Ibn 'AshurAl‑Isra · 17:42–48

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:42–48

17:42Page 286

قُل لَّوۡ كَانَ مَعَهُۥٓ ءَالِهَةٞ كَمَا يَقُولُونَ إِذٗا لَّٱبۡتَغَوۡاْ إِلَىٰ ذِي ٱلۡعَرۡشِ سَبِيلٗا ٤٢

Say, [O Muḥammad], "If there had been with Him [other] gods, as they say, then they [each] would have sought to the Owner of the Throne a way."1

﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما تَقُولُونَ إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا﴾ عَوْدٌ إلى إبْطالِ تَعَدُّدِ الآلِهَةِ؛ زِيادَةً في اسْتِئْصالِ عَقائِدِ المُشْرِكِينَ مِن عُرُوقِها، فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ بَعْدَ جُمْلَةِ ﴿ولا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتُلْقى في جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ٣٩]، والمُخاطَبُ بِالأمْرِ بِالقَوْلِ هو النَّبِيءُ ﷺ لِدَمْغِهِمْ بِالحُجَّةِ المُقْنِعَةِ بِفَسادِ قَوْلِهِمْ، ولِلِاهْتِمامِ بِها افْتُتِحَتْ بِ قُلْ؛ تَخْصِيصًا لِهَذا بِالتَّبْلِيغِ، وإنْ كانَ جَمِيعُ القُرْآنِ مَأْمُورًا بِتَبْلِيغِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿كَما تَقُولُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ تَعَدُّدَ الآلِهَةِ لا تَحَقُّقَ لَهُ، وإنَّما هو مُجَرَّدُ قَوْلٍ عارٍ عَنِ المُطابَقَةِ لِما في نَفْسِ الأمْرِ.

وابْتِغاءُ السَّبِيلِ: طَلَبُ طَرِيقِ الوُصُولِ إلى الشَّيْءِ، أيْ تَوَخِّيهِ والِاجْتِهادِ لِإصابَتِهِ، وهو هُنا مَجازٌ في تَوَخِّي وسِيلَةِ الشَّيْءِ، وقَدْ جاءَ في حَدِيثِ «مُوسى والخَضِرِ عَلَيْهِما السَّلامُ أنَّ مُوسى سَألَ السَّبِيلَ إلى لُقْيا الخَضِرِ» .

و(إذَنْ) دالَّةٌ عَلى الجَوابِ والجَزاءِ فَهي مُؤَكِّدَةٌ لِمَعْنى الجَوابِ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ اللّامُ المُقْتَرِنَةُ بِجَوابِ (لَوْ) الِامْتِناعِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى امْتِناعِ حُصُولِ

صفحة ١١١

جَوابِها لِأجْلِ امْتِناعِ وُقُوعِ شَرْطِها، وزائِدَةٌ بِأنَّها تُفِيدُ أنَّ الجَوابَ جَزاءٌ عَنِ الكَلامِ المُجابِ، فالمَقْصُودُ الِاسْتِدْلالُ عَلى انْتِفاءِ إلَهِيَّةِ الأصْنامِ، والمَلائِكَةِ الَّذِينَ جَعَلُوهم آلِهَةً.

وهَذا الِاسْتِدْلالُ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ مَآلُهُما واحِدٌ: المَعْنى الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالسَّبِيلِ سَبِيلَ السَّعْيِ إلى الغَلَبَةِ والقَهْرِ، أيْ لَطَلَبُوا مُغالَبَةَ ذِي العَرْشِ وهو اللَّهُ تَعالى، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذَنْ لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١]، ووَجْهُ المُلازَمَةِ الَّتِي بُنِيَ عَلَيْها الدَّلِيلُ أنَّ مِن شَأْنِ أهْلِ السُّلْطانِ في العُرْفِ والعادَةِ أنْ يَتَطَلَّبُوا تَوْسِعَةَ سُلْطانِهِمْ ويَسْعى بَعْضُهم إلى بَعْضٍ بِالغَزْوِ، ويَتَألَّبُوا عَلى السُّلْطانِ الأعْظَمِ لِيَسْلُبُوهُ مُلْكَهُ أوْ بَعْضَهُ، وقَدِيمًا ما ثارَتِ الأُمَراءُ والسَّلاطِينُ عَلى مَلِكِ المُلُوكِ وسَلَبُوهُ مُلْكَهُ، فَلَوْ كانَ مَعَ اللَّهِ آلِهَةٌ لَسَلَكُوا عادَةَ أمْثالِهِمْ.

وتَمامُ الدَّلِيلِ مَحْذُوفٌ لِلْإيجازِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ ما يَسْتَلْزِمُهُ ابْتِغاءُ السَّبِيلِ عَلى هَذا المَعْنى مِنَ التَّدافُعِ والتَّغالُبِ اللّازِمَيْنِ عُرْفًا لِحالَةِ طَلَبِ سَبِيلِ النُّزُولِ بِالقَرْيَةِ أوِ الحَيِّ لِقَصْدِ الغَزْوِ، وذَلِكَ المُفْضِي إلى اخْتِلالِ العالَمِ لِاشْتِغالِ مُدَبِّرِيهِ بِالمُقاتَلَةِ، والمُدافَعَةِ عَلى نَحْوِ ما يُوجَدُ في مِيثُلُوجِيا اليُونانِ مِن تَغالُبِ الأرْبابِ، وكَيْدِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، فَيَكُونُ هَذا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وهو الدَّلِيلُ المُسَمّى بِبُرْهانِ التَّمانُعِ في عِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ، فالسَّبِيلُ عَلى هَذا المَعْنى مَجازٌ عَنِ التَّمَكُّنِ والظَّفَرِ بِالمَطْلُوبِ، والِابْتِغاءُ عَلى هَذا ابْتِغاءٌ عَنْ عَداوَةٍ وكَراهَةٍ.

وقَوْلُهُ ﴿كَما تَقُولُونَ﴾ عَلى هَذا الوَجْهِ تَنْبِيهٌ عَلى خَطَئِهِمْ، وهو مِنِ اسْتِعْمالِ المَوْصُولِ في التَّنْبِيهِ عَلى الخَطَأِ.

والمَعْنى الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالسَّبِيلِ سَبِيلَ الوُصُولِ إلى ذِي العَرْشِ، وهو اللَّهُ تَعالى وُصُولَ الخُضُوعِ والِاسْتِعْطافِ والتَّقَرُّبِ، أيْ لَطَلَبُوا ما يُوَصِّلُهم إلى مَرْضاتِهِ كَقَوْلِهِ ﴿يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧] .

صفحة ١١٢

ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ أنَّكم جَعَلْتُمُوهم آلِهَةً، وقُلْتُمْ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيَكُونُوا شُفَعاءَنا عِنْدَ اللَّهِ، فَلَوْ كانُوا آلِهَةً كَما وصَفْتُمْ إلَهِيَّتَهم لَكانُوا لا غِنى لَهم عَنِ الخُضُوعِ إلى اللَّهِ، وذَلِكَ كافٍ لَكم بِفَسادِ قَوْلِكم، إذِ الإلَهِيَّةُ تَقْتَضِي عَدَمَ الِاحْتِياجِ؛ فَكانَ مَآلُ قَوْلِكم إنَّهم عِبادٌ لِلَّهِ مُكْرَمُونَ عِنْدَهُ، وهَذا كافٍ في تَفَطُّنِكم لِفَسادِ القَوْلِ بِإلَهِيَّتِهِمْ.

والِابْتِغاءُ عَلى هَذا ابْتِغاءُ مَحَبَّةٍ ورَغْبَةٍ، كَقَوْلِهِ ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٩]، وقَرِيبٌ مِن مَعْناهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦]، فالسَّبِيلُ عَلى هَذا المَعْنى مَجازٌ عَنِ التَّوَسُّلِ إلَيْهِ والسَّعْيِ إلى مَرْضاتِهِ.

وقَوْلُهُ ﴿كَما تَقُولُونَ﴾ عَلى هَذا المَعْنى تُفِيدُ لِلْكَوْنِ في قَوْلِهِ ﴿لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ﴾ أيْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ حالَ كَوْنِهِمْ كَما تَقُولُونَ، أيْ كَما تَصِفُونَ إلَهِيَّتَهم مِن قَوْلِكم ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] .

واسْتِحْضارُ الذّاتِ العَلِيَّةِ بِوَصْفِ ﴿ذِي العَرْشِ﴾ دُونَ اسْمِهِ العَلَمِ لِما تَتَضَمَّنُهُ الإضافَةُ إلى العَرْشِ مِنَ الشَّأْنِ الجَلِيلِ، الَّذِي هو مَثارُ حَسَدِ الآلِهَةِ إيّاهُ، وطَمَعِهِمْ في انْتِزاعِ مُلْكِهِ عَلى المَعْنى الأوَّلِ، أوِ الَّذِي هو مَطْمَعُ الآلِهَةِ الِابْتِغاءُ مِن سِعَةِ ما عِنْدَهُ عَلى المَعْنى الثّانِي.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿كَما تَقُولُونَ﴾ بِتاءِ الخِطابِ عَلى الغالِبِ في حِكايَةِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِتَبْلِيغِهِ أنْ يُحْكى كَما يَقُولُ المُبَلِّغُ حِينَ إبْلاغِهِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى الوَجْهِ الآخَرِ في حِكايَةِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِإبْلاغِهِ لِلْغَيْرِ أنْ يُحْكى بِالمَعْنى؛ لِأنَّ في حالِ خِطابِ الآمِرِ المَأْمُورَ بِالتَّبْلِيغِ يَكُونُ المُبَلَّغُ لَهُ غائِبًا، وإنَّما يَصِيرُ مُخاطَبًا عِنْدَ التَّبْلِيغِ، فَإذا لُوحِظَ حالُهُ هَذا عُبِّرَ عَنْهُ بِطَرِيقِ الغَيْبَةِ كَما قُرِئَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢] بِالتّاءِ وبِالياءِ أوْ عَلى قَوْلِهِ ﴿كَما يَقُولُونَ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ شَرْطِ (لَوْ) وجَوابِهِ.

17:43Page 286

سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّٗا كَبِيرٗا ٤٣

Exalted is He and high above what they say by great sublimity.

صفحة ١١٣

﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ إنْشاءُ تَنْزِيهٍ لِلَّهِ تَعالى عَمّا ادَّعَوْهُ مِن وُجُودِ شُرَكاءَ لَهُ في الإلَهِيَّةِ.

وهَذا مِنَ المَقُولِ اعْتِراضٌ بَيْنَ أجْزاءِ المَقُولِ، وهو مُسْتَأْنَفٌ؛ لِأنَّهُ نَتِيجَةٌ لِبُطْلانِ قَوْلِهِمْ: إنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً، بِما نَهَضَتْ بِهِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ مِن قَوْلِهِ ﴿إذَنْ لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢]، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٠] في سُورَةِ الأنْعامِ.

والمُرادُ بِما يَقُولُونَ ما يَقُولُونَهُ مِمّا ذُكِرَ آنِفًا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ونَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ [مريم: ٨٠] .

وعُلُوًّا مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ عامِلُهُ تَعالى، جِيءَ بِهِ عَلى غَيْرِ قِياسِ فِعْلِهِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ التَّعالِيَ هو الِاتِّصافُ بِالعُلُوِّ بِحَقٍّ لا بِمُجَرَّدِ الِادِّعاءِ كَقَوْلِ سُعْدَةَ أُمِّ الكُمَيْتِ بْنِ مُعَرٍّ:

تَعالَيْتَ فَوْقَ الحَقِّ عَنْ آلِ فَقْعَسٍ ولَمْ تَخْشَ فِيهِمْ رِدَّةَ اليَوْمِ أوْ غَدِ

وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤]، أيْ يَدَّعِي الفَضْلَ، ولا فَضْلَ لَهُ، وهو مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ المُبَيِّنَةِ لِلنَّوْعِ.

والمُرادُ بِالكَبِيرِ الكامِلُ في نَوْعِهِ، وأصْلُ الكَبِيرِ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ: المَوْصُوفُ بِالكِبَرِ، والكِبَرُ: ضَخامَةُ جِسْمِ الشَّيْءِ في مُتَناوَلِ النّاسِ، أيْ تَعالى أكْمَلُ عُلُوٍّ لا يَشُوبُهُ شَيْءٌ مِن جِنْسِ ما نَسَبُوهُ إلَيْهِ؛ لِأنَّ المُنافاةَ بَيْنَ اسْتِحْقاقِ ذاتِهِ وبَيْنَ نِسْبَةِ الشَّرِيكِ لَهُ والصّاحِبَةِ والوَلَدِ بَلَغَتْ في قُوَّةِ الظُّهُورِ إلى حَيْثُ لا تَحْتاجُ إلى زِيادَةٍ؛ لِأنَّ وُجُوبَ الوُجُودِ والبَقاءِ يُنافِي آثارَ الِاحْتِياجِ والعَجْزِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عَمّا يَقُولُونَ﴾ بِياءِ الغَيْبَةِ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِتاءِ الخِطابِ عَلى أنَّهُ التِفاتٌ، أوْ هو مِن جُمْلَةِ المَقُولِ مِن قَوْلِهِ ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ﴾ [الإسراء: ٤٢] عَلى هَذِهِ القِراءَةِ.

17:44Page 286

تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبۡعُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمۡدِهِۦ وَلَٰكِن لَّا تَفۡقَهُونَ تَسۡبِيحَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورٗا ٤٤

The seven heavens and the earth and whatever is in them exalt Him. And there is not a thing except that it exalts [Allāh] by His praise, but you do not understand their [way of] exalting. Indeed, He is ever Forbearing1 and Forgiving.

صفحة ١١٤

﴿يُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهم إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾

جُمْلَةُ ﴿يُسَبِّحُ لَهُ﴾ إلَخْ. . . حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿سُبْحانَهُ﴾ [الإسراء: ٤٣] أيْ نُسَبِّحُهُ في حالِ أنَّهُ ﴿يُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ﴾ إلَخْ، أيْ ﴿يُسَبِّحُ لَهُ﴾ العَوالِمُ وما فِيها وتَنْزِيهُهُ عَنِ النَّقائِصِ.

واللّامُ في قَوْلِهِ لَهُ لامُ تَعْدِيَةِ ﴿يُسَبِّحُ﴾ المُضَمَّنِ مَعْنى يَشْهَدُ بِتَنْزِيهِهِ، أوْ هي اللّامُ المُسَمّاةُ لامَ التَّبْيِينِ كالَّتِي في قَوْلِهِ ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] وفي قَوْلِهِمْ: حَمِدْتُ اللَّهَ لَكَ.

ولَمّا أُسْنِدَ التَّسْبِيحُ إلى كَثِيرٍ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي لا تَنْطِقُ دَلَّ عَلى أنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في الدَّلالَةِ عَلى التَّنْزِيهِ بِدَلالَةِ الحالِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ حَيْثُ أعْرَضُوا عَنِ النَّظَرِ فِيها فَلَمْ يَهْتَدُوا إلى ما يَحِفُّ بِها مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَنْزِيهِهِ عَنْ كُلِّ ما نَسَبُوهُ مِنَ الأحْوالِ المُنافِيَةِ لِلْإلَهِيَّةِ.

والخِطابُ في ﴿لا تَفْقَهُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْمُشْرِكِينَ جَرْيًا عَلى أُسْلُوبِ الخِطابِ السّابِقِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّكم لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ [الإسراء: ٤٠] وقَوْلِهِ ﴿لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما تَقُولُونَ﴾ [الإسراء: ٤٢]؛ لِأنَّ الَّذِينَ لَمْ يَفْقَهُوا دَلالَةَ المَوْجُوداتِ عَلى تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى هُمُ الَّذِينَ لَمْ يُثْبِتُوا لَهُ التَّنْزِيهَ عَنِ النَّقائِصِ الَّتِي شَهِدَتِ المَوْجُوداتُ حَيْثُما تَوَجَّهَ إلَيْها النَّظَرُ بِتَنْزِيهِهِ عَنْها فَلَمْ يُحْرَمْ مِنَ الِاهْتِداءِ إلى شَهادَتِها إلّا الَّذِينَ لَمْ يُقْلِعُوا عَنِ اعْتِقادِ أضْدادِها، فَأمّا المُسْلِمُونَ فَقَدِ اهْتَدَوْا إلى ذَلِكَ التَّسْبِيحِ بِما أرْشَدَهم إلَيْهِ القُرْآنُ مِنَ النَّظَرِ في المَوْجُوداتِ، وإنْ تَفاوَتَتْ مَقادِيرُ الِاهْتِداءِ عَلى تَفاوُتِ القَرائِحِ والفُهُومِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِجَمِيعِ النّاسِ بِاعْتِبارِ انْتِفاءِ تَمامِ العِلْمِ بِذَلِكَ التَّسْبِيحِ.

صفحة ١١٥

وقَدْ مَثَّلَ الإمامُ فَخْرُ الدِّينِ ذَلِكَ فَقالَ: إنَّكَ إذا أخَذْتَ تُفّاحَةً واحِدَةً، فَتِلْكَ التُّفّاحَةُ مُرَكَّبَةٌ مِن عَدَدٍ كَثِيرٍ مِنَ الأجْزاءِ الَّتِي لا تَتَجَزَّأُ (أيْ جَواهِرُ فَرْدَةٌ)، وكُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأجْزاءِ دَلِيلٌ تامٌّ مُسْتَقِلٌّ عَلى وُجُودِ الإلَهِ، ولِكُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأجْزاءِ الَّتِي لا تَتَجَزَّأُ صِفاتٌ مَخْصُوصَةٌ مِنَ الطَّبْعِ والطَّعْمِ واللَّوْنِ والرّائِحَةِ والحَيِّزِ والجِهَةِ، واخْتِصاصُ ذَلِكَ الجَوْهَرِ الفَرْدِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ المُعَيَّنَةِ هو مِنَ الجائِزاتِ، فَلا يَجْعَلُ ذَلِكَ الِاخْتِصاصَ إلّا بِتَخْصِيصِ مُخَصَّصٍ قادِرٍ حَكِيمٍ، فَكُلُّ واحِدٍ مِن أجْزاءِ تِلْكَ التُّفّاحَةِ دَلِيلٌ تامٌّ عَلى وُجُودِ الإلَهِ تَعالى، ثُمَّ عَدَدُ تِلْكَ الأجْزاءِ غَيْرُ مَعْلُومٍ وأحْوالُ تِلْكَ الصِّفاتِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ، فَلِهَذا المَعْنى قالَ تَعالى ﴿ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ .

ولَعَلَّ إيثارَ فِعْلِ ﴿لا تَفْقَهُونَ﴾ دُونَ أنْ يَقُولَ: لا تَعْلَمُونَ، لِلْإشارَةِ إلى أنَّ المَنفِيَّ عِلْمٌ دَقِيقٌ فَيُؤَيِّدُ ما نَحّاهُ فَخْرُ الدِّينِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ يُسَبِّحُ بِياءِ الغائِبِ وقَرَأهُ عَمْرٌو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ بِتاءِ جَماعَةِ مُؤَنَّثٍ، والوَجْهانِ جائِزانِ في جُمُوعِ غَيْرِ العاقِلِ وغَيْرِ حَقِيقِيِّ التَّأْنِيثِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ اسْتِئْنافٌ يُفِيدُ التَّعْرِيضَ بِأنَّ مَقالَتَهم تَقْتَضِي تَعْجِيلَ العِقابِ لَهم في الدُّنْيا، لَوْلا أنَّ اللَّهَ عامَلَهم بِالحِلْمِ والإمْهالِ، وفي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِالحَثِّ عَلى الإقْلاعِ عَنْ مَقالَتِهِمْ؛ لِيَغْفِرَ اللَّهُ لَهم.

وزِيادَةُ (كانَ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الحِلْمَ والغُفْرانَ صِفَتانِ لَهُ مُحَقَّقَتانِ.

17:45Page 286

وَإِذَا قَرَأۡتَ ٱلۡقُرۡءَانَ جَعَلۡنَا بَيۡنَكَ وَبَيۡنَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ حِجَابٗا مَّسۡتُورٗا ٤٥

And when you recite the Qur’ān, We put between you and those who do not believe in the Hereafter a concealed partition.1

﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾

عَطْفُ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ، وقِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ، فَإنَّهُ لَمّا نَوَّهَ بِالقُرْآنِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]، ثُمَّ أعْقَبَ بِما اقْتَضاهُ السِّياقُ مِنَ

صفحة ١١٦

الإشارَةِ إلى ما جاءَ بِهِ القُرْآنُ مِن أُصُولِ العَقِيدَةِ، وجَوامِعِ الأعْمالِ، وما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِنَ المَواعِظِ والعِبَرِ عادَ هُنا إلى التَّنْبِيهِ عَلى عَدَمِ انْتِفاعِ المُشْرِكِينَ بِهَدْيِ القُرْآنِ؛ لِمُناسَبَةِ الإخْبارِ عَنْ عَدَمِ فِقْهِهِمْ دَلالَةَ الكائِناتِ عَلى تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنِ النَّقائِضِ، وتَنْبِيهًا لِلْمُشْرِكِينَ عَلى وُجُوبِ إقْلاعِهِمْ عَنْ بَعْثِهِمْ وعِنادِهِمْ، وتَأْمِينًا لِلنَّبِيءِ ﷺ مِن مَكْرِهِمْ بِهِ وإضْمارِهِمْ إضْرارَهُ، وقَدْ كانَتْ قِراءَتُهُ القُرْآنَ تَغِيظُهم، وتُثِيرُ في نُفُوسِهِمُ الِانْتِقامَ.

وحَقِيقَةُ الحِجابِ: السِّتارُ الَّذِي يَحْجُبُ البَصَرَ عَنْ رُؤْيَةِ ما وراءَهُ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلصِّرْفَةِ الَّتِي يَصْرِفُ اللَّهُ بِها أعْداءَ النَّبِيءِ ﷺ عَنِ الإضْرارِ بِهِ، ولِلْإعْراضِ الَّذِي يُعْرِضُونَ بِهِ عَنِ اسْتِماعِ القُرْآنِ وفَهْمِهِ، وجَعَلَ اللَّهُ الحِجابَ المَذْكُورَ إيجادَ ذَلِكَ الصّارِفِ في نُفُوسِهِمْ بِحَيْثُ يَهُمُّونَ ولا يَفْعَلُونَ، مِن خَوَرِ الإرادَةِ والعَزِيمَةِ بِحَيْثُ يَخْطُرُ الخاطِرُ في نُفُوسِهِمْ ثُمَّ لا يُصَمِّمُونَ، وتَخْطُرُ مَعانِي القُرْآنِ في أسْماعِهِمْ ثُمَّ لا يَتَفَهَّمُونَ، وذَلِكَ خُلُقٌ يَسْرِي إلى النُّفُوسِ تَدْرِيجِيًّا تَغْرِسُهُ في النُّفُوسِ بادِئَ الأمْرِ شَهْوَةُ الإعْراضِ، وكَراهِيَةُ المَسْمُوعِ مِنهُ ثُمَّ لا يَلْبَثُ أنْ يَصِيرَ مِلْكًا في النَّفْسِ لا تَقْدِرُ عَلى خَلْعِهِ ولا تُغَيِّرُهُ.

وإطْلاقُ الحِجابِ عَلى ما يَصْلُحُ لِلْمَعْنَيَيْنِ إمّا عَلى حَقِيقَةِ اللَّفْظِ، وإمّا لِلْحَمْلِ عَلى ما لَهُ نَظِيرٌ في القُرْآنِ. وقَدْ جاءَ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ [فصلت: ٥] .

ولَمّا كانَ إنْكارُهُمُ البَعْثَ هو الأصْلُ الَّذِي اسْتَبْعَدُوا بِهِ دَعْوَةَ النَّبِيءِ ﷺ حَتّى زَعَمُوا أنَّهُ يَقُولُ مُحالًا إذْ يُخْبِرُ بِإعادَةِ الخَلْقِ بَعْدَ المَوْتِ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبإ: ٧] ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبإ: ٨]

اسْتَحْضَرُوا في هَذا الكَلامِ بِطَرِيقِ المَوْصُولَةِ لِما في الصِّلَةِ مِنَ الإيماءِ إلى عِلَّةِ جَعْلِ ذَلِكَ الحِجابِ بَيْنَهُ وبَيْنَهم فَلِذَلِكَ قالَ ﴿وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ .

صفحة ١١٧

ووَصْفُ الحِجابِ بِالمَسْتُورِ مُبالَغَةٌ في حَقِيقَةِ جِنْسِهِ، أيْ حِجابًا بالِغًا الغايَةَ في حَجْبِ ما يَحْجُبُهُ هو حَتّى كَأنَّهُ مَسْتُورٌ بِساتِرٍ آخَرَ، فَذَلِكَ في قُوَّةِ أنْ يُقالَ: جَعَلْنا حِجابًا فَوْقَ حِجابٍ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢٢] .

أوْ أُرِيدَ أنَّهُ حِجابٌ مِن غَيْرِ جِنْسِ الحُجُبِ المَعْرُوفَةِ فَهو حِجابٌ لا تَراهُ الأعْيُنُ، ولَكِنَّها تَرى آثارَ أمْثالِهِ، وقَدْ ثَبَتَ في أخْبارٍ كَثِيرَةٍ أنَّ نَفَرًا هَمُّوا الإضْرارَ بِالنَّبِيءِ ﷺ، فَما مِنهم إلّا وقَدْ حَدَثَ لَهُ ما حالَ بَيْنَهُ، وبَيْنَ هَمِّهِ، وكَفى اللَّهُ نَبِيَّهُ شَرَّهم، قالَ تَعالى ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٣٧] وهي مَعْرُوفَةٌ في أخْبارِ السِّيرَةِ.

وفِي الجَمْعِ بَيْنَ ﴿حِجابًا﴾ و﴿مَسْتُورًا﴾ مِنَ البَدِيعِ الطِّباقُ.

17:46Page 286

وَجَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن يَفۡقَهُوهُ وَفِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٗاۚ وَإِذَا ذَكَرۡتَ رَبَّكَ فِي ٱلۡقُرۡءَانِ وَحۡدَهُۥ وَلَّوۡاْ عَلَىٰٓ أَدۡبَٰرِهِمۡ نُفُورٗا ٤٦

And We have placed over their hearts coverings, lest they understand it, and in their ears deafness. And when you mention your Lord alone in the Qur’ān, they turn back in aversion.

﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمُ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ عَطْفُ جَعَلَ عَلى جَعَلَ.

والتَّصْرِيحُ بِإعادَةِ فِعْلِ الجَعْلِ يُؤْذِنُ بِأنَّ هَذا جَعْلٌ آخَرُ فَيُرَجِّحُ أنْ يَكُونَ جَعْلُ الحِجابِ المَسْتُورِ جَعْلَ الصِّرْفَةِ عَنِ الإضْرارِ، ويَكُونُ هَذا جَعْلَ عَدَمِ التَّدَبُّرِ في القُرْآنِ خِلْقَةً في نُفُوسِهِمْ، والقَوْلُ في نَظْمِ هَذِهِ الآيَةِ، ومَعانِيها تَقَدَّمَ في نَظِيرِها في سُورَةِ الأنْعامِ.

* * *

صفحة ١١٨

﴿وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾

لَمّا كانَ الإخْبارُ عَنْهم قَبْلَ هَذا يَقْتَضِي أنَّهم لا يَفْقَهُونَ مَعانِيَ القُرْآنِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِأنَّهم يُعْرِضُونَ عَنْ فَهْمِ ما فِيهِ خَيْرٌ لَهم، فَإذا سَمِعُوا ما يُبْطِلُ إلَهِيَّةَ أصْنامِهِمْ فَهِمُوا ذَلِكَ؛ فَوَلَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا، أيْ زادَهم ذَلِكَ الفَهْمُ ضَلالًا كَما حَرَمَهم عَدَمُ الفَهْمِ هَدْيًا، فَحالُهم مُتَناقِضٌ، فَهم لا يَسْمَعُونَ ما يَحِقُّ أنْ يُسْمَعَ، ويَسْمَعُونَ ما يَهْوَوْنَ أنْ يَسْمَعُوهُ؛ لِيَزْدادُوا بِهِ كُفْرًا.

ومَعْنى ﴿ذَكَرْتَ رَبَّكَ وحْدَهُ﴾ ظاهِرُهُ أنَّكَ ذَكَرْتَهُ مُقْتَصِرًا عَلى ذِكْرِهِ، ولَمْ تَذْكُرْ آلِهَتَهم؛ لِأنَّ وحْدَهُ حالٌ مِن رَبِّكَ الَّذِي هو مَفْعُولُ ذَكَرْتَ، ومَعْنى الحالِ الدَّلالَةُ عَلى وُجُودِ الوَصْفِ في الخارِجِ ونَفْسِ الأمْرِ، أيْ كانَ ذِكْرُكَ لَهُ، وهو مَوْصُوفٌ بِأنَّهُ وحْدَهُ في وُجُودِ الذِّكْرِ، فَيَكُونُ تَوَلِّي المُشْرِكِينَ عَلى أدْبارِهِمْ حِينَئِذٍ مِن أجْلِ الغَضَبِ مِنَ السُّكُوتِ عَنْ آلِهَتِهِمْ، وعَدَمِ الِاكْتِراثِ بِها بِناءً عَلى أنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ ما سَكَتَ عَنْ ذِكْرِ آلِهَتِهِمْ إلّا لِعَدَمِ الِاعْتِرافِ بِها، ولَوْلا هَذا التَّقْدِيرُ لَما كانَ لِتَوَلِّيهِمْ عَلى أدْبارِهِمْ سَبَبٌ؛ لِأنَّ ذِكْرَ شَيْءٍ لا يَدُلُّ عَلى إنْكارِ غَيْرِهِ، فَإنَّهم قَدْ يَذْكُرُونَ العُزّى أوِ اللّاتَ مَثَلًا، ولا يَذْكُرُونَ غَيْرَها مِنَ الأصْنامِ، فَلا يَظُنُّ أنَّ الذّاكِرَ لِلْعُزّى مُنْكِرٌ مَناةَ، وفي هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ [الزمر: ٤٥] .

ويُحْتَمَلُ أنَّ المَعْنى: إذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ بِتَوْحِيدِهِ بِالإلَهِيَّةِ وهو المُناسِبُ لِنُفُورِهِمْ وتَوَلِّيهِمْ؛ لِأنَّهم إنَّما يُنْكِرُونَ انْفِرادَ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ، فَتَكُونُ دَلالَةُ وحْدَهُ عَلى هَذا المَعْنى بِمَعُونَةِ المَقامِ وفِعْلِ ذَكَرْتَ ؟ .

ولَعَلَّ الحالَ الجائِيَةَ مِن مَعْمُولِ أفْعالِ القَوْلِ، والذِّكْرِ ونَحْوِهِما تَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ وُجُودُها في الخارِجِ، وأنْ يَكُونَ في القَوْلِ واللِّسانِ؛ فَيَكُونُ مَعْنى ﴿ذَكَرْتَ رَبَّكَ وحْدَهُ﴾ أنَّهُ مُوَحَّدٌ في ذِكْرِكَ وكَلامِكَ، أيْ ذَكَرْتَهُ مَوْصُوفًا بِالوَحْدانِيَّةِ.

صفحة ١١٩

وتَخْصِيصُ الذِّكْرِ بِالكَوْنِ في القُرْآنِ؛ لِمُناسَبَتِهِ الكَلامَ عَلى أحْوالِ المُشْرِكِينَ في اسْتِماعِ القُرْآنِ، أوْ لِأنَّ القُرْآنَ مَقْصُودٌ مِنهُ التَّعْلِيمُ والدَّعْوَةُ إلى الدِّينِ، فَخُلُوُّ آياتِهِ عَنْ ذِكْرِ آلِهَتِهِمْ مَعَ ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ يُفْهَمُ مِنهُ التَّعْرِيضُ بِأنَّها لَيْسَتْ بِآلِهَةٍ، فَمِن ثَمَّ يَغْضَبُونَ كُلَّما ورَدَ ذِكْرُ اللَّهِ ولَمْ تُذْكَرْ آلِهَتُهم، فَكَوْنُهُ في القُرْآنِ هو القَرِينَةَ عَلى أنَّهُ أرادَ إنْكارَ آلِهَتِهِمْ.

وقَوْلُهُ وحْدَهُ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ﴾ [الأعراف: ٧٠] في سُورَةِ الأعْرافِ.

والتَّوْلِيَةُ: الرُّجُوعُ مِن حَيْثُ أتى، و﴿عَلى أدْبارِهِمْ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكُمْ﴾ [المائدة: ٢١] في سُورَةِ العُقُودِ.

و﴿نُفُورًا﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ (نافِرٍ) مِثْلَ سُجُودٍ وشُهُودٍ، ووَزْنُ فُعُولٍ يَطَّرِدُ في جَمْعِ فاعِلٍ فَيَكُونُ اسْمُ الفاعِلِ عَلى صِيغَةِ المَصْدَرِ فَيَكُونُ نُفُورًا عَلى هَذا مَنصُوبًا عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ ولَّوْا، ويَجُوزُ جَعْلُهُ مَصْدَرًا مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِأجْلِهِ، أيْ ولَّوْا بِسَبَبِ نُفُورِهِمْ مِنَ القُرْآنِ.

17:47Page 286

نَّحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَسۡتَمِعُونَ بِهِۦٓ إِذۡ يَسۡتَمِعُونَ إِلَيۡكَ وَإِذۡ هُمۡ نَجۡوَىٰٓ إِذۡ يَقُولُ ٱلظَّٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلٗا مَّسۡحُورًا ٤٧

We are most knowing of how they listen to it when they listen to you and [of] when they are in private conversation, when the wrongdoers say, "You follow not but a man affected by magic."

﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ وإذْ هم نَجْوى إذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾

كانَ المُشْرِكُونَ يُحِيطُونَ بِالنَّبِيءِ ﷺ في المَسْجِدِ الحَرامِ إذا قَرَأ القُرْآنَ يَسْتَمِعُونَ لِما يَقُولُهُ؛ لِيَتَلَقَّفُوا ما في القُرْآنِ مِمّا يُنْكِرُونَهُ، مِثْلَ تَوْحِيدِ اللَّهِ، وإثْباتِ البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، فَيُعَجِّبُ بَعْضُهم بَعْضًا مِن ذَلِكَ، فَكانَ الإخْبارُ عَنْهم بِأنَّهم جُعِلَتْ في قُلُوبِهِمْ أكِنَّةٌ أنْ يَفْقَهُوهُ، وفي آذانِهِمْ وقْرٌ، وأنَّهم يُوَلُّونَ عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا إذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ، ويُثِيرُ في نَفْسِ السّامِعِ سُؤالًا عَنْ سَبَبِ تَجَمُّعِهِمْ لِاسْتِماعِ قِراءَةِ النَّبِيءِ ﷺ، فَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ جَوابًا عَنْ ذَلِكَ السُّؤالِ، فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا.

صفحة ١٢٠

وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِضَمِيرِ الجَلالَةِ؛ لِإظْهارِ العِنايَةِ بِمَضْمُونِهِما، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ عِلْمًا حَقًّا داعِيَ اسْتِماعِهِمْ، فَإنْ كَثُرَتِ الظُّنُونُ فِيهِ فَلا يَعْلَمُ أحَدٌ ذَلِكَ السَّبَبَ.

وأعْلَمُ اسْمُ تَفْضِيلٍ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى قُوَّةِ العِلْمِ وتَفْصِيلِهِ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّ اللَّهَ أشَدُّ عِلْمًا مِن غَيْرِهِ إذْ لا يَقْتَضِيهِ المَقامُ.

والباءُ في قَوْلِهِ ﴿بِما يَسْتَمِعُونَ﴾ لِتَعْدِيَةِ اسْمِ التَّفْضِيلِ إلى مُتَعَلِّقِهِ؛ لِأنَّهُ قاصِرٌ عَنِ التَّعْدِيَةِ إلى المَفْعُولِ، واسْمُ التَّفْضِيلِ المُشْتَقُّ مِنِ العِلْمِ ومِنَ الجَهْلِ يُعَدّى بِالباءِ وفي سِوى ذَيْنِكَ يُعَدّى بِاللّامِ، يُقالُ: هو أعْطى لِلدَّراهِمِ.

والباءُ في ﴿يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾ لِلْمُلابَسَةِ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِالباءِ عائِدٌ إلى (ما) المَوْصُولَةِ، أيْ نَحْنُ أعْلَمُ بِالشَّيْءِ الَّذِي يُلابِسُهم حِينَ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ، وهي ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ في مَوْقِعِ الحالِ، والتَّقْدِيرُ: مُتَلَبِّسٌ بِهِ.

وبَيانُ إبْهامِ (ما) حاصِلٌ بِقَوْلِهِ ﴿إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ وإذْ هم نَجْوى﴾ الآيَةَ.

و(إذْ) ظَرْفٌ لِ ﴿يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾ .

والنَّجْوى: اسْمُ مَصْدَرِ المُناجاةِ، وهي المُحادَثَةُ سِرًّا، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهُمْ﴾ [النساء: ١١٤] في سُورَةِ النِّساءِ.

وأخْبَرَ عَنْهم بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ في كَثْرَةِ تَناجِيهِمْ عِنْدَ اسْتِماعِ القُرْآنِ تَشاغُلًا عَنْهُ.

﴿وإذْ هم نَجْوى﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾، أيْ نَحْنُ أعْلَمُ بِالَّذِي يَسْتَمِعُونَهُ، ونَحْنُ أعْلَمُ بِنَجْواهم.

و﴿إذْ يَقُولُ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿إذْ هم نَجْوى﴾ بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ؛ لِأنَّ نَجْواهم غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ في هَذا القَوْلِ، وإنَّما خَصَّ هَذا القَوْلَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ أشَدُّ غَرابَةً مِن بَقِيَّةِ آفاكِهِمْ لِلْبَوْنِ الواضِحِ بَيْنَ حالِ النَّبِيءِ ﷺ وبَيْنَ حالِ المَسْحُورِ.

صفحة ١٢١

ووَقَعَ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ في ﴿إذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ﴾ دُونَ: إذْ يَقُولُونَ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ باعِثَ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ هو الظُّلْمُ، أيِ الشِّرْكُ فَإنَّ الشِّرْكَ ظُلْمٌ، أيْ ولَوْلا شِرْكُهم لَما مَثَّلَ عاقِلٌ حالَةَ النَّبِيءِ الكامِلَةَ بِحالَةِ المَسْحُورِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ الظُّلْمُ أيْضًا الِاعْتِداءَ، أيِ الِاعْتِداءَ عَلى النَّبِيءِ ﷺ كَذِبًا.

17:48Page 286

ٱنظُرۡ كَيۡفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلۡأَمۡثَالَ فَضَلُّواْ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ سَبِيلٗا ٤٨

Look how they strike for you comparisons;1 but they have strayed, so they cannot [find] a way.

﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا ونَظائِرُها كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ.

والتَّعْبِيرُ بِفِعْلِ النَّظَرِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ بَلَغَ مِنَ الوُضُوحِ أنْ يَكُونَ مَنظُورًا.

والِاسْتِفْهامُ بِ (كَيْفَ) لِلتَّعْجِيبِ مِن حالَةِ تَمْثِيلِهِمْ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِالمَسْحُورِ، ونَحْوِهِ.

وأصْلُ (ضَرَبَ) وضْعُ الشَّيْءِ وتَثْبِيتُهُ يُقالُ: ضَرَبَ خَيْمَةً، ويُطْلَقُ عَلى صَوْغِ الشَّيْءِ عَلى حَجْمٍ مَخْصُوصٍ، يُقالُ: ضَرَبَ دَنانِيرَ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلْإبْرازِ، والبَيانِ؛ تَشْبِيهًا لِلشَّيْءِ المُبْرَزِ المُبَيَّنِ بِالشَّيْءِ المُثْبَتِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ [البقرة: ٢٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

واللّامُ في لَكَ لِلتَّعْلِيلِ والأجَلِ، أيْ ضَرَبُوا الأمْثالَ لِأجْلِكَ، أيْ لِأجْلِ تَمْثِيلِكَ، أيْ مَثَّلُوكَ، يُقالُ: ضَرَبْتُ لَكَ مَثَلًا بِكَذا، وأصْلُهُ مَثَّلْتُكَ بِكَذا، أيْ أجِدُ كَذا مَثَلًا لَكَ، قالَ تَعالى ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ﴾ [النحل: ٧٤] وقالَ ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا أصْحابَ القَرْيَةِ﴾ [يس: ١٣] أيِ اجْعَلْهم مَثَلًا لِحالِهِمْ.

وجَمَعَ الأمْثالَ هُنا، وإنْ كانَ المَحْكِيُّ عَنْهم أنَّهم مَثَّلُوهُ بِالمَسْحُورِ، وهو مَثَلٌ واحِدٌ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ التَّعْجِيبُ

صفحة ١٢٢

مِن هَذا المَثَلِ ومَن غَيْرِهِ فِيما يَصْدُرُ عَنْهم مِن قَوْلِهِمْ: هو شاعِرٌ، هو كاهِنٌ، هو مَجْنُونٌ، هو ساحِرٌ، هو مَسْحُورٌ، وسُمِّيَتْ أمْثالًا بِاعْتِبارِ حالِهِمْ؛ لِأنَّهم تَحَيَّرُوا فِيما يَصِفُونَهُ بِهِ لِلنّاسِ لِئَلّا يَعْتَقِدُوهُ نَبِيًّا، فَجَعَلُوا يَتَطَلَّبُونَ أشْبَهَ الأحْوالِ بِحالِهِ في خَيالِهِمْ فَيَلْحَقُونَ بِهِ، كَمَن يُدْرَجُ فَرْدًا غَرِيبًا في أشْبَهِ الأجْناسِ بِهِ، كَمَن يَقُولُ في الزَّرافَةِ: إنَّها مِنَ الأفْراسِ أوِ الإبِلِ أوْ مِنَ البَقَرِ.

وفُرِّعَ ضَلالُهم عَلى ضَرْبِ أمْثالِهِمْ؛ لِأنَّ ما ضَرَبُوهُ مِنَ الأمْثالِ كُلُّهُ باطِلٌ وضَلالٌ وقُوَّةٌ في الكُفْرِ، فالمُرادُ تَفْرِيعُ ضَلالِهِمُ الخاصِّ بِبُطْلانِ تِلْكَ الأمْثالِ، أيْ فَظَهَرَ ضَلالُهم في ذَلِكَ كَقَوْلِهِ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا﴾ [القمر: ٩] .

ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالضَّلالِ هُنا أصْلُ مَعْناهُ، وهو الحَيْرَةُ في الطَّرِيقِ، وعَدَمُ الِاهْتِداءِ، أيْ ضَرَبُوا لَكَ أشْباهًا كَثِيرَةً؛ لِأنَّهم تَحَيَّرُوا فِيما يَعْتَذِرُونَ بِهِ عَنْ شَأْنِكِ العَظِيمِ.

وتَفْرِيعُ ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ عَلى فَضَلُّوا تَفْرِيعٌ لِتَوَغُّلِهِمْ في الحَيْرَةِ عَلى ضَلالِهِمْ في ضَرْبِ تِلْكَ الأمْثالِ.

والسَّبِيلُ: الطَّرِيقُ، واسْتِطاعَتُهُ اسْتِطاعَةُ الظَّفَرِ بِهِ، فَيَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالسَّبِيلِ سَبِيلُ الهُدى عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ في تَفْسِيرِ الضَّلالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا لِحالِ ضَلالِهِمْ بِحالِ الَّذِي وقَفَ في فَيْفاءَ لا يَدْرِي مِن أيَّةِ جِهَةٍ يَسْلُكُ إلى المَقْصُودِ، عَلى الوَجْهِ الثّانِي في تَفْسِيرِ الضَّلالِ.

والمَعْنى عَلى هَذا: أنَّهم تَحَيَّرُوا كَيْفَ يَصِفُونَ حالَكَ لِلنّاسِ لِتَوَقُّعِهِمْ أنَّ النّاسَ يُكَذِّبُونَهم، فَلِذَلِكَ جَعَلُوا يَنْتَقِلُونَ في وصْفِهِ مِن صِفَةٍ إلى صِفَةٍ؛ لِاسْتِشْعارِهِمْ أنَّ ما يَصِفُونَهُ بِهِ باطِلٌ لا يُطابِقُهُ الواقِعُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском