ المَصالِحِ، ونَهاهم عَنْ مِلاكِ المَفاسِدِ بِما أوْمَأ إلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿يَعِظُكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، فَكانَ ذَلِكَ مُناسَبَةً حَسَنَةً لِهَذا الِانْتِقالِ الَّذِي هو مِن أغْراضِ تَفَنُّنِ القُرْآنِ، وأوْضَحَ لَهم أنَّهم قَدْ صارُوا إلى كَمالٍ وخَيْرٍ بِذَلِكَ الكِتابِ المُبَيِّنِ لِكُلِّ شَيْءٍ، ولا جَرَمَ ذَكَّرَهُمُ الوَفاءَ بِالعَهْدِ الَّذِي عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ عِنْدَما أسْلَمُوا، وهو ما بايَعُوا عَلَيْهِ النَّبِيءَ ﷺ مِمّا فِيهِ: «أنْ لا يَعْصُوهُ في مَعْرُوفٍ» . وقَدْ كانَ النَّبِيءُ ﷺ يَأْخُذُ البَيْعَةَ عَلى كُلِّ مَن أسْلَمَ مِن وقْتِ ابْتِداءِ الإسْلامِ في مَكَّةَ.
وتَكَرَّرَتِ البَيْعَةُ قُبَيْلَ الهِجْرَةِ وبَعْدَها عَلى أُمُورٍ أُخْرى، مِثْلِ النُّصْرَةِ الَّتِي بايَعَ عَلَيْها الأنْصارُ لَيْلَةَ العَقَبَةِ، ومِثْلِ بَيْعَةِ الحُدَيْبِيَةِ.
صفحة ٢٦١
والخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ في الحِفاظِ عَلى عَهْدِهِمْ بِحِفْظِ الشَّرِيعَةِ، وإضافَةُ العَهْدِ إلى اللَّهِ؛ لِأنَّهم عاهَدُوا النَّبِيءَ ﷺ عَلى الإسْلامِ الَّذِي دَعاهُمُ اللَّهُ إلَيْهِ، فَهم قَدْ عاهَدُوا اللَّهَ كَما قالَ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠]، وقالَ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]، والمَقْصُودُ: تَحْذِيرُ الَّذِينَ كانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِالإسْلامِ مِن أنْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ، و(إذا) لِمُجَرَّدِ الظَّرْفِيَّةِ؛ لِأنَّ المُخاطَبِينَ قَدْ عاهَدُوا اللَّهَ عَلى الإيمانِ والطّاعَةِ، فالإتْيانُ بِاسْمِ الزَّمانِ لِتَأْكِيدِ الوَفاءِ، فالمَعْنى: أنَّ مَن عاهَدَ وجَبَ عَلَيْهِ الوَفاءُ بِالعَهْدِ، والقَرِينَةُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلًا﴾ .
والعَهْدُ: الحَلِفُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وكَذَلِكَ النَّقْضُ تَقَدَّمَ في تِلْكَ الآيَةِ، ونَقْضُ الأيْمانِ: إبْطالُ ما كانَتْ لِأجْلِهِ، فالنَّقْضُ إبْطالُ المَحْلُوفِ عَلَيْهِ لا إبْطالُ القَسَمِ، فَجَعَلَ إبْطالَ المَحْلُوفِ عَلَيْهِ نَقْضًا لِلْيَمِينِ في قَوْلِهِ ﴿ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ﴾ تَهْوِيلًا وتَغْلِيظًا لِلنَّقْضِ؛ لِأنَّهُ نَقْضٌ لِحُرْمَةِ اليَمِينِ.
و﴿بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ زِيادَةٌ في التَّحْذِيرِ، ولَيْسَ قَيْدًا لِلنَّهْيِ بِالبَعْدِيَّةِ، إذِ المَقْصُودُ أيْمانٌ مَعْلُومَةٌ، وهي أيْمانُ العَهْدِ والبَيْعَةِ، ولَيْسَتْ فِيها بَعْدِيَّةٌ.
و(بَعْدَ) هُنا بِمَعْنى (مَعَ)، إذِ البَعْدِيَّةُ والمَعِيَّةُ أثَرُهُما واحِدٌ هُنا، وهو حُصُولُ تَوْثِيقِ الأيْمانِ وتَوْكِيدِها، كَقَوْلِ الشُّمَيْذَرِ الحارِثِيِّ:
بَنِي عَمِّنا لا تَذْكُرُوا الشِّعْرَ بَعْدَما دَفَنْتُمْ بِصَحْراءِ الغُمَيْرِ القَوافِيا
أيْ لا تَذْكُرُوا أنَّكم شُعَراءُ، وأنَّ لَكم شِعْرًا، أوْ لا تَنْطِقُوا بِشِعْرٍ مَعَ وُجُودِ أسْبابِ الإمْساكِ عَنْهُ في وقْعَةِ صَحْراءِ الغُمَيْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ﴾ [الحجرات: ١١]، وقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧] .
صفحة ٢٦٢
والتَّوْكِيدُ: التَّوْثِيقُ وتَكْرِيرُ الفَتْلِ، ولَيْسَ هو تَوْكِيدَ اللَّفْظِ كَما تَوَهَّمَهُ بَعْضُهم فَهو ضِدُّ النَّقْضِ، وإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِ الأيْمانِ لَيْسَ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ، ولا إلى مَفْعُولِهِ إذْ لَمْ يُقْصَدْ بِالمَصْدَرِ التَّجَدُّدُ بَلِ الِاسْمُ، فَهي الإضافَةُ الأصْلِيَّةُ عَلى مَعْنى اللّامِ، أيِ التَّوْكِيدِ الثّابِتِ لَها المُخْتَصِّ بِها، والمَعْنى: بَعْدَ ما فِيها مِنَ التَّوْكِيدِ، وبَيَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلًا﴾ .
والمَعْنى: ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ حَلِفِها. ولَيْسَ في الآيَةِ إشْعارٌ بِأنَّ مِنَ اليَمِينِ ما لا حَرَجَ في نَقْضِهِ، وهو ما سَمَّوْهُ يَمِينَ اللَّغْوِ، وذَلِكَ انْزِلاقٌ عَنْ مَهْيَعِ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ.
ويُؤَيِّدُ ما فَسَّرْناهُ قَوْلُهُ ﴿وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلًا﴾ الواقِعُ مَوْقِعُ الحالِ مِن ضَمِيرِ (لا تَنْقُضُوا)، أيْ لا تَنْقُضُوا الأيْمانَ في حالِ جَعْلِكُمُ اللَّهُ كَفِيلًا عَلى أنْفُسِكم إذا أقْسَمْتُمْ بِاسْمِهِ، فَإنَّ مَدْلُولَ القَسَمِ أنَّهُ إشْهادُ اللَّهِ بِصِدْقِ ما يَقُولُهُ المُقْسِمُ: فَيَأْتِي بِاسْمِ اللَّهِ كالإتْيانِ بِذاتِ الشّاهِدِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ الحَلِفُ شَهادَةً في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِهِ ﴿فَشَهادَةُ أحَدِهِمُ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ [النور: ٦]، والمَعْنى: أنَّ هَذِهِ الحالَةَ أظْهَرُ في اسْتِحْقاقِ النَّهْيِ عَنْها.
والكَفِيلُ: الشّاهِدُ والضّامِنُ والرَّقِيبُ عَلى الشَّيْءِ المُراعى لِتَحْقِيقِ الغَرَضِ مِنهُ.
والمَعْنى: أنَّ القَسَمَ بِاسْمِ اللَّهِ إشْهادٌ لِلَّهِ، وكَفالَةٌ بِهِ، وقَدْ كانُوا عِنْدَ العَهْدِ يَحْلِفُونَ، ويُشْهِدُونَ الكُفَلاءَ بِالتَّنْفِيذِ، قالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ:
واذْكُرُوا حِلْفَ ذِي المَجازِ وما قُـ ∗∗∗ ـدِّمَ فِيهِ العُهُـودُ والـكُـفَـلاءُ
و(عَلَيْكم) مُتَعَلِّقٌ بِـ (جَعَلْتُمْ) لا بِـ (كَفِيلًا) . أيْ أقَمْتُمُوهُ عَلى أنْفُسِكم مَقامَ الكَفِيلِ، أيْ فَهو الكَفِيلُ، والمَكْفُولُ لَهُ، مِن بابِ قَوْلِهِمْ: أنْتَ الخَصْمُ والحَكَمُ، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿وظَنُّوا أنْ لا مَلْجَأ مِنَ اللَّهِ إلّا إلَيْهِ﴾ [التوبة: ١١٨] .
صفحة ٢٦٣
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، وهي خَبَرٌ مُرادٌ مِنهُ التَّحْذِيرُ مِنَ التَّساهُلِ في التَّمَسُّكِ بِالإيمانِ والإسْلامِ لِتَذْكِيرِهِمْ أنَّ اللَّهَ يَطَّلِعُ عَلى ما يَفْعَلُونَهُ، فالتَّوْكِيدُ بِـ (إنَّ)؛ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ.
وكَذَلِكَ التَّأْكِيدُ بِبِناءِ الجُمْلَةِ بِالمُسْنَدِ الفِعْلِيِّ دُونَ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ، ولا: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ.
واخْتِيرَ الفِعْلُ المُضارِعُ في يَعْلَمُ وفي تَفْعَلُونَ؛ لِدَلالَتِهِ عَلى التَّجَدُّدِ، أيْ: كُلَّما فَعَلُوا فِعْلًا فاللَّهُ يَعْلَمُهُ.
والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الجُمَلِ كُلِّها مِن قَوْلِهِ ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ إلى هُنا تَأْكِيدُ الوِصايَةِ بِحِفْظِ عَهْدِ الإيمانِ، وعَدَمِ الِارْتِدادِ إلى الكُفْرِ، وسَدِّ مَداخِلِ فِتْنَةِ المُشْرِكِينَ إلى نُفُوسِ المُسْلِمِينَ، إذْ يَصُدُّونَهم عَنْ سَبِيلِ الإسْلامِ بِفُنُونِ الصَّدِّ، كَقَوْلِهِمْ ﴿نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبإ: ٣٥]، كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا﴾ [الأنعام: ٥٣] إلى ﴿اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣]، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في سُورَةِ الأنْعامِ.
ولَمْ يَذْكُرِ المُفَسِّرُونَ سَبَبًا لِنُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، ولَيْسَتْ بِحاجَةٍ إلى سَبَبٍ، وذَكَرُوا في الآيَةِ الآتِيَةِ، وهي قَوْلُهُ ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ﴾ [النحل: ١٠٦] أنَّ آيَةَ ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ﴾ إلى آخِرِها نَزَلَتْ في الَّذِينَ رَجَعُوا إلى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ لَمّا فَتَنَهُمُ المُشْرِكُونَ كَما سَيَأْتِي، فَجَعَلُوا بَيْنَ الآيَتَيْنِ اتِّصالًا.
قالَ في الكَشّافِ: كَأنَّ قَوْمًا مِمَّنْ أسْلَمَ بِمَكَّةَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ لِجَزَعِهِمْ ما رَأوْا مِن غَلَبَةِ قُرَيْشٍ، واسْتِضْعافِهِمُ المُسْلِمِينَ وإيذانِهِمْ لَهم، ولَمّا كانُوا يَعِدُونَهم إنْ رَجَعُوا مِنَ المَواعِيدِ أنْ يَنْقُضُوا ما بايَعُوا عَلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَثَبَّتَهُمُ اللَّهُ اهـ، يُرِيدُ أنَّ لَهْجَةَ التَّحْذِيرِ في هَذا الكَلامِ إلى قَوْلِهِ ﴿إنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾ [النحل: ٩٢] تُنْبِئُ عَنْ حالَةٍ مِنَ الوَسْوَسَةِ داخَلَتْ قُلُوبَ بَعْضِ حَدِيثِي الإسْلامِ فَنَبَّأهُمُ اللَّهُ بِها وحَذَّرَهم مِنها فَسَلِمُوا.
16:92Page 277
وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتۡ غَزۡلَهَا مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٍ أَنكَٰثٗا تَتَّخِذُونَ أَيۡمَٰنَكُمۡ دَخَلَۢا بَيۡنَكُمۡ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرۡبَىٰ مِنۡ أُمَّةٍۚ إِنَّمَا يَبۡلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِۦۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ٩٢
And do not be like she who untwisted her spun thread after it was strong [by] taking your oaths as [means of] deceit between you because one community is more plentiful [in number or wealth] than another community.1 Allāh only tries you thereby. And He will surely make clear to you on the Day of Resurrection that over which you used to differ.
صفحة ٢٦٤
﴿ولا تَكُونُوا كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أنْكاثًا تَتَّخِذُونَ أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكم أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هي أرْبى مِن أُمَّةٍ إنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ ولَيُبَيِّنَنَّ لَكم يَوْمَ القِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ تَشْجِيعٌ لِحالِ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ العَهْدَ.
وعَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ [النحل: ٩١]، واعْتَمَدَ العَطْفُ عَلى المُغايَرَةِ في المَعْنى بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ؛ لِما في هَذِهِ الثّانِيَةِ مِنَ التَّمْثِيلِ، وإنْ كانَتْ مِن جِهَةِ المَوْقِعِ كالتَّوْكِيدِ لِجُمْلَةِ ﴿ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ﴾ [النحل: ٩١]، نُهُوا عَنْ أنْ يَكُونُوا مَضْرِبَ مَثَلٍ مَعْرُوفٍ في العَرَبِ بِالِاسْتِهْزاءِ، وهو المَرْأةُ الَّتِي تَنْقُضُ غَزْلَها بَعْدَ شَدِّ فَتْلِهِ، فالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها امْرَأةٌ اسْمُها رَيْطَةُ بِنْتُ سَعْدٍ التَّمِيمِيَّةُ مِن بَنِي تَمِيمٍ مِن قُرَيْشٍ، وعَبَّرَ عَنْها بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ؛ لِاشْتِهارِها بِمَضْمُونِ الصِّلَةِ؛ ولِأنَّ مَضْمُونَ الصِّلَةِ هو الحالَةُ المُشَبَّهُ بِها في هَذا التَّمْثِيلِ؛ ولِأنَّ القُرْآنَ لَمْ يَذْكُرُ فِيهِ بِالِاسْمِ العَلَمِ إلّا مَنِ اشْتُهِرَ بِأمْرٍ عَظِيمٍ مِثْلُ جالُوتَ وقارُونَ.
وقَدْ ذُكِرَ مِن قِصَّتِها أنَّها كانَتِ امْرَأةً خَرْقاءَ مُخْتَلَّةَ العَقْلِ، ولَها جَوارٍ، وقَدِ اتَّخَذَتْ مِغْزَلًا قَدْرَ ذِراعٍ وصِنّارَةٍ مِثْلِ أُصْبُعٍ وفَلْكَةٍ عَظِيمَةٍ عَلى قَدْرِ ذَلِكَ، فَكانَتْ تَغْزِلُ هي وجَوارِيها مِنَ الغَداةِ إلى الظُّهْرِ ثُمَّ تَأْمُرُهُنَّ فَتَنْقُضُ ما غَزَلَتْهُ، وهَكَذا تَفْعَلُ كُلَّ يَوْمٍ، فَكانَ حالُها إفْسادَ ما كانَ نافِعًا مُحْكَمًا مِن عَمَلِها، وإرْجاعَهُ إلى عَدَمِ الصَّلاحِ، فَنُهُوا عَنْ أنْ يَكُونَ حالُهم كَحالِها في نَقْضِهِمْ عَهْدَ اللَّهِ، وهو عَهْدُ الإيمانِ بِالرُّجُوعِ إلى الكُفْرِ، وأعْمالِ الجاهِلِيَّةِ، ووَجْهُ الشَّبَهِ الرُّجُوعُ إلى فَسادٍ بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِصَلاحٍ.
صفحة ٢٦٥
والغَزَلُ: هُنا مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيِ المَغْزُولِ؛ لِأنَّهُ الَّذِي يَقْبَلُ النَّقْضَ، والغَزْلُ: فِتَلُ نُتَفٍ مِنَ الصُّوفِ أوِ الشَّعْرِ لِتُجْعَلَ خُيُوطًا مُحْكَمَةَ اتِّصالِ الأجْزاءِ بِواسِطَةِ إدارَةِ آلَةِ الغَزْلِ بِحَيْثُ تَلْتَفُّ النُّتَفُ المَفْتُولَةُ بِاليَدِ؛ فَتَصِيرُ خَيْطًا غَلِيظًا طَوِيلًا بِقَدْرِ الحاجَةِ لِيَكُونَ سُدًى أوْ لُحْمَةً لِلنَّسْجِ.
والقُوَّةُ: إحْكامُ الغَزْلِ، أيْ نَقَضَتْهُ مَعَ كَوْنِهِ مُحْكَمَ الفَتْلِ لا مُوجِبَ لِنَقْضِهِ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ فَتْلُهُ غَيْرَ مُحْكَمٍ؛ لَكانَ عُذْرٌ لِنَقْضِهِ.
والأنْكاثُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ: جَمْعُ نِكْثٍ بِكَسْرِ النُّونِ وسُكُونِ الكافِ أيْ مَنكُوثٌ، أيْ مَنقُوضٌ، ونَظِيرُهُ نَقْضٌ وأنْقاضٌ، والمُرادُ بِصِيغَةِ الجَمْعِ أنَّ ما كانَ غَزْلًا واحِدًا جَعَلَتْهُ مَنقُوضًا، أيْ خُيُوطًا عَدِيدَةً، وذَلِكَ بِأنْ صَيَّرَتْهُ إلى الحالَةِ الَّتِي كانَ عَلَيْها قَبْلَ الغَزَلِ، وهي كَوْنُهُ خُيُوطًا ذاتَ عَدَدٍ.
وانْتَصَبَ أنْكاثًا عَلى الحالِ مِن غَزْلِها، أيْ نَقَضَتْهُ فَإذا هو أنْكاثٌ.
وجُمْلَةُ ﴿تَتَّخِذُونَ أيْمانَكُمْ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ﴾ [النحل: ٩١] .
والدَّخَلُ بِفَتْحَتَيْنِ: الفَسادُ، أيْ تَجْعَلُونَ أيْمانَكُمُ الَّتِي حَلَفْتُمُوها. .، والدَّخَلُ أيْضًا: الشَّيْءُ الفاسِدُ، ومِن كَلامِ العَرَبِ: تَرى الفِتْيانَ كالنَّخْلِ وما يُدْرِيكَ ما الدَّخْلُ (سَكِّنِ الخاءَ لُغَةً أوْ لِلضَّرُورَةِ إنْ كانَ نَظْمًا، أوْ لِلسَّجْعِ إنْ كانَ نَثْرًا) أيْ ما يُدْرِيكَ ما فِيهِمْ مِن فَسادٍ، والمَعْنى: تَجْعَلُونَ أيْمانَكُمُ الحَقِيقَةَ بِأنْ تَكُونَ مُعَظَّمَةً وصالِحَةً فَيَجْعَلُونَها فاسِدَةً كاذِبَةً، فَيَكُونُ وصْفُ الأيْمانِ بِالدَّخَلِ حَقِيقَةً عَقْلِيَّةً، أوْ تَجْعَلُونَها سَبَبَ فَسادٍ بَيْنِكم إذْ تَجْعَلُونَها وسِيلَةً لِلْغَدْرِ والمَكْرِ فَيَكُونُ وصْفُ الأيْمانِ بِالدَّخَلِ مَجازًا عَقْلِيًّا.
ووَجْهُ الفَسادِ أنَّها تَقْتَضِي اطْمِئْنانَ المُتَحالِفِينَ، فَإذا نَقَضَها أحَدُ الجانِبَيْنِ فَقَدْ تَسَبَّبَ في الخِصامِ والحِقْدِ، وهَذا تَحْذِيرٌ لَهم وتَخْوِيفٌ مِن سُوءِ عاقِبَةِ نَقْضِ اليَمِينِ، ولَيْسَ بِمُقْتَضٍ أنَّ نَقْضًا حَدَثَ فِيهِمْ.
صفحة ٢٦٦
و﴿أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ﴾ مَعْمُولٌ لِلامِ جَرٍّ مَحْذُوفَةٍ كَما هو غالِبُ حالِها مَعَ (أنْ)، والمَعْنى التَّعْلِيلُ، وهو عِلَّةٌ لِنَقْضِ الأيْمانِ المَنهِيِّ عَنْهُ، أيْ تَنْقُضُونَ الأيْمانَ بِسَبَبِ أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ أرْبى مِن أُمَّةٍ، أيْ أقْوى وأكْثَرُ.
والأُمَّةُ: الطّائِفَةُ والقَبِيلَةُ، والمَقْصُودُ طائِفَةُ المُشْرِكِينَ وأحْلافُهم، وأرْبى: أزْيَدُ، وهو اسْمُ تَفْضِيلٍ مِنَ الرُّبُوِّ بِوَزْنِ العُلُوِّ، أيِ الزِّيادَةِ، يَحْتَمِلُ الحَقِيقَةَ أعْنِي كَثْرَةَ العَدَدِ، والمَجازَ أعْنِي رَفاهِيَةَ الحالِ وحُسْنَ العَيْشِ. وكَلِمَةُ أرْبى تُعْطِي هَذِهِ المَعانِيَ كُلَّها فَلا تَعْدِلُها كَلِمَةٌ أُخْرى تَصْلُحُ لِجَمِيعِ هَذِهِ المَعانِي، فَوَقْعُها هُنا مِن مُقْتَضى الإعْجازِ، والمَعْنى: لا يَبْعَثُكم عَلى نَقْضِ الأيْمانِ كَوْنُ أُمَّةٍ أحْسَنَ مِن أُمَّةٍ.
ومَعْلُومٌ أنَّ الأُمَّةَ الَّتِي هي أحْسَنُ هي المَنقُوضُ لِأجْلِها، وأنَّ الأُمَّةَ المَفْضُولَةَ هي المُنْفَصِلُ عَنْها، أيْ لا يَحْمِلُكم عَلى نَقْضِ الحَلِفِ أنْ يَكُونَ المُشْرِكُونَ أكْثَرَ عَدَدًا وأمْوالًا مِنَ المُسْلِمِينَ فَيَبْعَثُكم ذَلِكَ عَلى الِانْفِصالِ عَنْ جَماعَةِ المُسْلِمِينَ، وعَلى الرُّجُوعِ إلى الكُفّارِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِلتَّعْلِيلِ بِما يَقْتَضِي الحِكْمَةَ، وهو أنَّ ذَلِكَ يَبْتَلِي اللَّهُ بِهِ صِدْقَ الإيمانِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكم في ما آتاكُمْ﴾ [الأنعام: ١٦٥] .
والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾ قَصْرٌ مَوْصُوفٌ عَلى صِفَةٍ، والتَّقْدِيرُ: ما ذَلِكَ الرَّبْوُ إلّا بَلْوى لَكم. والبَلْوُ: الِاخْتِبارُ، ومَعْنى إسْنادِهِ إلى اللَّهِ الكِنايَةَ عَنْ إظْهارِ حالِ المُسْلِمِينَ، ولَهُ نَظائِرُ في القُرْآنِ، وضَمِيرُ (بِهِ) يَعُودُ إلى المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ مِن قَوْلِهِ ﴿أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هي أرْبى مِن أُمَّةٍ﴾ .
ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ تَأْكِيدُ أنَّهُ سَيُبَيِّنُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ ما يَخْتَلِفُونَ فِيهِ مِنَ الأحْوالِ فَتَظْهَرُ الحَقائِقُ كَما هي غَيْرُ مُغَشّاةٍ بِزَخارِفِ الشَّهَواتِ ولا
صفحة ٢٦٧
بِمَكارِهِ مُخالَفَةِ الطِّباعِ؛ لِأنَّ الآخِرَةَ دارُ الحَقائِقِ لا لَبْسَ فِيها، فَيَوْمَئِذٍ تَعْلَمُونَ أنَّ الإسْلامَ هو الخَيْرُ المَحْضُ، وأنَّ الكُفْرَ شَرٌّ مَحْضٌ.
وأكَّدَ هَذا الوَعْدَ بِمُؤَكِّدَيْنِ: القَسَمُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ اللّامُ، ونُونُ التَّوْكِيدِ، ثُمَّ يَظْهَرُ ذَلِكَ أيْضًا في تَرَتُّبِ آثارِهِ إذْ يَكُونُ النَّعِيمُ إثْرَ الإيمانِ، ويَكُونُ العَذابُ إثْرَ الشِّرْكِ، وكُلُّ ذَلِكَ بَيانٌ لِما كانُوا مُخْتَلِفِينَ فِيهِ في الدُّنْيا.
16:93Page 277
وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَلَتُسۡـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٩٣
And if Allāh had willed, He could have made you [of] one religion, but He sends astray whom He wills and guides whom He wills.1 And you will surely be questioned about what you used to do.
﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ ولَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
لَمّا أحالَ البَيانَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ زادَهم إعْلامًا بِحِكْمَةِ هَذا التَّأْخِيرِ؛ فَأعْلَمَهم أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُبَيِّنَ لَهُمُ الحَقَّ مِن هَذِهِ الدّارِ فَيَجْعَلُهم أُمَّةً واحِدَةً، ولَكِنَّهُ أضَلَّ مَن شاءَ، أيْ خَلَقَ فِيهِ داعِيَةَ الضَّلالِ، وهَدى مَن شاءَ، أيْ خَلَقَ فِيهِ داعِيَةَ الهُدى، وأحالَ الأمْرَ هُنا عَلى المَشِيئَةِ إجْمالًا؛ لِتَعَذُّرِ نَشْرِ مَطاوِي الحِكْمَةِ مِن ذَلِكَ.
ومَرْجِعُها إلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى أنْ يَخْلُقَ النّاسَ عَلى هَذا الِاخْتِلافِ النّاشِئِ عَنِ اخْتِلافِ أحْوالِ التَّفْكِيرِ، ومَراتِبِ المَدارِكِ والعُقُولِ، وذَلِكَ يَتَوَلَّدُ مِن تَطَوُّراتٍ عَظِيمَةٍ تَعْرِضُ لِلْإنْسانِ في تَناسُلِهِ وحَضارَتِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أجْمَلَهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ [التين: ٥] ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: ٦]، وهَذِهِ المَشِيئَةُ لا يَطَّلِعُ عَلى كُنْهِها إلّا اللَّهُ تَعالى، وتَظْهَرُ آثارُها في فِرْقَةِ المُهْتَدِينَ، وفِرْقَةِ الضّالِّينَ.
ولَمّا كانَ قَوْلُهُ ﴿ولَكِنْ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ قَدْ يَغْتَرُّ بِهِ قِصارُ الأنْظارِ فَيَحْسَبُونَ أنَّ الضّالِّينَ والمُهْتَدِينَ سَواءٌ عِنْدَ اللَّهِ، وأنَّ الضّالِّينَ مَعْذُورُونَ في ضَلالِهِمْ إذْ كانَ مِن أثَرِ مَشِيئَةِ اللَّهِ فَعَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ
صفحة ٢٦٨
﴿ولَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ مُؤَكَّدًا بِتَأْكِيدَيْنِ كَما تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ آنِفًا، أيْ عَمّا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلِ ضَلالٍ أوْ عَمَلِ هُدًى.
والسُّؤالُ: كِنايَةٌ عَنِ المُحاسَبَةِ؛ لِأنَّهُ سُؤالٌ حَكِيمٌ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الإنارَةَ، ولَيْسَ سُؤالَ اسْتِطْلاعٍ.
16:94Page 278
وَلَا تَتَّخِذُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡ دَخَلَۢا بَيۡنَكُمۡ فَتَزِلَّ قَدَمُۢ بَعۡدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ ٱلسُّوٓءَ بِمَا صَدَدتُّمۡ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَكُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٩٤
And do not take your oaths as [means of] deceit between you, lest a foot slip after it was [once] firm, and you would taste evil [in this world] for what [people] you diverted from the way of Allāh,1 and you would have [in the Hereafter] a great punishment.
﴿ولا تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكم فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ولَكم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ لَمّا حَذَّرَهم مِنَ النَّقْضِ الَّذِي يَئُولُ إلى اتِّخاذِ أيْمانِهِمْ دَخَلًا فِيهِمْ، وأشارَ بِالإجْمالِ إلى ما في ذَلِكَ مِنَ الفَسادِ فِيهِمْ، أعادَ الكَرَّةَ إلى بَيانِ عاقِبَةِ ذَلِكَ الصَّنِيعِ إعادَةً تُفِيدُ التَّصْرِيحَ بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، وتَأْكِيدَ التَّحْذِيرِ، وتَفْصِيلَ الفَسادِ في الدُّنْيا، وسُوءَ العاقِبَةِ في الآخِرَةِ، فَكانَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولا تَتَّخِذُوا﴾ تَصْرِيحًا بِالنَّهْيِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ قَبْلَهُ ﴿تَتَّخِذُونَ أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ [النحل: ٩٢]، وكانَ تَفْرِيعُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ تَفْصِيلًا لِما أُجْمِلَ في مَعْنى الدَّخَلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَكم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ المَعْطُوفُ عَلى التَّفْرِيعِ وعِيدٌ بِعِقابِ الآخِرَةِ، وبِهَذا التَّصْدِيرِ وهَذا التَّفْرِيعِ النّاشِئِ عَنْ جُمْلَةِ ﴿ولا تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ فارَقَتْ هَذِهِ نَظِيرَتَها السّابِقَةَ بِالتَّفْصِيلِ والزِّيادَةِ، فَحُقَّ أنْ تُعْطَفَ عَلَيْها لِهَذِهِ المُغايَرَةِ، وإنْ كانَ شَأْنُ الجُمْلَةِ المُؤَكَّدَةِ أنْ لا تُعْطَفَ.
والزَّلَلُ: تَزَلُّقُ الرِّجْلِ وتَنَقُّلُها مِن مَوْضِعِها دُونَ إرادَةِ صاحِبِها؛ بِسَبَبِ مَلاسَةِ الأرْضِ مِن طِينٍ رَطْبٍ، أوْ تَخَلْخُلِ حَصًى أوْ حَجَرٍ مِن تَحْتِ القَدَمِ فَيَسْقُطُ الماشِي عَلى الأرْضِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها﴾ [البقرة: ٣٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
صفحة ٢٦٩
وزَلَلُ القَدَمِ تَمْثِيلٌ لِاخْتِلالِ الحالِ، والتَّعَرُّضِ لِلضُّرِّ؛ لِأنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ السُّقُوطُ أوِ الكَسْرُ، كَما أنَّ ثُبُوتَ القَدَمِ تَمَكُّنُ الرِّجْلِ مِنَ الأرْضِ، وهو تَمْثِيلٌ لِاسْتِقامَةِ الحالِ، ودَوامِ السَّيْرِ.
ولَمّا كانَ المَقْصُودُ تَمْثِيلَ ما يَجُرُّهُ نَقْضُ الأيْمانِ مِنَ الدَّخَلِ شُبِّهَتْ حالُهم بِحالِ الماشِي في طَرِيقٍ بَيْنَما كانَتْ قَدَمُهُ ثابِتَةً إذا هي قَدْ زَلَّتْ بِهِ فَصُرِعَ، فالمُشَبَّهُ بِها حالُ رَجُلٍ واحِدٍ، ولِذَلِكَ نُكِّرَتْ (قَدَمٌ) وأُفْرِدَتْ، إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ قَدَمًا مَعْنِيَّةً، ولا عَدَدًا مِنَ الأقْدامِ، فَإنَّكَ تَقُولُ لِجَماعَةٍ يَتَرَدَّدُونَ في أمْرٍ: أراكم تُقَدِّمُونَ رِجْلًا، وتُؤَخِّرُونَ أُخْرى؛ تَمْثِيلًا لِحالِهِمْ بِحالِ الشَّخْصِ المُتَرَدِّدِ في المَشْيِ إلى الشَّيْءِ.
وزِيادَةُ ﴿بَعْدَ ثُبُوتِها﴾ مَعَ أنَّ الزَّلَلَ لا يُتَصَوَّرُ إلّا بَعْدَ الثُّبُوتِ؛ لِتَصْوِيرِ اخْتِلافِ الحالَيْنِ، وأنَّهُ انْحِطاطٌ مَن حالِ سَعادَةٍ إلى حالِ شَقاءٍ، ومَن حالِ سَلامَةٍ إلى حالِ مِحْنَةٍ.
والثُّبُوتُ: مَصْدَرُ ثَبَتَ كالثَّباتِ، وهو الرُّسُوخُ، وعَدَمُ التَّنَقُّلِ، وخَصَّ المُتَأخِّرُونَ مِنَ الكُتّابِ الثُّبُوتَ الَّذِي بِالواوِ بِالمَعْنى المَجازِيِّ، وهو التَّحَقُّقُ مِثْلُ ثُبُوتِ عَدالَةِ الشّاهِدِ لَدى القاضِي، وخَصُّوا الثَّباتَ الَّذِي بِالألِفِ بِالمَعْنى الحَقِيقِيِّ، وهي تَفْرِقَةٌ حَسَنَةٌ.
والذَّوْقُ: مُسْتَعارٌ لِلْإحْساسِ القَوِيِّ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ العُقُودِ.
والسُّوءُ: ما يُؤْلِمُ، والمُرادُ بِهِ: ذَوْقُ السُّوءِ في الدُّنْيا مِن مُعامَلَتِهِمْ مُعامَلَةَ النّاكِثِينَ عَنِ الدِّينِ أوِ الخائِنِينَ عُهُودَهم.
و(صَدَدْتُمْ) هُنا قاصِرٌ، أيْ بِكَوْنِهِمْ مُعْرِضِينَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وتَقَدَّمَ آنِفًا، ذَلِكَ أنَّ الآياتِ جاءَتْ في الحِفاظِ عَلى العَهْدِ الَّذِي يُعاهِدُونَ اللَّهَ عَلَيْهِ، أيْ عَلى التَّمَسُّكِ بِالإسْلامِ.
فَسَبِيلُ اللَّهِ: هو دِينُ الإسْلامِ.
صفحة ٢٧٠
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَكم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ هو عَذابُ الآخِرَةِ عَلى الرُّجُوعِ إلى الكُفْرِ أوْ عَلى مَعْصِيَةِ غَدْرِ العَهْدِ.
وقَدْ عَصَمَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ مِنَ الِارْتِدادِ مُدَّةَ مَقامِ النَّبِيءِ ﷺ، وما ارْتَدَّ أحَدٌ إلّا بَعْدَ الهِجْرَةِ حِينَ ظَهَرَ النِّفاقُ، فَكانَتْ فَلْتَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ واحِدَةً في المُهاجِرِينَ، وقَدْ تابَ، وقَبِلَ تَوْبَتَهُ النَّبِيءُ ﷺ .
16:95–96Page 278
وَلَا تَشۡتَرُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلًاۚ إِنَّمَا عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٩٥
And do not exchange the covenant of Allāh for a small price. Indeed, what is with Allāh is best for you, if only you could know.
مَا عِندَكُمۡ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٖۗ وَلَنَجۡزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓاْ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩٦
Whatever you have will end, but what Allāh has is lasting. And We will surely give those who were patient their reward according to the best of what they used to do.
﴿ولا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إنَّما عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ ولَيَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الثَّمَنُ القَلِيلُ هو ما يَعِدُهم بِهِ المُشْرِكُونَ إنْ رَجَعُوا عَنِ الإسْلامِ مِن مالٍ وهَناءِ عَيْشٍ، وهَذا نَهْيٌ عَنْ نَقْضِ عَهْدِ الإسْلامِ؛ لِأجْلِ ما فاتَهم بِدُخُولِهِمْ في الإسْلامِ مِن مَنافِعَ عِنْدَ قَوْمِ الشِّرْكِ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ عُطِفَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ [النحل: ٩١] وعَلى جُمْلَةِ ﴿ولا تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ [النحل: ٩٤]؛لِأنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مِنها تَلْتَفِتُ إلى غَرَضٍ خاصٍّ مِمّا قَدْ يَبْعَثُ عَلى النَّقْضِ.
والثَّمَنُ: العِوَضُ الَّذِي يَأْخُذُهُ المُعاوِضُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وإيّايَ فاتَّقُونِ﴾ [البقرة: ٤١] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وذَكَرْنا هُناكَ أنَّ قَلِيلًا صِفَةٌ كاشِفَةٌ، ولَيْسَتْ مُقَيَّدَةً، أيْ أنَّ كُلَّ عِوَضٍ يُؤْخَذُ عَنْ نَقْضِ عَهْدِ اللَّهِ هو عِوَضٌ قَلِيلٌ، ولَوْ كانَ أعْظَمَ المُكْتَسَباتِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّما عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ بِاعْتِبارِ وصْفِ عِوَضِ الِاشْتِراءِ المَنهِيِّ عَنْهُ بِالقِلَّةِ، فَإنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ مِن كُلِّ ثَمَنٍ، وإنْ عَظُمَ قَدْرُهُ.
صفحة ٢٧١
و﴿ما عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١١] هو ما ادَّخَرَهُ لِلْمُسْلِمِينَ مَن خَيْرٍ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، كَما سَنُنَبِّهُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ﴾ [النحل: ٩٧] الآيَةَ فَخَيْرُ الدُّنْيا المَوْعُودُ بِهِ أفْضَلُ مِمّا يَبْذُلُهُ لَهُمُ المُشْرِكُونَ، وخَيْرُ الآخِرَةِ أعْظَمُ مِنَ الكُلِّ، فالعِنْدِيَّةُ هُنا بِمَعْنى الِادِّخارِ لَهم، كَما تَقُولُ: لَكَ عِنْدِي كَذا، ولَيْسَتْ عِنْدِيَّةَ مِلْكِ اللَّهِ تَعالى كَما في قَوْلِهِ ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩] وقَوْلُهُ ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ [الحجر: ٢١] وقَوْلُهُ ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾ .
و(وإنَّما) هَذِهِ مَرَكَّبَةٌ مِن (إنَّ) و(ما) المَوْصُولَةِ، فَحَقُّها أنْ تُكْتَبَ مَفْصُولَةً (ما) عَنْ (إنَّ)؛ لِأنَّها لَيْسَتْ (ما) الكافَّةَ، ولَكِنَّها كُتِبَتْ في المُصْحَفِ مَوْصُولَةً اعْتِبارًا لِحالَةِ النُّطْقِ، ولَمْ يَكُنْ وصْلُ أمْثالِها مُطَّرِدًا في جَمِيعِ المَواضِعِ مِنَ المُصْحَفِ.
ومَعْنى ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ عَواقِبِ الأشْياءِ، ولا يَغُرُّكُمُ العاجِلُ، وفِيهِ حَثٌّ لَهم عَلى التَّأمُّلِ والعِلْمِ.
وجُمْلَةُ ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾ تَذْيِيلٌ وتَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّما عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ بِأنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ لَهم خَيْرٌ مُتَجَدِّدٌ لا نَفادَ لَهُ، وأنَّ ما يُعْطِيهِمُ المُشْرِكُونَ مَحْدُودٌ نافِذٌ؛ لِأنَّ خَزائِنَ النّاسِ صائِرَةٌ إلى النَّفادِ بِالإعْطاءِ، وخَزائِنُ اللَّهِ باقِيَةٌ.
والنَّفادُ: الِانْقِراضُ، والبَقاءُ: عَدَمُ الفَناءِ.
أيْ ما عِنْدَ اللَّهِ لا يَفْنى، فالأجْدَرُ الِاعْتِمادُ عَلى عَطاءِ اللَّهِ المَوْعُودِ عَلى الإسْلامِ دُونَ الِاعْتِمادِ عَلى عَطاءِ النّاسِ الَّذِينَ يَنْفَدُ رِزْقُهم، ولَوْ كَثُرَ.
وهَذا الكَلامُ جَرى مَجْرى التَّذْيِيلِ لِما قَبْلَهُ، وأُرْسِلَ إرْسالَ المَثَلِ فَيُحْمَلُ عَلى أعَمَّ، ولِذَلِكَ كانَ ضَمِيرُ (عِنْدَكم) عائِدًا إلى جَمِيعِ النّاسِ بِقَرِينَةِ التَّذْيِيلِ والمَثَلِ، وبِقَرِينَةِ المُقابَلَةِ بِما عِنْدَ اللَّهِ، أيْ ما عِنْدَكم أيُّها النّاسُ ما عِنْدَ المَوْعُودِ، وما عِنْدَ الواعِدِ؛ لِأنَّ المَنهِيِّينَ عَنْ نَقْضِ العَهْدِ لَيْسَ بِيَدِهِمْ شَيْءٌ.
صفحة ٢٧٢
ولَمّا كانَ في نَهْيِهِمْ عَنْ أخْذِ ما يَعِدُهم بِهِ المُشْرِكُونَ حَمْلٌ لَهم عَلى حِرْمانِ أنْفُسِهِمْ مِن ذَلِكَ النَّفْعِ العاجِلِ وُعِدُوا الجَزاءَ عَلى صَبْرِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَيَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أجْرَهُمْ﴾ .
قَرَأهُ الجُمْهُورُ و(لَيَجْزِيَنَّ) بِياءِ الغَيْبَةِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى بِعَهْدِ اللَّهِ وما بَعْدَهُ، فَهو النّاهِي والواعِدُ، فَلا جَرَمَ كانَ هو المُجازِي عَلى امْتِثالِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ.
وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ في إحْدى رِوايَتَيْنِ عَنْهُ، وأبُو جَعْفَرٍ بِنُونِ العَظَمَةِ فَهو التِفاتٌ.
و(أجْرَهم) مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ الثّانِيَةِ لِـ يَجْزِيَنَّ بِتَضْمِينِهِ مَعْنى الإعْطاءِ المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولَيْنِ.
والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، و(أحْسَنَ) صِيغَةُ تَفْضِيلٍ مُسْتَعْمَلَةٌ لِلْمُبالَغَةِ في الحُسْنِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣]، أيْ بِسَبَبِ عَمَلِهِمُ البالِغِ في الحُسْنِ، وهو عَمَلُ الدَّوامِ عَلى الإسْلامِ مَعَ تَجَرُّعِ ألَمِ الفِتْنَةِ مِنَ المُشْرِكِينَ، وقَدْ أكَّدَ الوَعْدَ بِلامِ القَسَمِ، ونُونِ التَّوْكِيدِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences