Ibn 'AshurAl‑Isra · 17:71–75

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:71–75

17:71–72Page 289

يَوۡمَ نَدۡعُواْ كُلَّ أُنَاسِۭ بِإِمَٰمِهِمۡۖ فَمَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَقۡرَءُونَ كِتَٰبَهُمۡ وَلَا يُظۡلَمُونَ فَتِيلٗا ٧١

[Mention, O Muḥammad], the Day We will call forth every people with their record [of deeds].1 Then whoever is given his record in his right hand - those will read their records, and injustice will not be done to them, [even] as much as a thread [inside the date seed].

وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِۦٓ أَعۡمَىٰ فَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ أَعۡمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلٗا ٧٢

And whoever is blind1 in this [life] will be blind in the Hereafter and more astray in way.

صفحة ١٦٧

﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتابَهم ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ ﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهْوَ في الآخِرَةِ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلًا﴾

انْتِقالٌ مِن غَرَضِ التَّهْدِيدِ بِعاجِلِ العَذابِ في الدُّنْيا الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ﴾ [الإسراء: ٦٦] إلى قَوْلِهِ ثُمَّ ﴿لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ [الإسراء: ٦٩] إلى ذِكْرِ حالِ النّاسِ في الآخِرَةِ تَبْشِيرًا وإنْذارًا، فالكَلامُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، والمُناسَبَةُ ما عَلِمْتَ، ولا يَحْسُنُ لَفْظُ (يَوْمَ) لِلتَّعَلُّقِ بِما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿وفَضَّلْناهم عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠] عَلى أنْ يَكُونَ تَخَلُّصًا مِن ذِكْرِ التَّفْضِيلِ إلى ذِكْرِ اليَوْمِ الَّذِي تَظْهَرُ فِيهِ فَوائِدُ التَّفْضِيلِ، فَتَرَجَّحَ أنَّهُ ابْتِداءٌ مُسْتَأْنَفٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، فَفَتْحَةُ يَوْمَ إمّا فَتْحَةَ إعْرابٍ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلٍ شائِعِ الحَذْفِ في ابْتِداءِ العِبَرِ القُرْآنِيَّةِ، وهو فِعْلُ اذْكُرْ فَيَكُونُ يَوْمَ هُنا اسْمَ زَمانٍ مَفْعُولًا لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ، ولَيْسَ ظَرْفًا.

والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَمَن أُوتِيَ﴾ لِلتَّفْرِيعِ؛ لِأنَّ فِعْلَ اذْكُرِ المُقَدَّرَ يَقْتَضِي أمْرًا عَظِيمًا مُجْمَلًا فَوَقَعَ تَفْضِيلُهُ بِذِكْرِ الفاءِ، وما بَعْدَها، فَإنَّ التَّفْصِيلَ يَتَفَرَّعُ عَلى الإجْمالِ.

وإمّا أنْ تَكُونَ فَتْحَتُهُ فَتْحَةَ بِناءٍ لْإضافَتِهِ اسْمَ الزَّمانِ إلى الفِعْلِ، وهو إمّا في مَحَلِّ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ جُمْلَةُ ﴿فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾، وزِيدَتِ الفاءُ في الخَبَرِ عَلى رَأْيِ الأخْفَشِ، وقَدْ حَكى ابْنُ هِشامٍ عَنِ ابْنِ بَرْهانٍ أنَّ الفاءَ تَزْدادُ في الخَبَرِ عِنْدَ جَمِيعِ البَصْرِيِّينَ ما عَدا سِيبَوَيْهِ، وإمّا ظَرْفٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ التَّقْسِيمُ الَّذِي بَعْدَهُ، أعْنِي قَوْلَهُ ﴿فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾

صفحة ١٦٨

إلى قَوْلِهِ ﴿وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ وتَقْدِيرُ المَحْذُوفِ: تَتَفاوَتُ النّاسُ وتَتَغابَنُ، وبَيْنَ تَفْصِيلِ ذَلِكَ المَحْذُوفِ بِالتَّفْرِيعِ بِقَوْلِهِ فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ إلَخْ.

والإمامُ: ما يُؤْتَمُّ بِهِ، أيْ يُعْمَلُ عَلى مِثْلِ عَمَلِهِ أوْ سِيرَتِهِ. والمُرادُ بِهِ هُنا مُبَيِّنُ الدِّينِ مِن دِينِ حَقٍّ لِلْأُمَمِ المُؤْمِنَةِ، ومِن دِينِ كُفْرٍ، وباطِلٍ لِلْأُمَمِ الضّالَّةِ.

ومَعْنى دُعاءِ النّاسِ أنْ يُدْعى يا أُمَّةَ فُلانٍ ويا أتْباعَ فُلانٍ، مِثْلُ: يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، يا أُمَّةَ مُوسى، يا أُمَّةَ عِيسى، ومِثْلُ: يا أُمَّةَ زُرادَشْتَ، ويا أُمَّةَ بَرْهَما، ويا أُمَّةَ بُوذا، ومِثْلُ: يا عَبَدَةَ العُزّى، يا عَبَدَةَ بَعْلَ، يا عَبَدَةَ نَسْرٍ.

والباءُ لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ نَدْعُو لِأنَّهُ يَتَعَدّى بِالباءِ، يُقالُ: دَعَوْتُهُ بِكُنْيَتِهِ وتَداعَوْا بِشِعارِهِمْ.

وفائِدَةُ نِدائِهِمْ بِمَتْبُوعِيهِمُ التَّعَجُّلُ بِالمَسَرَّةِ؛ لِاتِّباعِ الهُداةِ وبِالمَساءَةِ لِاتِّباعِ الغُواةِ؛ لِأنَّهم إذا دَعَوْا بِذَلِكَ رَأوْا مَتْبُوعِيهِمْ في المَقاماتِ المُناسِبَةِ لَهم فَعَلِمُوا مَصِيرَهم.

وفُرِّعَ عَلى هَذا قَوْلُهُ ﴿فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ تَفْرِيعَ التَّفْصِيلِ لِما أجْمَلَهُ قَوْلُهُ: (﴿نَدْعُو كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾) . أي ومِنَ النّاسِ مَن يُؤْتى كِتابَهُ، أيْ كِتابَ أعْمالِهِ بِيَمِينِهِ.

وقَوْلُهُ فَمَن أُوتِيَ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ: (﴿نَدْعُو كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾) . أيْ فَيُؤْتَوْنَ كُتُبَهم، أيْ صَحائِفَ أعْمالِهِمْ.

وإيتاءُ الكِتابِ بِاليَمِينِ إلْهامُ صاحِبِهِ إلى تَناوُلِهِ بِاليَمِينِ، وتِلْكَ عَلامَةُ عِنايَةٍ بِالمَأْخُوذِ؛ لِأنَّ اليَمِينَ يَأْخُذُ بِها مَن يَعْزِمُ عَمَلًا عَظِيمًا قالَ تَعالى لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ، وقالَ النَّبِيءُ ﷺ: «مَن تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ مِن كَسْبٍ طَيِّبٍ ولا يَقْبَلُ اللَّهُ إلّا طَيِّبًا تَلَقّاها الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ وكِلْتا يَدَيْهِ يَمِينٌ» . . . إلَخْ، وقالَ الشَّمّاخُ:

صفحة ١٦٩

إذا ما رايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ تَلَقّاها عَرابَةُ بِاليَمِينِ

وأمّا أهْلُ الشَّقاوَةِ فَيُؤْتَوْنَ كُتُبَهم بِشَمائِلِهِمْ، كَما في آيَةِ الحاقَّةِ ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥] .

والإتْيانُ بِاسْمِ الإشارَةِ بَعْدَ فاءِ جَوابِ (أمّا)؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم دُونَ غَيْرِهِمْ يَقْرَءُونَ كِتابَهم؛ لِأنَّ في اطِّلاعِهِمْ عَلى ما فِيهِ مِن فِعْلِ الخَيْرِ والجَزاءِ عَلَيْهِ مَسَرَّةً لَهم ونَعِيمًا بِتَذَكُّرِ ومَعْرِفَةِ ثَوابِهِ، وذَلِكَ شَأْنُ كُلِّ صَحِيفَةٍ تَشْتَمِلُ عَلى ما يَسُرُّ وعَلى تَذَكُّرِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، كَما يُطالِعُ المَرْءُ أخْبارَ سَلامَةِ أحِبّائِهِ وأصْدِقائِهِ ورَفاهَةِ حالِهِمْ، فَتَوَفُّرُ الرَّغْبَةِ في قِراءَةِ أمْثالِ هَذِهِ الكُتُبِ شِنْشِنَةٌ مَعْرُوفَةٌ.

وأمّا الفَرِيقُ الآخَرُ فَسَكَتَ عَنْ قِراءَةِ كِتابِهِمْ هُنا، ووَرَدَ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها في هَذِهِ السُّورَةِ ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٣]، والظُّلْمُ مُسْتَعْمَلٌ هُنا بِمَعْنى النَّقْصِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣]؛ لِأنَّ غالِبَ الظُّلْمِ يَكُونُ بِانْتِزاعِ بَعْضِ ما عِنْدَ المَظْلُومِ، فَلَزِمَهُ النُّقْصانُ فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ مَجازًا مُرْسَلًا، ويُفْهَمُ مِن هَذا أنَّ ما يُعْطاهُ مِنَ الجَزاءِ مِمّا يَرْغَبُ النّاسُ في ازْدِيادِهِ.

والفَتِيلُ: شِبْهُ الخَيْطِ تَكُونُ في شَقِّ النَّواةِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا في سُورَةِ النِّساءِ، وهو مَثَلٌ لِلشَّيْءِ الحَقِيرِ التّافِهِ، أيْ لا يَنْقُصُونَ شَيْئًا، ولَوْ قَلِيلًا جِدًّا.

وعَطْفُ ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى عَطْفُ القَسِيمِ عَلى قَسِيمِهِ فَهو في حَيِّزِ (أمّا) التَّفْصِيلِيَّةِ، والتَّقْدِيرُ: وأمّا ﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى﴾ ولَمّا كانَ القَسِيمُ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ هم مَن أُوتُوا كِتابَهم بِاليَمِينِ عُلِمَ أنَّ المَعْطُوفَ بِضِدِّ ذَلِكَ يُؤْتى

صفحة ١٧٠

كِتابَهُ بِالشَّمالِ فاسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِ ذَلِكَ، وأُتِيَ لَهُ بِصِلَةٍ أُخْرى وهي كَوْنُهُ أعْمى حُكْمًا آخَرَ مِن أحْوالِهِ الفَظِيعَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ.

والإشارَةُ بِ هَذِهِ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ وهو الدُّنْيا، ولَهُ نَظائِرُ في القُرْآنِ، والمُرادُ بِالعَمى في الدُّنْيا الضَّلالَةُ في الدِّينِ، أُطْلِقَ عَلَيْها العَمى عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ.

والمُرادُ بِالعَمى في الآخِرَةِ ما يَنْشَأُ عَنِ العَمى مِنَ الحَيْرَةِ واضْطِرابِ البالِ، فالأعْمى أيْضًا مُسْتَعارٌ لِمُشابِهِ الأعْمى بِإحْدى العَلاقَتَيْنِ.

ووَصْفُ أعْمى في المَرَّتَيْنِ مُرادٌ بِهِ مُجَرَّدُ الوَصْفِ لا التَّفْضِيلُ، ولَمّا كانَ وجْهُ الشَّبَهِ في أحْوالِ الكافِرِ في الآخِرَةِ أقْوى مِنهُ في حالِهِ في الدُّنْيا أُشِيرَ إلى شِدَّةِ تِلْكَ الحالَةِ بِقَوْلِهِ وأضَلُّ سَبِيلًا القائِمِ مَقامَ صِيغَةِ التَّفْضِيلِ في العَمى لِكَوْنِ وصْفِ أعْمى غَيْرَ قابِلٍ لِأنْ يُصاغَ بِصِيغَةِ التَّفْضِيلِ؛ لِأنَّهُ جاءَ بِصِيغَةِ التَّفْضِيلِ في حالِ الوَصْفِ.

وعَدَلَ عَنْ لَفْظِ أشَدَّ ونَحْوِهِ ما يُتَوَسَّلُ بِهِ إلى التَّفْضِيلِ عِنْدَ تَعَذُّرِ اشْتِقاقِ صِيغَةِ (أفْعَلَ) لِيَتَأتّى ذِكْرُ السَّبِيلِ، لِما في الضَّلالِ عَنِ السَّبِيلِ مِن تَمْثِيلِ حالِ العَمى وإيضاحِهِ؛ لِأنَّ ضَلالَ فاقِدِ البَصَرِ عَنِ الطَّرِيقِ فَيُحالُ السَّيْرُ أشَدَّ وقْعًا في الإضْرارِ مِنهُ، وهو قابِعٌ بِمَكانِهِ، فَعَدَلَ عَنِ اللَّفْظِ الوَجِيزِ إلى التَّرْكِيبِ المُطْنِبِ لِما في الإطْنابِ مِن تَمْثِيلِ الحالِ، وإيضاحِهِ وإفْظاعِهِ، وهو إطْنابٌ بَدِيعٌ، وقَدْ أُفِيدَ بِذَلِكَ أنَّ عَماهُ في الدّارَيْنِ عَمى ضَلالٍ عَنِ السَّبِيلِ المُوَصِّلِ، ومَعْنى المُفاضَلَةِ راجِعٌ إلى مُفاضَلَةِ إحْدى حالَتَيْهِ عَلى الأُخْرى في الضَّلالِ وأثَرِهِ لا إلى حالِ غَيْرِهِ، فالمَعْنى: وأضَلُّ سَبِيلًا مِنهُ في الدُّنْيا.

ووَجْهُ كَوْنِ ضَلالِهِ في الآخِرَةِ أشَدَّ: أنَّ ضَلالَهُ في الدُّنْيا كانَ في مُكْنَتِهِ أنْ يَنْجُوَ مِنهُ بِطَلَبِ ما يُرْشِدُهُ إلى السَّبِيلِ المُوصِلُ مِن هَدْيِ الرَّسُولِ والقُرْآنِ مَعَ كَوْنِهِ خَلِيًّا عَنْ لَحاقِ الألَمِ بِهِ، وأمّا ضَلالُهُ في الآخِرَةِ فَهو ضَلالٌ لا خَلاصَ مِنهُ، وهو مُقارِنٌ لِلْعَذابِ الدّائِمِ، فَلا جَرَمَ كانَ ضَلالُهُ في الآخِرَةِ أدْخَلَ في حَقِيقَةِ الضَّلالِ وماهِيَّتِهِ.

17:73Page 289

وَإِن كَادُواْ لَيَفۡتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ لِتَفۡتَرِيَ عَلَيۡنَا غَيۡرَهُۥۖ وَإِذٗا لَّٱتَّخَذُوكَ خَلِيلٗا ٧٣

And indeed, they were about to tempt you away from that which We revealed to you in order to [make] you invent about Us something else; and then they would have taken you as a friend.

صفحة ١٧١

﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ حِكايَةُ فَنٍّ مِن أفانِينِ ضَلالِهِمْ وعَماهم في الدُّنْيا، فالجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى﴾ [الإسراء: ٧٢]، وهو انْتِقالٌ مِن وصْفِ حالِهِمْ، وإبْطالِ مَقالِهِمْ في تَكْذِيبِ النَّبِيءِ ﷺ إلى ذِكْرِ حالٍ آخَرَ مِن حالِ مُعارَضَتِهِمْ وإعْراضِهِمْ، وهي حالُ طَمَعِهِمْ في أنْ يَسْتَنْزِلُوا النَّبِيءَ ﷺ لِأنْ يَقُولَ قَوْلًا فِيهِ حُسْنُ ذِكْرٍ لَآلِهَتِهِمْ لِيَتَنازَلُوا إلى مُصالَحَتِهِ ومُوافَقَتِهِ إذا وافَقَهم في بَعْضِ ما سَألُوهُ.

وضَمائِرُ الغَيْبَةِ مُرادٌ مِنها كُفّارُ قُرَيْشٍ، أيْ مُتَوَلُّو تَدْبِيرِ أُمُورِهِمْ. وغَيْرُ الأُسْلُوبِ مِن خِطابِهِمْ في آياتِ ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ﴾ [الإسراء: ٦٦] إلى الإقْبالِ عَلى خِطابِ النَّبِيءِ ﷺ لِتَغَيُّرِ المَقامِ مِن مَقامِ اسْتِدْلالٍ إلى مَقامِ امْتِنانٍ.

والفَتْنُ والفُتُونُ: مُعامَلَةٌ يَلْحَقُ مِنها ضُرُّ واضْطِرابُ النَّفْسِ في أنْواعٍ مِنَ المُعامَلَةِ يَعْسُرُ دَفْعُها، مِن تَغَلُّبٍ عَلى القُوَّةِ وعَلى الفِكْرِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وعُدِّيَ يَفْتِنُونَكَ بِحَرْفِ (عَنْ) لِتَضْمِينِهِ مَعْنى فِعْلٍ كانَ الفَتْنُ لِأجْلِهِ، وهو ما فِيهِ مَعْنى يَصْرِفُونَكَ.

والَّذِي أُوحِيَ إلَيْهِ هو القُرْآنُ.

هَذا هو الوَجْهُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ بِما تُعْطِيهِ مَعانِي تَراكِيبِها مَعَ مُلاحَظَةِ ما تَقْتَضِيهِ أدِلَّةُ عِصْمَةِ الرَّسُولِ ﷺ مِن أنْ تَتَطَرَّقَ إلَيْهِ خَواطِرُ إجابَةِ المُشْرِكِينَ لِما يَطْمَعُونَ.

صفحة ١٧٢

ولِلْمُفَسِّرِينَ بِضْعَةُ مَحامِلَ أُخْرى لِهَذِهِ الآيَةِ اسْتَقْصاها القُرْطُبِيُّ، فَمِنها ما لَيْسَ لَهُ حَظٌّ مِنَ القَبُولِ؛ لِوَهَنِ سَنَدِهِ، وعَدَمِ انْطِباقِهِ عَلى مَعانِي الآيَةِ، ومِنها ما هو ضَعِيفُ السَّنَدِ، وتَتَحَمَّلُهُ الآيَةُ بِتَكَلُّفٍ، ومَرْجِعُ ذَلِكَ إلى أنَّ المُشْرِكِينَ راوَدُوا النَّبِيءَ ﷺ أنْ لا يُسَوِّيَهم مَعَ مَن يَعُدُّونَهم مُنْحَطِّينَ عَنْهم مِنَ المُؤْمِنِينَ المُسْتَضْعَفِينَ عِنْدَهم مِثْلِ: بِلالٍ، وعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وخَبّابٍ، وصُهَيْبٍ، وأنَّهم وعَدُوا النَّبِيءَ إنْ هو فَعَلَ ذَلِكَ بِأنْ يَجْلِسُوا إلَيْهِ، ويَسْتَمِعُوا القُرْآنَ حِين لا يَكُونُ فِيهِ تَنْقِيصُ آلِهَتِهِمْ، وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ هَمَّ بِأنْ يُظْهِرَ لَهم بَعْضَ اللِّينِ؛ رَغْبَةً في إقْبالِهِمْ عَلى سَماعِ القُرْآنِ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ، فَيَكُونُ المُرادُ مِنَ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ بَعْضَ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ، وهو ما فِيهِ فَضْلُ المُؤْمِنِينَ مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ [الأنعام: ٥٢] الآيَةَ، أوْ ما فِيهِ تَنْقِيضُ الأصْنامِ.

وسِماتُ التَّخَرُّصِ وضِيقِ العَطَنِ في مَعْنى الآيَةِ بِحاقِّ ألْفاظِها بادِيَةٌ عَلى جَمِيعِ هاتِهِ الأخْبارِ، وإذْ قَدْ مُلِئَتْ بِها كُتُبُ التَّفْسِيرِ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن تَأْوِيلِ الآيَةِ بِأمْثَلِ ما يُناسِبُ تِلْكَ الأخْبارَ؛ لِئَلّا تَكُونَ فِتْنَةً لِلنّاظِرِينَ فَنَقُولُ: إنَّ رَغْبَةَ النَّبِيءِ ﷺ في اقْتِرابِهِمْ مِنَ الإسْلامِ، وفي تَأْمِينِ المُسْلِمِينَ، أجالَتْ في خاطِرِهِ أنْ يُجِيبَهم إلى بَعْضِ ما دَعَوْهُ إلَيْهِ مِمّا يَرْجِعُ إلى تَخْفِيفِ الإغْلاظِ عَلَيْهِمْ أوْ إنْظارِهِمْ، أوْ إرْضاءِ بَعْضِ أصْحابِهِ بِالتَّخَلِّي عَنْ مَجْلِسِهِ حِينَ يَحْضُرُهُ صَنادِيدُ المُشْرِكِينَ، وهو يَعْلَمُ أنَّهم يُنْتَدَبُونَ إلى ذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ الدِّينِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمّا فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِنَشْرِ الدِّينِ، ولَيْسَ فِيهِ فَواتُ شَيْءٍ عَلى المُسْلِمِينَ، أيْ كادُوا يَصْرِفُونَكَ عَنْ بَعْضِ ما أوْحَيْناهُ إلَيْكَ مِمّا هو مُخالِفٌ لِما سَألُوهُ.

فَبِالمَوْصُولِ في قَوْلِهِ ﴿الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ لِلْعَهْدِ لِما هو مَعْلُومٌ عِنْدَ النَّبِيءِ ﷺ بِحَسَبِ ما سَألَهُ المُشْرِكُونَ مِن مُخالَفَتِهِ، فَهَذِهِ الآيَةُ مَسُوقَةٌ مَساقَ المَنِّ عَلى النَّبِيءِ بِعِصْمَةِ اللَّهِ إيّاهُ مِنَ الخَطَأِ في الِاجْتِهادِ، ومَساقُ إظْهارِ مِلَلِ المُشْرِكِينَ مِن أمْرِ الدَّعْوَةِ الإسْلامِيَّةِ، وتَخَوُّفِهِمْ مِن عَواقِبِها، وفي ذَلِكَ تَثْبِيتٌ لِلنَّبِيءِ ولِلْمُؤْمِنِينَ، وتَأْيِيسٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِأنَّ ذَلِكَ لَنْ يَكُونَ.

صفحة ١٧٣

وقَوْلُهُ ﴿لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ يَفْتِنُونَكَ، واللّامُ لِلْعِلَّةِ، أيْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إضْمارًا مِنهم وطَمَعًا في أنْ يَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ، أيْ غَيْرَ ما أُوحِيَ إلَيْكَ، وهَذا طَمَعٌ مِنَ المُشْرِكِينَ أنْ يَسْتَدْرِجُوا النَّبِيءَ مِن سُؤالٍ إلى آخَرَ، فَهو راجِعٌ إلى نِيّاتِهِمْ، ولَيْسَ في الكَلامِ ما يَقْتَضِي أنَّ النَّبِيءَ ﷺ هَمَّ بِذَلِكَ كَما فَهِمَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، إذْ لامُ التَّعْلِيلِ لا تَقْتَضِي أكْثَرَ مِن غَرَضِ فاعِلِ الفِعْلِ المُعَلَّلِ، ولا تَقْتَضِي غَرَضَ المَفْعُولِ، ولا عِلْمَهُ.

و(إنَّ) مِن قَوْلِهِ ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ مُخَفَّفَةٌ مِن (إنَّ) المُشَدَّدَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٌ، واللّامُ في لَيَفْتِنُونَكَ هي اللّامُ الفارِقَةُ بَيْنَ (إنْ) المُخَفَّفَةِ مِنَ الثَّقِيلَةِ وبَيْنَ (إنْ) النّافِيَةِ فَلا تَقْتَضِي تَأْكِيدًا لِلْجُمْلَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿وإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ إنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ. و(إذَنْ) حَرْفُ جَزاءٍ، والنُّونُ الَّتِي بِآخِرِها نُونُ كَلِمَةٍ ولَيْسَتْ تَنْوِينَ تَمْكِينٍ فَتَكُونُ جَزاءً لِفِعْلِ يَفْتِنُونَكَ بِما مَعَهُ مِنَ المُتَعَلِّقاتِ مُقْحَمًا بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ لِتَصِيرَ واوُ العَطْفِ مَعَ (إذًا) مُفِيدَةً مَعْنى فاءِ التَّفْرِيعِ.

ووَجْهُ عَطْفِها بِالواوِ دُونَ الِاقْتِصارِ عَلى حَرْفِ الجَزاءِ؛ لِأنَّهُ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ مِن أحْوالِهِمُ الَّتِي حاوَرُوا النَّبِيءَ ﷺ فِيها، وألَحُّوا عَلَيْهِ ناسَبَ أنْ يُعْطَفَ عَلى جُمْلَةِ أحْوالِهِمْ، والتَّقْدِيرُ: فَلَوْ صَرَفُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أوْحَيْنا إلَيْكَ لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا، واللّامُ في قَوْلِهِ لاتَّخَذُوكَ اللّامُ المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ؛ لِأنَّ الكَلامَ عَلى تَقْدِيرِ الشَّرْطِ، وهو لَوْ صَرَفُوكَ عَنْ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا.

واللّامُ في قَوْلِهِ لاتَّخَذُوكَ لامُ جَوابِ (لَوْ) إذْ كانَ فِعْلًا ماضِيًا مُثْبَتًا.

والخَلِيلُ: الصَّدِيقُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] في سُورَةِ النِّساءِ.

17:74–75Page 289

وَلَوۡلَآ أَن ثَبَّتۡنَٰكَ لَقَدۡ كِدتَّ تَرۡكَنُ إِلَيۡهِمۡ شَيۡـٔٗا قَلِيلًا ٧٤

And if We had not strengthened you, you would have almost inclined to them a little.

إِذٗا لَّأَذَقۡنَٰكَ ضِعۡفَ ٱلۡحَيَوٰةِ وَضِعۡفَ ٱلۡمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيۡنَا نَصِيرٗا ٧٥

Then [if you had], We would have made you taste double [punishment in] life and double [after] death. Then you would not find for yourself against Us a helper.

صفحة ١٧٤

﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ ﴿إذًا لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا﴾

يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا كَلامًا مُسْتَقِلًّا غَيْرَ مُتَّصِلٍ بِقَوْلِهِ ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣] بِناءً عَلى ما نَحَوْناهُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ السّابِقَةِ، وهَذِهِ مِنَّةٌ أُخْرى، ومَقامٌ آخَرُ مِن مَقامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تِجاهَ المُشْرِكِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن تَكْمِلَةِ ما قَبْلَهُ فَيَكُونُ الرُّكُونُ إلَيْهِمْ رُكُونًا فِيما سَألُوهُ مِنهُ عَلى نَحْوِ ما ساقَهُ المُفَسِّرُونَ مِنَ الأخْبارِ المُتَقَدِّمَةِ.

و(لَوْلا) حَرْفُ امْتِناعٍ لِوُجُودٍ، أيْ يَقْتَضِي امْتِناعًا لِوُجُودٍ، أيْ يَقْتَضِي امْتِناعَ جَوابِهِ لِوُجُودِ شَرْطِهِ، أيْ بِسَبَبِ وُجُودِ شَرْطِهِ.

والتَّثْبِيتُ: جَعْلُ الشَّيْءِ ثابِتًا، أيْ مُتَمَكِّنًا مِن مَكانِهِ غَيْرَ مُقَلْقَلٍ ولا مَقْلُوعٍ، وهو مُسْتَعارٌ لِلْبَقاءِ عَلى حالِهِ غَيْرُ مُتَغَيِّرٍ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وعُدِّيَ التَّثْبِيتُ إلى ضَمِيرِ النَّبِيءِ الدّالِّ عَلى ذاتِهِ، والمُرادُ تَثْبِيتُ فَهْمِهِ ورَأْيِهِ، وهَذا مِنَ الحُكْمِ عَلى الذّاتِ، والمُرادُ بَعْضُ أحْوالِها بِحَسَبِ دَلالَةِ المَقامِ، مِثْلُ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فالمَعْنى: ولَوْلا أنْ ثَبَّتْنا رَأْيَكَ فَأقْرَرْناهُ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ في مُعامَلَةِ المُشْرِكِينَ لَقارَبْتَ أنْ تَرْكَنَ إلَيْهِمْ.

واللّامُ في لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لامَ جَوابِ (لَوْلا)، وهي مُلازِمَةٌ لِجَوابِها لِتَحْقِيقِ الرَّبْطِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الشَّرْطِ.

والمَعْنى عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ في مَوْقِعِ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ الرُّكُونَ مُجْمَلٌ في أشْياءَ هي مَظِنَّةُ الرُّكُونِ، ولَكِنَّ الرُّكُونَ مُنْتَفٍ مِن أصْلِهِ لِأجْلِ التَّثْبِيتِ بِالعِصْمَةِ كَما

صفحة ١٧٥

انْتَفى أنْ يَفْتِنَهُ المُشْرِكُونَ عَنِ الَّذِي أُوحِيَ إلَيْهِ بِصَرْفِ اللَّهِ إيّاهم عَنْ تَنْفِيذِ فِتْنَتِهِمْ.

والمَعْنى عَلى الوَجْهِ الثّانِي: ولَوْلا أنْ عَصَمْناكَ مِنَ الخَطَأِ في الِاجْتِهادِ، وأرَيْناكَ أنَّ مَصْلَحَةَ الشِّدَّةِ في الدِّينِ والتَّنْوِيهِ بِأتْباعِهِ ولَوْ كانُوا مِن ضُعَفاءِ أهْلِ الدُّنْيا لا تُعارِضُها مَصْلَحَةُ تَأْلِيفِ قُلُوبِ المُشْرِكِينَ، ولَوْ كانَ المُسْلِمُونَ راضِينَ بِالغَضاضَةِ مِن أنْفُسِهِمِ اسْتِئْلافًا لِلْمُشْرِكِينَ، فَإنَّ إظْهارَ الهَوادَةِ في أمْرِ الدِّينِ تُطْمِعُ المُشْرِكِينَ في التَّرَقِّي إلى سُؤالِ ما هو أبْعَدُ مَدًى مِمّا سَألُوهُ، فَمَصْلَحَةُ مُلازَمَةِ مَوْقِفِ الحَزْمِ مَعَهم أرْجَحُ مِن مَصْلَحَةِ مُلايَنَتِهِمْ ومُوافَقَتِهِمْ، أيْ فَلا فائِدَةَ مِن ذَلِكَ، ولَوْلا ذَلِكَ كُلُّهُ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ قَلِيلًا، أيْ تَمِيلُ إلَيْهِمْ، أيْ تَوَعَّدْتَهم بِالإجابَةِ إلى بَعْضِ ما سَألُوكَ اسْتِنادًا لِدَلِيلِ مَصْلَحَةٍ مَرْجُوحَةٍ واضِحَةٍ وغَفْلَةً عَنْ مَصْلَحَةٍ راجِحَةٍ خَفِيَّةٍ؛ اغْتِرارًا بِخِفَّةِ بَعْضِ ما سَألُوهُ في جانِبِ عِظَمِ ما وعَدُوا بِهِ مِن إيمانِهِمْ.

والرُّكُونُ: المَيْلُ بِالرُّكْنِ، أيْ بِالجانِبِ مِنَ الجَسَدِ، واسْتُعْمِلَ في المُوافَقَةِ بِعَلاقَةِ القُرْبِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ولا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا في سُورَةِ هُودٍ، كَما اسْتُعْمِلَ ضِدُّهُ في المُخالَفَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ﴾ [الإسراء: ٨٣] في هَذِهِ السُّورَةِ.

وانْتَصَبَ شَيْئًا عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ لِ تَرْكَنُ، أيْ شَيْئًا مِنَ الرُّكُونِ، ووَجْهُ العُدُولِ عَنْ مَصْدَرِ تَرَكْنُ طَلَبُ الخِفَّةِ؛ لِأنَّ مَصْدَرَ تَرْكَنُ وهو الرُّكُونُ فِيهِ ثِقَلٌ فَتَرْكُهُ أفْصَحُ، وإنَّما لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى قَلِيلًا؛ لِأنَّ تَنْكِيرَ شَيْئًا مُفِيدٌ التَّقْلِيلَ، فَكانَ في ذِكْرِهِ تَهْيِئَةٌ لِتَوْكِيدِ مَعْنى التَّقْلِيلِ، فَإنَّ كَلِمَةَ شَيْءٍ لِتَوَغُّلِها في إيهامِ جِنْسِ ما تُضافُ إلَيْهِ أوْ جِنْسِ المَوْجُودِ مُطْلَقًا مُفِيدَةٌ لِلتَّقْلِيلِ غالِبًا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] .

و(إذَنْ) الثّانِيَةُ جَزاءٌ لِ ﴿كِدْتَ تَرْكَنُ﴾، ولِكَوْنِها جَزاءً فُصِلَتْ عَنِ العَطْفِ إذْ لا مُقْتَضى لَهُ، فَرُكُونُ النَّبِيءِ ﷺ إلَيْهِمْ غَيْرُ

صفحة ١٧٦

واقِعٍ ولا مُقارِبٍ الوُقُوعَ؛ لِأنَّ الآيَةَ قَدْ نَفَتْهُ بِأرْبَعَةِ أُمُورٍ، وهي: لَوْلا الِامْتِناعِيَّةُ، وفِعْلُ المُقارَبَةِ المُقْتَضِي أنَّهُ ما كانَ يَقَعُ الرُّكُونُ ولَكِنْ يَقَعُ الِاقْتِرابُ مِنهُ، والتَّحْقِيرُ المُسْتَفادُ مِن شَيْئًا، والتَّقْلِيلُ المُسْتَفادُ مِن قَلِيلًا.

أيْ لَوْلا إفْهامُنا إيّاكَ وجْهَ الحَقِّ لَخَشِيَ أنْ تَقْتَرِبَ مِن رُكُونٍ ضَعِيفٍ قَلِيلٍ، ولَكِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ، ودَخَلَتْ قَدْ في حَيِّزِ الِامْتِناعِ فَأصْبَحَ تَحْقِيقُها مَعْدُومًا، أيْ لَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَتَحَقَّقَ قُرْبُ مَيْلِكَ القَلِيلِ، ولَكِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ؛ لِأنّا ثَبَّتْناكَ.

وجُمْلَةُ ﴿إذًا لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ﴾ جَزاءٌ لِجُمْلَةِ ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ﴾، والمَعْنى: لَوْ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ، ولِما في إذَنْ مِن مَعْنى الجَزاءِ اسْتُغْنِيَ عَنْ رَبْطِ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّفْرِيعِ، والمَعْنى: لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ فَلَأذَقْناكَ.

والضِّعْفُ بِكَسْرِ الضّادِ: مُماثِلٌ مِقْدارَ شَيْءٍ ذِي مِقْدارٍ، فَهو لا يَكُونُ إلّا مُبَيِّنًا بِجِنْسِهِ لَفْظًا أوْ تَقْدِيرًا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠]، أيْ ضِعْفَيْ ما أُعِدَّ لِتِلْكَ الفاحِشَةِ، ولَمّا كانَ كَذَلِكَ ساغَ إطْلاقُهُ دُونَ بَيانٍ اعْتِمادًا عَلى بَيانِ السِّياقِ كَما هُنا، فَإنَّ ذِكْرَ الإذاقَةِ في مَقامِ التَّحْذِيرِ يُنْبِئُ بِأنَّها إذاقَةُ عَذابٍ مَوْصُوفٍ بِأنَّهُ ضِعْفٌ.

ثُمَّ إنَّ الضِّعْفَ أُطْلِقَ هُنا عَلى القَوِيِّ الشَّدِيدِ؛ لِعَدَمِ حَمْلِ الضِّعْفِ عَلى حَقِيقَتِهِ إذْ لَيْسَ ثَمَّ عِلْمٌ بِمِقْدارِ العَذابِ يُرادُ تَضْعِيفُهُ كَقَوْلِهِ فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ وتَقَدَّمَ ذَلِكَ في سُورَةِ الأعْرافِ.

وإضافَةُ الضِّعْفِ إلى الحَياةِ وإلى المَماتِ عَلى مَعْنى (في)، فَإنَّ تَقْدِيرَ مَعْنى (في) بَيْنَ المُتَضايِفَيْنِ لا يَخْتَصُّ بِإضافَةِ ما يُضافُ إلى الأوْقاتِ، فالتَّقْدِيرُ: لَأذَقْناكَ ضِعْفًا في الحَياةِ، وضِعْفًا في المَماتِ، فَضِعْفُ عَذابِ الحَياةِ هو تَراكُمُ المَصائِبِ، والأرْزاءِ في مُدَّةِ الحَياةِ، أيِ العُمْرِ بِزَوالِ ما كانَ يَنالُهُ

صفحة ١٧٧

مِن بَهْجَةٍ وسُرُورٍ بِتَمامِ دَعْوَتِهِ وانْتِظامِ أُمَّتِهِ، ذَلِكَ أنْ يَتَمَكَّنَ مِنهُ أعْداؤُهُ، وعَذابُ المَماتِ أنْ يَمُوتَ مَكْمُودًا مُسْتَذَلًّا بَيْن كُفّارٍ يَرَوْنَ أنَّهم قَدْ فازُوا عَلَيْهِ بَعْدَ أنْ أشْرَفُوا عَلى السُّقُوطِ أمامَهُ.

ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿وضِعْفَ المَماتِ﴾ في اسْتِمْرارِ ضِعْفِ الحَياةِ، فَيَكُونُ المَعْنى: لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ حَتّى المَماتِ، فَلَيْسَ المُرادُ مِن ضِعْفِ المَماتِ عَذابَ الآخِرَةِ؛ لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَوْ رَكَنَ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا لَكانَ ذَلِكَ عَنِ اجْتِهادٍ، واجْتِلابًا لِمَصْلَحَةِ الدِّينِ في نَظَرِهِ، فَلا يَكُونُ عَلى الِاجْتِهادِ عِقابٌ في الآخِرَةِ إذِ العِقابُ الأُخْرَوِيُّ لا يَكُونُ إلّا عَلى مُخالَفَةٍ في التَّكْلِيفِ، وقَدْ سَوَّغَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ الِاجْتِهادَ، وجَعَلَ لِلْمُخْطِئِ في اجْتِهادِهِ أجْرًا كَما قَرَّرَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨] في سُورَةِ الأنْفالِ، وأمّا مَصائِبُ الدُّنْيا، وأرْزاؤُها فَهي مُسَبَّبَةٌ عَلى أسْبابٍ مَنِ الأغْلاطِ والأخْطاءِ فَلا يُؤَثِّرُ في التَّفادِي مِنها حُسْنُ النِّيَّةِ إنْ كانَ صاحِبُها قَدْ أخْطَأ وجْهَ الصَّوابِ، فَتَدَبَّرْ في هَذِهِ المَعانِي تَدَبُّرَ ذَوِي الألْبابِ، ولِهَذا خُولِفَ التَّعْبِيرُ المُعْتادُ اسْتِعْمالُهُ لِعَذابِ الآخِرَةِ، وعُبِّرَ هُنا بِ ﴿ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ .

وجُمْلَةُ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ لَأذَقْناكَ.

ومَوْقِعُها تَحْقِيقُ عَدَمِ الخَلاصِ مِن تِلْكَ الإذاقَةِ. و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ؛ لِأنَّ عَدَمَ الخَلاصِ مِنَ العَذابِ أهَمُّ مِن إذاقَتِهِ، فَرُتْبَتُهُ في الأهَمِّيَّةِ أرْقى، والنَّصِيرُ: النّاصِرُ المُخَلِّصُ مِنَ الغَلَبَةِ أوِ الَّذِي يَثْأرُ لِلْمَغْلُوبِ، أيْ لا تَجِدُ لِنَفْسِكَ مَن يَنْتَصِرُ لَكَ فَيَصُدُّنا عَنْ إلْحاقِ ذَلِكَ بِكَ أوْ يَثْأرُ لَكَ مِنّا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском