Ibn 'AshurAl‑Isra · 17:55–59

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:55–59

17:55Page 287

وَرَبُّكَ أَعۡلَمُ بِمَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَلَقَدۡ فَضَّلۡنَا بَعۡضَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ عَلَىٰ بَعۡضٖۖ وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا ٥٥

And your Lord is most knowing of whoever is in the heavens and the earth. And We have made some of the prophets exceed others [in various ways], and to David We gave the book [of Psalms].

﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ بِمَن في السَّماواتِ والأرْضِ ولَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيئِينَ عَلى بَعْضٍ وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ تَماثُلُ القَرِينَتَيْنِ في فاصْلِتَيْ هَذِهِ الآيَةِ مِن كَلِمَةِ والأرْضِ وكَلِمَةِ ﴿عَلى بَعْضٍ﴾، يَدُلُّ دَلالَةً واضِحَةً عَلى أنَّهُما كَلامٌ مُرْتَبِطٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وأنْ لَيْسَ قَوْلُهُ ﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ بِمَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ تَكْمِلَةً لِآيَةِ ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٤] الآيَةَ.

صفحة ١٣٦

وتَغْيِيرُ أُسْلُوبِ الخِطابِ في قَوْلِهِ ﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٤]؛ إيماءٌ إلى أنَّ الغَرَضَ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ عائِدٌ إلى شَأْنٍ مِن شُئُونِ النَّبِيءِ ﷺ الَّتِي لَها مَزِيدُ اخْتِصاصٍ بِهِ؛ تَقْفِيَةً عَلى إبْطالِ أقْوالِ المُشْرِكِينَ في شُئُونِ الصِّفاتِ الإلَهِيَّةِ، بِإبْطالِ أقْوالِهِمْ في أحْوالِ النَّبِيءِ بِغُرُورِهِمْ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِن عُظَماءِ أهْلِ بِلادِهِمْ وقادَتِهِمْ، وقالُوا: أبَعَثَ اللَّهُ يَتِيمَ أبِي طالِبٍ رَسُولًا، أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا، فَأبْكَتَهُمُ اللَّهُ بِهَذا الرَّدِّ بِقَوْلِهِ ﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ بِمَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَهو العالِمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ.

وكانَ قَوْلُهُ ﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ بِمَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ كالمُقَدِّمَةِ لِقَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيئِينَ﴾ الآيَةَ، أعادَ تَذْكِيرَهم بِأنَّ اللَّهَ أعْلَمُ مِنهم بِالمُتَساهِلِ لِلرِّسالَةِ بِحَسَبِ ما أعَدَّهُ اللَّهُ فِيهِ مِنَ الصِّفاتِ القابِلَةِ لِذَلِكَ، كَما قالَ تَعالى عَنْهم (﴿قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤]) في سُورَةِ الأنْعامِ.

وكانَ الحُكْمُ في هَذِهِ المُقَدِّمَةِ عَلى عُمُومِ المَوْجُوداتِ؛ لِتَكُونَ بِمَنزِلَةِ الكُلِّيَّةِ الَّتِي يُؤْخَذُ كُلُّ حُكْمٍ لِجُزْئِيّاتِها؛ لِأنَّ المَقْصُودَ بِالإبْطالِ مِن أقْوالِ المُشْرِكِينَ جامِعٌ لِصُوَرٍ كَثِيرَةٍ مِن أحْوالِ المَوْجُوداتِ مِنَ البَشَرِ والمَلائِكَةِ وأحْوالِهِمْ؛ لِأنَّ بَعْضَ المُشْرِكِينَ أحالُوا إرْسالَ رَسُولٍ مِنَ البَشَرِ، وبَعْضُهم أحالُوا إرْسالَ رَسُولٍ لَيْسَ مِن عُظَمائِهِمْ، وبَعْضُهم أحالُوا إرْسالَ مَن لا يَأْتِي بِمِثْلِ ما جاءَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ يُثِيرُ أحْوالًا جَمَّةً مِنَ العُصُورِ والرِّجالِ والأُمَمِ أحْياءً وأمْواتًا، فَلا جَرَمَ كانَ لِلتَّعْمِيمِ مَوْقِعٌ عَظِيمٌ في قَوْلِهِ ﴿بِمَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾، وهو أيْضًا كالمُقَدِّمَةِ لِجُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيئِينَ عَلى بَعْضٍ﴾، مُشِيرًا إلى أنَّ تَفاضُلَ الأنْبِياءِ ناشِئٌ عَلى ما أوْدَعَهُ اللَّهُ فِيهِمْ مِن مُوجِباتِ التَّفاضُلِ، وهَذا إيجازٌ تَضَمَّنَ إثْباتَ النُّبُوَّةِ وتَقَرُّرَها فِيما مَضى مِمّا لا قِبَلَ لَهم بِإنْكارِهِ، وتَعَدُّدَ الأنْبِياءِ مِمّا

صفحة ١٣٧

يَجْعَلُ مُحَمَّدًا ﷺ لَيْسَ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ، وإثْباتَ التَّفاضُلِ بَيْنَ الأفْرادِ مِنَ البَشَرِ، فَمِنهم رَسُولٌ، ومِنهم مُرْسَلٌ إلَيْهِمْ، وإثْباتَ التَّفاضُلِ بَيْنَ أفْرادِ الصِّنْفِ الفاضِلِ، وتَقَرَّرَ ذَلِكَ فِيما مَضى تَقَرُّرًا لا يَسْتَطِيعُ إنْكارَهُ إلّا مُكابِرٌ بِالتَّفاضُلِ، حَتّى بَيْنَ الأفْضَلَيْنِ سُنَّةٌ إلَهِيَّةٌ مُقَرَّرَةٌ لا نُكْرانَ لَها.

فَعُلِمَ أنَّ طَعْنَهم في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ طَعْنُ مُكابَرَةٍ وحَسَدٍ.

كَما قالَ تَعالى في شَأْنِ اليَهُودِ ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥٤] في سُورَةِ النِّساءِ.

وتَخْصِيصُ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالذِّكْرِ عَقِبَ هَذِهِ القَضِيَّةِ العامَّةِ وجَّهَهُ صاحِبُ الكَشّافِ ومَن تَبِعَهُ بِأنَّ فائِدَةَ التَّلْمِيحِ إلى أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ أفْضَلُ الأنْبِياءِ، وأُمَّتَهُ أفْضَلُ الأُمَمِ؛ لِأنَّ في الزَّبُورِ (﴿أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادُ اللَّهِ الصّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥])، وهَذا حَسَنٌ، وأنا أرى أنْ يَكُونَ وجْهُ هَذا التَّخْصِيصِ الإيماءَ إلى أنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْوالِ المَرْمُوقَةِ في نَظَرِ الجاهِلِينَ، وقاصِرِي الأنْظارِ بِنَظَرِ الغَضاضَةِ هي أحْوالٌ لا تَعُوقُ أصْحابَها عَنِ الصُّعُودِ في مَدارِجِ الكَمالِ الَّتِي اصْطَفاها اللَّهُ لَها، وأنَّ التَّفْضِيلَ بِالنُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ لا يَنْشَأُ عَنْ عَظَمَةٍ سابِقَةٍ، فَإنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ راعِيًا مِن رُعاةِ الغَنَمِ في بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ ذا قُوَّةٍ في الرَّمْيِ بِالحَجَرِ، فَأمَرَ اللَّهُ (شاوُلَ) مَلِكَ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَخْتارَ داوُدَ لِمُحارَبَةِ (جالُوتَ) الكَنْعانِيِّ، فَلَمّا قَتَلَ داوُدُ جالُوتَ آتاهُ اللَّهُ النُّبُوَّةَ وصَيَّرَهُ مَلِكًا بِإسْرائِيلَ، فَهو النَّبِيءُ الَّذِي تَجَلّى فِيهِ اصْطِفاءُ اللَّهِ تَعالى لِمَن لَمْ يَكُنْ ذا عَظَمَةٍ وسِيادَةٍ.

وذِكْرُ إيتائِهِ الزَّبُورَ هو مَحَلُّ التَّعْرِيضِ لِلْمُشْرِكِينَ بِأنَّ المُسْلِمِينَ سَيَرِثُونَ أرْضَهم، ويَنْتَصِرُونَ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَكْتُوبٌ في الزَّبُورِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، وقَدْ أُوتِيَ داوُدُ الزَّبُورَ ولَمْ يُؤْتَ أحَدٌ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ كِتابًا بَعْدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وذِكْرُ داوُدَ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْعامِ، وفي آخِرِ سُورَةِ النِّساءِ.

صفحة ١٣٨

وأمّا الزَّبُورُ فَذُكِرَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ في آخِرِ سُورَةِ النِّساءِ.

والزَّبُورُ: اسْمٌ لِجُمُوعِ أقْوالِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، الَّتِي بَعْضُها مِمّا أوْحاهُ إلَيْهِ وبَعْضُها مِمّا أُلْهِمَهُ مِن دَعَواتٍ ومُناجاةٍ، وهو المَعْرُوفُ اليَوْمَ بِكِتابِ المَزامِيرِ مِن كُتُبِ العَهْدِ القَدِيمِ.

17:56Page 287

قُلِ ٱدۡعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُم مِّن دُونِهِۦ فَلَا يَمۡلِكُونَ كَشۡفَ ٱلضُّرِّ عَنكُمۡ وَلَا تَحۡوِيلًا ٥٦

Say, "Invoke those you have claimed [as gods] besides Him, for they do not possess the [ability for] removal of adversity from you or [for its] transfer [to someone else]."

﴿قُلُ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مَن دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكم ولا تَحْوِيلًا﴾ لَمْ أرَ لِهَذِهِ الآيَةِ تَفْسِيرًا يُثْلَجُ لَهُ الصَّدْرُ، والحَيْرَةُ بادِيَةٌ عَلى أقْوالِ المُفَسِّرِينَ في مَعْناها وانْتِظامِ مَوْقِعِها مَعَ سابِقِها، ولا حاجَةَ إلى اسْتِقْراءِ كَلِماتِهِمْ، ومَرْجِعُها إلى طَرِيقَتَيْنِ في مَحْمَلِ ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ إحْداهُما في تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ، وابْنِ عَطِيَّةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، والحَسَنِ، وثانِيَتُهُما في تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ والفَخْرِ غَيْرُ مَعْزُوَّةٍ لِقائِلٍ.

والَّذِي أرى في تَفْسِيرِها أنَّ جُمْلَةَ ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ إلى تَحْوِيلًا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيئِينَ﴾ [الإسراء: ٥٥] وجُمْلَةِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ [الإسراء: ٥٧]، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا جَرى ذِكْرُ الأفْضَلِينَ مِنَ الأنْبِياءِ في أثْناءِ آيَةِ الرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ مَقالَتَهم في اصْطِفاءِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِلرِّسالَةِ، واصْطِفاءِ أتْباعِهِ لِوِلايَتِهِ ودِينِهِ، وهي آيَةُ ﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ بِمَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الإسراء: ٥٥] إلى آخِرِها، جاءَتِ المُناسَبَةُ لِرَدِّ مَقالَةٍ أُخْرى مِن مَقالاتِهِمُ الباطِلَةِ، وهي اعْتِذارُهم عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ بِأنَّهم ما يَعْبُدُونَهم إلّا لِيُقَرِّبُوهم إلى اللَّهِ زُلْفى، فَجَعَلُوهم عِبادًا مُقَرَّبِينَ، ووَسائِلَ لَهم إلى اللَّهِ، فَلَمّا جَرى ذِكْرُ المُقَرَّبِينَ حَقًّا انْتُهِزَتْ مُناسَبَةُ ذِكْرِهِمْ؛ لِتَكُونَ مَخْلَصًا إلى إبْطالِ ما ادَّعَوْهُ مِن وسِيلَةِ أصْنامِهِمْ عَلى عادَةِ إرْشادِ القُرْآنِ مِنِ اغْتِنامِ

صفحة ١٣٩

مُناسَباتِ المَوْعِظَةِ، وذَلِكَ مِن أُسْلُوبِ الخُطَباءِ، فَهَذِهِ الآيَةُ مُتَّصِلَةُ المَعْنى بِآيَةِ ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما تَقُولُونَ إذَنْ لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢]، فَبَعْدَ أنْ أبْطَلَ أنْ يَكُونَ مَعَ اللَّهِ آلِهَةٌ بِبُرْهانِ العَقْلِ عادَ إلى إبْطالِ إلَهِيَّتِهِمُ المَزْعُومَةِ بِبُرْهانِ الحِسِّ، وهو مُشاهَدَةُ أنَّها لا تُغْنِي عَنْهم كَشْفَ الضُّرِّ.

فَأصْلُ ارْتِباطِ الكَلامِ هَكَذا: ولَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ الآيَةَ، فَبِمُناسَبَةِ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ بِابْتِهالِهِمْ إلى رَبِّهِمْ ذَكَرَ ضِدَّ ذَلِكَ مِن دُعاءِ المُشْرِكِينَ آلِهَتَهم، وقَدَّمَ ذَلِكَ، عَلى الكَلامِ الَّذِي أثارَ المُناسَبَةَ، اهْتِمامًا بِإبْطالِ فِعْلِهِمْ؛ لِيَكُونَ إبْطالُهُ كالغَرَضِ المَقْصُودِ ويَكُونَ ذِكْرُ مُقابِلِهِ كالِاسْتِدْلالِ عَلى ذَلِكَ الغَرَضِ، ولَعَلَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في مُدَّةِ إصابَةِ القَحْطِ قُرَيْشًا بِمَكَّةَ، وهي السَّبْعُ السُّنُونَ الَّتِي هي دَعْوَةُ النَّبِيءِ ﷺ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِينَ يُوسُفَ»، وتَسَلْسَلَ الجِدالُ وأخَذَ بَعْضُهُ بِحُجَزِ بَعْضٍ حَتّى انْتَهى إلى هَذِهِ المُناسَبَةِ.

والمُلْكُ بِمَعْنى الِاسْتِطاعَةِ والقُدْرَةِ كَما في قَوْلِهِ ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ١٧]، وقَوْلِهِ ﴿قُلْ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ [المائدة: ٧٦] في سُورَةِ العُقُودِ.

والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ بَيانُ البَوْنِ بَيْنَ الدُّعاءِ الحَقِّ والدُّعاءِ الباطِلِ، ومِن نَظائِرِ هَذا المَعْنى في القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ وهو يَتَوَلّى الصّالِحِينَ والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٦] في سُورَةِ الأعْرافِ.

والكَشْفُ: مُسْتَعارٌ لِلْإزالَةِ.

والتَّحْوِيلُ: نَقْلُ الشَّيْءِ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، أيْ لا يَسْتَطِيعُونَ إزالَةَ الضُّرِّ عَنِ الجَمِيعِ، ولا إزالَتَهُ عَنْ واحِدٍ إلى غَيْرِهِ.

17:57Page 287

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ يَبۡتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلۡوَسِيلَةَ أَيُّهُمۡ أَقۡرَبُ وَيَرۡجُونَ رَحۡمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحۡذُورٗا ٥٧

Those whom they invoke1 seek means of access to their Lord, [striving as to] which of them would be nearest, and they hope for His mercy and fear His punishment. Indeed, the punishment of your Lord is ever feared.

صفحة ١٤٠

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾

والإشارَةُ بِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ إلى النَّبِيِّينَ؛ لِزِيادَةِ تَمْيِيزِهِمْ.

والمَعْنى: أُولَئِكَ الَّذِينَ إنْ دَعَوْا يُسْتَجَبْ لَهم ويُكْشَفْ عَنْهُمُ الضُّرُّ، ولَيْسُوا كالَّذِينَ تَدْعُونَهم فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكم بِأنْفُسِهِمْ، ولا بِشَفاعَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ كَما رَأيْتُمْ مِن أنَّهم لَمْ يُغْنُوا عَنْكم مِنَ الضُّرِّ كَشْفًا ولا صَرْفًا.

وجُمْلَةُ يَبْتَغُونَ حالٌ مِن ضَمِيرِ يَدْعُونَ أوْ بَيانٌ لِجُمْلَةِ يَدْعُونَ.

والوَسِيلَةُ: المَرْتَبَةُ العالِيَةُ القَرِيبَةُ مِن عَظِيمٍ كالمَلِكِ.

و﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ضَمِيرِ يَبْتَغُونَ بَدَلَ بَعْضٍ، وتَكُونُ (أيُّ) مَوْصُولَةَ الَّذِي هو أقْرَبُ مِن رِضى اللَّهِ يَبْتَغِي زِيادَةَ الوَسِيلَةِ إلَيْهِ، أيْ يَزْدادُ عَمَلًا لِلِازْدِيادِ مِن رِضى اللَّهِ عَنْهُ، واصْطِفائِهِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن جُمْلَةِ ﴿يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾، (أيُّ) اسْتِفْهامِيَّةٌ، أيْ يَبْتَغُونَ مَعْرِفَةَ جَوابِ: أيُّهم أقْرَبُ عِنْدَ اللَّهِ.

وأقْرَبُ: اسْمُ تَفْضِيلٍ، ومُتَعَلِّقُهُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ، والتَّقْدِيرُ: أيُّهم أقْرَبُ إلى رَبِّهِمْ.

وذِكْرُ خَوْفٍ بَعْدَ رَجاءِ الرَّحْمَةِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم في مَوْقِفِ الأدَبِ مَعَ رَبِّهِمْ، فَلا يَزِيدُهُمُ القُرْبُ مِن رِضاهُ إلّا إجْلالًا لَهُ وخَوْفًا مِن غَضَبِهِ، وهو تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ رَكِبُوا رُءُوسَهم، وتَوَغَّلُوا في الغُرُورِ، فَزَعَمُوا أنَّ شُرَكاءَهم شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ.

صفحة ١٤١

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ تَذْيِيلٌ، ومَعْنى ﴿كانَ مَحْذُورًا﴾ أنَّ حَقِيقَتَهُ تَقْتَضِي حَذَرَ المُوَفَّقِينَ إذْ هو جَدِيرٌ بِذَلِكَ.

17:58Page 287

وَإِن مِّن قَرۡيَةٍ إِلَّا نَحۡنُ مُهۡلِكُوهَا قَبۡلَ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَوۡ مُعَذِّبُوهَا عَذَابٗا شَدِيدٗاۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَسۡطُورٗا ٥٨

And there is no city but that We will destroy it1 before the Day of Resurrection or punish it with a severe punishment. That has ever been in the Register2 inscribed.

﴿وإنْ مِن قَرْيَةٍ إلّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ أوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾

ولَمّا عَرَّضَ بِالتَّهْدِيدِ لِلْمُشْرِكِينَ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧]، وتَحَدّاهم بِقَوْلِهِ ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٦] جاءَ بِصَرِيحِ التَّهْدِيدِ عَلى مَسْمَعٍ مِنهم، بِأنَّ كُلَّ قَرْيَةٍ مِثْلِ قَرْيَتِهِمْ في الشِّرْكِ لا يَعْدُوها عَذابُ الِاسْتِئْصالِ وهو يَأْتِي عَلى القَرْيَةِ وأهْلِها، أوْ عَذابُ الِانْتِقامِ بِالسَّيْفِ والذُّلِّ والأسْرِ والخَوْفِ والجُوعِ، وهو يَأْتِي عَلى أهْلِ القَرْيَةِ مِثْلِ صَرْعى بَدْرٍ، كُلُّ ذَلِكَ في الدُّنْيا، فالمُرادُ: القُرى الكافِرُ أهْلُها؛ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧] في سُورَةِ هُودٍ، وقَوْلِهِ ﴿وما كُنّا مُهْلِكِي القُرى إلّا وأهْلُها ظالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩] في سُورَةِ القَصَصِ.

وحَذْفُ الصِّفَةِ في مِثْلِ هَذا مَعْرُوفٌ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩] أيْ كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ [الكهف: ٧٩] .

ولَيْسَ المَقْصُودُ شُمُولَ ذَلِكَ القُرى المُؤْمِنَةَ، عَلى مَعْنى أنْ لا بُدَّ لِلْقُرى مِن زَوالٍ وفَناءٍ في سُنَّةِ اللَّهِ في هَذا العالَمِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مُعارِضٌ لِآياتٍ أُخْرى، ولِأنَّهُ مُنافٍ لِغَرَضِ تَحْذِيرِ المُشْرِكِينَ مِنَ الِاسْتِمْرارِ عَلى الشِّرْكِ.

فَلَوْ سَلَّمْنا أنَّ هَذا الحُكْمَ لا تَنْفَلِتُ مِنهُ قَرْيَةٌ مِنَ القُرى بِحُكْمِ سُنَّةِ اللَّهِ في مَصِيرِ كُلِّ حادِثٍ إلى الفَناءِ لَما سَلَّمْنا أنَّ في ذِكْرِ ذَلِكَ هُنا فائِدَةً.

والتَّقْيِيدُ بِكَوْنِهِ ﴿قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ﴾ زِيادَةٌ في الإنْذارِ والوَعِيدِ، كَقَوْلِهِ ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى﴾ [طه: ١٢٧] .

صفحة ١٤٢

و(مِن) مَزِيدَةٌ بَعْدَ (إنِ) النّافِيَةِ لِتَأْكِيدِ اسْتِغْراقِ مَدْخُولِها بِاعْتِبارِ الصِّفَةِ المُقَدَّرَةِ، أيْ جَمِيعِ القُرى الكافِرَةِ؛ كَيْلا يَحْسَبَ أهْلُ مَكَّةَ عَدَمَ شُمُولِهِمْ.

والكِتابُ: مُسْتَعارٌ لِعِلْمِ اللَّهِ وسابِقِ تَقْدِيرِهِ، فَتَعْرِيفُهُ لِلْعَهْدِ، أوْ أُرِيدَ بِهِ الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ عَلى الأنْبِياءِ، فَتَعْرِيفُهُ لِلْجِنْسِ فَيَشْمَلُ القُرْآنَ وغَيْرَهُ.

والمَسْطُورُ: المَكْتُوبُ، يُقالُ: سَطَّرَ الكِتابَ إذا كَتَبَهُ سُطُورًا، قالَ تَعالى ﴿والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: ١] .

17:59Page 288

وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرۡسِلَ بِٱلۡأٓيَٰتِ إِلَّآ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلۡأَوَّلُونَۚ وَءَاتَيۡنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبۡصِرَةٗ فَظَلَمُواْ بِهَاۚ وَمَا نُرۡسِلُ بِٱلۡأٓيَٰتِ إِلَّا تَخۡوِيفٗا ٥٩

And nothing has prevented Us from sending signs [i.e., miracles] except that the former peoples denied them. And We gave Thamūd the she-camel as a visible sign, but they wronged her. And We send not the signs except as a warning.

﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلّا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها﴾ هَذا كَشْفُ شُبْهَةٍ أُخْرى مِن شُبَهِ تَكْذِيبِهِمْ، إذْ كانُوا يَسْألُونَ النَّبِيءَ أنْ يَأْتِيَهم بِآياتٍ عَلى حَسَبِ اقْتِراحِهِمْ، ويَقُولُونَ: لَوْ كانَ صادِقًا، وهو يَطْلُبُ مِنّا أنْ نُؤْمِنَ بِهِ لَجاءَنا بِالآياتِ الَّتِي سَألْناهُ؛ غُرُورًا بِأنْفُسِهِمْ أنَّ اللَّهَ يَتَنازَلُ لِمُباراتِهِمْ.

والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإنْ مِن قَرْيَةٍ إلّا نَحْنُ مُهْلِكُوها﴾ [الإسراء: ٥٨] الآيَةَ، أيْ إنَّما أمْهَلْنا المُتَمَرِّدِينَ عَلى الكُفْرِ إلى أجَلِ نُزُولِ العَذابِ، ولَمْ نُجِبْهم إلى ما طَلَبُوا مِنَ الآياتِ؛ لِعَدَمِ جَدْوى إرْسالِ الآياتِ لِلْأوَّلِينَ مِن قَبْلِهِمْ في الكُفْرِ عَلى حَسَبِ اقْتِراحِهِمْ فَكَذَّبُوا بِالآياتِ.

وحَقِيقَةُ المَنعِ: كَفُّ الفاعِلِ عَنْ فِعْلٍ يُرِيدُ فِعْلَتَهُ، أوْ يَسْعى في فِعْلِهِ، وهَذا مُحالٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى؛ إذْ لا مُكْرِهَ لِلْقادِرِ المُخْتارِ، فالمَنعُ هُنا مُسْتَعارٌ لِلصَّرْفِ عَنِ الفِعْلِ، وعَدَمِ إيقاعِهِ دُونَ مُحاوَلَةِ إتْيانِهِ.

والإرْسالُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فَيَكُونُ مَفْعُولُ ﴿أنْ نُرْسِلَ﴾ مَحْذُوفًا دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ نُرْسِلُ، والتَّقْدِيرُ: أنْ نُرْسِلَ رَسُولَنا، فالباءُ في قَوْلِهِ بِالآياتِ

صفحة ١٤٣

لِلْمُصاحَبَةِ، أيْ مُصاحِبًا لِلْآياتِ الَّتِي اقْتَرَحَها المُشْرِكُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الإرْسالُ مُسْتَعارًا لِإظْهارِ الآياتِ وإيجادِها، فَتَكُونَ الباءُ مَزِيدَةً لِتَأْكِيدِ تَعَلُّقِ فِعْلِ ﴿نُرْسِلَ بِالآياتِ﴾، وتَكُونَ الآياتُ مَفْعُولًا في المَعْنى كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] .

والتَّعْرِيفُ في الآياتِ عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ لِلْعَهْدِ، أيْ المَعْهُودَةِ مِنِ اقْتِراحِهِمْ كَقَوْلِهِمْ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠]، و﴿قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى﴾ [القصص: ٤٨] و﴿قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤] عَلى أحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ.

و(أنْ) الأُولى مُفِيدَةٌ مَصْدَرًا مَنصُوبًا عَلى نَزْعِ الخافِضِ، وهو مِنَ الَّتِي يَتَعَدّى بِها فِعْلُ المَنعِ، وهَذا الحَذْفُ مُطَّرِدٌ مَعَ (أنْ) .

و(أنْ) الثّانِيَةُ مَصْدَرُها فاعِلُ مَنَعَنا عَلى الِاسْتِثْناءِ المُفَرَّغِ.

وإسْنادُ المَنعِ إلى تَكْذِيبِ الأوَّلِينَ بِالآياتِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ؛ لِأنَّ التَّكْذِيبَ سَبَبُ الصَّرْفِ.

والمَعْنى: أنَّنا نَعْلَمُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ كَما لَمْ يُؤْمِن مَن قَبْلَهم مِنَ الكَفَرَةِ لَمّا جاءَتْهم أمْثالُ تِلْكَ الآياتِ، فَعَلِمَ النّاسُ أنَّ الإصْرارَ عَلى الكُفْرِ سَجِيَّةٌ لِلْمُشْرِكِ لا يَقْلَعُها إظْهارُ الآياتِ، فَلَوْ آمَنَ الأوَّلُونَ عِنْدَما أُظْهِرَتْ لَهُمُ الآياتُ؛ لَكانَ لِهَؤُلاءِ أنْ يَجْعَلُوا إيمانَهم مَوْقُوفًا عَلى إيجادِ الآياتِ الَّتِي سَألُوها، قالَ تَعالى (إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِماتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ) .

والأظْهَرُ أنَّ هَذا تَثْبِيتٌ لِأفْئِدَةِ المُؤْمِنِينَ؛ لِئَلّا يَفْتِنَهُمُ الشَّيْطانُ، وتَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ لِحِرْصِهِ عَلى إيمانِ قَوْمِهِ، فَلَعَلَّهُ يَتَمَنّى أنْ يُجِيبَهُمُ اللَّهُ لِما سَألُوا مِنَ الآياتِ، ولِحُزْنِهِ مِن أنْ يَظُنُّوهُ كاذِبًا.

وجُمْلَةُ ﴿وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ﴾ في مَحَلِّ الحالِ مِن ضَمِيرِ الجَلالَةِ في مَنَعَنا، أيْ وقَدْ آتَيْنا ثَمُودًا آيَةً كَما سَألُوا فَزادُوا كُفْرًا بِسَبَبِها حَتّى عُجِّلَ لَهُمُ العَذابُ.

صفحة ١٤٤

ومَعْنى مُبْصِرَةً واضِحَةُ الدَّلالَةِ، فَهو اسْمُ فاعِلِ أبْصَرَ المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولٍ، أيْ جَعَلَ غَيْرَهُ مُبْصِرًا وذا بَصِيرَةٍ، فالمَعْنى: أنَّها مُفِيدَةُ البَصِيرَةِ، أيِ اليَقِينِ، أيْ تَجْعَلُ مَن رَآها ذا بَصِيرَةٍ وتُفِيدُهُ أنَّها آيَةٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [النمل: ١٣] .

وخَصَّ بِالذِّكْرِ ثَمُودَ وآيَتَها؛ لِشُهْرَةِ أمْرِهِمْ بَيْنَ العَرَبِ، ولِأنَّ آثارَ هَلاكِهِمْ في بِلادِ العَرَبِ قَرِيبَةٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ يُبْصِرُها صادِرُهم ووارِدُهم في رِحْلاتِهِمْ بَيْنَ مَكَّةَ والشّامِ.

وقَوْلُهُ ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتُعْمِلَ الظُّلْمُ بِمَعْنى الكُفْرِ؛ لِأنَّهُ ظُلْمُ النَّفْسِ، وتَكُونُ الباءُ لِلتَّعْدِيَةِ؛ لِأنَّ فِعْلَ الكُفْرِ يُعَدّى إلى المَكْفُورِ بِالباءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الظُّلْمُ مُضَمَّنًا مَعْنى الجَحْدِ، أيْ كابَرُوا في كَوْنِها آيَةً، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]، ويَجُوزُ بَقاءُ الظُّلْمِ عَلى حَقِيقَتِهِ، وهي الِاعْتِداءُ بِدُونِ حَقٍّ، والباءُ صِلَةٌ لِتَوْكِيدِ التَّعْدِيَةِ مِثْلُ الباءِ في ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، أيْ ظَلَمُوا النّاقَةَ حِينَ عَقَرُوها، وهي لَمْ تَجْنِ عَلَيْهِمْ، فَكانَ عَقْرُها ظُلْمًا، والِاعْتِداءُ عَلى العَجْماواتِ ظُلْمٌ إذا كانَ غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهِ شَرْعًا كالصَّيْدِ.

* * *

﴿وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلّا تَخْوِيفًا﴾

هَذا بَيانٌ لِحِكْمَةٍ أُخْرى في تَرْكِ إرْسالِ الآياتِ إلى قُرَيْشٍ، تُشِيرُ إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ الإبْقاءَ عَلَيْهِمْ لِيَدْخُلَ مِنهم في الإسْلامِ كَثِيرٌ، ويَكُونُ نَشْرُ الإسْلامِ عَلى يَدِ كَثِيرٍ مِنهم.

وتِلْكَ مَكْرُمَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ، فَلَوْ أرْسَلَ اللَّهُ لَهُمُ الآياتِ كَما سَألُوا مَعَ أنَّ جِبِلَّتَهُمُ العِنادُ لَأصَرُّوا عَلى الكُفْرُ فَحَقَّتْ عَلَيْهِمْ سُنَّةُ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبادِهِ، وهي الِاسْتِئْصالُ عَقِبَ إظْهارِ الآياتِ؛ لِأنَّ إظْهارَ الآياتِ

صفحة ١٤٥

تَخْوِيفٌ مِنَ العَذابِ، واللَّهُ أرادَ الإبْقاءَ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ قالَ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] الآيَةَ، فَعَوَّضْنا تَخْوِيفَهم بَدَلًا عَنْ إرْسالِ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها.

والقَوْلُ في تَعْدِيَةِ ﴿وما نُرْسِلُ بِالآياتِ﴾ كالقَوْلِ في ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ﴾ مَعْنًى وتَقْدِيرًا عَلى الوَجْهَيْنِ، والتَّخْوِيفُ: جَعْلُ المَرْءِ خائِفًا.

والقَصْرُ في قَوْلِهِ ﴿إلّا تَخْوِيفًا﴾ لِقَصْرِ الإرْسالِ بِالآياتِ عَلى عِلَّةِ التَّخْوِيفِ، وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ لا مُباراةَ بَيْنَ الرُّسُلِ وأقْوامِهِمْ أوْ لا طَمَعًا في إيمانِ الأقْوامِ فَقَدْ عَلِمْنا أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском