Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Isra 17:7–12
17:7–8Page 282
إِنۡ أَحۡسَنتُمۡ أَحۡسَنتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡۖ وَإِنۡ أَسَأۡتُمۡ فَلَهَاۚ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ لِيَسُـُٔواْ وُجُوهَكُمۡ وَلِيَدۡخُلُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوۡاْ تَتۡبِيرًا ٧
[And said], "If you do good, you do good for yourselves; and if you do evil, [you do it] to them [i.e., yourselves]." Then when the final [i.e., second] promise came, [We sent your enemies] to sadden your faces and to enter the masjid [i.e., the temple in Jerusalem], as they entered it the first time, and to destroy what they had taken over with [total] destruction.
عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يَرۡحَمَكُمۡۚ وَإِنۡ عُدتُّمۡ عُدۡنَاۚ وَجَعَلۡنَا جَهَنَّمَ لِلۡكَٰفِرِينَ حَصِيرًا ٨
[Then Allāh said], "It is expected, [if you repent], that your Lord will have mercy upon you. But if you return [to sin], We will return [to punishment]. And We have made Hell, for the disbelievers, a prison-bed."
﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكم ولِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ ولِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكم وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا وجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾
تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها؛ إذْ تَقْدِيرُ الكَلامِ فَإذا أسَأْتُمْ وجاءَ وعْدُ المَرَّةِ الآخِرَةِ.
وقَدْ حَصَلَ بِهَذا التَّفْرِيعِ إيجازٌ بَدِيعٌ قَضاءً لِحَقِّ التَّقْسِيمِ الأوَّلِ في قَوْلِهِ فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما، ولِحَقِّ إفادَةِ تَرَتُّبِ مَجِيءِ وعْدِ الآخِرَةِ عَلى الإساءَةِ، ولَوْ عُطِفَ بِالواوِ كَما هو مُقْتَضى ظاهِرِ التَّقْسِيمِ إلى مَرَّتَيْنِ فاتَتْ إفادَةُ التَّرَتُّبِ والتَّفَرُّعِ.
و(الآخِرَةِ) صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ مَرَّتَيْنِ. أيْ وعْدُ المَرَّةِ الآخِرَةِ.
وهَذا الكَلامُ مِن بَقِيَّةِ ما قُضِيَ في الكِتابِ بِدَلِيلِ تَفْرِيعِهِ بِالفاءِ.
صفحة ٣٦
والآخِرَةُ ضِدُّ الأُولى.
ولاماتُ لِيَسُوءُوا، ولِيَدْخُلُوا، ولِيُتَبِّرُوا لِلتَّعْلِيلِ، ولَيْسَتْ لِلْأمْرِ؛ لِاتِّفاقِ القِراءاتِ المَشْهُورَةِ عَلى كَسْرِ اللّامَيْنِ الثّانِي والثّالِثِ، ولَوْ كانا لامَيْ أمْرٍ لَكانا ساكِنَيْنِ بَعْدَ واوِ العَطْفِ، فَيَتَعَيَّنُ أنَّ اللّامَ الأُولى لامُ أمْرٍ لا لامُ جَرٍّ، والتَّقْدِيرُ: فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ بَعَثْنا عِبادًا لَنا لِيَسُوءُوا وُجُوهَكم إلَخْ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ لِيَسُوءُوا بِضَمِيرِ الجَمْعِ مِثْلَ أخَواتِهِ الأفْعالِ الأرْبَعَةِ، والضَّمائِرُ راجِعَةٌ إلى مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ لامُ التَّعْلِيلِ في قَوْلِهِ لِيَسُوءُوا إذْ هو مُتَعَلِّقٌ بِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في ﴿وعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا﴾ [الإسراء: ٥]، فالتَّقْدِيرُ: فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا لِيَسُوءُوا وُجُوهَكم، ولَيْسَتْ عائِدَةً إلى قَوْلِهِ عِبادًا لَنا المُصَرَّحِ بِهِ في قَوْلِهِ فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما بَعَثَنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ؛ لِأنَّ الَّذِينَ أساءُوا، ودَخَلُوا المَسْجِدَ هَذِهِ المَرَّةَ أُمَّةٌ غَيْرُ الَّذِينَ جاسُوا خِلالَ الدِّيارِ حَسَبِ شَهادَةِ التّارِيخِ، وأقْوالِ المُفَسِّرِينَ كَما سَيَأْتِي.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٍ (لِيَسُوءَ) بِالإفْرادِ، والضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى، وقَرَأ الكِسائِيُّ (لِنَسُوءَ) بِنُونِ العَظَمَةِ، وتَوْجِيهُ هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ مِن جِهَةِ مُوافَقَةِ رَسْمِ المُصْحَفِ أنَّ الهَمْزَةَ المَفْتُوحَةَ بَعْدَ الواوِ قَدْ تُرْسَمُ بِصُورَةِ ألْفٍ، فالرَّسْمُ يَسْمَحُ بِقِراءَةِ واوِ الجَماعَةِ عَلى أنْ يَكُونَ الألِفُ ألِفَ الفَرْقِ وبِقِراءَتَيِ الإفْرادِ عَلى أنَّ الألِفَ عَلامَةُ الهَمْزَةِ.
وضَمِيرا (لِيَسُوءُوا) و(لِيُدْخِلُوا) عائِدانِ إلى عِبادًا لَنا بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ لا بِاعْتِبارِ ماصَدَقِ المَعادِ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِمْ: عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ، أيْ نِصْفُ صاحِبِ اسْمِ دِرْهَمٍ، وذَلِكَ تَعْوِيلٌ عَلى القَرِينَةِ لِاقْتِضاءِ السِّياقِ بُعْدَ الزَّمَنِ بَيْنَ المَرَّتَيْنِ: فَكانَ هَذا الإضْمارُ مِنَ الإيجازِ.
صفحة ٣٧
وضَمِيرُ (﴿كَما دَخَلُوهُ﴾) عائِدٌ إلى العِبادِ المَذْكُورِ في ذِكْرِ المَرَّةِ الأُولى بِقَرِينَةِ اقْتِضاءِ المَعْنى مَراجِعَ الضَّمائِرِ كَقَوْلِهِ تَعالى وأثارُوا الأرْضَ وعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها. وقَوْلُ عَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ:
عُدْنا ولَوْلا نَحْنُ أحْدَقَ جَمْعُهم بِالمُسْلِمِينَ وأحْرَزُوا ما جَمَعُوا
فالسِّياقُ دالٌّ عَلى مَعادِ (أحْرَزُوا) ومَعادِ (جَمَعُوا) .
وسَوْءُ الوُجُوهِ: جَعْلُ المَساءَةِ عَلَيْها، أيْ تَسْلِيطُ أسْبابِ المَساءَةِ والكَآبَةِ عَلَيْكم حَتّى تَبْدُوَ عَلى وُجُوهِكم؛ لِأنَّ ما يُخالِجُ الإنْسانَ مِن غَمٍّ وحُزْنٍ، أوْ فَرَحٍ ومَسَرَّةٍ يَظْهَرُ أثَرُهُ عَلى الوَجْهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الجَسَدِ، كَقَوْلِ الأعْشى:
وأُقْدِمُ إذا ما أعْيُنُ النّاسِ تَفْرَقُ
أرادَ إذا ما تَفَرَّقَ النّاسُ، وتَظْهَرُ عَلاماتُ الفَرَقِ في أعْيُنِهِمْ.
ودُخُولُ المَسْجِدِ دُخُولُ غَزْوٍ بِقَرِينَةِ التَّشْبِيهِ في قَوْلِهِ كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ المُرادُ مِنهُ قَوْلُهُ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ.
والتَّتْبِيرُ: الإهْلاكُ والإفْسادُ.
و(﴿ما عَلَوْا﴾) مَوْصُولُ هو مَفْعُولُ يُتَبِّرُوا، وعائِدُ الصِّلَةِ مَحْذُوفٌ؛ لِأنَّهُ مُتَّصِلٌ مَنصُوبٌ، والتَّقْدِيرُ: ما عَلَوْهُ، والعُلُوُّ عُلُوٌّ مَجازِيٌّ، وهو الِاسْتِيلاءُ والغَلَبُ.
ولَمْ يَعِدْهُمُ اللَّهُ في هَذِهِ المَرَّةِ إلّا بِتَوَقُّعِ الرَّحْمَةِ دُونَ رَدِّ الكَرَّةِ، فَكانَ إيماءً إلى أنَّهم لا مِلْكَ لَهم بَعْدَ هَذِهِ المَرَّةِ، وبِهَذا تَبَيَّنَ أنَّ المُشارَ إلَيْهِ بِهَذِهِ المَرَّةِ الآخِرَةِ هو ما اقْتَرَفَهُ اليَهُودُ مِنَ المَفاسِدِ والتَّمَرُّدِ، وقَتْلِ الأنْبِياءِ، والصّالِحِينَ، والِاعْتِداءِ عَلى عِيسى وأتْباعِهِ، وقَدْ أنْذَرَهُمُ النَّبِيءُ (مَلّاخِي) في الإصْحاحَيْنِ الثّالِثِ والرّابِعِ مِن كِتابِهِ، وأنْذَرَهم زَكَرِيّاءُ، ويَحْيى، وعِيسى فَلَمْ يَرْعَوُوا؛ فَضَرَبَهُمُ اللَّهُ الضَّرْبَةَ القاضِيَةَ بِيَدِ الرُّومانِ.
صفحة ٣٨
وبَيانُ ذَلِكَ: أنَّ اليَهُودَ بَعْدَ أنْ عادُوا إلى أُورْشَلِيمَ، وجَدَّدُوا مُلْكَهم ومَسْجِدَهم في زَمَنِ دارِيُوسَ، وأُطْلِقَ لَهُمُ التَّصَرُّفُ في بِلادِهِمُ الَّتِي غَلَبَهم عَلَيْها البابِلِيُّونَ، وكانُوا تَحْتَ نُفُوذِ مَمْلَكَةِ فارِسَ، فَمَكَثُوا عَلى ذَلِكَ مِائَتَيْ سَنَةٍ مِن سَنَةِ ٥٣٠ إلى سَنَةِ ٣٣٠ قَبْلَ المَسِيحِ، ثُمَّ أخَذَ مُلْكُهم في الِانْحِلالِ بِهُجُومِ البَطالِسَةِ مُلُوكِ مِصْرَ عَلى أُورْشَلِيمَ؛ فَصارُوا تَحْتَ سُلْطانِهِمْ إلى سَنَةِ ١٦٦ قَبْلَ المَسِيحِ، إذْ قامَ قائِدٌ مِن إسْرائِيلَ اسْمُهُ (مِيثِيا) وكانَ مِنَ اللّاوِيِّينَ، فانْتَصَرَ لِلْيَهُودِ، وتَوَلّى الأمْرَ عَلَيْهِمْ، وتَسَلْسَلَ المُلْكُ بَعْدَهُ في أبْنائِهِ في زَمَنٍ مَلِيءٍ بِالفِتَنِ إلى سَنَةِ أرْبَعِينَ قَبْلَ المَسِيحِ، دَخَلَتِ المَمْلَكَةَ تَحْتَ نُفُوذِ الرُّومانِيِّينَ، وأقامُوا عَلَيْها أُمَراءَ مِنَ اليَهُودِ كانَ أشْهَرُهم (هِيرُودُسَ) ثُمَّ تَمَرَّدُوا لِلْخُرُوجِ عَلى الرُّومانِيِّينَ، فَأرْسَلَ قَيْصَرُ رُومِيَّةَ القائِدَ سِيسِيانُوسَ مَعَ ابْنِهِ القائِدِ طِيطُوسَ بِالجُيُوشِ في حُدُودِ سَنَةِ أرْبَعِينَ بَعْدَ المَسِيحِ فَخَرُبَتْ أُورْشَلِيمُ واحْتَرَقَ المَسْجِدُ، وأسَرَ طِيطُوسُ نَيِّفًا وتِسْعِينَ ألْفًا مِنَ اليَهُودِ، وقَتَلَ مِنَ اليَهُودِ في تِلْكَ الحُرُوبِ نَحْوَ ألْفِ ألْفٍ، ثُمَّ اسْتَعادُوا المَدِينَةَ، وبَقِيَ مِنهم شِرْذِمَةٌ قَلِيلَةٌ بِها إلى أنْ وافاهُمُ الإمْبِراطُورُ الرُّومانِيُّ أدْرِيانُوسُ، فَهَدَمَها، وخَرَّبَها، ورَمى قَناطِيرَ المِلْحِ عَلى أرْضِها؛ كَيْلا تَعُودَ صالِحَةً لِلزِّراعَةِ، وذَلِكَ سَنَةَ ١٣٥ لِلْمَسِيحِ، وبِذَلِكَ انْتَهى أمْرُ اليَهُودِ وانْقَرَضَ، وتَفَرَّقُوا في الأرْضِ ولَمْ تَخْرُجْ أُورْشَلِيمُ مِن حُكْمِ الرُّومانِ إلّا حِينَ فَتَحَها المُسْلِمُونَ في زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ سَنَةَ ١٦ صُلْحًا مَعَ أهْلِها، وهي تُسَمّى يَوْمَئِذٍ إيلِياءُ.
وقَوْلُهُ: (﴿وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ عاطِفَةً عَلى جُمْلَةِ (﴿عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكُمْ﴾) عَطْفَ التَّرْهِيبِ عَلى التَّرْغِيبِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُعْتَرِضَةً، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، والمَعْنى: بَعْدَ أنْ يَرْحَمَكم رَبُّكم، ويُؤَمِّنَكم في البِلادِ الَّتِي تَلْجَئُونَ إلَيْها، إنْ عُدْتُمْ إلى الإفْسادِ عُدْنا إلى عِقابِكم، أيْ عُدْنا لِمِثْلِ ما تَقَدَّمَ مِن عِقابِ الدُّنْيا.
صفحة ٣٩
وجُمْلَةُ (﴿وجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكُمْ﴾)؛ لِإفادَةِ أنَّ ما ذُكِرَ قَبْلَهُ مِن عِقابٍ إنَّما هو عِقابٌ دُنْيَوِيٌّ، وأنَّ وراءَهُ عِقابَ الآخِرَةِ.
وفِيهِ مَعْنى التَّذْيِيلِ؛ لِأنَّ التَّعْرِيفَ في الكافِرِينَ يَعُمُّ المُخاطَبِينَ وغَيْرَهم، ويُومِئُ هَذا إلى أنَّ عِقابَهم في الدُّنْيا لَيْسَ مَقْصُورًا عَلى ذُنُوبِ الكُفْرِ، بَلْ هو مَنُوطٌ بِالإفْسادِ في الأرْضِ وتَعَدِّي حُدُودِ الشَّرِيعَةِ، وأمّا الكُفْرُ بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ فَقَدْ حَصَلَ في المَرَّةِ الآخِرَةِ فَإنَّهم كَذَّبُوا عِيسى، وأمّا في المَرَّةِ الأُولى فَلَمْ تَأْتِهِمْ رُسُلٌ، ولَكِنَّهم قَتَلُوا الأنْبِياءَ مِثْلَ أشْعِياءَ، وأرْمِياءَ، وقَتْلُ الأنْبِياءِ كُفْرٌ.
والحَصِيرُ: المَكانُ الَّذِي يُحْصَرُ فِيهِ فَلا يُسْتَطاعُ الخُرُوجُ مِنهُ، فَهو إمّا فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، وإمّا بِمَعْنى مَفْعُولٍ عَلى تَقْدِيرِ مُتَعَلِّقٍ، أيْ مَحْصُورٍ فِيهِ.
17:9–10Page 283
إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَهۡدِي لِلَّتِي هِيَ أَقۡوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرٗا كَبِيرٗا ٩
Indeed, this Qur’ān guides to that which is most suitable and gives good tidings to the believers who do righteous deeds that they will have a great reward
وَأَنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ أَعۡتَدۡنَا لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا ١٠
And that those who do not believe in the Hereafter - We have prepared for them a painful punishment.
﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ ويُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا كَبِيرًا﴾ ﴿وأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ عادَ بِهِ الكَلامُ إلى الغَرَضِ الأهَمِّ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، وهو تَأْيِيدُ النَّبِيءِ ﷺ بِالآياتِ والمُعْجِزاتِ، وإيتاؤُهُ الآياتِ الَّتِي أعْظَمُها آيَةُ القُرْآنِ كَما قَدَّمْناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وآتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ [الإسراء: ٢]، وأعْقَبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ ما أُنْزِلَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الكُتُبِ لِلْهُدى والتَّحْذِيرِ، وما نالَهم مِن جَزاءِ مُخالَفَتِهِمْ ما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ، ومِن عُدُولِهِمْ عَنْ سُنَنِ أسْلافِهِمْ مِن عَهْدِ نُوحٍ، وفي ذَلِكَ فائِدَةُ التَّحْذِيرِ مِن وُقُوعِ المُسْلِمِينَ فِيما وقَعَ فِيهِ بَنُو إسْرائِيلَ، وهي الفائِدَةُ العُظْمى مِن ذِكْرِ قَصَصِ القُرْآنِ، وهي فائِدَةُ التّارِيخِ.
صفحة ٤٠
وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ مُراعًى فِيهِ حالُ بَعْضِ المُخاطَبِينَ، وهُمُ الَّذِينَ لَمْ يُذْعِنُوا إلَيْهِ، وحالُ المُؤْمِنِينَ مِنَ الِاهْتِمامِ بِهَذا الخَبَرِ، فالتَّوْكِيدُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنَيَيْهِ دَفْعِ الإنْكارِ والِاهْتِمامِ، ولا تَعارُضَ بَيْنَ الِاعْتِبارَيْنِ.
وقَوْلُهُ (هَذا القُرْآنَ) إشارَةٌ إلى الحاضِرِ في أذْهانِ النّاسِ مِنَ المِقْدارِ المُنَزَّلِ مِنَ القُرْآنِ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ.
وبُيِّنَتِ الإشارَةُ بِالِاسْمِ الواقِعِ بَعْدَها؛ تَنْوِيهًا بِشَأْنِ القُرْآنِ.
وقَدْ جاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَنْفِيسًا عَلى المُؤْمِنِينَ مِن أثَرِ القَصَصِ المَهُولَةِ الَّتِي قُصَّتْ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ، وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ البَلاءِ مِمّا يُثِيرُ في نُفُوسِ المُسْلِمِينَ الخَشْيَةَ مِن أنْ يُصِيبَهم مِثْلُ ما أصابَ أُولَئِكَ، فَأخْبَرُوا بِأنَّ في القُرْآنِ ما يَعْصِمُهم عَنِ الوُقُوعِ فِيما وقَعَ فِيهِ بَنُو إسْرائِيلَ إذْ هو يَهْدِي لِلطَّرِيقِ الَّتِي هي أقْوَمُ مِمّا سَلَكَهُ بَنُو إسْرائِيلَ، ولِذَلِكَ ذَكَرَ مَعَ الهِدايَةِ بِشارَةَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ، ونِذارَةَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ، وفي التَّعْبِيرِ بِ (الَّتِي هي أقْوَمُ) نُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ سَتَأْتِي، وتِلْكَ عادَةُ القُرْآنِ في تَعْقِيبِ الرَّهْبَةِ بِالرَّغْبَةِ وعَكْسِهِ.
و(الَّتِي هي أقْوَمُ) صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ يَهْدِي، أيْ لِلطَّرِيقِ الَّتِي هي أقْوَمُ؛ لِأنَّ الهِدايَةَ مِن مُلازِماتِ السَّيْرِ والطَّرِيقِ، أوْ لِلْمِلَّةِ الأقْوَمِ، وفي حَذْفِ المَوْصُوفِ مِنَ الإيجازِ مِن جِهَةٍ، ومِنَ التَّفْخِيمِ مِن جِهَةٍ أُخْرى ما رَجَّحَ الحَذْفَ عَلى الذِّكْرِ.
والأقْوَمُ: تَفْصِيلُ القَوِيمِ، والمَعْنى: أنَّهُ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ مِن هُدى كِتابِ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِي في قَوْلِهِ (﴿وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الإسراء: ٢])، فَفِيهِ إيماءٌ إلى ضَمانِ سَلامَةِ أُمَّةِ القُرْآنِ مِنَ الحَيْدَةِ عَنِ الطَّرِيقِ الأقْوَمِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ جاءَ بِأُسْلُوبٍ مِنَ الإرْشادِ قَوِيمٍ ذِي أفْنانٍ لا يَحُولُ دُونَهُ ودُونَ الوُلُوجِ إلى العُقُولِ حائِلٌ، ولا يُغادِرُ مَسْلَكًا إلى ناحِيَةٍ مِن نَواحِي الأخْلاقِ، والطَّبائِعِ إلّا سَلَكَهُ إلَيْها تَحْرِيضًا أوْ تَحْذِيرًا، بِحَيْثُ لا يَعْدَمُ المُتَدَبِّرُ في مَعانِيهِ اجْتِناءَ ثِمارِ أفْنانِهِ، وبِتِلْكَ الأسالِيبِ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْها الكُتُبُ السّابِقَةُ كانَتِ الطَّرِيقَةُ
صفحة ٤١
الَّتِي يَهْدِي إلى سُلُوكِها أقْوَمَ مِنَ الطَّرائِقِ الأُخْرى، وإنْ كانَتِ الغايَةُ المَقْصُودُ الوُصُولُ إلَيْها واحِدَةً.
وهَذا وصْفٌ إجْمالِيٌّ لِمَعْنى هِدايَتِهِ إلى الَّتِي هي أقْوَمُ لَوْ أُرِيدَ تَفْصِيلُهُ لاقْتَضى أسْفارًا، وحَسْبُكَ مِثالًا لِذَلِكَ أسالِيبُ القُرْآنِ في سَدِّ مَسالِكِ الشِّرْكِ بِحَيْثُ سَلِمَتْ هَذِهِ الآيَةُ في جَمِيعِ أطْوارِها مِنَ التَّخْلِيطِ بَيْنَ التَّقْدِيسِ البَشَرِيِّ، وبَيْنَ التَّمْجِيدِ الإلَهِيِّ، فَلَمْ تَنْزِلْ إلى حَضِيضِ الشِّرْكِ بِحالٍ، فَمَحَلُّ التَّفْضِيلِ هو وسائِلُ الوُصُولِ إلى الغايَةِ مِنَ الحَقِّ والصِّدْقِ، ولَيْسَ مَحَلُّ التَّفْضِيلِ تِلْكَ الغايَةَ حَتّى يُقالَ: إنَّ الحَقَّ لا يَتَفاوَتُ.
والأجْرُ الكَبِيرُ فُسِّرَ بِالجَنَّةِ، والعَذابُ الألِيمُ بِجَهَنَّمَ، والأظْهَرُ أنْ يُحْمَلَ عَلى عُمُومِ الأجْرِ والعَذابِ، فَيَشْمَلَ أجْرَ الدُّنْيا وعَذابَها، وهو المُناسِبُ لِما تَقَدَّمَ مِن سَعادَةِ عَيْشِ بَنِي إسْرائِيلَ وشَقائِهِ، فَجَعَلَ اخْتِلافَ الحالَيْنِ فِيهِما مَوْعِظَةً لِحالَيِ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ.
(﴿وأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾) عَطْفٌ عَلى (﴿أنَّ لَهم أجْرًا كَبِيرًا﴾)؛ لِأنَّهُ مِن جُمْلَةِ البِشارَةِ، إذِ المُرادُ بِالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، وهم أعْداءُ المُؤْمِنِينَ، فَلا جَرَمَ أنَّ عَذابَ العَدُوِّ بِشارَةٌ لِمَن عاداهُ.
والِاقْتِصارُ عَلى هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ هو مُقْتَضى المَقامِ لِمُناسَبَةِ تَكْذِيبِ المُشْرِكِينَ بِالإسْراءِ، فَلا غَرَضَ في الإعْلامِ بِحالِ أهْلِ الكِتابِ.
17:11Page 283
وَيَدۡعُ ٱلۡإِنسَٰنُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُۥ بِٱلۡخَيۡرِۖ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ عَجُولٗا ١١
And man supplicates for evil [when angry] as he supplicates for good, and man is ever hasty.1
﴿ويَدْعُ الإنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالخَيْرِ وكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾
مَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ هُنا غامِضٌ، وانْتِزاعُ المَعْنى مِن نَظْمِها وألْفاظِها أيْضًا، ولَمْ يَأْتِ فِيها المُفَسِّرُونَ بِما يُثْلَجُ لَهُ الصَّدْرُ، والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ
صفحة ٤٢
الآيَةَ الَّتِي قَبْلَها لَمّا اشْتَمَلَتْ عَلى بِشارَةٍ وإنْذارٍ، وكانَ المُنْذَرُونَ إذا سَمِعُوا الوَعِيدَ والإنْذارَ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ ويَقُولُونَ (﴿مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الأنبياء: ٣٨]) عَطَفَ هَذا الكَلامَ عَلى ما سَبَقَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ لِذَلِكَ الوَعْدِ أجَلًا مُسَمًّى، فالمُرادُ بِالإنْسانِ الإنْسانُ الَّذِي لا يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ كَما هو في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ويَقُولُ الإنْسانُ أئِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ [مريم: ٦٦]) و(﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٧]) وإطْلاقُ الإنْسانِ عَلى الكافِرِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ.
وفِعْلُ (يَدْعُو) مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى يَطْلُبُ ويَبْتَغِي، كَقَوْلِ لَبِيدٍ:
أدْعُو بِهِنَّ لِعاقِرٍ أوْ مُطْفِلٍ بُذِلَتْ لِجِيرانِ الجَمِيعِ لِحامُها
وقَوْلُهُ (﴿دُعاءَهُ بِالخَيْرِ﴾) مَصْدَرٌ يُفِيدُ تَشْبِيهًا، أيْ يَسْتَعْجِلُ الشَّرَّ كاسْتِعْجالِهِ الخَيْرَ، يَعْنِي يَسْتَبْطِئُ حُلُولَ الوَعِيدِ كَما يَسْتَبْطِئُ أحَدٌ تَأخُّرَ خَبَرٍ وُعِدَ بِهِ.
وقَوْلُهُ: (﴿وكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾) تَذْيِيلٌ، فالإنْسانُ هَنا مُرادٌ بِهِ الجِنْسُ؛ لِأنَّهُ المُناسِبُ لِلتَّذْيِيلِ، أيْ وما هَؤُلاءِ الكافِرُونَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ إلّا مِن نَوْعِ الإنْسانِ، وفي نَوْعِ الإنْسانِ الِاسْتِعْجالُ فَإنَّ (كانَ) تَدُلُّ عَلى أنَّ اسْمَها مُتَّصِفٌ بِخَبَرِها اتِّصافًا مُتَمَكِّنًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]) .
والمَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ: (﴿وكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾) الكِنايَةُ عَنْ عَدَمِ تَبَصُّرِهِ، وأنَّ اللَّهَ أعْلَمُ بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ في تَوْقِيتِ الأشْياءِ (﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ لَقُضِيَ إلَيْهِمُ أجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١])، ولَكِنَّهُ دَرَّجَ لَهم وصُولَ الخَيْرِ والشَّرِّ لُطْفًا بِهِمْ في الحالَيْنِ.
والباءُ في قَوْلِهِ (بِالشَّرِّ وبِالخَيْر) لِتَأْكِيدِ لُصُوقِ العامِلِ بِمَعْمُولِهِ كالَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦])؛ أوْ لِتَضْمِينِ مادَّةِ الدُّعاءِ مَعْنى الِاسْتِعْجالِ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ [الشورى: ١٨]) .
صفحة ٤٣
وعَجُولٌ: صِيغَةُ مُبالَغَةٍ في عاجِلٍ، يُقالُ: عَجِلَ فَهو عاجِلٌ وعَجُولٌ.
وكُتِبَ في المُصْحَفِ (ويَدْعُ) بِدُونِ واوٍ بَعْدَ العَيْنِ إجْراءً لِرَسْمِ الكَلِمَةِ عَلى حالَةِ النُّطْقِ بِها في الوَصْلِ كَما كُتِبَ (سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ) ونَظائِرُها، قالَ الفَرّاءُ: لَوْ كُتِبَتْ بِالواوِ لَكانَ صَوابًا.
17:12Page 283
وَجَعَلۡنَا ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ ءَايَتَيۡنِۖ فَمَحَوۡنَآ ءَايَةَ ٱلَّيۡلِ وَجَعَلۡنَآ ءَايَةَ ٱلنَّهَارِ مُبۡصِرَةٗ لِّتَبۡتَغُواْ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكُمۡ وَلِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ وَكُلَّ شَيۡءٖ فَصَّلۡنَٰهُ تَفۡصِيلٗا ١٢
And We have made the night and day two signs, and We erased the sign of the night and made the sign of the day visible1 that you may seek bounty from your Lord and may know the number of years and the account [of time]. And everything We have set out in detail.
﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ وكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا﴾
عَطْفٌ عَلى (ويَدْعُو الإنْسانُ بِالشَّر) إلَخْ، والمُناسَبَةُ أنَّ جُمْلَةَ (ويَدْعُو الإنْسانُ) تَتَضَمَّنُ أنَّ الإبْطاءَ تَأْخِيرُ الوَعْدِ لا يَرْفَعُهُ، وأنَّ الِاسْتِعْجالَ لا يُجْدِي صاحِبَهُ؛ لِأنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ أجَلًا، ولَمّا كانَ الأجَلُ عِبارَةً عَنْ أزْمانٍ كانَ مُشْتَمِلًا عَلى لَيْلٍ ونَهارٍ مُتَقَضِّيَيْنِ، وهَذا شائِعٌ عِنْدَ النّاسِ في أنَّ الزَّمانَ مُنْقَضٍ، وإنْ طالَ.
فَلَمّا أُرِيدَ التَّنْبِيهُ عَلى ذَلِكَ أُدْمِجَ فِيهِ ما هو أهَمُّ في العِبْرَةِ بِالزَّمَنَيْنِ، وهو كَوْنُهُما آيَتَيْنِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، وعَظِيمِ القُدْرَةِ، وكَوْنِهِما مِنَّتَيْنِ عَلى النّاسِ، وكَوْنِ النّاسِ رُبَّما كَرِهُوا اللَّيْلَ لِظُلْمَتِهِ، واسْتَعْجَلُوا انْقِضاءَهُ بِطُلُوعِ الصَّباحِ في أقْوالِ الشُّعَراءِ وغَيْرِهِمْ، ثُمَّ بِزِيادَةِ العِبْرَةِ في أنَّهُما ضِدّانِ، وفي كُلٍّ مِنهُما آثارُ النِّعْمَةِ المُخْتَلِفَةِ، وهي نِعْمَةُ السَّيْرِ في النَّهارِ، واكْتَفى بَعْدَها عَنْ عَدِّ نِعْمَةِ السُّكُونِ في اللَّيْلِ؛ لِظُهُورِ ذَلِكَ بِالمُقابَلَةِ، وبِتِلْكَ المُقابَلَةِ حَصَلَتْ نِعْمَةُ العِلْمِ بِعَدَدِ السِّنِينَ والحِسابِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ الزَّمَنُ كُلُّهُ ظُلْمَةً أوْ كُلُّهُ نُورًا لَمْ يَحْصُلِ التَّمْيِيزُ بَيْنَ أجْزائِهِ.
وفِي هَذا بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ إيماءٌ إلى ضَرْبِ مَثَلٍ لِلْكُفْرِ والإيمانِ، ولِلضَّلالِ والهُدى، فَلِذَلِكَ عَقَّبَ بِهِ قَوْلَهُ (﴿وآتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ [الإسراء: ٢]) الآيَةَ، وقَوْلَهُ
صفحة ٤٤
﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] إلى قَوْلِهِ ﴿أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ [الإسراء: ١٠]، ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ [الإسراء: ١٥] الآيَةَ، وكُلُّ هَذا الإدْماجِ تَزْوِيدٌ لِلْآيَةِ بِوافِرِ المَعانِي شَأْنَ بَلاغَةِ القُرْآنِ، وإيجازِهِ.
وتَفْرِيعُ جُمْلَةِ ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ اعْتِراضٌ وقَعَ بِالفاءِ بَيْنَ جُمْلَةِ (﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾) وبَيْنَ مُتَعَلِّقِهِ وهو (لِتَبْتَغُوا) .
وإضافَةُ آيَةٍ إلى اللَّيْلِ وإلى النَّهارِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَيانِيَّةً، أيِ (الآيَةُ) الَّتِي هي اللَّيْلُ، و(الآيَةُ) الَّتِي هي النَّهارُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ آيَةُ اللَّيْلِ الآيَةَ المُلازِمَةَ لَهُ، وهي القَمَرُ، وآيَةُ النَّهارِ الشَّمْسُ، فَتَكُونُ إعادَةُ لَفْظِ (آيَةٍ) فِيهِما تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُرادَ بِالآيَةِ مَعْنًى آخَرُ، وتَكُونُ الإضافَةُ حَقِيقِيَّةً، ويَصِيرُ دَلِيلًا آخَرَ عَلى بَدِيعِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى، وتَذْكِيرًا بِنِعْمَةِ تَكْوِينِ هَذَيْنِ الخَلْقَيْنِ العَظِيمَيْنِ، ويَكُونُ مَعْنى المَحْوِ أنَّ القَمَرَ مَطْمُوسٌ لا نُورَ في جِرْمِهِ، ولَكِنَّهُ يَكْتَسِبُ الإنارَةَ بِانْعِكاسِ شُعاعِ الشَّمْسِ عَلى كُرَتِهِ، ومَعْنى كَوْنِ آيَةِ النَّهارِ مُبْصِرَةً أنَّ الشَّمْسَ جُعِلَ ضَوْءُها سَبَبَ إبْصارِ النّاسِ الأشْياءَ، ف مُبْصِرَةً اسْمُ فاعِلِ (أبْصَرَ) المُتَعَدِّي، أيْ جَعَلَ غَيْرَهُ باصِرًا، وهَذا أدَقُّ مَعْنًى، وأعْمَقُ في إعْجازِ القُرْآنِ بَلاغَةً، وعِلْمًا؛ فَإنَّ هَذِهِ حَقِيقَةٌ مِن عِلْمِ الهَيْئَةِ، وما أُعِيدَ لَفْظُ (آيَةٍ) إلّا لِأجْلِها.
والمَحْوُ: الطَّمْسُ، وأُطْلِقَ عَلى انْعِدامِ النُّورِ؛ لِأنَّ النُّورَ يُظْهِرُ الأشْياءَ، والظُّلْمَةُ لا تَظْهَرُ فِيها الأشْياءُ، فَشَبَّهَ اخْتِفاءَ الأشْياءِ بِالمَحْوِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في مُقابِلِهِ ﴿وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾، أيْ جَعَلْنا الظُّلْمَةَ آيَةً، وجَعَلْنا سَبَبَ الإبْصارِ آيَةً، وأطْلَقَ وصْفَ مُبْصِرَةً عَلى النَّهارِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ العَقْلِيِّ إسْنادًا لِلسَّبَبِ.
وقَوْلُهُ ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكُمْ﴾ عِلَّةٌ لِخُصُوصِ آيَةِ النَّهارِ مِن قَوْلِهِ آيَتَيْنِ.
وجاءَ التَّعْلِيلُ لِحِكْمَةِ آيَةِ النَّهارِ خاصَّةً دُونَ ما يُقابِلُها مِن حِكْمَةِ اللَّيْلِ؛لِأنَّ المِنَّةَ بِها أوْضَحُ، ولِأنَّ مِنَ التَّنْبِيهِ إلَيْها يَحْصُلُ التَّنَبُّهُ
صفحة ٤٥
إلى ضِدِّها، وهو حِكْمَةُ السُّكُونِ في اللَّيْلِ، كَما قالَ ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: ٦٧] كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ يُونُسَ.
ثُمَّ ذُكِرَتْ حِكْمَةٌ أُخْرى حاصِلَةٌ مِن كِلْتا الآيَتَيْنِ، وهي حِكْمَةُ حِسابِ السِّنِينَ، وهي في آيَةِ اللَّيْلِ أظْهَرُ؛لِأنَّ جُمْهُورَ البَشَرِ يَضْبُطُ الشُّهُورَ والسِّنِينَ بِاللَّيالِي، أيْ حِسابِ القَمَرِ.
والحِسابُ يَشْمَلُ حِسابَ الأيّامِ والشُّهُورِ والفُصُولِ فَعَطْفُهُ عَلى عَدَدِ السِّنِينَ مِن عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ لِلتَّعْمِيمِ بَعْدَ ذِكْرِ الخاصِّ اهْتِمامًا بِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا﴾ تَذْيِيلٌ لِقَوْلِهِ ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ﴾ بِاعْتِبارِ ما سَبَقَ لَهُ مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّ لِلشَّرِّ والخَيْرِ المَوْعُودِ بِهِما أجَلًا يَنْتَهِيانِ إلَيْهِ، والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ الأجَلَ مَحْدُودٌ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى لا يَعْدُوهُ، فَلا يُقَرِّبُهُ اسْتِعْجالٌ، ولا يُؤَخِّرُهُ اسْتِبْطاءٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا لا إبْهامَ فِيهِ ولا شَكَّ عِنْدَهُ.
إنَّ لِلْخَيْرِ ولِلشَّرِّ مَدى. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فَلا تَحْسَبُوا ذَلِكَ وعْدًا سُدى
.
والتَّفْصِيلُ: التَّبْيِينُ والتَّمْيِيزُ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الفَصْلِ بِمَعْنى القَطْعِ؛ لِأنَّ التَّبْيِينَ يَقْتَضِي عَدَمَ التِباسِ الشَّيْءِ بِغَيْرِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود: ١] صَدْرُ سُورَةِ هُودٍ.
والتَّفْصِيلُ في الأشْياءِ يَكُونُ في خَلْقِها، ونِظامِها، وعِلْمِ اللَّهِ بِها، وإعْلامِهِ بِها، فالتَّفْصِيلُ الَّذِي في عِلْمِ اللَّهِ، وفي خَلْقِهِ، ونَوامِيسِ العَوالَمِ عامٌّ لِكُلِّ شَيْءٍ، وهو مُقْتَضى العُمُومِ هُنا، وأمّا ما فَصَّلَهُ اللَّهُ لِلنّاسِ مِنَ الأحْكامِ، والأخْبارِ فَذَلِكَ بَعْضُ الأشْياءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿يُفَصِّلُ الآياتِ لَعَلَّكم بِلِقاءِ رَبِّكم تُوقِنُونَ﴾ [الرعد: ٢] وقَوْلُهُ ﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٧]، وذَلِكَ بِالتَّبْلِيغِ عَلى ألْسِنَةِ
صفحة ٤٦
الرُّسُلِ وبِما خَلَقَ في النّاسِ مِن إدْراكِ العُقُولِ، ومِن جُمْلَةِ ما فَصَّلَهُ لِلنّاسِ، والإرْشادِ إلى التَّوْحِيدِ، وصالِحِ الأعْمالِ، والإنْذارِ عَلى العِصْيانِ، وفي هَذا تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ.
وانْتَصَبَ (كُلَّ شَيْءٍ) بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ (فَصَّلْناهُ) لِاشْتِغالِ المَذْكُورِ بِضَمِيرِ مَفْعُولِ المَحْذُوفِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences