Ibn 'AshurAl‑Isra · 17:18–22

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:18–22

17:18–19Page 284

مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡعَاجِلَةَ عَجَّلۡنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلۡنَا لَهُۥ جَهَنَّمَ يَصۡلَىٰهَا مَذۡمُومٗا مَّدۡحُورٗا ١٨

Whoever should desire the immediate1 - We hasten for him from it what We will to whom We intend. Then We have made for him Hell, which he will [enter to] burn, censured and banished.

وَمَنۡ أَرَادَ ٱلۡأٓخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعۡيَهَا وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ كَانَ سَعۡيُهُم مَّشۡكُورٗا ١٩

But whoever desires the Hereafter and exerts the effort due to it while he is a believer - it is those whose effort is ever appreciated [by Allāh].

صفحة ٥٨

﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهْوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾

هَذا بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ [الإسراء: ١٥] وهو راجِعٌ أيْضًا إلى جُمْلِ ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] تَدْرِيجًا في التِّبْيانِ لِلنّاسِ بِأنَّ أعْمالَهم مِن كَسْبِهِمْ واخْتِيارِهِمْ، فابْتُدِئُوا بِأنَّ اللَّهَ قَدْ ألْزَمَهم تَبِعَةَ أعْمالِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ﴾ [الإسراء: ١٣] ثُمَّ وكَلَ أمْرَهم إلَيْهِمْ، وأنَّ المَشْيَ لا يَضُرُّ بِإساءَتِهِ غَيْرَهُ، ولا يَحْمِلُها عَنْهُ غَيْرُهُ فَقالَ ﴿مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ [الإسراء: ١٥] الآيَةَ، ثُمَّ أعْذَرَ إلَيْهِمْ بِأنَّهُ لا يَأْخُذُهم عَلى غِرَّةٍ، ولا يَأْخُذُهم إلّا بِسُوءِ أعْمالِهِمْ بِقَوْلِهِ وما كُنّا مُعَذِّبِينَ إلى قَوْلِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا، ثُمَّ كَشَفَ لَهم مَقاصِدَهم مِن أعْمالِهِمْ، وأنَّهم قِسْمانِ:

قِسْمٌ لَمْ يُرِدْ إلّا الدُّنْيا فَكانَتْ أعْمالُهُ لِمَرْضاةِ شَهَواتِهِ مُعْتَقِدًا أنَّ الدُّنْيا هي قُصارى مَراتِعِ النُّفُوسِ لا حَظَّ لَها إلّا ما حَصَلَ لَها في مُدَّةِ الحَياةِ؛ لِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ بِالبَعْثِ فَيَقْصُرُ عَمَلَهُ عَلى ذَلِكَ.

وقِسْمٌ عَلِمَ أنَّ الفَوْزَ الحَقُّ هو فِيما بَعْدَ هَذِهِ الحَياةِ؛ فَعَمِلَ لِلْآخِرَةِ مُقْتَفِيًا ما هَداهُ اللَّهُ إلَيْهِ مِنَ الأعْمالِ بِواسِطَةِ رُسُلِهِ، وأنَّ اللَّهَ عامَلَ كُلَّ فَرِيقٍ بِمِقْدارِ هِمَّتِهِ.

فَمَعْنى كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ أنَّهُ لا يُرِيدُ إلّا العاجِلَةَ، أيْ دُونَ الدُّنْيا بِقَرِينَةِ مُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ ومَن أرادَ الآخِرَةَ؛ لِأنَّ هَذِهِ المُقابَلَةَ تَقُومُ مَقامَ الحَصْرِ الإضافِيِّ إذْ لَيْسَ الحَصْرُ الإضافِيُّ سِوى جُمْلَتَيْنِ إثْباتٍ لِشَيْءٍ، ونَفْيٍ لِخِلافِهِ، والإتْيانُ بِفِعْلِ الكَوْنِ هُنا مُؤْذِنٌ بِأنَّ ذَلِكَ دَيْدَنُهُ وقُصارى هَمِّهِ، ولِذَلِكَ جُعِلَ

صفحة ٥٩

خَبَرُ (كانَ) فِعْلًا مُضارِعًا؛ لِدَلالَتِهِ عَلى الِاسْتِمْرارِ زِيادَةَ تَحْقِيقٍ لِتَمَحُّضِ إرادَتِهِ في ذَلِكَ.

والعاجِلَةَ صِفَةُ مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ يُعْلَمُ مِنَ السِّياقِ، أيِ الحَياةَ العاجِلَةَ، كَقَوْلِهِ ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمُ أعْمالَهم فِيها﴾ [هود: ١٥] والمُرادُ مِنَ التَّعْجِيلِ التَّعْجِيلُ العُرْفِيُّ، وهو المُبادَرَةُ المُتَعارَفَةُ، أيْ أنْ يُعْطى ذَلِكَ في الدُّنْيا قَبْلَ الآخِرَةِ، فَذَلِكَ تَعْجِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الحَياةِ الدُّنْيا، وقَرِينَةُ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِيها، وإنَّما زادَ قَيْدَيْ (﴿ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ﴾)؛ لِأنَّ ما يُعْطاهُ مَن أرادُوا العاجِلَةَ يُعْطاهُ بَعْضُهم بِالمَقادِيرِ الَّتِي شاءَ اللَّهُ إعْطاءَها.

والمَشِيئَةُ: الطَّواعِيَةُ، وانْتِفاءُ الإكْراهِ.

وقَوْلُهُ لِمَن نُرِيدُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ لَهُ بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ بِإعادَةِ العامِلِ، فَضَمِيرُ لَهُ عائِدٌ إلى مَن بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ، وهو عامٌّ لِكُلِّ مُرِيدِ العاجِلَةِ فَأُبْدِلَ مِنهُ بَعْضُهُ، أيْ عَجَّلْنا لِمَن نُرِيدُ مِنكم، ومَفْعُولُ الإرادَةِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما سَبَقَهُ، أيْ لِمَن نُرِيدُ التَّعْجِيلَ لَهُ، وهو نَظِيرُ مَفْعُولِ المَشِيئَةِ الَّذِي كَثُرَ حَذْفُهُ لِدَلالَةِ كَلامٍ سابِقٍ، وفِيهِ خُصُوصِيَّةُ البَيانِ بَعْدَ الإبْهامِ، ولَوْ كانَ المَقْصُودُ غَيْرَ ذَلِكَ لَوَجَبَ في صِناعَةِ الكَلامِ التَّصْرِيحُ بِهِ.

والإرادَةُ: مُرادِفُ المَشِيئَةِ، فالتَّعْبِيرُ بِها بَعْدَ قَوْلِهِ ما نَشاءُ تَفَنُّنٌ، وإعادَةُ حَرْفِ الجَرِّ العامِلِ في البَدَلِ مِنهُ؛ لِتَأْكِيدِ مَعْنى التَّبَعِيَّةِ، ولِلِاسْتِغْناءِ عَنِ الرَّبْطِ بِضَمِيرِ المُبْدَلِ مِنهم بِأنْ يُقالَ: مَن نُرِيدُ مِنهم.

والمَعْنى: أنَّ هَذا الفَرِيقَ الَّذِي يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا فَقَطْ قَدْ نُعْطِي بَعْضَهم بَعْضَ ما يُرِيدُ عَلى حَسَبِ مَشِيئَتِنا، وإرادَتِنا لِأسْبابِ مُخْتَلِفَةٍ، ولا يَخْلُو أحَدٌ في الدُّنْيا مِن أنْ يَكُونَ قَدْ عُجِّلَ لَهُ بَعْضُ ما يَرْغَبُهُ مِن لَذّاتِ الدُّنْيا.

صفحة ٦٠

وعَطْفُ جُمْلَةِ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ بِحَرْفِ (ثُمَّ)؛ لِإفادَةِ التَّراخِي الرُّتَبِيِّ. ولَهُ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ هو المَفْعُولُ الثّانِي لِ جَعَلْنا، قُدِّمَ عَلى المَفْعُولِ الأوَّلِ لِلِاهْتِمامِ. وجُمْلَةُ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا بَيانٌ أوْ بَدَلُ اشْتِمالٍ لِجُمْلَةِ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ، ومَذْمُومًا مَدْحُورًا حالانِ مِن ضَمِيرِ الرَّفْعِ في يَصْلاها يُقالُ: صَلِيَ النّارَ إذا أصابَهُ حَرْقُها.

والذَّمُّ: الوَصْفُ بِالمَعائِبِ الَّتِي في المَوْصُوفِ.

والمَدْحُورُ: المَطْرُودُ، يُقالُ: دَحَرَهُ، والمَصْدَرُ: الدُّحُورُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ اخْرُجْ مِنها مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ [الأعراف: ١٨] في سُورَةِ الأعْرافِ.

والِاخْتِلافُ بَيْنَ جُمْلَةِ مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ وجُمْلَةِ ومَن أرادَ الآخِرَةَ يَجْعَلُ الفِعْلَ مُضارِعًا في الأُولى، وماضِيًا في الثّانِيَةِ؛ لِلْإيماءِ إلى أنَّ إرادَةَ النّاسِ العاجِلَةَ مُتَكَرِّرَةٌ مُتَجَدِّدَةٌ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ أُمُورَ العاجِلَةِ مُتَقَضِّيَةٌ زائِلَةٌ، وجَعَلَ فِعْلَ إرادَةِ الآخِرَةِ ماضِيًا لِدَلالَةِ المُضِيِّ عَلى الرُّسُوخِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ خَيْرَ الآخِرَةِ أوْلى بِالإرادَةِ، ولِذَلِكَ جُرِّدَتِ الجُمْلَةُ مِن (كانَ) ومِنَ المُضارِعِ، وما شَرَطَ في ذَلِكَ إلّا أنْ يَسْعى لِلْآخِرَةِ سَعْيَها، وأنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا.

وحَقِيقَةُ السَّعْيِ: المَشْيُ دُونَ العَدْوِ، فَسَعْيُ الآخِرَةِ هو الأعْمالُ الصّالِحَةُ؛ لِأنَّها سَبَبُ الحُصُولِ عَلى نَعِيمِ الآخِرَةِ، فالعامِلُ لِلصّالِحاتِ كَأنَّهُ يَسِيرُ سَيْرًا سَرِيعًا إلى الآخِرَةِ؛ لِيَصِلَ إلى مَرْغُوبِهِ مِنها، وإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِ الآخِرَةِ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ في المَعْنى، أيِ السَّعْيَ لَها، وهو مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِبَيانِ النَّوْعِ.

وفِي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ إرادَةَ خَيْرِ الآخِرَةِ مِن غَيْرِ سَعْيٍ غُرُورٌ، وأنَّ إرادَةَ كُلِّ شَيْءٍ لا بُدَّ لِنَجاحِها مِنَ السَّعْيِ في أسْبابِ حُصُولِهِ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ:

تَرْجُو النَّجاةَ ولَمْ تَسْلُكْ مَسالِكَها إنَّ السَّفِينَةَ لا تَجْرِي عَلى اليُبْسِ

صفحة ٦١

وجُمْلَةُ وهو مُؤْمِنٌ حالٌ مِن ضَمِيرِ وسَعى، وجِيءَ بِجُمْلَةِ وهو مُؤْمِنٌ اسْمِيَّةً؛ لِدَلالَتِها عَلى الثَّباتِ والدَّوامِ، أيْ وقَدْ كانَ راسِخَ الإيمانِ، وهو في مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] لِما في (كانَ) مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَوْنِ الإيمانِ مَلَكَةً لَهُ.

والإتْيانُ بِاسْمِ الإشارَةِ في ﴿فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ جَدِيرُونَ بِما سَيُخْبِرُ بِهِ عَنْهم لِأجْلِ ما وُصِفُوا بِهِ قَبْلَ ذِكْرِ اسْمِ الإشارَةِ.

والسَّعْيُ المَشْكُورُ هو المَشْكُورُ ساعِيهِ، فَوَصْفُهُ بِهِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، إذِ المَشْكُورُ المَرْضِيُّ عَنْهُ، وإذِ المَقْصُودُ الإخْبارُ عَنْ جَزاءِ عَمَلِ مَن أرادَ الآخِرَةَ، وسَعى لَها سَعْيَها لا عَنْ حُسْنِ عَمَلِهِ؛ لِأنَّهُ قَسِيمٌ لِجَزاءِ مَن أرادَ العاجِلَةَ، وأعْرَضَ عَنِ الآخِرَةِ، ولَكِنْ جَعَلَ الوَصْفَ لِلْعَمَلِ؛ لِأنَّهُ أبْلَغُ في الإخْبارِ عَنْ عامِلِهِ بِأنَّهُ مَرْضِيٌّ عَنْهُ لِأنَّهُ في مَعْنى الكِنايَةِ الرّاجِعَةِ إلى إثْباتِ الشَّيْءِ بِواسِطَةِ إثْباتِ مَلْزُومِهِ.

والتَّعْبِيرُ بِ كانَ في ﴿كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الوَصْفَ تَحَقَّقَ فِيهِ مِن قَبْلُ، أيْ مِنَ الدُّنْيا؛ لِأنَّ الطّاعَةَ تَقْتَضِي تَرَتُّبَ الشُّكْرِ عاجِلًا والثَّوابِ آجِلًا، وقَدْ جَمَعَ كَوْنُهُ مَشْكُورًا خَيْراتٍ كَثِيرَةً يَطُولُ تَفْصِيلُها، لَوْ أُرِيدَ تَفْصِيلُهُ.

17:20Page 284

كُلّٗا نُّمِدُّ هَٰٓؤُلَآءِ وَهَٰٓؤُلَآءِ مِنۡ عَطَآءِ رَبِّكَۚ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحۡظُورًا ٢٠

To each [category] We extend - to these and to those - from the gift of your Lord. And never has the gift of your Lord been restricted.

﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ مِن عَطاءِ رَبِّكَ وما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ تَذْيِيلٌ لِآيَةِ ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ﴾ [الإسراء: ١٨] إلى آخِرِها.

وهَذِهِ الآيَةُ فَذْلَكَةٌ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَتْرُكْ خَلْقَهُ مِن أثَرِ رَحْمَتِهِ حَتّى الكَفَرَةَ مِنهُمُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِلِقائِهِ فَقَدْ أعْطاهم مِن نِعْمَةِ الدُّنْيا عَلى

صفحة ٦٢

حَسَبِ ما قَدَّرَ لَهم وأعْطى المُؤْمِنِينَ خَيْرَيِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وذَلِكَ مِصْداقُ قَوْلِهِ ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] وقَوْلِهِ فِيما رَواهُ عَنْهُ نَبِيُّهُ ﷺ «إنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي» .

وتَنْوِينُ كُلًّا تَنْوِينُ عِوَضٍ عَنْ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ كُلَّ الفَرِيقَيْنِ، وهو مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِفِعْلِ نُمِدُّ.

وقَوْلُهُ ﴿هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ كُلًّا بَدَلٌ مُفَصَّلٌ مِن مُجْمَلٍ.

ومَجْمُوعُ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ هو البَدَلُ كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِن بَعْدِي أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ»، والمَقْصُودُ مِنَ الإبْدالِ التَّعْجِيبُ مِن سِعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى.

والإشارَةُ بِ هَؤُلاءِ في المَوْضِعَيْنِ إلى مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ، ومَن أرادَ الآخِرَةَ، والأصْلُ أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ أوَّلًا عائِدًا إلى الأوَّلِ إذا اتَّصَلَ بِأحَدِ الِاسْمَيْنِ ما يُعَيِّنُ مَعادَهُ، وقَدِ اجْتَمَعَ الأمْرانِ في قَوْلِ المُتَلَمِّسِ:

ولا يُقِيمُ عَلى ضَيْمٍ يُرادُ بِهِ إلّا الأذَلّانِ عَيْرُ الحَيِّ والوَتِدُ

هَذا عَلى الخَسْفِ مَرْبُوطٌ بِرُمَّتِهِ ∗∗∗ وذا يُشَجُّ فَلا يَرْثِي لَهُ أحَدُ

والإمْدادُ: اسْتِرْسالُ العَطاءِ وتَعاقُبُهُ، وجَعْلُ الجَدِيدِ مِنهُ مَدَدًا لِلسّالِفِ بِحَيْثُ لا يَنْقَطِعُ، وجُمْلَةُ ﴿وما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ اعْتِراضٌ أوْ تَذْيِيلٌ، وعَطاءُ رَبِّكَ جِنْسُ العَطاءِ، والمَحْظُورُ: المَمْنُوعُ، أيْ ما كانَ مَمْنُوعًا بِالمَرَّةِ بَلْ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ نَصِيبٌ مِنهُ.

17:21Page 284

ٱنظُرۡ كَيۡفَ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ وَلَلۡأٓخِرَةُ أَكۡبَرُ دَرَجَٰتٖ وَأَكۡبَرُ تَفۡضِيلٗا ٢١

Look how We have favored [in provision] some of them over others. But the Hereafter is greater in degrees [of difference] and greater in distinction.

صفحة ٦٣

﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ ولَلْآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ لَمّا كانَ العَطاءُ المَبْذُولُ لِلْفَرِيقَيْنِ هو عَطاءَ الدُّنْيا، وكانَ النّاسُ مُفَضَّلِينَ فِيهِ عَلى وجْهٍ يُدْرِكُونَ حِكْمَتَهُ؛ لَفَتَ اللَّهُ لِذَلِكَ نَظَرَ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَفْتَ اعْتِبارٍ وتَدَبُّرٍ، ثُمَّ ذَكَّرَهُ بِأنَّ عَطاءَ الآخِرَةِ أعْظَمُ عَطاءٍ، وقَدْ فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ المُؤْمِنِينَ.

والأمْرُ بِالنَّظَرِ مُوَجَّهٌ إلى النَّبِيءِ ﷺ تَرْفِيعًا في دَرَجاتِ عِلْمِهِ، ويَحْصُلُ بِهِ تَوْجِيهُ العِبْرَةِ إلى غَيْرِهِ.

والنَّظَرُ حَقِيقَتُهُ تَوَجُّهُ آلَةِ الحِسِّ البَصَرِيِّ إلى المُبْصِرِ، وقَدْ شاعَ في كَلامِ العَرَبِ اسْتِعْمالُهُ في النَّظَرِ المَصْحُوبِ بِالتَّدَبُّرِ، وتَكْرِيرِ مُشاهَدَةِ أشْياءَ في غَرَضٍ ما، فَيَقُومُ مَقامَ الظَّنِّ، ويُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَهُ بِهَذا الِاعْتِبارِ، ولِذَلِكَ شاعَ إطْلاقُ النَّظَرِ في عِلْمِ الكَلامِ عَلى الفِكْرِ المُؤَدِّي إلى عِلْمٍ أوْ ظَنٍّ، وهو هُنا كَذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [النساء: ٥٠] في سُورَةِ النِّساءِ.

و(كَيْفَ) اسْمُ اسْتِفْهامٍ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْبِيهِ، وهو مُعَلِّقٌ فِعْلَ انْظُرْ عَنِ العَمَلِ في المَفْعُولَيْنِ، والمُرادُ: التَّفْضِيلُ في عَطاءِ الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ الَّذِي يُدْرِكُهُ التَّأمُّلُ، والنَّظَرُ وبِقَرِينَةِ مُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ ﴿ولَلْآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ﴾ .

والمَقْصُودُ مِن هَذا التَّنْظِيرِ التَّنْبِيهُ إلى أنَّ عَطاءَ الدُّنْيا غَيْرُ مَنُوطٍ بِصَلاحِ الأعْمالِ، ألا تَرى إلى ما فِيهِ مِن تَفاضُلٍ بَيْنَ أهْلِ العَمَلِ المُتَّحِدِ، وقَدْ يَفْضُلُ المُسْلِمُ فِيهِ الكافِرَ، ويَفْضُلُ الكافِرُ المُسْلِمَ، ويَفْضُلُ بَعْضُ المُسْلِمِينَ بَعْضًا، وبَعْضُ الكَفَرَةِ بَعْضًا، وكَفاكَ بِذَلِكَ هادِيًا إلى أنَّ مَناطَ عَطاءِ الدُّنْيا أسْبابٌ لَيْسَتْ مِن وادِي العَمَلِ الصّالِحِ، ولا مِمّا يُساقُ إلى النُّفُوسِ الخَيِّرَةِ.

صفحة ٦٤

ونَصْبُ دَرَجاتٍ، وتَفْضِيلًا عَلى التَّمْيِيزِ لِنِسْبَةٍ أكْبَرَ في المَوْضِعَيْنِ، والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ هو عَطاءُ الدُّنْيا.

والدَّرَجاتُ مُسْتَعارَةٌ لِعَظَمَةِ الشَّرَفِ، والتَّفْضِيلُ: إعْطاءُ الفَضْلِ، وهو الجِدَةُ والنِّعْمَةُ، وفي الحَدِيثِ: «ويَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أمْوالِهِمْ»، والمَعْنى: النِّعْمَةُ في الآخِرَةِ أعْظَمُ مِن نِعَمِ الدُّنْيا.

17:22Page 284

لَّا تَجۡعَلۡ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتَقۡعُدَ مَذۡمُومٗا مَّخۡذُولٗا ٢٢

Do not make [as equal] with Allāh another deity and [thereby] become censured and forsaken.

﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ تَذْيِيلٌ هو فَذْلَكَةٌ لِاخْتِلافِ أحْوالِ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ، فَإنَّ خُلاصَةَ أسْبابِ الفَوْزِ تَرْكُ الشِّرْكِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو مَبْدَأُ الإقْبالِ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ فَهو أوَّلُ خُطُواتِ السَّعْيِ لِمُرِيدِ الآخِرَةِ؛ لِأنَّ الشِّرْكَ قاعِدَةُ اخْتِلالِ التَّفْكِيرِ وتَضْلِيلِ العُقُولِ، قالَ اللَّهُ تَعالى في ذِكْرِ آلِهَةِ المُشْرِكِينَ ﴿وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١] .

والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ تَبَعٌ لِخِطابِ قَوْلِهِ ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٢١]، والمَقْصُودُ إسْماعُ الخِطابِ غَيْرَهُ بِقَرِينَةٍ تُحَقِّقُ أنَّ النَّبِيءَ قائِمٌ بِنَبْذِ الشِّرْكِ، ومَنحٍ عَلى الَّذِينَ يَعْبُدُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ.

وتَقْعُدَ مُسْتَعارٌ لِمَعْنى المُكْثِ والدَّوامِ، أُرِيدَ بِهَذِهِ الِاسْتِعارَةِ تَجْرِيدُ مَعْنى النَّهْيِ إلى أنَّهُ نَهْيُ تَعْرِيضٍ بِالمُشْرِكِينَ؛ لِأنَّهم مُتَلَبِّسُونَ بِالذَّمِّ والخِذْلانِ، فَإنْ لَمْ يُقْلِعُوا عَنِ الشِّرْكِ دامُوا في الذَّمِّ والخِذْلانِ.

والمَذْمُومُ: المَذْكُورُ بِالسُّوءِ والعَيْبِ.

والمَخْذُولُ: الَّذِي أسْلَمَهُ ناصِرُهُ.

فَأمّا ذَمُّهُ فَمِن ذَوِي العُقُولِ، إذْ أعْظَمُ سُخْرِيَةً أنْ يَتَّخِذَ المَرْءُ حَجَرًا أوْ عُودًا رَبًّا لَهُ، ويَعْبُدَهُ، كَما قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥]، وذَمَّهُ مِنَ اللَّهِ عَلى لِسانِ الشَّرائِعِ.

صفحة ٦٥

وأمّا خِذْلانُهُ فَلِأنَّهُ اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ ولِيًّا لا يُغْنِي عَنْهُ شَيْئًا ﴿إنْ تَدْعُوهم لا يَسْمَعُوا دُعاءَكم ولَوْ سَمِعُوا ما اسْتَجابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر: ١٤]، وقالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢]، وخِذْلانُهُ مِنَ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ لا يَتَوَلّى مَن لا يَتَوَلّاهُ قالَ ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] وقالَ ﴿وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ [الرعد: ١٤] .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском