Ibn 'AshurAl‑Isra · 17:31–34

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:31–34

17:31Page 285

وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُمۡ خَشۡيَةَ إِمۡلَٰقٖۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُهُمۡ وَإِيَّاكُمۡۚ إِنَّ قَتۡلَهُمۡ كَانَ خِطۡـٔٗا كَبِيرٗا ٣١

And do not kill your children for fear of poverty. We provide for them and for you. Indeed, their killing is ever a great sin.

صفحة ٨٧

﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهم وإيّاكم إنَّ قَتْلَهم كانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ عَطَفَ جُمْلَةَ حُكْمٍ عَلى جُمْلَةِ حُكْمٍ لِلنَّهْيِ عَنْ فِعْلٍ يَنْشَأُ عَنِ اليَأْسِ مِن رِزْقِ اللَّهِ، وهَذِهِ الوَصِيَّةُ السّابِعَةُ مِنَ الأحْكامِ المَذْكُورَةِ في آيَةِ ﴿وقَضى رَبُّكَ﴾ [الإسراء: ٢٣] الآيَةَ، وغَيَّرَ أُسْلُوبَ الإضْمارِ مِنَ الإفْرادِ إلى الجَمْعِ؛ لِأنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ هُنا مِن أحْوالِ الجاهِلِيَّةِ زَجْرٌ لَهم عَنْ هَذِهِ الخَطِيئَةِ الذَّمِيمَةِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأنْعامِ، ولَكِنَّ بَيْنَ الآيَتَيْنِ فَرْقًا في النَّظْمِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ قِيلَ هُنا ﴿خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ وقِيلَ في آيَةِ الأنْعامِ ﴿مِن إمْلاقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١]، ويَقْتَضِي ذَلِكَ أنَّ الَّذِينَ كانُوا يَئِدُونَ بَناتِهِمْ يَئِدُونَهُنَّ لِغَرَضَيْنِ: إمّا لِأنَّهم فُقَراءُ لا يَسْتَطِيعُونَ إنْفاقَ البِنْتِ، ولا يَرْجُونَ مِنها إنْ كَبِرَتْ إعانَةً عَلى الكَسْبِ فَهم يَئِدُونَها لِذَلِكَ، فَذَلِكَ مَوْرِدُ قَوْلِهِ في الأنْعامِ ﴿مِن إمْلاقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١]، فَإنَّ (مِن) التَّعْلِيلِيَّةَ تَقْتَضِي أنَّ الإمْلاقَ سَبَبُ قَتْلِهِنَّ فَيَقْتَضِي أنَّ الإمْلاقَ مَوْجُودٌ حِينَ القَتْلِ.

وإمّا أنْ يَكُونَ الحامِلُ عَلى ذَلِكَ لَيْسَ فَقْرَ الأبِ، ولَكِنْ خَشْيَةَ عُرُوضِ الفَقْرِ لَهُ أوْ عُرُوضِ الفَقْرِ لِلْبِنْتِ بِمَوْتِ أبِيها، إذْ كانُوا في جاهِلِيَّتِهِمْ لا يُوَرِّثُونَ البَناتِ، فَيَكُونُ الدّافِعُ لِلْوَأْدِ هو تَوَقُّعَ الإمْلاقِ، كَما قالَ إسْحاقُ بْنُ خَلَفٍ، شاعِرٌ إسْلامِيٌّ قَدِيمٌ:

إذا تَذَكَّرْتُ بِنْتِي حِين تَنْدُبُنِي فاضَتْ لِعَبْرَةِ بِنْتِي عَبْرَتِي بِدَمِ

أُحاذِرُ الفَقْرَ يَوْمًا أنْ يُلِمَّ بِها ∗∗∗ فَيُهْتَكُ السِّتْرُ عَنْ لَحْمٍ عَلى وضَمِ

تَهْوى حَياتِي وأهْوى مَوْتَها شَفَقًا ∗∗∗ والمَوْتُ أكْرَمُ نَزّالٍ عَلى الحُرَمِ

أخْشى فَظاظَةَ عَمٍّ أوْ جَفاءَ أخٍ ∗∗∗ وكُنْتُ أخْشى عَلَيْها مِن أذى الكَلِمِ

صفحة ٨٨

فَلِتَحْذِيرِ المُسْلِمِينَ مِن آثارِ هَذِهِ الخَواطِرِ ذُكِّرُوا بِتَحْرِيمِ الوَأْدِ وما في مَعْناهُ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ في جُمْلَةِ ما تُؤْخَذُ عَلَيْهِ بَيْعَةُ النِّساءِ المُؤْمِناتِ كَما في آيَةِ سُورَةِ المُمْتَحِنَةِ، ومِن فِقْراتِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ: (دَفْنُ البَناتِ مِنَ المَكْرُماتِ) وكِلْتا الحالَتَيْنِ مِن أسْبابِ قَتْلِ الأوْلادِ تَسْتَلْزِمُ الأُخْرى وإنَّما التَّوْجِيهُ لِلْمَنظُورِ إلَيْهِ بادِئَ ذِي بَدْءٍ.

الوَجْهُ الثّانِي: فَمِن أجْلِ هَذا الِاعْتِبارِ في الفَرْقِ لِلْوَجْهِ الأوَّلِ قِيلَ هُنالِكَ ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] بِتَقْدِيمِ ضَمِيرِ الآباءِ عَلى ضَمِيرِ الأوْلادِ؛ لِأنَّ الإمْلاقَ الدّافِعَ لِلْوَأْدِ المَحْكِيِّ بِهِ في آيَةِ الأنْعامِ هو إمْلاقُ الآباءِ فَقَدَّمَ الإخْبارَ بِأنَّ اللَّهَ هو رازِقُهم، وكَمَّلَ بِأنَّهُ رازِقُ بَناتِهِمْ.

وأمّا الإمْلاقُ المَحْكِيُّ في هَذِهِ الآيَةِ فَهو الإمْلاقُ المَخْشِيُّ وُقُوعُهُ، والأكْثَرُ أنَّهُ تَوَقَّعَ إمْلاقَ البَناتِ كَما رَأيْتَ في الأبْياتِ، فَلِذَلِكَ قَدَّمَ الإعْلامَ بِأنَّ اللَّهَ رازِقُ الأبْناءِ، وكَمَّلَ بِأنَّهُ رازِقُ آبائِهِمْ، وهَذا مِن نُكَتِ القُرْآنِ.

والإمْلاقُ: الِافْتِقارُ، وتَقَدَّمُ الكَلامُ عَلى الوَأْدِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] في سُورَةِ الأنْعامِ.

وجُمْلَةُ ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُتَعاطِفاتِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ قَتْلَهم كانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ تَأْكِيدٌ لِلنَّهْيِ، وتَحْذِيرٌ مِنَ الوُقُوعِ في المَنهِيِّ، وفِعْلُ كانَ تَأْكِيدٌ لِلْجُمْلَةِ.

والمُرادُ بِالأوْلادِ خُصُوصُ البَناتِ؛ لِأنَّهُنَّ اللّاتِي كانُوا يَقْتُلُونَهُنَّ وأْدًا، ولَكِنْ عَبَّرَ عَنْهُنَّ بِلَفْظِ الأوْلادِ في هَذِهِ الآيَةِ، ونَظائِرِها؛ لِأنَّ البِنْتَ يُقالُ لَها: ولَدٌ، وجَرى الضَّمِيرُ عَلى اعْتِبارِ اللَّفْظِ في قَوْلِهِ ﴿نَرْزُقُهُمْ﴾ .

والخِطْأُ بِكَسْرِ الخاءِ وسُكُونِ الطّاءِ مَصْدَرُ خَطِئَ بِوَزْنِ فَرِحَ، إذا أصابَ إثْمًا، ولا يَكُونُ الإثْمُ إلّا عَنْ عَمْدٍ، قالَ تَعالى ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ﴾ [القصص: ٨] وقالَ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ [العلق: ١٦] .

صفحة ٨٩

وأمّا الخَطَأ بِفَتْحِ الخاءِ والطّاءِ فَهو ضِدُّ العَمْدِ، وفِعْلُهُ: أخْطَأ واسْمُ الفاعِلِ مُخْطِئٌ، قالَ تَعالى ﴿ولَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] . وهَذِهِ التَّفْرِقَةُ هي سِرُّ العَرَبِيَّةِ، وعَلَيْها المُحَقِّقُونَ مِن أئِمَّتِها.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿خِطْئًا﴾ بِكَسْرِ الخاءِ وسُكُونِ الطّاءِ بَعْدَها هَمْزَةٌ، أيْ إثْمًا، وقَرَأهُ ابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ (خَطَأً) بِفَتْحِ الخاءِ وفَتْحِ الطّاءِ، والخَطَأُ ضِدُّ الصَّوابِ، أيْ أنَّ قَتْلَهم مَحْضُ خَطَأٍ لَيْسَ فِيهِ ما يُعْذَرُ عَلَيْهِ فاعِلُهُ.

وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ (خِطاءً) بِكَسْرِ الخاءِ، وفَتْحِ الطّاءِ، وألِفٍ بَعْدَ الطّاءِ بَعْدَهُ هَمْزَةٌ مَمْدُودًا، وهو فِعالٌ مَن خَطِئَ إذا أجْرَمَ، وهو لُغَةٌ في خَطَأ، وكَأنَّ الفِعالَ فِيها لِلْمُبالَغَةِ، وأُكِّدَ بِ (إنَّ) لِتَحْقِيقِهِ رَدًّا عَلى أهْلِ الجاهِلِيَّةِ إذْ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ وأْدَ البَناتِ مِنَ السَّدادِ، ويَقُولُونَ: دَفْنُ البَناتِ مِنَ المَكْرُماتِ، وأُكِّدَ أيْضًا بِفِعْلِ (كانَ) لِإشْعارِ (كانَ) بِأنَّ كَوْنَهُ إثْمًا أمْرًا اسْتَقَرَّ.

17:32Page 285

وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلزِّنَىٰٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ وَسَآءَ سَبِيلٗا ٣٢

And do not approach unlawful sexual intercourse.1 Indeed, it is ever an immorality and is evil as a way.

﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنى إنَّهُ كانَ فاحِشَةً وساءَ سَبِيلًا﴾ عَطْفُ هَذا النَّهْيِ عَلى النَّهْيِ عَنْ وأْدِ البَناتِ إيماءٌ إلى أنَّهم كانُوا يَعُدُّونَ مِن أعْذارِهِمْ في وأْدِ البَناتِ الخَشْيَةَ مِنَ العارِ الَّذِي قَدْ يَلْحَقُ مِن جَرّاءِ إهْمالِ البَناتِ النّاشِئِ عَنِ الفَقْرِ الرّامِي بِهِنَّ في مَهاوِي العُهْرِ، ولِأنَّ في الزِّنى إضاعَةَ نَسَبِ النَّسْلِ بِحَيْثُ لا يُعْرَفُ لِلنَّسْلِ مَرْجِعٌ يَأْوِي إلَيْهِ، وهو يُشْبِهُ الوَأْدَ في الإضاعَةِ.

وجَرى الإضْمارُ فِيهِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ كَما جَرى في قَوْلِهِ ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] لِمِثْلِ ما وجَّهَ بِهِ تَغْيِيرَ الأُسْلُوبِ هُنالِكَ فَإنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ هُنا كانَ مِن غالِبِ أحْوالِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ.

صفحة ٩٠

وهَذِهِ الوَصِيَّةُ الثّامِنَةُ مِنَ الوَصايا الإلَهِيَّةِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] .

والقُرْبُ المَنهِيُّ عَنْهُ هو أقَلُّ المُلابَسَةِ، وهو كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ النَّهْيِ عَنْ مُلابَسَةِ الزِّنا، وقَرِيبٌ مِن هَذا المَعْنى قَوْلُهم: ما كادَ يَفْعَلُ.

والزِّنى في اصْطِلاحِ الإسْلامِ مُجامَعَةُ الرَّجُلِ امْرَأةً غَيْرَ زَوْجَةٍ لَهُ، ولا مَمْلُوكَةٍ غَيْرِ ذاتِ الزَّوْجِ، وفي الجاهِلِيَّةِ الزِّنى: مُجامَعَةُ الرَّجُلِ امْرَأةً حُرَّةً غَيْرَ زَوْجٍ لَهُ، وأمّا مُجامَعَةُ الأمَةِ غَيْرِ المَمْلُوكَةِ لِلرَّجُلِ فَهو البِغاءُ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنْ مُلابَسَتِهِ تَعْلِيلًا مُبالَغًا فِيهِ مِن جِهاتٍ بِوَصْفِهِ بِالفاحِشَةِ الدّالِّ عَلى فِعْلَةٍ بالِغَةٍ الحَدَّ الأقْصى في القُبْحِ، وبِتَأْكِيدِ ذَلِكَ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ، وبِإقْحامِ فِعْلِ (كانَ) المُؤْذِنِ بِأنَّ خَبَرَهُ وصْفٌ راسِخٌ مُسْتَقِرٌّ، كَما تَقَدَّمَ فَيَقُولُهُ ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧] .

والمُرادُ: أنَّ ذَلِكَ وصْفٌ ثابِتٌ لَهُ في نَفْسِهِ، سَواءٌ عَلِمَهُ النّاسُ مِن قَبْلُ أمْ لَمْ يَعْلَمُوهُ إلّا بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ.

وأتْبَعَ ذَلِكَ بِفِعْلِ الذَّمِّ وهو ساءَ سَبِيلًا، والسَّبِيلُ: الطَّرِيقُ، وهو مُسْتَعارٌ هُنا لِلْفِعْلِ الَّذِي يُلازِمُهُ المَرْءُ ويَكُونُ لَهُ دَأْبًا اسْتِعارَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى اسْتِعارَةِ السَّيْرِ لِلْعَمَلِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ [طه: ٢١]، فَبُنِيَ عَلى اسْتِعارَةِ السَّيْرِ لِلْعَمَلِ اسْتِعارَةُ السَّبِيلِ لَهُ بِعَلاقَةِ المُلازَمَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُها في قَوْلِهِ ﴿إنَّهُ كانَ فاحِشَةً ومَقْتًا وساءَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٢٢] في سُورَةِ النِّساءِ.

وعِنايَةُ الإسْلامِ بِتَحْرِيمِ الزِّنى؛ لِأنَّ فِيهِ إضاعَةَ النَّسَبِ وتَعْرِيضَ النَّسْلِ لِلْإهْمالِ إنْ كانَ الزِّنى بِغَيْرِ مُتَزَوِّجَةٍ، وهو خَلَلٌ عَظِيمٌ في المُجْتَمَعِ، ولِأنَّ فِيهِ إفْسادَ النِّساءِ عَلى أزْواجِهِنَّ، والأبْكارِ عَلى أوْلِيائِهِنَّ، ولِأنَّ فِيهِ تَعْرِيضَ المَرْأةِ إلى الإهْمالِ بِإعْراضِ النّاسِ عَنْ تَزَوُّجِها، وطَلاقِ زَوْجِها إيّاها، ولِما يَنْشَأُ عَنِ الغَيْرَةِ مِنَ الهَرْجِ والتَّقاتُلِ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:

عَلَيَّ حِراصًا لَوْ يُسِرُّونَ مَقْتَلِي

صفحة ٩١

فالزِّنى مِئِنَّةٌ لِإضاعَةِ الأنْسابِ ومَظِنَّةٌ لِلتَّقاتُلِ والتَّهارُجِ فَكانَ جَدِيرًا بِتَغْلِيظِ التَّحْرِيمِ قَصْدًا وتَوَسُّلًا، ومَن تَأمَّلَ ونَظَرَ جَزَمَ بِما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الزِّنى مِنَ المَفاسِدِ، ولَوْ كانَ المُتَأمِّلُ مِمَّنْ يَفْعَلُهُ في الجاهِلِيَّةِ فَقُبْحُهُ ثابِتٌ لِذاتِهِ، ولَكِنَّ العُقَلاءَ مُتَفاوِتُونَ في إدْراكِهِ وفي مِقْدارِ إدْراكِهِ، فَلَمّا أيْقَظَهُمُ التَّحْرِيمُ لَمْ يَبْقَ لِلنّاسِ عُذْرٌ، وقَدْ زَعَمَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ كَما تَقَدَّمَ في صَدْرِ السُّورَةِ، ولا وجْهَ لِذَلِكَ الزَّعْمِ، وقَدْ أشَرْنا إلى إبْطالِ ذَلِكَ في أوَّلِ السُّورَةِ.

17:33Page 285

وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۗ وَمَن قُتِلَ مَظۡلُومٗا فَقَدۡ جَعَلۡنَا لِوَلِيِّهِۦ سُلۡطَٰنٗا فَلَا يُسۡرِف فِّي ٱلۡقَتۡلِۖ إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورٗا ٣٣

And do not kill the soul [i.e., person] which Allāh has forbidden, except by right.1 And whoever is killed unjustly - We have given his heir authority,2 but let him not exceed limits in [the matter of] taking life. Indeed, he has been supported [by the law].

﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ إنَّهُ كانَ مَنصُورًا﴾

مَعْلُومَةٌ حالَةُ العَرَبِ في الجاهِلِيَّةِ مِنَ التَّسَرُّعِ إلى قَتْلِ النُّفُوسِ فَكانَ حِفْظُ النُّفُوسِ مِن أعْظَمِ القَواعِدِ الكُلِّيَّةِ لِلشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ، ولِذَلِكَ كانَ النَّهْيُ عَنْ قَتْلِ النَّفْسِ مِن أهَمِّ الوَصايا الَّتِي أوْصى بِها الإسْلامُ أتْباعَهُ في هَذِهِ الآياتِ الجامِعَةِ، وهَذِهِ هي الوَصِيَّةُ التّاسِعَةُ.

والنَّفْسُ هُنا الذّاتُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وقَوْلِهِ ﴿أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] وقَوْلِهِ ﴿وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤]، وتُطْلَقُ النَّفْسُ عَلى الرُّوحِ الإنْسانِيِّ وهي النَّفْسُ النّاطِقَةُ.

والقَتْلُ: الإماتَةُ بِفِعْلِ فاعِلٍ، أيْ إزالَةُ الحَياةِ عَنِ الذّاتِ.

وقَوْلُهُ ﴿حَرَّمَ اللَّهُ﴾ حُذِفَ العائِدُ مِنَ الصِّلَةِ إلى المَوْصُولِ؛ لِأنَّهُ ضَمِيرٌ مَنصُوبٌ بِفِعْلِ الصِّلَةِ وحَذْفُهُ كَثِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: حَرَّمَها اللَّهُ، وعَلَّقَ التَّحْرِيمَ بِعَيْنِ النَّفْسِ، والمَقْصُودُ تَحْرِيمُ قَتْلِها.

صفحة ٩٢

ووُصِفَتِ النَّفْسُ بِالمَوْصُولِ والصِّلَةِ بِمُقْتَضى كَوْنِ تَحْرِيمِ قَتْلِها مَشْهُورًا مِن قَبْلِ هَذا النَّهْيِ، إمّا لِأنَّهُ تَقَرَّرَ مِن قَبْلُ بِآياتٍ أُخْرى نَزَلَتْ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وقَبْلَ آيَةِ الأنْعامُ حُكْمًا مُفَرِّقًا، وجَمَعَتِ الأحْكامَ في هَذِهِ الآيَةِ وآيَةِ الأنْعامِ، وإمّا لِتَنْزِيلِ الصِّلَةِ مَنزِلَةَ المَعْلُومِ؛ لِأنَّها مِمّا لا يَنْبَغِي جَهْلُهُ فَيَكُونُ تَعْرِيضًا بِأهْلِ الجاهِلِيَّةِ الَّذِينَ كانُوا يَسْتَخِفُّونَ بِقَتْلِ النَّفْسِ بِأنَّهم جَهِلُوا ما كانَ عَلَيْهِمْ أنْ يَعْلَمُوهُ، تَنْوِيهًا بِهَذا الحُكْمِ، وذَلِكَ أنَّ النَّظَرَ في خَلْقِ هَذا العالَمِ يَهْدِي العُقُولَ إلى أنَّ اللَّهَ أوْجَدَ الإنْسانَ؛ لِيُعَمِّرَ بِهِ الأرْضَ، كَما قالَ تَعالى ﴿هُوَ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ [هود: ٦١]، فالإقْدامُ عَلى إتْلافِ نَفْسِ هَدْمٌ لِما أرادَ اللَّهُ بِناءَهُ، عَلى أنَّهُ قَدْ تَواتَرَ وشاعَ بَيْنَ الأُمَمِ في سائِرِ العُصُورِ والشَّرائِعِ مِن عَهْدِ آدَمَ صَوْنُ النُّفُوسِ مِنَ الِاعْتِداءِ عَلَيْها بِالإعْدامِ، فَبِذَلِكَ وُصِفَتْ بِأنَّها الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، أيْ عُرِفَتْ بِمَضْمُونِ هَذِهِ الصِّلَةِ.

واسْتُثْنِيَ مِن عُمُومِ النَّهْيِ القَتْلُ المُصاحِبُ لِلْحَقِّ، أيِ الَّذِي يَشْهَدُ الحَقُّ أنَّ نَفْسًا مُعَيَّنَةً اسْتَحَقَّتِ الإعْدامَ مِنَ المُجْتَمَعِ، وهَذا مُجْمَلٌ يُفَسِّرُهُ في وقْتِ النُّزُولِ ما هو مَعْرُوفٌ مِن أحْكامِ القَوَدِ عَلى وجْهِ الإجْمالِ.

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآياتُ سِيقَتْ مَساقَ التَّشْرِيعِ لِلْأُمَّةِ، وإشْعارًا بِأنْ سَيَكُونُ في الأُمَّةِ قَضاءٌ، وحُكْمٌ فِيما يُسْتَقْبَلُ أُبْقِيَ مُجْمَلًا حَتّى تُفَسِّرَهُ الأحْكامُ المُسْتَأْنَفَةُ مِن بَعْدُ، مِثْلَ آيَةِ ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] إلى قَوْلِهِ ﴿وأعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣] .

فالباءُ في قَوْلِهِ بِالحَقِّ لِلْمُصاحَبَةِ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَعْنى الِاسْتِثْناءِ، أيْ إلّا قَتْلًا مُلابِسًا لِلْحَقِّ.

والحَقُّ بِمَعْنى العَدْلِ، أوْ بِمَعْنى الِاسْتِحْقاقِ، أيْ حَقُّ القَتْلِ، كَما في الحَدِيثِ: «فَإذا قالُوها أيْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهم إلّا بِحَقِّها» .

ولَمّا كانَ الخِطابُ بِالنَّهْيِ لِجَمِيعِ الأُمَّةِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ الفِعْلُ في سِياقِ النَّهْيِ كانَ تَعْيِيمُ الحَقِّ المُبِيحِ لِقَتْلِ النَّفْسِ مَوْكُولًا إلى مَن لَهم تَعْيِينُ الحُقُوقِ.

صفحة ٩٣

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ نازِلَةً قَبْلَ الهِجْرَةِ فَتَعْيِينُ الحَقِّ يَجْرِي عَلى ما هو مُتَعارَفٌ بَيْنَ القَبائِلِ، وهو ما سَيُذْكَرُ في قَوْلِهِ تَعالى عَقِبَ هَذا ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ الآيَةَ.

وحِين كانَ المُسْلِمُونَ وقْتَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ مُخْتَلِطِينَ في مَكَّةَ بِالمُشْرِكِينَ، ولَمْ يَكُنِ المُشْرِكُونَ أهْلًا لِلثِّقَةِ بِهِمْ في الطّاعَةِ لِلشَّرائِعِ العادِلَةِ، وكانَ قَدْ يَعْرِضُ أنْ يَعْتَدِيَ أحَدُ المُشْرِكِينَ عَلى أحَدِ المُسْلِمِينَ بِالقَتْلِ ظُلْمًا أمَرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ بِأنَّ المَظْلُومَ لا يَظْلِمُ، فَقالَ ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ أيْ قَدْ جَعَلَ لِوَلِيِّ المَقْتُولِ تَصَرُّفًا في القاتِلِ بِالقَوَدِ أوِ الدِّيَةِ.

والسُّلْطانُ: مَصْدَرٌ مِنَ السُّلْطَةِ كالغُفْرانِ، والمُرادُ بِهِ ما اسْتَقَرَّ في عَوائِدِهِمْ مِن حُكْمِ القَوَدِ.

وكَوْنُهُ حَقًّا لِوَلِيِّ القَتِيلِ يَأْخُذُ بِهِ أوْ يَعْفُو أوْ يَأْخُذُ الدِّيَةَ ألْهَمَهُمُ اللَّهُ إلَيْهِ؛ لِئَلّا يَنْزُوا أوْلِياءَ القَتِيلِ عَلى القاتِلِ أوْ ذَوِيهِ لِيَقْتُلُوا مِنهم مَن لَمْ تَجْنِ يَداهُ قَتْلًا، وهَكَذا تَسْتَمِرُّ التِّراتُ بَيْنَ أخْذٍ ورَدٍّ، فَقَدْ كانَ ذَلِكَ مِن عَوائِدِهِمْ أيْضًا.

فالمُرادُ بِالجَعْلِ ما أرْشَدَ اللَّهُ إلَيْهِ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ مِن عادَةِ القَوَدِ.

والقَوَدُ مِن جُمْلَةِ المُسْتَثْنى بِقَوْلِهِ ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾؛ لِأنَّ القَوَدَ مِنَ القاتِلِ الظّالِمِ هو قَتْلٌ لِلنَّفْسِ بِالحَقِّ، وهَذِهِ حالَةٌ خَصَّها اللَّهُ بِالذِّكْرِ لِكَثْرَةِ وُقُوعِ العُدْوانِ في بَقِيَّةِ أيّامِ الجاهِلِيَّةِ، فَأمَرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ بِقَبُولِ القَوَدِ، وهَذا مَبْدَأُ صَلاحٍ عَظِيمٍ في المُجْتَمَعِ الإسْلامِيِّ، وهو حَمْلُ أهْلِهِ عَلى اتِّباعِ الحَقِّ والعَدْلِ حَتّى لا يَكُونَ الفَسادُ مِن طَرَفَيْنِ فَيَتَفاقَمُ أمْرُهُ، وتِلْكَ عادَةٌ جاهِلِيَّةٌ، قالَ الشَّمَيْذَرُ الحارِثِيُّ:

فَلَسْنا كَمَن كُنْتُمْ تُصِيبُونَ سَلَّةً فَنَقْبَلُ ضَيْمًا أوْ نُحَكِّمُ قاضِيا

ولَكِنَّ حُكْمَ السَّيْفِ فِينا مُسَلَّطٌ ∗∗∗ فَنَرْضى إذا ما أصْبَحَ السَّيْفُ راضِيا

صفحة ٩٤

فَنَهى اللَّهُ المُسْلِمِينَ عَنْ أنْ يَكُونُوا مِثالًا سَيِّئًا يُقابِلُوا الظُّلْمَ بِالظُّلْمِ كَعادَةِ الجاهِلِيَّةِ بَلْ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَّبِعُوا سَبِيلَ الإنْصافِ فَيَقْبَلُوا القَوَدَ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ﴾ .

والسَّرَفُ: الزِّيادَةُ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الحَقُّ، ولَيْسَ خاصًّا بِالمالِ كَما يُفْهَمُ مِن كَلامِ أهْلِ اللُّغَةِ، فالسَّرَفُ في القَتْلِ هو أنْ يُقْتَلَ غَيْرُ القاتِلِ، أمّا مَعَ القاتِلِ وهو واضِحٌ كَما قالَ المُهَلْهَلُ في الأخْذِ بِثَأْرِ أخِيهِ كُلَيْبٍ:

كُلُّ قَتِيلٍ في كُلَيْبٍ غُرَّةٌ ∗∗∗ حتى يَعُمُّ القَتْلُ آلَ مُرَّةَ

وأمّا قَتْلُ غَيْرِ القاتِلِ عِنْدَ العَجْزِ عَنْ قَتْلِ القاتِلِ فَقَدْ كانُوا يَقْتَنِعُونَ عَنِ العَجْزِ عَنِ القاتِلِ بِقَتْلِ رَجُلٍ مِن قَبِيلَةِ القاتِلِ، وكانُوا يَتَكايَلُونَ الدِّماءَ، أيْ يَجْعَلُونَ كَيْلَها مُتَفاوِتًا بِحَسَبِ شَرَفِ القَتِيلِ، كَما قالَتْ كَبْشَةُ بِنْتُ مَعْدِي كَرِبَ:

فَيَقْتُلُ جَبْرًا بِامْرِئٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ ∗∗∗ بَواءً ولَكِنْ لا تَكايُلَ بِالدَّمِ

البَواءُ: الكُفْءُ في الدَّمِ، تُرِيدُ فَيَقْتُلُ القاتِلَ وهو المُسَمّى جَبْرًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ كُفُؤًا لِعَبْدِ اللَّهِ أخِيها، ولَكِنَّ الإسْلامَ أبْطَلَ التَّكايُلَ بِالدَّمِ.

وضَمِيرُ ﴿يُسْرِفْ﴾ بِياءِ الغَيْبَةِ، في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، يَعُودُ إلى الوَلِيِّ مَظِنَّةِ السَّرَفِ في القَتْلِ بِحَسَبِ ما تَعَوَّدُوهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِتاءِ الخِطابِ أيْ خِطابٍ لِلْوَلِيِّ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ مَنصُورًا﴾ اسْتِئْنافٌ، أيْ أنَّ ولِيَّ المَقْتُولِ كانَ مَنصُورًا بِحُكْمِ القَوَدِ، فَلِماذا يَتَجاوَزُ الحَدَّ مِنَ النَّصْرِ إلى الِاعْتِداءِ والظُّلْمِ بِالسَّرَفِ في القَتْلِ، حَذَّرَهُمُ اللَّهُ مِنَ السَّرَفِ في القَتْلِ، وذَكَّرَهم بِأنَّهُ جَعَلَ لِلْوَلِيِّ سُلْطانًا عَلى القاتِلِ.

وقَدْ أكَّدَ ذَلِكَ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ وبِإقْحامِ (كانَ) الدّالِّ عَلى أنَّ الخَبَرَ مُسْتَقِرُّ الثُّبُوتِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ مَن تَجاوَزَ حَدَّ العَدْلِ إلى السَّرَفِ في القَتْلِ لا يُنْصَرُ.

صفحة ٩٥

ومِن نُكَتِ القُرْآنِ وبَلاغَتِهِ وإعْجازِهِ الخَفِيِّ الإتْيانُ بِلَفْظِ (سُلْطانٍ) هُنا الظّاهِرِ في مَعْنى المَصْدَرِ، أيِ السُّلْطَةِ والحَقِّ والصّالِحِ لِإرادَةِ إقامَةِ السُّلْطانِ، وهو الإمامُ الَّذِي يَأْخُذُ الحُقُوقَ مِن المُعْتَدِينَ إلى المُعْتَدى عَلَيْهِمْ حِينَ تَنْتَظِمُ جامِعَةُ المُسْلِمِينَ بَعْدَ الهِجْرَةِ، فَفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ اللَّهَ سَيَجْعَلُ لِلْمُسْلِمِينَ دَوْلَةً دائِمَةً، ولَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ يَوْمَ نُزُولِ الآيَةِ سُلْطانٌ.

وهَذا الحُكْمُ مَنُوطٌ بِالقَتْلِ الحادِثِ بَيْنَ الأشْخاصِ وهو قَتْلُ العُدْوانِ، فَأمّا القَتْلُ الَّذِي هو لِحِمايَةِ البَيْضَةِ والذَّبِّ عَنِ الحَوْزَةِ، وهو الجِهادُ، فَلَهُ أحْكامٌ أُخْرى، وبِهَذا تَعْلَمُ التَّوْجِيهَ لِلْإتْيانِ بِضَمِيرِ جَماعَةِ المُخاطَبِينَ عَلى ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] وما عُطِفَ عَلَيْهِ مِنَ الضَّمائِرِ.

واعْلَمْ أنَّ جُمْلَةَ ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١] عَطْفَ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ؛ اهْتِمامًا بِهَذا الحُكْمِ بِحَيْثُ جُعِلَ مُسْتَقِلًّا، فَعُطِفَ عَلى حُكْمٍ آخَرَ، وإلّا فَمُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ تَكُونَ مَفْصُولَةً، إمّا اسْتِئْنافًا لِبَيانِ حُكْمِ حالَةٍ تَكْثُرُ، وإمّا بَدَلَ بَعْضٍ مِن جُمْلَةِ ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾ .

و(مَن) مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ مُرادٌ بِها العُمُومُ، أيْ وكُلُّ الَّذِي يُقْتَلُ مَظْلُومًا، وأُدْخِلَتِ الفاءُ في جُمْلَةِ خَبَرِ المُبْتَدَأِ؛ لِأنَّ المَوْصُولَ يُعامَلُ مُعامَلَةَ الشَّرْطِ إذا قُصِدَ بِهِ العُمُومُ، والرَّبْطُ بَيْنَهُ وبَيْنَ خَبَرِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ هو في المَعْنى مُقَدِّمَةٌ لِلْخَبَرِ بِتَعْجِيلِ ما يُطَمْئِنُ نَفْسَ ولِيِّ المَقْتُولِ، والمَقْصُودُ مِنَ إلَخْبَرِ التَّفْرِيعُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ﴾، فَكانَ تَقْدِيمُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ تَمْهِيدًا لِقَبُولِ النَّهْيِ عَنِ السَّرَفِ في القَتْلِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ قَدْ جَعَلَ لَهُ سُلْطانًا فَقَدْ صارَ الحُكْمُ بِيَدِهِ، وكَفاهُ ذَلِكَ شِفاءً لِغَلِيلِهِ.

صفحة ٩٦

ومِن دَلالَةِ الإشارَةِ أنَّ قَوْلَهُ ﴿فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ إشارَةٌ إلى إبْطالِ تَوَلِّي ولِيِّ المَقْتُولِ قَتْلَ القاتِلِ دُونَ حُكْمٍ مِنَ السُّلْطانِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَظِنَّةٌ لِلْخَطَأِ في تَحْقِيقِ القاتِلِ، وذَرِيعَةٌ لِحُدُوثِ قَتْلٍ آخَرَ بِالتَّدافُعِ بَيْنَ أوْلِياءِ المَقْتُولِ وأهْلِ القاتِلِ، ويَجُرُّ إلى الإسْرافِ في القَتْلِ الَّذِي ما حَدَثَ في زَمانِ الجاهِلِيَّةِ إلّا بِمِثْلِ هَذِهِ الذَّرِيعَةِ، فَضَمِيرُ ﴿فَلا يُسْرِفْ﴾ عائِدٌ إلى ولِيُّهُ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ مَنصُورًا﴾ تَعْلِيلٌ لِلْكَفِّ عَنِ الإسْرافِ في القَتْلِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى ولِيُّهُ.

و(في) مِن قَوْلِهِ ﴿فِي القَتْلِ﴾ لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ؛ لِأنَّ الإسْرافَ يَجُولُ في كَسْبٍ ومالٍ ونَحْوِهِ، فَكَأنَّهُ مَظْرُوفٌ في جُمْلَةِ ما جالَ فِيهِ.

ولَمّا رَأى بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ الحُكْمَ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ لا يُناسِبُ إلّا أحْوالَ المُسْلِمِينَ الخالِصِينَ اسْتَبْعَدَ أنْ تَكُونَ الآيَةُ نازِلَةً بِمَكَّةَ فَزَعَمَ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، وقَدْ بَيَّنّا وجْهَ مُناسَبَتِها، وأبْطَلْنا أنْ تَكُونَ مَكِّيَّةً في صَدْرِ هَذِهِ السُّورَةِ.

17:34Page 285

وَلَا تَقۡرَبُواْ مَالَ ٱلۡيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ أَشُدَّهُۥۚ وَأَوۡفُواْ بِٱلۡعَهۡدِۖ إِنَّ ٱلۡعَهۡدَ كَانَ مَسۡـُٔولٗا ٣٤

And do not approach the property of an orphan, except in the way that is best,1 until he reaches maturity. And fulfill [every] commitment. Indeed, the commitment is ever [that about which one will be] questioned.

﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾

هَذا مِن أهَمِّ الوَصايا الَّتِي أوْصى اللَّهُ بِها في هَذِهِ الآياتِ؛ لِأنَّ العَرَبَ في الجاهِلِيَّةِ كانُوا يَسْتَحِلُّونَ أمْوالَ اليَتامى لِضَعْفِهِمْ عَنِ التَّفَطُّنِ لِمَن يَأْكُلُ أمْوالَهم، وقِلَّةِ نَصِيرِهِمْ؛ لِإيصالِ حُقُوقِهِمْ، فَحَذَّرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ مِن ذَلِكَ لِإزالَةِ ما عَسى أنْ يَبْقى في نُفُوسِهِمْ مِن أثَرٍ مِن تِلْكَ الجاهِلِيَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأنْعامِ، وهَذِهِ الوَصِيَّةُ العاشِرَةُ.

والقَوْلُ في الإتْيانِ بِضَمِيرِ الجَماعَةِ المُخاطَبِينَ كالقَوْلِ في سابِقِيهِ؛ لِأنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ مِن أحْوالِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ.

* * *

صفحة ٩٧

﴿وأوْفُوا بِالعَهْدِ إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْئُولًا﴾ أُمِرُوا بِالوَفاءِ بِالعَهْدِ، والتَّعْرِيفُ في العَهْدِ لِلْجِنْسِ المُفِيدِ لِلِاسْتِغْراقٍ يَشْمَلُ العَهْدَ الَّذِي عاهَدُوا عَلَيْهِ النَّبِيءَ، وهو البَيْعَةُ عَلى الإيمانِ والنَّصْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١] في سُورَةِ النَّحْلِ وقَوْلِهِ ﴿وبِعَهْدِ اللَّهِ أوْفُوا﴾ [الأنعام: ١٥٢] في سُورَةِ الأنْعامِ.

وهَذا التَّشْرِيعُ مِن أُصُولِ حُرْمَةِ الأُمَّةِ في نَظَرِ الأُمَمِ، والثِّقَةِ بِها لِلِانْزِواءِ تَحْتَ سُلْطانِها، وقَدْ مَضى القَوْلُ فِيهِ في سُورَةِ الأنْعامِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الَّتِي قَبْلَها، وهي مِن عِدادِ ما وقَعَ بَعْدَ أنِ التَّفْسِيرِيَّةِ مِن قَوْلِهِ ﴿ألّا تَعْبُدُوا﴾ [الإسراء: ٢٣] الآياتِ، وهي الوَصِيَّةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْئُولًا﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ، أيْ لِلْإيجابِ الَّذِي اقْتَضاهُ، وإعادَةُ لَفْظِ العَهْدِ في مَقامِ إضْمارِهِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، ولِتَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةً فَتَسْرِي مَسْرى المَثَلِ.

وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ مَسْئُولًا لِظُهُورِهِ، أيْ مَسْئُولًا عَنْهُ، أيْ يَسْألُكُمُ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском