Ibn 'AshurAl‑Isra · 17:83–87

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:83–87

17:83Page 290

وَإِذَآ أَنۡعَمۡنَا عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ أَعۡرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ كَانَ يَـُٔوسٗا ٨٣

And when We bestow favor upon man [i.e., the disbeliever], he turns away and distances himself; and when evil touches him, he is ever despairing.

صفحة ١٩١

﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَئُوسًا﴾ لَمّا كانَ القُرْآنُ نِعْمَةً عَظِيمَةً لِلنّاسِ، وكانَ إعْراضُ المُشْرِكِينَ عَنْهُ حِرْمانًا عَظِيمًا لَهم مِن خَيْراتٍ كَثِيرَةٍ، ولَمْ يَكُنْ مِن شَأْنِ أهْلِ العُقُولِ السَّلِيمَةِ أنْ يَرْضَوْا بِالحِرْمانِ مِنَ الخَيْرِ، كانَ الإخْبارُ عَنْ زِيادَتِهِ الظّالِمِينَ خَسارًا مُسْتَغْرَبًا مِن شَأْنِهِ أنْ يُثِيرَ في نُفُوسِ السّامِعِينَ التَّساؤُلَ عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِبَيانِ السَّبَبِ النَّفْسانِيِّ الَّذِي يُوقِعُ العُقَلاءَ في مَهْواةِ هَذا الحِرْمانِ، وذَلِكَ بَعْدَ الِاشْتِغالِ بِما هو فِيهِ مِن نِعْمَةٍ هَواها وأُولِعَ بِها، وهي نِعْمَةٌ تَتَقاصَرُ عَنْ أوْجِ تِلْكَ النِّعَمِ الَّتِي حُرِمَ مِنها لَوْلا الهَوى الَّذِي عُلِّقَ بِها، والغُرُورُ الَّذِي أراهُ إيّاها قُصارى المَطْلُوبِ، وما هي إلّا إلى زَوالٍ قَرِيبٍ، كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١١] وقَوْلُهُ ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ [آل عمران: ١٩٦] .

فَهَذِهِ الجُمْلَةُ مَضْمُونُها مَقْصُودٌ بِذاتِهِ اسْتُفِيدَ بَيانُها بِوُقُوعِها عَقِبَ الَّتِي قَبْلَها.

والتَّعْرِيفُ في الإنْسانِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، وهو يُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ وهو اسْتِغْراقٌ عُرْفِيٌّ، أيْ أكْثَرُ أفْرادِ الإنْسانِ؛ لِأنَّ أكْثَرَ النّاسِ يَوْمَئِذٍ كُفّارٌ، وأكْثَرَ العَرَبِ مُشْرِكُونَ، فالمَعْنى: إذا أنْعَمْنا عَلى المُشْرِكِينَ أعْرَضُوا، وإذا مَسَّهُمُ الشَّرُّ يَئِسُوا، وهَذا مُقابِلُ حالِ أهْلِ الإيمانِ الَّذِينَ كانَ القُرْآنُ شِفاءً لِأنْفُسِهِمْ، وشُكْرُ النِّعْمَةِ مِن شِيَمِهِمْ، والصَّبْرُ عَلى الضُّرِّ مِن خُلُقِهِمْ.

والمُرادُ بِالإنْعامِ: إعْطاءُ النِّعْمَةِ، ولَيْسَ المُرادُ النِّعَمَ الكامِلَةَ مِنَ الإيمانِ والتَّوْفِيقِ، كَما في قَوْلِهِ ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]، وقَوْلِهِ ﴿مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيئِينَ والصِّدِّيقِينَ﴾ [النساء: ٦٩] .

صفحة ١٩٢

والإعْراضُ: الصَّدُّ، وضِدُّ الإقْبالِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهُمْ﴾ [النساء: ٦٣] في سُورَةِ النِّساءِ، وقَوْلِهِ ﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨] في سُورَةِ الأنْعامِ.

والنَّأْيُ: البُعْدُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٦] في سُورَةِ الأنْعامِ.

والجانِبُ: الجَنْبُ، وهو الجِهَةُ مِنَ الجَسَدِ الَّتِي فِيها اليَدُ، وهُما جانِبانِ: يَمِينٌ ويَسارٌ.

والباءُ في قَوْلِهِ بِجانِبِهِ لِلْمُصاحَبَةِ، أيْ بَعُدَ مُصاحِبًا لِجانِبِهِ، أيْ مُبْعِدًا جانِبَهُ، والبُعْدُ بِالجانِبِ تَمْثِيلُ الإجْفالِ مِنَ الشَّيْءِ، قالَ عَنْتَرَةُ:

وكَأنَّما يَنْأى بِجانِبِ دُفِّها ال وحْشِيِّ مِن هَزَجِ العَشِيِّ مُؤَوَّمٍ

فالمُفادُ مِن قَوْلِهِ ﴿ونَأى بِجانِبِهِ﴾ صَدَّ عَنِ العِبادَةِ والشُّكْرِ، وهَذا غَيْرُ المُفادِ مِن مَعْنى أعْرَضَ فَلَيْسَ تَأْكِيدًا لَهُ، فالمَعْنى: أعْرَضَ وتَباعَدَ.

وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ ﴿أعْرَضَ ونَأى﴾ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ ﴿أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ﴾، أيْ أعْرَضَ عَنّا وأجْفَلَ مِنّا، أيْ مِن عِبادَتِنا وأمْرِنا ونَهْيِنا.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ونَأى بِهَمْزَةٍ بَعْدَ النُّونِ، وألِفٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانَ وأبُو جَعْفَرٍ (وناءَ) بِألِفٍ بَعْدَ النُّونِ ثُمَّ هَمْزَةٍ، وهَذا مِنَ القَلْبِ المَكانِيِّ؛ لِأنَّ العَرَبَ قَدْ يَتَطَلَّبُونَ تَخْفِيفَ الهَمْزَةِ إذا وقَعَتْ بَعْدَ حَرْفٍ صَحِيحٍ، وبَعْدَها مَدَّةٌ فَيَقْلِبُونَ المَدَّةَ قَبْلَ الهَمْزَةِ؛ لِأنَّ وُقُوعَها بَعْدَ المَدِّ أخَفُّ، مِن ذَلِكَ قَوْلُهم: راءَ في رَأى، وقَوْلُهم: آرامٌ في أرْآمٍ، جَمْعُ رِئْمٍ، وقِيلَ: ناءَ في هَذِهِ القِراءَةِ بِمَعْنى ثَقُلَ، أيْ عَنِ الشُّكْرِ، أيْ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ﴾ [الأعراف: ١٧٦] .

صفحة ١٩٣

وجُمْلَةُ ﴿وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَئُوسًا﴾ احْتِراسٌ مِن أنْ يَتَوَهَّمَ السّامِعُ مِنَ التَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ وإذا أنْعَمْنا أنَّهُ إذا زالَتْ عَنْهُ النِّعْمَةُ صَلُحَ حالُهُ فَبَيَّنَ أنَّ حالَهُ مُلازِمٌ لِنُكْرانِ الجَمِيلِ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، فَإذا زالَتِ النِّعْمَةُ عَنْهُ لَمْ يُقْلِعْ عَنِ الشِّرْكِ والكُفْرِ ويَتُبْ إلى اللَّهِ، ولَكِنَّهُ يَيْأسُ مِنَ الخَيْرِ، ويَبْقى حَنِقًا ضَيِّقَ الصَّدْرِ لا يَعْرِفُ كَيْفَ يَتَدارَكُ أمْرَهُ.

ولا تَعارُضَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ في سُورَةِ فُصِّلَتْ ﴿وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١] كَما سَيَأْتِي هُنالِكَ.

ودَلَّ قَوْلُهُ ﴿كانَ يَئُوسًا﴾ عَلى قُوَّةِ يَأْسِهِ؛ إذْ صِيغَ لَهُ مِثالُ المُبالَغَةِ، وأُقْحِمَ مَعَهُ فِعْلُ (كانَ) الدّالُّ عَلى رُسُوخِ الفِعْلِ، تَعْجِيبًا مِن حالِهِ في وقْتِ مَسِّ الضُّرِّ إيّاهُ؛لِأنَّ حالَةَ الضُّرِّ أدْعى إلى الفِكْرَةِ في وسائِلِ دَفْعِهِ، بِخِلافِ حالَةِ الإعْراضِ في وقْتِ النِّعْمَةِ، فَإنَّها حالَةٌ لا يُسْتَغْرَبُ فِيها الِازْدِهاءُ لِما هو فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ.

17:84Page 290

قُلۡ كُلّٞ يَعۡمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِۦ فَرَبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَنۡ هُوَ أَهۡدَىٰ سَبِيلٗا ٨٤

Say, "Each works according to his manner, but your Lord is most knowing of who is best guided in way."

﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكم أعْلَمُ بِمَن هو أهْدى سَبِيلًا﴾ هَذا تَذْيِيلٌ، وهو تَنْهِيَةٌ لِلْغَرَضِ الَّذِي ابْتُدِئَ مِن قَوْلِهِ ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ [الإسراء: ٦٦] الرّاجِعِ إلى التَّذْكِيرِ بِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلى النّاسِ في خِلالِ الِاسْتِدْلالِ عَلى أنَّهُ المُتَصَرِّفُ الوَحِيدُ، وإلى التَّحْذِيرِ مِن عَواقِبِ كُفْرانِ النِّعَمِ، وإذْ قَدْ ذُكِرَ في خِلالِ ذَلِكَ فَرِيقانِ في قَوْلِهِ ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١] الآيَةَ، وقَوْلِهِ ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلّا خَسارًا﴾ [الإسراء: ٨٢] .

ولِما في كَلِمَةِ كُلٍّ مِنَ العُمُومِ كانَتِ الجُمْلَةُ تَذْيِيلًا.

صفحة ١٩٤

وتَنْوِينُ كُلٍّ تَنْوِينُ عِوَضٍ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ كُلُّ أحَدٍ مِمّا شَمِلَهُ عُمُومُ قَوْلِهِ ﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى﴾ [الإسراء: ٧٢] وقَوْلِهِ ﴿ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلّا خَسارًا﴾ [الإسراء: ٨٢] وقَوْلِهِ ﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ﴾ [الإسراء: ٨٣] .

والشّاكِلَةُ: الطَّرِيقَةُ والسِّيرَةُ الَّتِي اعْتادَها صاحِبُها، ونَشَأ عَلَيْها، وأصْلُها شاكِلَةُ الطَّرِيقِ، وهي الشُّعْبَةُ الَّتِي تَتَشَعَّبُ مِنهُ، قالَ النّابِغَةُ يَذْكُرُ ثَوْبًا يُشَبِّهُ بِهِ بُنَيّاتِ الطَّرِيقِ:

لَهُ خُلُجٌ تَهْوِي فُرادى وتَرْعَوِي إلى كُلِّ ذِي نَيِّرَيْنِ بادِي الشَّواكِلِ

وهَذا أحْسَنُ ما فُسِّرَ بِهِ الشّاكِلَةُ هُنا، وهَذِهِ الجُمْلَةُ في الآيَةِ تَجْرِي مَجْرى المَثَلِ.

وفُرِّعَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿فَرَبُّكم أعْلَمُ بِمَن هو أهْدى سَبِيلًا﴾، وهو كَلامٌ جامِعٌ لِتَعْلِيمِ النّاسِ بِعُمُومِ عِلْمِ اللَّهِ، والتَّرْغِيبِ لِلْمُؤْمِنِينَ، والإنْذارِ لِلْمُشْرِكِينَ مَعَ تَشْكِيكِهِمْ في حَقِّيَّةِ دِينِهِمْ لَعَلَّهم يَنْظُرُونَ، كَقَوْلِهِ ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى﴾ [سبإ: ٢٤] الآيَةَ.

17:85Page 290

وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِۖ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنۡ أَمۡرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِ إِلَّا قَلِيلٗا ٨٥

And they ask you, [O Muḥammad], about the soul. Say, "The soul is of the affair [i.e., concern] of my Lord. And you [i.e., mankind] have not been given of knowledge except a little."

﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ وقْعُ هَذِهِ الآيَةِ بَيْنَ الآيِ الَّتِي مَعَها يَقْتَضِي نَظْمُهُ أنَّ مَرْجِعَ ضَمِيرِ يَسْألُونَكَ هو مَرْجِعُ الضَّمائِرِ المُتَقَدِّمَةِ، فالسّائِلُونَ عَنِ الرُّوحِ هم قُرَيْشٌ، وقَدْ رَوى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَتْ قُرَيْشٌ لِيَهُودَ أعْطُونا شَيْئًا نَسْألُ هَذا الرَّجُلَ عَنْهُ، فَقالُوا: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ، قالَ: فَسَألُوهُ عَنِ الرَّوْحِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ الآيَةَ.

وظاهِرُ هَذا أنَّهم سَألُوهُ عَنِ الرُّوحِ خاصَّةً، وأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ سُؤالِهِمْ، وحِينَئِذٍ فَلا إشْكالَ في إفْرادِ هَذا السُّؤالِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ، وبِذَلِكَ

صفحة ١٩٥

يَكُونُ مَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ بَيْنَ الآياتِ الَّتِي قَبْلَها والَّتِي بَعْدَها مُسَبَّبًا عَلى نُزُولِها بَيْنَ نُزُولِ تِلْكَ الآياتِ.

واعْلَمْ أنَّهُ كانَ بَيْنَ قُرَيْشٍ وبَيْنَ أهْلِ يَثْرِبَ صِلاتٍ كَثِيرَةً مِن صِهْرٍ وتِجارَةٍ وصُحْبَةٍ، وكانَ لِكُلِّ يَثْرِبِيٍّ صاحِبٌ بِمَكَّةَ يَنْزِلُ عِنْدَهُ إذا قَدِمَ الآخَرُ بَلَدَهُ، كَما كانَ بَيْنَ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وسَعْدِ بْنِ مُعاذٍ، وقِصَّتُهُما مَذْكُورَةٌ في حَدِيثِ غَزْوَةِ بَدْرٍ مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ.

رَوى ابنُ إسْحاقَ أنَّ قُرَيْشًا بَعَثُوا النَّضْرَ بْنَ الحارِثِ، وعُقْبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ إلى أحْبارِ اليَهُودِ بِيَثْرِبَ يَسْألانِهِمْ عَنْ أمْرِ النَّبِيءِ ﷺ، فَقالَ اليَهُودُ لَهُما: سَلُوهُ عَنْ ثَلاثَةٍ، وذَكَرُوا لَهم أهْلَ الكَهْفِ وذا القَرْنَيْنِ وعَنِ الرُّوحِ كَما سَيَأْتِي في سُورَةِ الكَهْفِ، فَسَألَتْهُ قُرَيْشٌ عَنْها فَأجابَ عَنْ أهْلِ الكَهْفِ وعَنْ ذِي القَرْنَيْنِ بِما في سُورَةِ الكَهْفِ، وأجابَ عَنِ الرُّوحِ بِما في هَذِهِ السُّورَةِ.

وهَذِهِ الرِّوايَةُ تُثِيرُ إشْكالًا في وجْهِ فَصْلِ جَوابِ سُؤالِ الرُّوحِ عَنِ المَسْألَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ بِذِكْرِ جَوابِ مَسْألَةِ الرُّوحِ في سُورَةِ الإسْراءِ وهي مُتَقَدِّمَةٌ في النُّزُولِ عَلى سُورَةِ الكَهْفِ، ويَدْفَعُ الإشْكالَ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ السُّؤالُ عَنِ الرُّوحِ، وقَعَ مُنْفَرِدًا أوَّلَ مَرَّةٍ، ثُمَّ جُمِعَ مَعَ المَسْألَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ ثانِي مَرَّةٍ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ آيَةُ سُؤالِ الرُّوحِ مِمّا أُلْحِقُ بِسُورَةِ الإسْراءِ كَما سَنُبَيِّنُهُ في سُورَةِ الكَهْفِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الجَمِيعَ نَزَلَ بِمَكَّةَ، قالَ الطَّبَرِيُّ عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ نَزَلَ قَوْلُهُ ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ بِمَكَّةَ.

وأمّا ما رُوِيَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: «بَيْنَما أنا مَعَ النَّبِيءِ في حَرْثٍ بِالمَدِينَةِ إذْ مَرَّ اليَهُودُ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ، فَسَألُوهُ عَنْ الرُّوحِ فَأمْسَكَ النَّبِيءُ ﷺ فَلَمْ يَرُدَّ

صفحة ١٩٦

عَلَيْهِمْ شَيْئًا، فَعَلِمْتُ أنَّهُ يُوحى إلَيْهِ، فَقُمْتُ مَقامِي، فَلَمّا نَزَلَ الوَحْيُ قالَ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ الآيَةَ»، فالجَمْعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ المُتَقَدِّمِ: أنَّ اليَهُودَ لَمّا سَألُوا النَّبِيءَ ﷺ قَدْ ظَنَّ النَّبِيءُ أنَّهم أقْرَبُ مِن قُرَيْشٍ إلى فَهْمِ الرُّوحِ فانْتَظَرَ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ بِما يُجِيبُهم بِهِ أبْيَنَ مِمّا أجابَ بِهِ قُرَيْشًا، فَكَرَّرَ اللَّهُ تَعالى إنْزالَ الآيَةِ الَّتِي نَزَلَتْ بِمَكَّةَ أوْ أمَرَهُ أنْ يَتْلُوَها عَلَيْهِمْ؛ لِيَعْلَمَ أنَّهم وقُرَيْشًا سَواءٌ في العَجْزِ عَنْ إدْراكِ هَذِهِ الحَقِيقَةِ أوْ أنَّ الجَوابَ لا يَتَغَيَّرُ.

هَذا، والَّذِي يَتَرَجَّحُ عِنْدِي: أنَّ فِيما ذَكَرَهُ أهْلُ السِّيَرِ تَخْلِيطًا، وأنَّ قُرَيْشًا اسْتَقَوْا مِنَ اليَهُودِ شَيْئًا، ومِنَ النَّصارى شَيْئًا فَقَدْ كانَتْ لِقُرَيْشٍ مُخالَطَةٌ مَعَ نَصارى الشّامِ في رِحْلَتِهِمُ الصَّيْفِيَّةِ إلى الشّامِ؛ لِأنَّ قِصَّةَ أهْلِ الكَهْفِ لَمْ تَكُنْ مِن أُمُورِ بَنِي إسْرائِيلَ، وإنَّما هي مِن شُئُونِ النَّصارى، بِناءً عَلى أنَّ أهْلَ الكَهْفِ كانُوا نَصارى كَما سَيَأْتِي في سُورَةِ الكَهْفِ، وكَذَلِكَ قِصَّةُ ذِي القَرْنَيْنِ إنْ كانَ المُرادُ بِهِ الإسْكَنْدَرَ المَقْدُونِيَّ يَظْهَرُ أنَّها مِمّا عُنِيَ بِهِ النَّصارى؛ لِارْتِباطِ فُتُوحاتِهِ بِتارِيخِ بِلادِ الرُّومِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ اليَهُودَ ما لَقَّنُوا قُرَيْشًا إلّا السُّؤالَ عَنِ الرُّوحِ، وبِهَذا يَتَّضِحُ السَّبَبُ في إفْرادِ السُّؤالِ عَنِ الرُّوحِ في هَذِهِ السُّورَةِ، وذِكْرُ القِصَّتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ في سُورَةِ الكَهْفِ، عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَتَكَرَّرَ السُّؤالُ في مُناسَباتٍ، وذَلِكَ شَأْنُ الَّذِينَ مَعارِفُهم مَحْدُودَةٌ فَهم يُلْقُونَها في كُلِّ مَجْلِسٍ.

وسُؤالُهم عَنِ الرُّوحِ مَعْناهُ أنَّهم سَألُوهُ عَنْ بَيانِ ماهِيَّةِ ما يُعَبَّرُ عَنْهُ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ بِالرُّوحِ، والَّتِي يَعْرِفُ كُلُّ أحَدٍ بِوَجْهِ الإجْمالِ أنَّها حالَّةٌ فِيهِ.

والرُّوحُ: يُطْلَقُ عَلى المَوْجُودِ الخَفِيِّ المُنْتَشِرِ في سائِرِ الجَسَدِ الإنْسانِيِّ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ آثارُهُ مِنَ الإدْراكِ والتَّفْكِيرِ، وهو الَّذِي يَتَقَوَّمُ في الجَسَدِ الإنْسانِيِّ حِينَ يَكُونُ جَنِينًا بَعْدَ أنْ يَمْضِيَ عَلى نُزُولِ النُّطْفَةِ في الرَّحِمِ مِائَةٌ وعِشْرُونَ يَوْمًا، وهَذا الإطْلاقُ هو الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩]، وهَذا يُسَمّى أيْضًا بِالنَّفْسِ كَقَوْلِهِ ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧] .

صفحة ١٩٧

ويُطْلَقُ الرُّوحُ عَلى الكائِنِ الشَّرِيفِ المُكَوَّنِ بِأمْرٍ إلَهِيٍّ بِدُونِ سَبَبٍ اعْتِيادِيٍّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢] وقَوْلُهُ ﴿ورُوحٌ مِنهُ﴾ [النساء: ١٧١] .

ويُطْلَقُ لَفْظُ الرُّوحِ عَلى المَلَكِ الَّذِي يَنْزِلُ بِالوَحْيِ عَلى الرُّسُلِ، وهو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣] .

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في الرُّوحِ المَسْئُولِ عَنْهُ المَذْكُورِ هُنا ما هو مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ، فالجُمْهُورُ قالُوا: المَسْئُولُ عَنْهُ هو الرُّوحُ بِالمَعْنى الأوَّلِ، قالُوا: لِأنَّهُ الأمْرُ المُشْكِلُ الَّذِي لَمْ تَتَّضِحْ حَقِيقَتُهُ، وأمّا الرُّوحُ بِالمَعْنَيَيْنِ الآخَرِينَ، فَيُشْبِهُ أنْ يَكُونَ السُّؤالُ عَنْهُ سُؤالًا عَنْ مَعْنى مُصْطَلَحٍ قُرْآنِيٍّ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّ اليَهُودَ سَألُوا عَنِ الرُّوحِ بِالمَعْنى الأوَّلِ؛ لِأنَّهُ هو الوارِدُ في أوَّلِ كِتابِهِمْ، وهو سِفْرُ التَّكْوِينِ مِنَ التَّوْراةِ لِقَوْلِهِ في الإصْحاحِ الأوَّلِ (ورُوحُ اللَّهِ يَرِفُّ عَلى وجْهِ المِياهِ)، ولَيْسَ الرُّوحُ بِالمَعْنَيَيْنِ الآخَرَيْنِ بِوارِدٍ في كُتُبِهِمْ.

وعَنْ قَتادَةَ والحَسَنِ: أنَّهم سَألُوا عَنْ جِبْرِيلَ، والأصَحُّ القَوْلُ الأوَّلُ، وفي الرَّوْضِ الأُنُفِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ أجابَهم مَرَّةً، فَقالَ لَهم: هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ أوْضَحْناهُ في سُورَةِ الكَهْفِ.

وإنَّما سَألُوا عَنْ حَقِيقَةِ الرُّوحِ، وبَيانِ ماهِيَّتِها، فَإنَّها قَدْ شَغَلَتِ الفَلاسِفَةَ وحُكَماءَ المُتَشَرِّعِينَ، لِظُهُورِ أنَّ في الجَسَدِ الحَيِّ شَيْئًا زائِدًا عَلى الجِسْمِ، بِهِ يَكُونُ الإنْسانُ مُدْرِكًا، وبِزَوالِهِ يَصِيرُ الجِسْمُ مَسْلُوبَ الإرادَةِ والإدْراكِ، فَعُلِمَ بِالضَّرُورَةِ أنَّ في الجِسْمِ شَيْئًا زائِدًا عَلى الأعْضاءِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ غَيْرَ مُشاهَدٍ، إذْ قَدْ ظَهَرَ بِالتَّشْرِيحِ أنَّ جِسْمَ المَيِّتِ لَمْ يَفْقِدْ شَيْئًا مِنَ الأعْضاءِ الباطِنَةِ الَّتِي كانَتْ لَهُ في حالِ الحَياةِ.

وإذْ قَدْ كانَتْ عُقُولُ النّاسِ قاصِرَةً عَنْ فَهْمِ حَقِيقَةِ الرُّوحِ، وكَيْفِيَّةِ اتِّصالِها بِالبَدَنِ، وكَيْفِيَّةِ انْتِزاعِها مِنهُ، وفي مَصِيرِها بَعْدَ ذَلِكَ الِانْتِزاعِ، أُجِيبُوا بِأنَّ

صفحة ١٩٨

الرُّوحَ مِن أمْرِ اللَّهِ، أيْ أنَّهُ كائِنٌ عَظِيمٌ مِنَ الكائِناتِ المُشَرَّفَةِ عِنْدَ اللَّهِ، ولَكِنَّهُ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعَمَلِهِ، فَلَفْظُ أمْرٍ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُرادِفَ الشَّيْءِ، فالمَعْنى: الرُّوحُ بَعْضُ الأشْياءِ العَظِيمَةِ الَّتِي هي لِلَّهِ، فَإضافَةُ أمْرٍ إلى اسْمِ الجَلالَةِ عَلى مَعْنى لامِ الِاخْتِصاصِ، أيْ أمْرٍ اخْتُصَّ بِاللَّهِ اخْتِصاصَ عِلْمٍ.

و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ، فَيَكُونُ هَذا الإطْلاقُ كَقَوْلِهِ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢]، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ أمْرَ التَّكْوِينِ، فَإمّا أنْ يُرادَ نَفْسُ المَصْدَرِ وتَكُونَ (مِن) ابْتِدائِيَّةً كَما في قَوْلِهِ ﴿إنَّما أمْرُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]، أيِ الرَّوْحُ يَصْدُرُ عَنْ أمْرِ اللَّهِ بِتَكْوِينِهِ، أوْ يُرادُ بِالمَصْدَرِ مَعْنى المَفْعُولِ مِثْلُ الخَلْقِ و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ، أيِ الرَّوْحُ بَعْضُ مَأْمُوراتِ اللَّهِ فَيَكُونُ المُرادُ بِالرُّوحِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أيِ الرَّوْحُ مِنَ المَخْلُوقاتِ الَّذِينَ يَأْمُرُهُمُ اللَّهُ بِتَبْلِيغِ الوَحْيِ، وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ لَمْ تَكُنِ الآيَةُ جَوابًا عَنْ سُؤالِهِمْ.

ورَوى ابْنُ العَرَبِيِّ في الأحْكامِ عَنِ ابْنِ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ قالَ: لَمْ يَأْتِهِ في ذَلِكَ جَوابٌ اهـ، أيْ أنَّ قَوْلَهُ ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ لَيْسَ جَوابًا بِبَيانِ ما سَألُوا عَنْهُ، ولَكِنَّهُ صَرْفٌ عَنِ اسْتِعْلامِهِ، وإعْلامٌ لَهم بِأنَّ هَذا مِنَ العِلْمِ الَّذِي لَمْ يُؤْتَوْهُ، والِاحْتِمالاتُ كُلُّها مُرادَةٌ، وهي كَلِمَةٌ جامِعَةٌ، وفِيها رَمْزٌ إلى تَعْرِيفِ الرُّوحِ تَعْرِيفًا بِالجِنْسِ، وهو رَسْمٌ.

وجُمْلَةُ ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِمّا أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يَقُولَهُ لِلسّائِلِينَ؛ فَيَكُونُ الخِطابُ لِقُرَيْشٍ أوْ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ لَقَّنُوهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَذْيِيلًا أوِ اعْتِراضًا فَيَكُونُ الخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ، والمُخاطَبُونَ مُتَفاوِتُونَ في القَلِيلِ المُسْتَثْنى مِنَ المُؤْتى مِنَ العِلْمِ، وأنْ يَكُونَ خِطابًا لِلْمُسْلِمِينَ.

والمُرادُ بِالعِلْمِ هُنا المَعْلُومُ، أيْ ما شَأْنُهُ أنْ يُعْلَمَ أوْ مِن مَعْلُوماتِ اللَّهِ، ووَصْفُهُ بِالقَلِيلِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُعْلَمَ مِنَ المَوْجُوداتِ، والحَقائِقِ.

وفِي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ قالُوا أيِ اليَهُودُ: أُوتِينا عِلْمًا كَثِيرًا التَّوْراةَ

صفحة ١٩٩

ومَن أُوتِيَ التَّوْراةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا، فَأُنْزِلَتْ ﴿قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩] الآيَةَ.

وأوْضَحُ مِن هَذا ما رَواهُ الطَّبَرِيُّ «عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ قالَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾، فَلَمّا هاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المَدِينَةِ أتاهُ أحْبارُ يَهُودَ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ ألَمْ يَبْلُغْنا أنَّكَ تَقُولُ ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾، أفَعَنَيْتَنا أمْ قَوْمَكَ ؟ قالَ: كُلًّا قَدْ عَنَيْتُ، قالُوا: فَإنَّكَ تَتْلُو أنّا أُوتِينا التَّوْراةَ، وفِيها تِبْيانُ كُلِّ شَيْءٍ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: هي في عِلْمِ اللَّهِ قَلِيلٌ، وقَدْ آتاكم ما إنْ عَمِلْتُمْ بِهِ انْتَفَعْتُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان»: ٢٧] .

هَذا، والَّذِينَ حاوَلُوا تَقْرِيبَ شَرْحِ ماهِيَّةِ الرُّوحِ مِنَ الفَلاسِفَةِ والمُتَشَرِّعِينَ بِواسِطَةِ القَوْلِ الشّارِحِ لَمْ يَأْتُوا إلّا بِرُسُومٍ ناقِصَةٍ، مَأْخُوذَةٌ فِيها الأجْناسُ البَعِيدَةُ والخَواصُّ التَّقْرِيبِيَّةُ غَيْرُ المُنْضَبِطَةِ، وتَحْكِيمُ الآثارِ الَّتِي بَعْضُها حَقِيقِيٌّ وبَعْضُها خَيالِيٌّ، وكُلُّها مُتَفاوِتَةٌ في القُرْبِ مِن شَرْحِ خاصّاتِهِ، وأماراتِهِ بِحَسَبِ تَفاوُتِ تَصَوُّراتِهِمْ لِماهِيَّتِهِ المَبْنِيّاتِ عَلى تَفاوُتِ قُوى مَدارِكِهِمْ، وكُلُّها لا تَعْدُو أنْ تَكُونَ رُسُومًا خَيالِيَّةً، وشِعْرِيَّةً مُعَبِّرَةً عَنْ آثارِ الرُّوحِ في الإنْسانِ.

وإذْ قَدْ جَرى ذِكْرُ الرُّوحِ في هَذِهِ الآيَةِ وصُرِفَ السّائِلُونَ عَنْ مُرادِهِمْ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ اقْتَضاهُ حالُهم، وحالُ زَمانِهِمْ ومَكانِهِمْ، فَما عَلَيْنا أنْ نَتَعَرَّضَ لِمُحاوَلَةِ تَعَرُّفِ حَقِيقَةِ الرُّوحِ بِوَجْهِ الإجْمالِ، فَقَدْ تَهَيَّأ لِأهْلِ العِلْمِ مِن وسائِلِ المَعْرِفَةِ ما تَغَيَّرَتْ بِهِ الحالَةُ الَّتِي اقْتَضَتْ صَرْفَ السّائِلِينَ في هَذِهِ الآيَةِ - بَعْضَ التَّغَيُّرِ، وقَدْ تَتَوَفَّرُ تَغَيُّراتٌ في المُسْتَقْبَلِ تَزِيدُ أهْلَ العِلْمِ؛ اسْتِعْدادًا لِتَجَلِّي بَعْضِ ماهِيَّةِ الرُّوحِ، فَلِذَلِكَ لا نُجارِي الَّذِينَ قالُوا: إنَّ حَقِيقَةَ الرُّوحِ يَجِبُ الإمْساكُ عَنْ بَيانِها؛ لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ أمْسَكَ عَنْها فَلا يَنْبَغِي الخَوْضُ في شَأْنِ الرُّوحِ بِأكْثَرَ مِن كَوْنِها مَوْجُودَةً، فَقَدْ رَأى جُمْهُورُ العُلَماءِ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ

صفحة ٢٠٠

والفُقَهاءِ، مِنهم أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ في العَواصِمِ، والنَّوَوِيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لا تَصُدُّ العُلَماءَ عَنِ البَحْثِ عَنِ الرُّوحِ؛ لِأنَّها نَزَلَتْ لِطائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ اليَهُودِ، ولَمْ يُقْصَدْ بِها المُسْلِمُونَ، فَقالَ جُمْهُورُ المُتَكَلِّمِينَ: إنَّها مِنَ الجَواهِرِ المُجَرَّدَةِ، وهو غَيْرُ بَعِيدٍ عَنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ: هي مِنَ الأجْسامِ اللَّطِيفَةِ، والأرْواحُ حادِثَةٌ عِنْدَ المُتَكَلِّمِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ، وهو قَوْلُ أرِسْطالِيسَ، وقالَ قُدَماءُ الفَلاسِفَةِ: هي قَدِيمَةٌ، وذَلِكَ قَرِيبٌ مِن مُرادِهِمْ في القَوْلِ بِقِدَمِ العالَمِ، ومَعْنى كَوْنِها حادِثَةً أنَّها مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى، فَقِيلَ: الأرْواحُ مَخْلُوقَةٌ قَبْلَ خَلْقِ الأبْدانِ الَّتِي تُنْفَخُ فِيها، وهو الأصَحُّ الجارِي عَلى ظَواهِرِ كَلامِ النَّبِيءِ ﷺ فَهي مَوْجُودَةٌ مِنَ الأزَلِ كَوُجُودِ المَلائِكَةِ والشَّياطِينِ، وقِيلَ: تُخْلَقُ عِنْدَ إرادَةِ إيجادِ الحَياةِ في البَدَنِ الَّذِي تُوضَعُ فِيهِ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّ الأرْواحَ باقِيَةٌ بَعْدَ فَناءِ أجْسادِها وأنَّها تَحْضُرُ يَوْمَ الحِسابِ.

17:86–87Page 290

وَلَئِن شِئۡنَا لَنَذۡهَبَنَّ بِٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِۦ عَلَيۡنَا وَكِيلًا ٨٦

And if We willed, We could surely do away with that which We revealed to you. Then you would not find for yourself concerning it an advocate against Us.

إِلَّا رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ إِنَّ فَضۡلَهُۥ كَانَ عَلَيۡكَ كَبِيرٗا ٨٧

Except [We have left it with you] as a mercy from your Lord. Indeed, His favor upon you has ever been great.

﴿ولَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلًا﴾ ﴿إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾

هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ﴾ [الإسراء: ٨٢] الآيَةَ أفْضَتْ إلَيْهِ المُناسَبَةُ فَإنَّهُ لَمّا تَضَمَّنَ قَوْلُهُ ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] تَلْقِينَ كَلِمَةِ عِلْمٍ جامِعَةٍ، وتَضَمَّنَ أنَّ الأُمَّةَ أُوتِيَتْ عِلْمًا ومُنِعَتْ عِلْمًا، وأنَّ عِلْمَ النُّبُوءَةِ مِن أعْظَمِ ما أُوتِيَتْهُ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِالتَّنْبِيهِ إلى الشُّكْرِ عَلى نِعْمَةِ العِلْمِ؛ دَفْعًا لِغُرُورِ النَّفْسِ؛ لِأنَّ العِلْمَ بِالأشْياءِ يُكْسِبُها إعْجابًا بِتَمَيُّزِها عَمَّنْ دُونَها فِيهِ، فَأُوقِظَتْ إلى أنَّ الَّذِي مَنَحَ العِلْمَ قادِرٌ عَلى سَلْبِهِ، وخُوطِبَ بِذَلِكَ النَّبِيءُ ﷺ؛ لِأنَّ عِلْمَهُ أعْظَمُ عِلْمٍ، فَإذا كانَ وُجُودُ عِلْمِهِ خاضِعًا لِمَشِيئَةِ اللَّهِ فَما الظَّنُّ بِعِلْمِ غَيْرِهِ ؟ تَعْرِيضًا لِبَقِيَّةِ العُلَماءِ، فالكَلامُ صَرِيحُهُ تَحْذِيرٌ، وهو كِنايَةٌ عَنِ

صفحة ٢٠١

الِامْتِنانِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ وتَعْرِيضٌ بِتَحْذِيرِ أهْلِ العِلْمِ، واللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ المَحْذُوفِ قَبْلَ الشَّرْطِ، وجُمْلَةُ ﴿لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ جَوابُ القَسَمِ، وهو دَلِيلُ جَوابِ الشَّرْطِ ومُغْنٍ عَنْهُ.

و﴿لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا﴾ بِمَعْنى لَنُذْهِبَنَّهُ، أيْ عَنْكَ، وهو أبْلَغُ مِن (نُذْهِبُهُ) كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١]، وماصَدَقَ المَوْصُولِ القُرْآنُ.

و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ؛ لِأنَّ نَفْيَ الطَّمَعِ في اسْتِرْجاعِ المَسْلُوبِ أشَدُّ عَلى النَّفْسِ مِن سَلْبِهِ، فَذِكْرُهُ أدْخَلُ في التَّنْبِيهِ عَلى الشُّكْرِ والتَّحْذِيرِ مِنَ الغُرُورِ.

والوَكِيلُ: مَن يُوكَلُ إلَيْهِ المُهِمُّ، والمُرادُ بِهِ هُنا المُدافِعُ عَنْكَ والشَّفِيعُ لَكُ، ولِما فِيهِ مِن مَعْنى الغَلَبَةِ عُدِّيَ بِـ (عَلى)، ولِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّعَهُّدِ والمُطالَبَةِ عُدِّيَ إلى المَرْدُودِ بِالباءِ، أيْ مُتَعَهِّدًا بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ، ومَعْنى التَّعَهُّدِ بِهِ: التَّعَهُّدُ بِاسْتِرْجاعِهِ؛ لِأنَّهُ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ ﴿لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾، ولِأنَّ التَّعَهُّدَ لا يَكُونُ بِذاتِ شَيْءٍ، بَلْ بِحالٍ مِن أحْوالِهِ فَجَرى الكَلامُ عَلى الإيجازِ.

وذَكَرَ هُنا ”وكَيْلًا“ وفي الآيَةِ قَبْلَها ”نَصِيرًا“؛ لِأنَّ مَعْنى هَذِهِ عَلى فَرْضِ سَلْبِ نِعْمَةِ الِاصْطِفاءِ، فالمُطالَبَةُ بِإرْجاعِ النِّعْمَةِ شَفاعَةٌ، ووَكالَةٌ عَنْهُ، وأمّا الآيَةُ قَبْلَها فَهي في فَرْضِ إلْحاقِ عُقُوبَةٍ بِهِ، فَمُدافِعَةُ تِلْكَ العُقُوبَةِ أوِ الثَّأْرِ بِها نَصْرٌ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ ﴿إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ مُنْقَطِعٌ، فَحَرْفُ الِاسْتِثْناءِ فِيهِ بِمَعْنى الِاسْتِدْراكِ، وهو اسْتِدْراكٌ عَلى ما اقْتَضاهُ فِعْلُ الشَّرْطِ مِن تَوَقُّعِ ذَلِكَ، أيْ

صفحة ٢٠٢

لَكِنَّ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ نَفَتْ مَشِيئَةَ الذَّهابِ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ، فَهو باقٍ غَيْرُ مَذْهُوبٍ بِهِ.

وهَذا إيماءٌ إلى بَقاءِ القُرْآنِ وحِفْظِهِ، قالَ تَعالى ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .

ومَوْقِعُ ﴿إنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ لِلِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، أيْ لَكِنَّ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ مَنَعَتْ تَعَلُّقَ المَشِيئَةِ بِإذْهابِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ؛ لِأنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا فَلا يَحْرِمُكَ فَضْلَ الَّذِي أوْحاهُ إلَيْكَ، وزِيادَةُ فِعْلِ (كانَ) لِتَوْكِيدِ الجُمْلَةِ زِيادَةٌ عَلى تَوْكِيدِها بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ المُسْتَعْمَلِ في مَعْنى التَّعْلِيلِ والتَّفْرِيعِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском