Ibn 'AshurAl‑Isra · 17:97–100

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:97–100

17:97Page 292

وَمَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُمۡ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِهِۦۖ وَنَحۡشُرُهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ عُمۡيٗا وَبُكۡمٗا وَصُمّٗاۖ مَّأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ كُلَّمَا خَبَتۡ زِدۡنَٰهُمۡ سَعِيرٗا ٩٧

And whoever Allāh guides - he is the [rightly] guided; and whoever He sends astray1 - you will never find for them protectors besides Him, and We will gather them on the Day of Resurrection [fallen] on their faces - blind, dumb and deaf. Their refuge is Hell; every time it subsides, We increase [for] them blazing fire.

﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَهْوَ المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهم أوْلِياءَ مِن دُونِهِ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى﴾ [الإسراء: ٩٤] جَمْعًا بَيْنَ المانِعِ الظّاهِرِ المُعْتادِ مِنَ الهُدى، وبَيْنَ المانِعِ الحَقِيقِيِّ، وهو حِرْمانُ التَّوْفِيقِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَمَن أصَرَّ عَلى الكُفْرِ مَعَ وُضُوحِ الدَّلِيلِ

صفحة ٢١٥

لِذَوِي العُقُولِ، فَذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُوَفِّقْهُ، وأسْبابُ الحِرْمانِ غَضَبُ اللَّهِ عَلى مَن لا يُلْقِي عَقْلَهُ لِتَلَقِّي الحَقِّ، ويَتَّخِذُ هَواهُ رائِدًا لَهُ في مَواقِفِ الجِدِّ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ [الإسراء: ٩٦] ارْتِقاءً في التَّسْلِيَةِ، أيْ لا يَحْزُنْكَ عَدَمُ اهْتِدائِهِمْ، فَإنَّ اللَّهَ حَرَمَهُمُ الِاهْتِداءَ لَمّا أخَذُوا بِالعِنادِ قَبْلَ التَّدَبُّرِ في حَقِيقَةِ الرِّسالَةِ.

والمُرادُ بِالهُدى: الهُدى إلى الإيمانِ بِما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ .

والتَّعْرِيفُ في المُهْتَدِي تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّهْنِيِّ، فالمُعَرَّفُ مُساوٍ لِلنَّكِرَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَهو مُهْتَدٍ، وفائِدَةُ الإخْبارِ عَنْهُ بِأنَّهُ مُهْتَدٍ التَّوْطِئَةُ إلى ذِكْرِ مُقابِلِهِ، وهو ﴿ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهم أوْلِياءَ﴾، كَما يُقالُ: مَن عَرَفَنِي فَقَدْ عَرَفَنِي ومَن لَمْ يَعْرِفْنِي فَأنا فُلانٌ.

ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَ التَّعْرِيفَ في قَوْلِهِ ﴿فَهُوَ المُهْتَدِي﴾ تَعْرِيفَ الجِنْسِ؛ فَيُفِيدُ قَصْرَ الهِدايَةِ عَلى الَّذِي هَداهُ اللَّهُ قَصْرًا إضافِيًّا، أيْ دُونَ مَن تُرِيدُ أنْتَ هَداهُ، وأضَلَّهُ اللَّهُ، ولا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى القَصْرِ الِادِّعائِيِّ الَّذِي هو بِمَعْنى الكَمالِ؛ لِأنَّ الهُدى المُرادَ هُنا هُدًى واحِدٌ، وهو الهُدى إلى الإيمانِ.

وحُذِفَتْ ياءُ ”المُهْتَدِي“ في رَسْمِ المُصْحَفِ؛ لِأنَّهم وقَفُوا عَلَيْها بِدُونِ ياءٍ، عَلى لُغَةِ مَن يَقِفُ عَلى الِاسْمِ المَنقُوصِ غَيْرِ المُنَوَّنِ بِحَذْفِ الياءِ، وهي لُغَةٌ فَصِيحَةٌ غَيْرُ جارِيَةٍ عَلى القِياسِ، ولَكِنَّها أُوثِرَتْ مِن جِهَةِ التَّخْفِيفِ لِثِقَلِ صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مَعَ ثِقَلِ حَرْفِ العِلَّةِ في آخِرِ الكَلِمَةِ، ورُسِمَتْ بِدُونِ ياءٍ؛ لِأنَّ شَأْنَ أواخِرِ الكَلِمِ أنْ تُرْسَمَ بِمُراعاةِ حالِ الوَقْفِ، وأمّا في حالِ النُّطْقِ في الوَصْلِ فَقَرَأها نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو بِإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ وهو الوَجْهُ، ولِذَلِكَ كَتَبُوا الياءَ في مَصاحِفِهِمْ بِاللَّوْنِ الأحْمَرِ، وجَعَلُوها أدَقَّ مِن بَقِيَّةِ الحُرُوفِ المَرْسُومَةِ

صفحة ٢١٦

فِي المُصْحَفِ؛ تَفْرِقَةً بَيْنِها وبَيْنَ ما رَسَمَهُ الصَّحابَةُ كُتّابُ المُصْحَفِ، والباقُونَ حَذَفُوا الياءَ في النُّطْقِ في الوَصْلِ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، وذَلِكَ - وإنْ كانَ نادِرًا في غَيْرِ الشِّعْرِ_ إلّا أنَّ الفُصَحاءَ يُجْرُونَ الفَواصِلَ مَجْرى القَوافِي، واعْتَبَرُوا الفاصِلَةَ كُلَّ جُمْلَةٍ تَمَّ بِها الكَلامُ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ تَمْثِيلُ سِيبَوَيْهِ في كِتابَةِ الفاصِلَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِ﴾ [الفجر: ٤] وقَوْلِهِ ﴿قالَ ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ﴾ [الكهف: ٦٤]، وقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ الكَبِيرُ المُتَعالِ﴾ [الرعد: ٩] في سُورَةِ الرَّعْدِ.

والخِطابُ في ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهم أوْلِياءَ مِن دُونِهِ﴾ لِلنَّبِيءِ ﷺ؛ لِأنَّ هَذا الكَلامَ مَسُوقٌ لِتَسْلِيَتِهِ عَلى عَدَمِ اسْتِجابَتِهِمْ لَهُ، فَنَفْيُ وُجْدانِ الأوْلِياءِ كِنايَةٌ عَنْ نَفْيِ وُجُودِ الأوْلِياءِ لَهم؛ لِأنَّهم لَوْ كانُوا مَوْجُودِينَ لَوَجَدَهم هو وعَرَفَهم.

والأوْلِياءُ: الأنْصارُ، أيْ لَنْ تَجِدَ لَهم أنْصارًا يُخَلِّصُونَهم مِن جَزاءِ الضَّلالِ، وهو العَذابُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأوْلِياءُ بِمَعْنى مُتَوَلِّي شَأْنِهِمْ، أيْ لَنْ تَجِدَ لَهم مَن يُصْلِحُ حالَهم؛ فَيَنْقُلُهم مِنَ الضَّلالِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] .

وجَمْعُ (الأوْلِياءِ) بِاعْتِبارِ مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ، أيْ لَنْ تَجِدَ لِكُلِّ واحِدٍ ولِيًّا، ولا لِجَماعَتِهِ، ولِيًّا، كَما يُقالُ: رَكِبَ القَوْمُ دَوابَّهم.

ومِن دُونِهِ أيْ غَيْرِهِ.

* * *

﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا مَأْواهم جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا﴾

ذَكَرَ المَقْصُودَ مِن نَفْيِ الوَلِيِّ أوِ المَآلِ لَهُ بِذِكْرِ صُورَةِ عِقابِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ الآيَةَ.

صفحة ٢١٧

والحَشْرُ: جَمْعُ النّاسِ مِن مَواضِعَ مُتَفَرِّقَةٍ إلى مَكانٍ واحِدٍ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي مَشْيَهم عُدِّيَ الحَشْرُ بِحَرْفِ (عَلى)؛ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى (يَمْشُونَ)، وقَدْ فَهِمَ النّاسُ ذَلِكَ مِنَ الآيَةِ فَسَألُوا النَّبِيءَ ﷺ «كَيْفَ يَمْشُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ ؟ فَقالَ: إنَّ الَّذِي أمْشاهم عَلى أقْدامِهِمْ قادِرٌ عَلى أنْ يُمْشِيَهم عَلى وُجُوهِهِمْ» .

والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ الجَمْعُ بَيْنَ التَّشْوِيهِ، والتَّعْذِيبِ؛ لِأنَّ الوَجْهَ أرَقُّ تَحَمُّلًا لِصَلابَةِ الأرْضِ - مِنَ الرِّجْلِ.

وهَذا جَزاءٌ مُناسِبٌ لِلْجُرْمِ؛ لِأنَّهم رَوَّجُوا الضَّلالَةَ في صُورَةِ الحَقِّ، ووَسَمُوا الحَقَّ بِسِماتِ الضَّلالِ، فَكانَ جَزاؤُهم أنْ حُوِّلَتْ وُجُوهُهم أعْضاءَ مَشْيٍ عِوَضًا عَنِ الأرْجُلِ، ثُمَّ كانُوا ﴿عُمْيًا وبُكْمًا﴾ جَزاءَ أقْوالِهِمُ الباطِلَةِ عَلى الرَّسُولِ، وعَلى القُرْآنِ، وصُمًّا جَزاءَ امْتِناعِهِمْ مِن سَماعِ الحَقِّ، كَما قالَ تَعالى عَنْهُمْ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ [فصلت: ٥]، وقالَ عَنْهم ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى﴾ [طه: ١٢٥]، وقالَ عَنْهم ﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى﴾ [الإسراء: ٧٢] أيْ مَن كانَ أعْمى عَنِ الحَقِّ فَهو في الحَشْرِ يَكُونُ مَحْرُومًا مِن مُتْعَةِ النَّظَرِ، وهَذِهِ حالَتُهم عِنْدَ الحَشْرِ

والمَأْوى مَحَلُّ الأوْيِ، أيِ النُّزُولِ بِالمَأْوى، أيِ المَنزِلِ والمَقَرِّ.

وخَبَتِ النّارُ خُبُوًا وخَبْوًا: نَقَصَ لَهِيبُها.

والسَّعِيرُ: لَهَبُ النّارِ، وهو مُشْتَقٌّ مِن سَعْرِ النّارِ، إذا هُيِّجَ وقُودُها، وقَدْ جَرى الوَصْفُ فِيهِ عَلى التَّذْكِيرِ تَبَعًا لِتَذْكِيرِ اللَّهَبِ، والمَعْنى: زِدْناهم لَهَبًا فِيها.

وفِي قَوْلِهِ ﴿كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا﴾ إشْكالٌ؛ لِأنَّ نارَ جَهَنَّمَ لا تَخْبُو، وقَدْ قالَ تَعالى ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ﴾ [البقرة: ٨٦]، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الكَفَرَةَ وقُودٌ لِلنّارِ قالَ تَعالى ﴿وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] فَإذا أحْرَقَتْهُمُ النّارُ زالَ اللَّهَبُ الَّذِي كانَ مُتَصاعِدًا مِن أجْسامِهِمْ، فَلا يَلْبَثُونَ أنْ يُعادَوْا كَما كانُوا فَيَعُودَ الِالتِهابُ لَهم.

صفحة ٢١٨

فالخَبْوُ وازْدِيادُ الِاشْتِعالِ بِالنِّسْبَةِ إلى أجْسادِهِمْ لا في أصْلِ نارِ جَهَنَّمَ، ولِهَذِهِ النُّكْتَةِ سُلِّطَ فِعْلُ زِدْناهم عَلى ضَمِيرِ المُشْرِكِينَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ازْدِيادَ السَّعِيرِ كانَ فِيهِمْ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: كُلَّما خَبَتْ فِيهِمْ زِدْناهم سَعِيرًا، ولَمْ يُقَلْ: زِدْناها سَعِيرًا.

وعِنْدِي: أنَّ مَعْنى الآيَةِ جارٍ عَلى طَرِيقِ التَّهَكُّمِ، وبادِئِ الإطْماعِ المُسْفِرِ عَنْ خَيْبَةٍ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ ازْدِيادَ السَّعِيرِ مُقْتَرِنًا بِكُلِّ زَمانٍ مِن أزْمِنَةِ الخَبْوِ، كَما تُفِيدُهُ كَلِمَةُ (كُلَّما) الَّتِي هي بِمَعْنى كُلِّ زَمانٍ، وهَذا في ظاهِرِهِ إطْماعٌ بِحُصُولِ خَبْوٍ؛ لِوُرُودِ لَفْظِ الخَبْوِ في الظّاهِرِ، ولَكِنَّهُ يَئُولُ إلى يَأْسٍ مِنهُ، إذْ يَدُلُّ عَلى دَوامِ سَعِيرِها في كُلِّ الأزْمانِ؛ لِاقْتِرانِ ازْدِيادِ سَعِيرِها بِكُلِّ أزْمانِ خَبْوِها، فَهَذا الكَلامُ مِن قَبِيلِ التَّمْلِيحِ، وهو مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]، وقَوْلُ إياسٍ القاضِي لِلْخَصْمِ الَّذِي سَألَهُ: عَلى مَن قَضَيْتَ ؟ فَقالَ: عَلى ابْنِ أُخْتِ خالِكَ.

17:98Page 292

ذَٰلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَقَالُوٓاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمٗا وَرُفَٰتًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ خَلۡقٗا جَدِيدًا ٩٨

That is their recompense because they disbelieved in Our verses and said, "When we are bones and crumbled particles, will we [truly] be resurrected [in] a new creation?"

﴿ذَلِكَ جَزاؤُهم بِأنَّهم كَفَرُوا بِآياتِنا وقالُوا أئِذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ .

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ؛ لِأنَّ العِقابَ الفَظِيعَ المَحْكِيَّ يُثِيرُ في نُفُوسِ السّامِعِينَ السُّؤالَ عَنْ سَبَبِ تَرَكُّبِ هَذِهِ الهَيْئَةِ مِن تِلْكَ الصُّورَةِ المُفْظِعَةِ، فالجَوابُ بِأنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ الكُفْرِ بِالآياتِ، وإنْكارِ المَعادِ.

فالإشارَةُ إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ [الإسراء: ٩٧] إلى آخِرِ الآيَةِ بِتَأْوِيلِ ”المَذْكُورُ“ .

والجَزاءُ: العِوَضُ عَنْ عَمَلٍ.

والباءُ في ﴿بِأنَّهم كَفَرُوا﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ.

صفحة ٢١٩

والظّاهِرُ أنَّ جُمْلَةَ ﴿وقالُوا أئِذا كُنّا عِظامًا﴾ إلَخْ، عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿بِأنَّهم كَفَرُوا﴾، فَذُكِرَ وجْهُ اجْتِماعِ تِلْكَ العُقُوباتِ لَهم، وذُكِرَ سَبَبانِ:

أحَدُهُما: الكُفْرُ بِالآياتِ، ويَنْدَرِجُ فِيهِ صُنُوفٌ مِنَ الجَرائِمِ تَفْصِيلًا وجَمْعًا، تُناسِبُها العُقُوبَةُ الَّتِي في قَوْلِهِ ﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ [الإسراء: ٩٧] .

وثانِيهِما: إنْكارُهُمُ البَعْثَ بِقَوْلِهِمْ ﴿أئِذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ المُناسِبُ لَهُ أنْ يُعاقَبُوا عِقابًا يُناسِبُ ما أنْكَرُوهُ مِن تَجَدُّدِ الحَياةِ بَعْدَ المَصِيرِ رُفاتًا، فَإنَّ رُفاتَ الإحْراقِ أشَدُّ اضْمِحْلالًا مِن رُفاتِ العِظامِ في التُّرابِ.

والِاسْتِفْهامُ في حِكايَةِ قَوْلِهِمْ ﴿أئِذا كُنّا عِظامًا﴾ وقَوْلِهِ ﴿أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ إنْكارِيٌّ، وتَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في إثْباتِ الهَمْزَتَيْنِ في قَوْلِهِ أإذا وفي إثْباتِها في قَوْلِهِ ﴿أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ.

17:99Page 292

۞ أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يَخۡلُقَ مِثۡلَهُمۡ وَجَعَلَ لَهُمۡ أَجَلٗا لَّا رَيۡبَ فِيهِ فَأَبَى ٱلظَّٰلِمُونَ إِلَّا كُفُورٗا ٩٩

Do they not see that Allāh, who created the heavens and earth, is [the one] Able to create the likes of them? And He has appointed for them a term, about which there is no doubt. But the wrongdoers refuse except disbelief.

﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم وجَعَلَ لَهم أجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ فَأبى الظّالِمُونَ إلّا كُفُورًا﴾ جُمْلَةُ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ذَلِكَ جَزاؤُهُمْ﴾ [الإسراء: ٩٨] بِاعْتِبارِ ما تَضَمَّنَتْهُ الجُمْلَةُ المَعْطُوفُ عَلَيْها مِنَ الرَّدْعِ عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا﴾ [الإسراء: ٩٨]، فَبَعْدَ زَجْرِهِمْ عَنْ إنْكارِهِمُ البَعْثَ بِأُسْلُوبِ التَّهْدِيدِ عَطَفَ عَلَيْهِ إبْطالَ اعْتِقادِهِمْ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ بِقِياسِ التَّمْثِيلِ في الإمْكانِ، وهو كافٍ في إقْناعِهِمْ هُنا؛ لِأنَّهم إنَّما أنْكَرُوا البَعْثَ بِاعْتِقادِ اسْتِحالَتِهِ، كَما أفْصَحَ عَنْهُ

صفحة ٢٢٠

حِكايَةً كَلامُهم بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، وإحالَتُهم ذَلِكَ مُسْتَنِدَةٌ إلى أنَّهم صارُوا عِظامًا ورُفاتًا، أيْ بِتَعَذُّرِ خَلْقِ أمْثالِ تِلْكَ الأجْزاءِ، ولَمْ يَسْتَدِلُّوا بِدَلِيلٍ آخَرَ، فَكانَ تَمْثِيلُ خَلْقِ أجْسامٍ مِن أجْزاءٍ بالِيَةٍ بِخَلْقِ أشْياءَ أعْظَمَ مِنها مِن عَدَمٍ أوْغَلَ في الفَناءِ دَلِيلًا يَقْطَعُ دَعْواهم.

والِاسْتِفْهامُ في ”أوَلَمَ يَرَوْا“ إنْكارِيٌّ مَشُوبٌ بِتَعْجِيبٍ مِنِ انْتِفاءِ عِلْمِهِمْ؛ لِأنَّهم لَمّا جَرَتْ عَقائِدُهم عَلى اسْتِبْعادِ البَعْثِ كانُوا بِحالِ مَن لَمْ تَظْهَرْ لَهُ دَلائِلُ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، فَيَئُولُ الكَلامُ إلى إثْباتِ أنَّهم عَلِمُوا ذَلِكَ في نَفْسِ الأمْرِ.

والرُّؤْيَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في الِاعْتِقادِ؛ لِأنَّها عُدِّيَتَ إلى كَوْنِ اللَّهِ قادِرًا، وذَلِكَ لَيْسَ مِنَ المُبْصَراتِ، والمَعْنى: أوَلَمَ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم ؟

وضَمِيرُ ”مِثْلَهم“ عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ”يَرَوْا“ وهو النّاسُ في قَوْلِهِ ﴿وما مَنَعَ النّاسَ﴾ [الإسراء: ٩٤] أيِ المُشْرِكِينَ.

والمِثْلُ: المُماثِلُ، أيْ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ ناسًا أمْثالَهم؛ لِأنَّ الكَلامَ في إثْباتِ إعادَةِ أجْسامِ المَرْدُودِ عَلَيْهِمْ، لا في أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ خَلْقًا آخَرَ، ويَكُونُ في الآيَةِ إيماءٌ إلى أنَّ البَعْثَ إعادَةُ أجْسامٍ أُخْرى عَنْ عَدَمٍ، فَيُخْلَقُ لِكُلِّ مَيِّتٍ جَسَدٌ جَدِيدٌ عَلى مِثالِ جَسَدِهِ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا، وتُوضَعُ فِيهِ الرُّوحُ الَّتِي كانَتْ لَهُ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَفْظُ ”مِثْلَ“ هُنا كِنايَةً عَنْ نَفْسِ ما أُضِيفَ إلَيْهِ، كَقَوْلِ العَرَبِ: مِثْلُكَ لا يَبْخَلُ، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] عَلى أحَدِ تَأْوِيلَيْنِ فِيهِ، أيْ عَلى جَعْلِ الكافِ الدّاخِلَةِ عَلى لَفْظِ ”مِثْلِهِ“ غَيْرَ زائِدَةٍ، والمَعْنى: قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَهم، أيْ أنْ يُعِيدَ خَلْقَهم، فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِأعْجَبَ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ.

ولِعُلَمائِنا طُرُقٌ في إعادَةِ الأجْسامِ عِنْدَ البَعْثِ فَقِيلَ: تَكُونُ الإعادَةُ عَنْ عَدَمٍ، وقِيلَ: تَكُونُ عَنْ جَمِيعِ ما تَفَرَّقَ مِنَ الأجْسامِ، وقِيلَ: يَنْبُتُ مِن عَجْبِ

صفحة ٢٢١

ذَنَبِ كُلِّ شَخْصٍ جَسَدٌ جَدِيدٌ مُماثِلٌ لِجَسَدِهِ، كَما تَنْبُتُ مِنَ النَّواةِ شَجَرَةٌ مُماثِلَةٌ لِلشَّجَرَةِ الَّتِي أثْمَرَتْ ثَمَرَةَ تِلْكَ النَّواةِ.

ووَصْفُ اسْمِ الجَلالَةِ بِالمَوْصُولِ؛ لِلْإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ، وهو الإنْكارُ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ أمْرٌ مُشاهَدٌ مَعْلُومٌ، وكَوْنُهُ مِن فِعْلِ اللَّهِ لا يُنازِعُونَ فِيهِ.

وجُمْلَةُ ﴿وجَعَلَ لَهم أجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ”أوْلَمَ يَرَوْا“ لِتَأْوِيلِها بِمَعْنى قَدْ رَأوْا ذَلِكَ لَوْ كانَ لَهم عُقُولٌ، أيْ تَحَقَّقُوا أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى إعادَةِ الخَلْقِ، وقَدْ جَعَلَ لَهم أجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ.

والأجْلُ: الزَّمانُ المَجْعُولُ غايَةً يُبْلَغُ إلَيْها في حالٍ مِنَ الأحْوالِ، وشاعَ إطْلاقُهُ عَلى امْتِدادِ الحَياةِ، وهو المُدَّةُ المُقَدَّرَةُ لِكُلِّ حَيٍّ بِحَسَبِ ما أوْدَعَ اللَّهُ فِيهِ مِن سَلامَةِ آلاتِ الجِسْمِ، وما عَلِمَهُ اللَّهُ مِنَ العَوارِضِ الَّتِي تَعْرِضُ لَهُ فَتَخْرِمُ بَعْضَ تِلْكَ السَّلامَةِ أوْ تُقَوِّيها.

والأجَلُ هُنا مُحْتَمِلٌ لِإرادَةِ الوَقْتِ الَّذِي جُعِلَ لِوُقُوعِ البَعْثِ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى.

ووَجْهُ كَوْنِ هَذا (الجَعْلِ) لَهم أنَّهم داخِلُونَ في ذَلِكَ الأجَلِ؛ لِأنَّهم مِن جُمْلَةِ مَن يُبْعَثُ حِينَئِذٍ، فَتَخْصِيصُهم بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ أنْكَرُوا البَعْثَ، والمَعْنى: وجَعَلَ لَهم ولِغَيْرِهِمْ أجَلًا.

ومَعْنى كَوْنِ الأجَلِ لا رَيْبَ فِيهِ: أنَّهُ لا يَنْبَغِي فِيهِ رَيْبٌ، وأنَّ رَيْبَ المُرْتابِينَ فِيهِ مُكابَرَةٌ، أوْ إعْراضٌ عَنِ النَّظَرِ، فَهو مِن بابِ قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] .

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأجَلُ أجْلَ الحَياةِ، أيْ وجُعِلَ لِحَياتِهِمْ أجَلًا، فَيَكُونَ اسْتِدْلالًا ثانِيًا عَلى البَعْثِ، أيْ: ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ جَعَلَ لَهم أجَلًا لِحَياتِهِمْ ؟ فَما أوَجَدَهم، وأحْياهم، وجَعَلَ لِحَياتِهِمْ أجَلًا إلّا لِأنَّهُ سَيُعِيدُهم إلى حَياةٍ أُخْرى،

صفحة ٢٢٢

وإلّا لَما أفْناهم بَعْدَ أنْ أحْياهم؛ لِأنَّ الحِكْمَةَ تَقْتَضِي أنَّ ما يُوجِدُهُ الحَكِيمُ يَحْرِصُ عَلى بَقائِهِ، وعَدَمِ فَنائِهِ، فَما كانَ هَذا الفَناءُ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ إلّا فَناءً عارِضًا؛ لِاسْتِقْبالِ وُجُودٍ أعْظَمَ مِن هَذا الوُجُودِ وأبْقى.

وعَلى هَذا الوَجْهِ فَوَجْهُ كَوْنِ هَذا الجَعْلِ لَهم ظاهِرٌ؛ لِأنَّ الآجالَ آجالُهم، وكَوْنُهُ لا رَيْبَ فِيهِ أيْضًا ظاهِرٌ؛ لِأنَّهم لا يَرْتابُونَ في أنَّ لِحَياتِهِمْ آجالًا، وقَدْ تَضَمَّنَ قَوْلُهُ ﴿وجَعَلَ لَهم أجَلًا﴾ تَعْرِيضًا بِالمِنَّةِ بِنِعْمَةِ الإمْهالِ عَلى كِلا المَعْنَيَيْنِ، وتَعْرِيضًا بِالتَّذْكِيرِ بِإفاضَةِ الأرْزاقِ عَلَيْهِمْ في مُدَّةِ الأجَلِ؛ لِأنَّ في ذِكْرِ خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ تَذْكِيرًا بِما تَحْتَوِيهِ السَّماواتُ والأرْضُ مِنَ الأرْزاقِ وأسْبابِها.

وجُمْلَةُ ﴿فَأبى الظّالِمُونَ إلّا كُفُورًا﴾ تَفْرِيعٌ عَلى الجُمْلَتَيْنِ بِاعْتِبارِ ما تَضَمَّنَتاهُ مِنَ الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ، أيْ عَلِمُوا أنَّ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ قادِرٌ عَلى إعادَةِ الأجْسامِ - ومَعَ عِلْمِهِمْ - أبَوْا إلّا كُفُورًا، فالتَّفْرِيعُ مِن تَمامِ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، والتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ.

واسْتِثْناءُ الكُفُورِ مِنَ الإبايَةِ تَأْكِيدٌ لِلشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ.

والكُفُورُ: جُحُودُ النِّعْمَةِ، وتَقَدَّمَ آنِفًا، واخْتِيرَ الكُفُورُ هُنا تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم كَفَرُوا بِما يَجِبُ اعْتِقادُهُ، وكَفَرُوا نِعْمَةَ المُنْعِمِ عَلَيْهِمْ؛ فَعَبَدُوا غَيْرَ المُنْعِمِ.

17:100Page 292

قُل لَّوۡ أَنتُمۡ تَمۡلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحۡمَةِ رَبِّيٓ إِذٗا لَّأَمۡسَكۡتُمۡ خَشۡيَةَ ٱلۡإِنفَاقِۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ قَتُورٗا ١٠٠

Say [to them], "If you possessed the depositories of the mercy of my Lord, then you would withhold out of fear of spending." And ever has man been stingy.

﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّيَ إذًا لَأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ وكانَ الإنْسانُ قَتُورًا﴾ اعْتِراضٌ ناشِئٌ عَنْ بَعْضِ مُقْتَرَحاتِهِمُ الَّتِي تَوَهَّمُوا عَدَمَ حُصُولِها دَلِيلًا عَلى انْتِفاءِ إرْسالِ بَشِيرٍ، فالكَلامُ اسْتِئْنافٌ لِتَكْمِلَةِ رَدِّ شُبُهاتِهِمْ، وهَذا رَدٌّ لِما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهم ﴿حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] إلى قَوْلِهِ ”تَفْجِيرًا“، وقَوْلُهم ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ﴾ [الإسراء: ٩٣] مِن تَعَذُّرِ حُصُولِ ذَلِكَ؛ لِعَظِيمِ قِيمَتِهِ.

صفحة ٢٢٣

ومَعْنى الرَّدِّ: أنَّ هَذا لَيْسَ بِعَظِيمٍ في جانِبِ خَزائِنِ رَحْمَةِ اللَّهِ، لَوْ شاءَ أنْ يُظْهِرَهُ لَكم.

وأُدْمِجَ في هَذا الرَّدِّ بَيانُ ما فِيهِمْ مِنَ البُخْلِ عَنِ الإنْفاقِ في سَبِيلِ الخَيْرِ، وأُدْمِجَ في ذَلِكَ أيْضًا تَذْكِيرُهم بِأنَّ اللَّهَ أعْطاهم مِن خَزائِنِ رَحْمَتِهِ، فَكَفَرُوا نِعْمَتَهُ، وشَكَرُوا الأصْنامَ الَّتِي لا نِعْمَةَ لَها، ويَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ هَذا خِطابًا لِلنّاسِ كُلِّهِمْ مُؤْمِنِهِمْ وكافِرِهِمْ، كُلٌّ عَلى قَدْرِ نَصِيبِهِ.

وشَأْنُ (لَوْ) أنْ يَلِيَها الفِعْلُ ماضِيًا في الأكْثَرِ أوْ مُضارِعًا في اعْتِباراتٍ، فَهي مُخْتَصَّةٌ بِالدُّخُولِ عَلى الأفْعالِ، فَإذا أوْقَعُوا الِاسْمَ بَعْدَها في الكَلامِ، وأخَّرُوا الفِعْلَ عَنْهُ فَإنَّما يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِقَصْدٍ بَلِيغٍ: إمّا لِقَصْدِ التَّقَوِّي والتَّأْكِيدِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ ذِكْرَ الفِعْلِ بَعْدَ الأداةِ ثُمَّ ذِكْرَ فاعِلِهِ، ثُمَّ ذِكْرَ الفِعْلِ مَرَّةً ثانِيَةً تَأْكِيدٌ وتَقْوِيَةٌ؛ مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ﴾ [التوبة: ٦] وإمّا لِلِانْتِقالِ مِنَ التَّقَوِّي إلى الِاخْتِصاصِ، بِناءً عَلى أنَّهُ ما قُدِّمَ الفاعِلُ مِن مَكانِهِ إلّا لِقَصْدِ طَرِيقٍ غَيْرِ مَطْرُوقٍ، وهَذا الِاعْتِبارُ هو الَّذِي يَتَعَيَّنُ التَّخْرِيجُ عَلَيْهِ في هَذِهِ الآيَةِ ونَحْوِها مِنَ الكَلامِ البَلِيغِ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ لِأبِي عُبَيْدَةَ: لَوْ غَيْرُكَ قالَها.

والمَعْنى: لَوْ أنْتُمْ أُخْصِصْتُمْ بِمِلْكِ خَزائِنِ رَحْمَةِ اللَّهِ دُونَ اللَّهِ لَما أنْفَقْتُمْ عَلى الفُقَراءِ شَيْئًا، وذَلِكَ أشَدُّ في التَّقْرِيعِ، وفي الِامْتِنانِ بِتَخْيِيلِ أنَّ إنْعامَ غَيْرِهِ كالعَدَمِ.

وكِلا الِاعْتِبارَيْنِ لا يُناكِدُ اخْتِصاصَ (لَوْ) بِالأفْعالِ؛ لِلِاكْتِفاءِ بِوُقُوعِ الفِعْلِ في حَيِّزِها غَيْرَ مُوالٍ إيّاها، ومُوالاتُهُ إيّاها أمْرٌ أغْلَبِيٌّ، ولَكِنْ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: لَوْ أنْتَ عالِمٌ لَبَذَذْتَ الأقْرانَ.

واخْتِيرَ الفِعْلُ المُضارِعُ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ فَرْضُ أنْ يَمْلِكُوا ذَلِكَ في المُسْتَقْبَلِ.

و”أمْسَكْتُمْ“ هُنا مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، فَلا يُقَدَّرُ لَهُ مَفْعُولٌ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ: إذًا لاتَّصَفْتُمْ بِالإمْساكِ، أيِ البُخْلِ، يُقالُ: فُلانٌ مُمْسِكٌ، أيْ بَخِيلٌ، ولا يُرادُ أنَّهُ مُمْسِكٌ شَيْئًا مُعَيَّنًا.

صفحة ٢٢٤

وأكَّدَ جَوابَ (لَوْ) بِزِيادَةِ حَرْفِ (إذًا) فِيهِ لِتَقْوِيَةِ مَعْنى الجَوابِيَّةِ، ولِأنَّ في (إذًا) مَعْنى الجَزاءِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما تَقُولُونَ إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢]، ومِنهُ قَوْلُ بِشْرِ بْنِ عَوانَةَ:

أفاطِمُ لَوْ شَهِدْتِ بِبَطْنِ خَبْتٍ وقَدْ لاقى الهِزَبْرُ أخاكَ بِشْرا

إذًا لَرَأيْتِ لَيْثًا أمْ لَيْثًا ∗∗∗ هِزَبْرًا أغْلَبًا لاقى هِزَبْرا

وجُمْلَةُ ﴿وكانَ الإنْسانُ قَتُورًا﴾ حالِيَّةٌ أوِ اعْتِراضِيَّةٌ في آخِرِ الكَلامِ، وهي تُفِيدُ تَذْيِيلًا؛ لِأنَّها عامَّةُ الحُكْمِ، فالواوُ فِيها لَيْسَتْ عاطِفَةً.

والقَتُورُ: الشَّدِيدُ البُخْلِ، مُشْتَقٌّ مِنَ (القَتْرِ) وهو التَّضْيِيقُ في الإنْفاقِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском