Ibn 'AshurAl‑Kahf · 18:102–109

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Kahf 18:102–109

18:102Page 304

أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِي مِن دُونِيٓ أَوۡلِيَآءَۚ إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا جَهَنَّمَ لِلۡكَٰفِرِينَ نُزُلٗا ١٠٢

Then do those who disbelieve think that they can take My servants instead of Me as allies? Indeed, We have prepared Hell for the disbelievers as a lodging.

صفحة ٤٣

﴿أفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِن دُونِيَ أوْلِياءَ إنّا أعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا﴾ أعْقَبَ وصْفَ حِرْمانِهِمُ الِانْتِفاعَ بِدَلائِلِ المُشاهَداتِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ وإعْراضِهِمْ عَنْ سَماعِ الآياتِ - بِتَفْرِيعِ الإنْكارِ لِاتِّخاذِهِمْ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ يَزْعُمُونَها نافِعَةً لَهم تَنْصُرُهم تَفْرِيعَ الإنْكارِ عَلى صِلَةِ الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي، لِأنَّ حُسْبانَهم ذَلِكَ نَشَأ عَنْ كَوْنِ أعْيُنِهِمْ في غِطاءٍ وكَوْنِهِمْ لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا، أيْ حَسَبُوا حُسْبانًا باطِلًا فَلَمْ يُغْنِ عَنْهم ما حَسِبُوهُ شَيْئًا، ولِأجْلِهِ كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا.

وتَقَدَّمَ حَرْفُ الِاسْتِفْهامِ عَلى فاءِ العَطْفِ لِأنَّ لِلِاسْتِفْهامِ صَدْرُ الكَلامِ وهو كَثِيرٌ في أمْثالِهِ، والخِلافُ شَهِيرٌ بَيْنَ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ في أنَّ الِاسْتِفْهامَ مُقَدَّمٌ مِن تَأْخِيرٍ، أوْ أنَّ العَطْفَ إنَّما هو عَلى ما بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ بَعْدَ حَذْفِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ لِدَلالَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ. فَيُقَدَّرُ هُنا: أمِنُوا عَذابِي فَحَسِبُوا أنْ يَتَّخِذُوا إلَخْ. . . وأوَّلُ القَوْلَيْنِ أوْلى. وقَدْ تَقَدَّمَتْ نَظائِرُهُ مِنها قَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٧٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ. والإنْكارُ عَلَيْهِمْ فِيما يَحْسَبُونَهُ يَقْتَضِي أنَّ ما ظَنُّوهُ باطِلٌ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا﴾ [العنكبوت: ٢] . وأنْ يَتَّخِذُوا سادَ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ حَسِبَ لِأنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلى ما يَدُلُّ عَلى المَفْعُولَيْنِ فَهو يَنْحَلُّ إلى مَفْعُولَيْنِ. والتَّقْدِيرُ: أحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا عِبادِيَ مُتَّخِذِينَ أوْلِياءَ لَهم مِن دُونِي.

والإنْكارُ مُتَسَلِّطٌ عَلى مَعْمُولِ المَفْعُولِ الثّانِي وهو أوْلِياءَ المَعْمُولُ لِيَتَّخِذُوا بِقَرِينَةِ ما دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ حَسِبَ مِن أنَّ هُنالِكَ

صفحة ٤٤

مَحْسُوبًا باطِلًا. وهو كَوْنُهم أوْلِياءَ بِاعْتِبارِ ما تَقْتَضِيهِ حَقِيقَةُ الوِلايَةِ مِنَ الحِمايَةِ والنَّصْرِ.

وعِبادِي صادِقٌ عَلى المَلائِكَةِ والجِنِّ والشَّياطِينِ ومَن عَبَدُوهم مِنَ الأخْيارِ مِثْلَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ويَصْدُقُ عَلى الأصْنامِ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ.

ومِن دُونِي مُتَعَلِّقُ بِأوْلِياءَ إمّا بِجَعْلِ دُونِي اسْمًا بِمَعْنى حَوْلَ أيْ مِن حَوْلِ عَذابِي، وتَأْوِيلُ أوْلِياءَ بِمَعْنى أنْصارًا، أيْ حائِلِينَ دُونَ عَذابِي ومانِعِينَهم مِنهُ. وإمّا بِجَعْلِ دُونِي بِمَعْنى غَيْرِي. أيْ أحَسِبُوا أنَّهم يَسْتَغْنُونَ بِوِلايَتِهِمْ ؟ .

وصِيغَ فِعْلُ الِاتِّخاذِ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِهِ مِنهم وأنَّهم غَيْرُ مُقْلِعِينَ عَنْهُ.

وجَعَلَ في الكَشّافِ فِعْلَ يَتَّخِذُوا لِلْمُسْتَقْبَلِ. أيْ أحَسِبُوا أنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي أوْلِياءَ يَوْمَ القِيامَةِ كَما اتَّخَذُوهم في الدُّنْيا ؟ وهو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿وعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا﴾ [الكهف: ١٠٠] ونَظَّرَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبإ: ٤٠] قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ. وإظْهارُ الَّذِينَ كَفَرُوا دُونَ أنْ يُقالَ: أفَحَسِبُوا، بِإعادَةِ الضَّمِيرِ إلى الكافِرِينَ في الآيَةِ قَبْلَها، لِقَصْدِ اسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ بِدَلالَتِها، وزِيادَةً في إظْهارِ التَّوْبِيخِ لَهم.

وجُمْلَةُ ﴿إنّا أعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا﴾ مُقَرَّرَةٌ لِإنْكارِ انْتِفاعِهِمْ بِأوْلِيائِهِمْ فَأكَّدَ بِأنَّ جَهَنَّمَ أُعِدَّتْ لَهم نُزُلًا فَلا مَحِيصَ لَهم عَنْها ولِذَلِكَ أكَّدَ بِحَرْفِ إنَّ.

صفحة ٤٥

وأعَتَدْنا: أعْدَدْنا، أُبْدِلَ الدّالُ الأوَّلُ تاءً لِقُرْبِ الحَرْفَيْنِ، والإعْدادُ: التَّهْيِئَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا﴾ [الكهف: ٢٩] . وجَعَلَ المُسْنَدَ إلَيْهِ ضَمِيرَ الجَلالَةِ لِإدْخالِ الرَّوْعِ في ضَمائِرِ المُشْرِكِينَ.

والنُّزُلُ بِضَمَّتَيْنِ: ما يُعَدُّ لِلنَّزِيلِ والضَّيْفِ مِنَ القِرى. وإطْلاقُ اسْمِ النُّزُلِ عَلى العَذابِ اسْتِعارَةٌ عَلاقَتُها التَّهَكُّمُ، كَقَوْلِ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ:

قَرَيْناكم فَعَجَّلْنا قِراكم قُبَيْلَ الصُّبْحِ مِرْداةً طَحُونا

18:103–104Page 304

قُلۡ هَلۡ نُنَبِّئُكُم بِٱلۡأَخۡسَرِينَ أَعۡمَٰلًا ١٠٣

Say, [O Muḥammad], "Shall we [believers] inform you of the greatest losers as to [their] deeds?

ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعۡيُهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ يَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ يُحۡسِنُونَ صُنۡعًا ١٠٤

[They are] those whose effort is lost in worldly life, while they think that they are doing well in work."

﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا وهم يَحْسِبُونَ أنَّهم يَحْسُنُونَ صُنْعًا﴾ اعْتِراضٌ بِاسْتِئْنافٍ ابْتِدائِيٍّ أثارَهُ مَضْمُونُ جُمْلَةِ ﴿أفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الكهف: ١٠٢] إلَخْ. فَإنَّهم لَمّا اتَّخَذُوا أوْلِياءَ مَن لَيْسُوا يَنْفَعُونَهم فاخْتارُوا الأصْنامَ وعَبَدُوها وتَقَرَّبُوا إلَيْها بِما أمْكَنَهم مِنَ القُرْبِ اغْتِرارًا بِأنَّها تَدْفَعُ عَنْهم وهي لا تُغْنِي عَنْهم شَيْئًا فَكانَ عَمَلُهم خاسِرًا وسَعْيُهم باطِلًا. فالمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ هو قَوْلُهُ ﴿وهم يَحْسَبُونَ﴾ . . . إلَخْ.

وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِالأمْرِ بِالقَوْلِ لِلِاهْتِمامِ بِالمَقُولِ بِإصْغاءِ السّامِعِينَ لِأنَّ مِثْلَ هَذا الِافْتِتاحِ يُشْعِرُ بِأنَّهُ في غَرَضٍ مِنهم، وكَذَلِكَ افْتِتاحُهُ بِاسْتِفْهامِهِمْ عَنْ إنْبائِهِمُ اسْتِفْهامًا مُسْتَعْمَلًا في العَرْضِ لِأنَّهُ

صفحة ٤٦

بِمَعْنى: أتُحِبُّونَ أنْ نُنَبِّئَكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا، وهو عَرْضُ تَهَكُّمٍ لِأنَّهُ مُنْبِئُهم بِذَلِكَ دُونَ تَوَقُّفٍ عَلى رِضاهم.

وفِي قَوْلِهِ ﴿بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ إلى آخِرِهِ تَمْلِيحٌ إذْ عَدَلَ فِيهِ عَنْ طَرِيقِةِ الخِطابِ بِأنْ يُقالَ لَهم: هَلْ نُنَبِّئُكم بِأنَّكُمُ الأخْسَرُونَ أعْمالًا، إلى طَرِيقَةِ الغَيْبَةِ بِحَيْثُ يَسْتَشْرِفُونَ إلى مَعْرِفَةِ هَؤُلاءِ الأخْسَرِينَ فَما يُرَوِّعُهم إلّا أنْ يَعْلَمُوا أنَّ المُخْبِرَ عَنْهم هم أنْفُسُهم.

والمَقُولُ لَهم: المُشْرِكُونَ، تَوْبِيخًا لَهم وتَنْبِيهًا عَلى ما غَفَلُوا عَنْهُ مِن خَيْبَةِ سَعْيِهِمْ.

ونُونُ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ في قَوْلِهِ نُنَبِّئُكم يَجُوزُ أنْ تَكُونَ نُونُ العَظَمَةِ راجِعَةً إلى ذاتِ اللَّهِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ في الحِكايَةِ. ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: هَلْ يُنَبِّئُكُمُ اللَّهُ، أيْ سَيُنَبِّئُكم ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْمُتَكَلِّمِ المُشارِكِ راجِعَةً إلى الرَّسُولِ ﷺ وإلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ يُنَبِّئُهم بِما يُوحى إلَيْهِ مِن رَبِّهِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ راجِعَةً لِلرَّسُولِ ولِلْمُسْلِمِينَ.

وقَوْلُهُ ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ الأخْسَرِينَ أعْمالًا. وفي هَذا الإطْنابِ زِيادَةُ التَّشْوِيقِ إلى مَعْرِفَةِ هَؤُلاءِ الأخْسَرِينَ حَيْثُ أجْرى عَلَيْهِمْ مِنَ الأوْصافِ ما يَزِيدُ السّامِعَ حِرْصًا عَلى مَعْرِفَةِ المَوْصُوفِينَ بِتِلْكَ الأوْصافِ والأحْوالِ.

والضَّلالُ: خَطَأُ السَّبِيلِ. شَبَّهَ سَعْيَهم غَيْرَ المُثْمِرِ بِالسَّيْرِ في طَرِيقٍ غَيْرِ مُوَصِّلَةٍ.

والسَّعْيُ: المَشْيُ في شِدَّةٍ. وهو هُنا مَجازٌ في العَمَلِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها في سُورَةِ الإسْراءِ، أيْ عَمِلُوا

صفحة ٤٧

أعْمالًا تَقَرَّبُوا بِها لِلْأصْنامِ يَحْسَبُونَها مُبَلِّغَةً إيّاهم أغْراضًا وقَدْ أخْطَئُوها وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يَفْعَلُونَ خَيْرًا.

وإسْنادُ الضَّلالِ إلى سَعْيِهِمْ مَجازٌ عَقْلِيٌّ. والمَعْنى: الَّذِينَ ضَلُّوا في سَعْيِهِمْ.

وبَيْنَ يَحْسَبُونَ ويُحْسِنُونَ جِناسٌ مُصَحَّفٌ، وقَدْ مُثِّلَ بِهِما في مَبْحَثِ الجِناسِ.

18:105Page 304

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ وَلِقَآئِهِۦ فَحَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فَلَا نُقِيمُ لَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَزۡنٗا ١٠٥

Those are the ones who disbelieve in the verses of their Lord and in [their] meeting Him, so their deeds have become worthless; and We will not assign to them on the Day of Resurrection any weight [i.e., importance].

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ولِقائِهِ فَحَبِطَتْ أعْمالُهم فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيمَةِ وزْنًا﴾

جُمْلَةٌ هي اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿هَلْ نُنَبِّئُكُمْ﴾ [الكهف: ١٠٣] . وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِتَمْيِيزِهِمْ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ لِئَلّا يَلْتَبِسُوا بِغَيْرِهِمْ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ. ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ أحْرِياءُ بِما بَعْدِ اسْمِ الإشارَةِ مِن حُكْمٍ بِسَبَبِ ما أُجْرِيَ عَلَيْهِمْ مِنَ الأوْصافِ.

والآياتُ: القُرْآنُ والمُعْجِزاتُ.

والحَبْطُ: البُطْلانُ والدَّحْضُ.

وقَوْلُهُ رَبِّهِمْ يَجْرِي عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ في نُونِ ﴿هَلْ نُنَبِّئُكُمْ﴾ [الكهف: ١٠٣] أنَّهُ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ. ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا. ويَجْرِي عَلى الوَجْهَيْنِ الثّانِي والثّالِثِ أنَّهُ عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ.

صفحة ٤٨

ونُونُ ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ في نُونِ ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ﴾ [الكهف: ١٠٣] جارِيَةً عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ.

وأمّا عَلى الوَجْهَيْنِ الثّالِثِ والرّابِعِ فَإنَّها التِفاتٌ عَنْ قَوْلِهِ بِآياتِ رَبِّهِمْ، ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: فَلا يُقِيمُ لَهم.

ونَفْيُ إقامَةِ الوَزْنِ مُسْتَعْمَلٌ في عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِالشَّيْءِ. وفي حَقارَتِهِ لِأنَّ النّاسَ يَزِنُونَ الأشْياءَ المُتَنافَسَ في مَقادِيرِها والشَّيْءُ التّافِهُ لا يُوزَنُ، فَشُبِّهُوا بِالمُحَقَّراتِ عَلى طَرِيقَةِ المَكْنِيَّةِ وأثْبَتَ لَهم عَدَمَ الوَزْنِ تَخْيِيلًا.

وجُعِلَ عَدَمُ إقامَةِ الوَزْنِ مُفَرَّعًا عَلى حَبْطِ أعْمالِهِمْ لِأنَّهم بِحَبْطِ أعْمالِهِمْ صارُوا مُحَقَّرِينَ لا شَيْءَ لَهم مِنَ الصّالِحاتِ.

18:106Page 304

ذَٰلِكَ جَزَآؤُهُمۡ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ وَٱتَّخَذُوٓاْ ءَايَٰتِي وَرُسُلِي هُزُوًا ١٠٦

That is their recompense - Hell - for what they denied and [because] they took My signs and My messengers in ridicule.

﴿ذَلِكَ جَزاؤُهم جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا واتَّخَذُوا آياتِي ورُسُلِي هُزُؤًا﴾ الإشارَةُ إمّا إلى ما تَقَدَّمَ مِن وعِيدِهِمْ في قَوْلِهِ ﴿إنّا أعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا﴾ [الكهف: ١٠٢]، أيْ ذَلِكَ الإعْدادُ جَزاؤُهم.

وقَوْلُهُ جَزاؤُهم خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ. وقَوْلُهُ جَهَنَّمُ بَدَلٌ مِن جَزاؤُهم بَدَلًا مُطابِقًا لِأنَّ إعْدادَ جَهَنَّمَ هو عَيْنُ جَهَنَّمَ وإعادَةُ لَفْظِ جَهَنَّمَ أكْسَبَهُ قُوَّةَ التَّأْكِيدِ.

وإمّا إلى مُقَدَّرٍ في الذِّهْنِ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ بَيَّنَهُ ما بَعْدَهُ عَلى نَحْوِ اسْتِعْمالِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ مَعَ تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. والتَّقْدِيرُ: الأمْرُ والشَّأْنُ ذَلِكَ جَزاؤُهم جَهَنَّمُ.

صفحة ٤٩

والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، وما مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ.

واتَّخَذُوا عَطْفٌ عَلى كَفَرُوا فَهو مِن صِلَةِ ما المَصْدَرِيَّةِ. والتَّقْدِيرُ: وبِما اتَّخَذُوا آياتِي ورُسُلِي هُزُؤًا، أيْ بِاتِّخاذِهِمْ ذَلِكَ كَذَلِكَ.

والرُّسُلُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ حَقِيقَةُ الجَمْعِ فَيَكُونَ إخْبارًا عَنْ حالِ كُفّارِ قُرَيْشٍ ومَن سَبَقَهم مِنَ الأُمَمِ المُكَذِّبِينَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الرَّسُولُ الَّذِي أُرْسِلَ إلى النّاسِ كُلِّهِمْ وأُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الجَمْعِ تَعْظِيمًا كَما في قَوْلِهِ ﴿نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ [إبراهيم: ٤٤] . والهُزُؤُ - بِضَمَّتَيْنِ - مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ. وهو أشَدُّ مُبالَغَةً مِنَ الوَصْفِ بِاسْمِ المَفْعُولِ، أيْ كانُوا كَثِيرِي الهُزُؤِ بِهِمْ.

18:107–108Page 304

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ كَانَتۡ لَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلۡفِرۡدَوۡسِ نُزُلًا ١٠٧

Indeed, those who have believed and done righteous deeds - they will have the Gardens of Paradise1 as a lodging,

خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يَبۡغُونَ عَنۡهَا حِوَلٗا ١٠٨

Wherein they abide eternally. They will not desire from it any transfer.

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهم جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا﴾ هَذا مُقابِلُ قَوْلِهِ ﴿إنّا أعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا﴾ [الكهف: ١٠٢] عَلى عادَةِ القُرْآنِ في ذِكْرِ البِشارَةِ بَعْدَ الإنْذارِ.

وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ لِلِاهْتِمامِ بِها لِأنَّها جاءَتْ في مُقابَلَةِ جُمْلَةِ ﴿إنّا أعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا﴾ [الكهف: ١٠٢]، وهي مُؤَكَّدَةٌ كَيْ لا يَظُنَّ ظانٌّ أنَّ جَزاءَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ مُهْتَمٍّ بِتَأْكِيدِهِ مَعَ ما في التَّأْكِيدَيْنِ مِن تَقْوِيَةِ الإنْذارِ وتَقْوِيَةِ البِشارَةِ.

وجَعْلُ المُسْنَدِ إلَيْهِ المَوْصُولَ بِصِلَةِ الإيمانِ وعَمَلِ الصّالِحاتِ لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِ أعْمالِهِمْ، فَلِذَلِكَ خُولِفَ نَظْمُ الجُمْلَةِ الَّتِي تُقابِلُها فَلَمْ

صفحة ٥٠

يَقُلْ: جَزاؤُهُمُ الجَنَّةُ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا الأُسْلُوبِ في المُخالِفِ بَيْنَ وصْفِ الجَزاءَيْنِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا أحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها﴾ [الكهف: ٢٩] ثُمَّ قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠] . وفي الإتْيانِ بِكانَتْ دَلالَةٌ عَلى أنَّ اسْتِحْقاقَهُمُ الجَنّاتِ أمْرٌ مُسْتَقِرٌّ مِن قَبْلُ مُهَيَّأٌ لَهم.

وجِيءَ بِلامِ الِاسْتِحْقاقِ تَكْرِيمًا لَهم بِأنَّهم نالُوا الجَنَّةَ بِاسْتِحْقاقِ إيمانِهِمْ وعَمَلِهِمْ، كَما قالَ تَعالى ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] . وجَمْعُ الجَنّاتِ إيماءً إلى سَعَةِ نَعِيمِهِمْ، وأنَّها جَنّاتٌ كَثِيرَةٌ كَما جاءَ في الحَدِيثِ: «إنَّها جِنانٌ كَثِيرَةٌ» . والفِرْدَوْسُ: البُسْتانُ الجامِعُ لِكُلِّ ما يَكُونُ في البَساتِينِ. وعَنْ مُجاهِدٍ هو مُعَرَّبٌ عَنِ الرُّومِيَّةِ. وقِيلَ عَنِ السُّرْيانِيَّةِ. وقالَ الفَرّاءُ: هو عَرَبِيٌّ، أيْ لَيْسَ مُعَرَّبًا. ولَمْ يَرِدْ ذِكْرُهُ في كَلامِ العَرَبِ قَبْلَ القُرْآنِ.

وأهْلُ الشّامِ يَقُولُونَ لِلْبَساتِينِ والكُرُومِ: الفَرادِيسُ. وفي مَدِينَةِ حَلَبَ بابٌ يُسَمّى بابُ الفَرادِيسِ.

وإضافَةُ الجَنّاتِ إلى الفِرْدَوْسِ بَيانِيَّةٌ، أيْ جَنّاتٌ هي مِن صِنْفِ الفِرْدَوْسِ. ووَرَدَ في الحَدِيثِ أنَّ «الفِرْدَوْسَ أعْلى الجَنَّةِ أوْ وسَطُ الجَنَّةِ» . وذَلِكَ إطْلاقٌ آخَرُ عَلى هَذا المَكانِ المَخْصُوصِ يَرْجِعُ إلى أنَّهُ عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ.

فَإنْ حُمِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلَيْهِ كانَتْ إضافَةُ جَنّاتٍ إلى الفِرْدَوْسِ إضافَةً حَقِيقِيَّةً، أيْ جَنّاتُ هَذا المَكانِ.

صفحة ٥١

والنُّزُلُ: تَقَدَّمَ قَرِيبًا.

وقَوْلُهُ ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا﴾ أيْ لَيْسَ بَعْدَما حَوَتْهُ تِلْكَ الجَنّاتُ مِن ضُرُوبِ اللَّذّاتِ والتَّمَتُّعِ ما تَتَطَلَّعُ النُّفُوسُ إلَيْهِ فَتَوَدُّ مُفارَقَةَ ما هي فِيهِ إلى ما هو خَيْرٌ مِنهُ. أيْ هم يَجِدُونَ فِيها كُلَّ ما يُخامِرُ أنْفُسَهم مِنَ المُشْتَهى.

والحِوَلُ: مَصْدَرٌ بِوَزْنِ العِوَجِ والصِّغَرِ. وحَرْفُ العِلَّةِ يُصَحَّحُ في هَذِهِ الصِّيغَةِ لَكِنَّ الغالِبَ فِيما كانَ عَلى هَذِهِ الزِّنَةِ مَصْدَرًا التَّصْحِيحُ مِثْلَ: الحِوَلِ، وفِيما كانَ مِنها جَمْعًا الإعْلالُ نَحْوَ: الحِيَلُ جَمْعُ حِيلَةٍ. وهو مِن ذَواتِ الواوِ مُشْتَقٌّ مِنَ التَّحَوُّلِ.

18:109Page 304

قُل لَّوۡ كَانَ ٱلۡبَحۡرُ مِدَادٗا لِّكَلِمَٰتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلۡبَحۡرُ قَبۡلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَٰتُ رَبِّي وَلَوۡ جِئۡنَا بِمِثۡلِهِۦ مَدَدٗا ١٠٩

Say, "If the sea were ink for [writing] the words1 of my Lord, the sea would be exhausted before the words of my Lord were exhausted, even if We brought the like of it in [continual] supplement."

﴿قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾

ابْتُدِئَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِالتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ القُرْآنِ ثُمَّ أُفِيضَ فِيها مِن أفانِينِ الإرْشادِ والإنْذارِ والوَعْدِ والوَعِيدِ، وذُكِرَ فِيها مِن أحْسَنِ القَصَصِ ما فِيهِ عِبْرَةٌ ومَوْعِظَةٌ، وما هو خَفِيٌّ مِن أحْوالِ الأُمَمِ، حَوْلَ الكَلامِ إلى الإيذانِ بِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ مِن عَظِيمِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى.

فَهَذا اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ وهو انْتِقالٌ إلى التَّنْوِيهِ بِعِلْمِ اللَّهِ تَعالى مُفِيضِ العِلْمِ عَلى رَسُولِهِ ﷺ لِأنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا سَألُوهُ عَنْ أشْياءَ يَظُنُّونَها مُفْحِمَةً لِلرَّسُولِ وأنْ لا قِبَلَ لَهُ بِعِلْمِها عَلَّمَهُ اللَّهُ إيّاها، وأخْبَرَ عَنْها أصْدَقَ خَبَرٍ، وبَيَّنَها بِأقْصى ما تَقْبَلُهُ أفْهامُهم وبِما يَقْصُرُ عَنْهُ عِلْمُ الَّذِينَ أغْرَوُا المُشْرِكِينَ بِالسُّؤالِ عَنْها، وكانَ آخِرَها خَبَرُ ذِي القَرْنَيْنِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يُعْلَمُ مِنهُ سَعَةَ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وسَعَةِ ما يَجْرِي عَلى وفْقِ عِلْمِهِ

صفحة ٥٢

مِنَ الوَحْيِ إذا أرادَ إبْلاغَ بَعْضِ ما في عِلْمِهِ إلى أحَدٍ مِن رُسُلِهِ. وفي هَذا رَدُّ عَجُزِ السُّورَةِ عَلى صَدْرِها.

وقِيلَ: نَزَلَتْ لِأجْلِ قَوْلِ اليَهُودِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ تَقُولُ، أيْ في سُورَةِ الإسْراءِ ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] وقَدْ أُوتِينا التَّوْراةَ، ومَن أُوتِيَ التَّوْراةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] في سُورَةِ الإسْراءِ.

وقالَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: قالَ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ اليَهُودِيُّ: في كِتابِكم ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] ثُمَّ تَقْرَءُونَ ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]؛ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي﴾ الآيَةَ.

وكَلِماتُ اللَّهِ: ما يَدُلُّ عَلى شَيْءٍ مِن عِلْمِهِ مِمّا يُوحِي إلى رُسُلِهِ أنْ يُبَلِّغُوهُ، فَكُلُّ مَعْلُومٍ يُمْكِنُ أنْ يُخْبَرَ بِهِ. فَإذا أُخْبِرَ بِهِ صارَ كَلِمَةً. ولِذَلِكَ يُطْلَقُ عَلى المَعْلُوماتِ كَلِماتٌ، لِأنَّ اللَّهَ أخْبَرَ بِكَثِيرٍ مِنها ولَوْ شاءَ لَأخْبَرَ بِغَيْرِهِ، فَإطْلاقُ الكَلِماتِ عَلَيْها مَجازٌ بِعَلاقَةِ المَآلِ. ونَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَوْ أنَّ ما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٦] . وفي هَذا دَلِيلٌ لِإثْباتِ الكَلامِ النَّفْسِيِّ ولِإثْباتِ التَّعَلُّقِ الصُّلُوحِيِّ لِصِفَةِ العِلْمِ. وقَلَّ مَن يَتَنَبَّهُ لِهَذا التَّعَلُّقِ.

ولَمّا كانَ شَأْنُ ما يُخْبِرُ اللَّهُ بِهِ عَلى لِسانِ أحَدِ رُسُلِهِ أنْ يُكْتَبَ حِرْصًا عَلى بَقائِهِ في الأُمَّةِ، شُبِّهَتْ مَعْلُوماتُ اللَّهِ المُخْبَرُ بِها والمُطْلَقُ عَلَيْها كَلِماتٌ بِالمَكْتُوباتِ، ورُمِزَ إلى المُشَبَّهِ بِهِ بِما هو مِن لَوازِمِهِ وهو المِدادُ الَّذِي بِهِ الكِتابَةُ عَلى طَرِيقَةِ المَكْنِيَّةِ، وإثْباتُ المِدادِ تَخْيِيلٌ كَتَخَيُّلِ الأظْفارِ لِلْمَنِيَّةِ. فَيَكُونُ ما هُنا مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى

صفحة ٥٣

﴿ولَوْ أنَّ ما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٦] فَإنَّ ذِكْرَ الأقْلامِ إنَّما يُناسِبُ المِدادَ بِمَعْنى الحِبْرِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هُنا تَشْبِيهُ كَلِماتِ اللَّهِ بِالسِّراجِ المُضِيءِ، لِأنَّهُ يَهْدِي إلى المَطْلُوبِ، كَما شُبِّهَ نُورُ اللَّهِ وهَدْيُهُ بِالمِصْباحِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ﴾ [النور: ٣٥] ويَكُونُ المِدادُ تَخْيِيلًا بِالزَّيْتِ الَّذِي يُمَدُّ بِهِ السِّراجُ.

والمِدادُ يُطْلَقُ عَلى الحِبْرِ لِأنَّهُ تُمَدُّ بِهِ الدَّواةُ، أيْ يُمَدُّ بِهِ ما كانَ فِيها مِن نَوْعِهِ، ويُطْلَقُ المِدادُ عَلى الزَّيْتِ الَّذِي يُمَدُّ بِهِ السِّراجُ وغَلَبَ إطْلاقُهُ عَلى الحِبْرِ. وهو في هَذِهِ الآيَةِ يَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ فَتَتَضَمَّنُ الآيَةُ مَكْنِيَّتَيْنِ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ.

واللّامُ في قَوْلِهِ لِكَلِماتِ لامُ العِلَّةِ، أيْ لِأجْلِ كَلِماتِ رَبِّي. والكَلامُ يُؤْذِنُ بِمُضافٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: لِكِتابَةِ كَلِماتِ رَبِّي، إذِ المِدادُ يُرادُ لِلْكِتابَةِ ولَيْسَ البَحْرُ مِمّا يُكْتَبُ بِهِ ولَكِنَّ الكَلامَ بُنِيَ عَلى المَفْرُوضِ بِواسِطَةِ لَوْ. والمِدادُ: اسْمٌ لِما يُمَدُّ بِهِ الشَّيْءُ، أيْ يُزادُ بِهِ عَلى ما لَدَيْهِ. ولَمْ يَقُلْ مِدادًا، إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ تَشْبِيهُهُ بِالحِبْرِ لِحُصُولِ ذَلِكَ بِالتَّشْبِيهِ الَّذِي قَبْلَهُ وإنَّما قُصِدَ هُنا أنَّ مِثْلَهُ يَمُدُّهُ.

والنَّفادُ: الفَناءُ والِاضْمِحْلالُ. ونَفادُ البَحْرِ مُمْكِنٌ عَقْلًا.

وأمّا نَفادُ كَلِماتِ اللَّهِ بِمَعْنى تَعَلُّقاتِ عِلْمِهِ فَمُسْتَحِيلٌ، فَلا يُفْهَمُ مِن تَقْيِيدِ نَفادِ كَلِماتِ اللَّهِ بِقَيْدِ الظَّرْفِ وهو قَبْلَ إمْكانُ نَفادِ كَلِماتِ اللَّهِ. ولَكِنْ لَمّا بُنِيَ الكَلامُ عَلى الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ لَوْ - كانَ المَعْنى لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي وكانَتْ كَلِماتُ رَبِّي مِمّا يَنْفَدُ لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي.

صفحة ٥٤

وهَذا الكَلامُ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ تَناهِي مَعْلُوماتِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي مِنها تِلْكَ المَسائِلُ الثَّلاثُ الَّتِي سَألُوا عَنْها النَّبِيءَ ﷺ فَلا يَقْتَضِي قَوْلُهُ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي أنَّ لِكَلِماتِ اللَّهِ تَعالى نَفادًا كَما عَلِمْتَهُ.

وجُمْلَةُ ﴿ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ.

ولَوْ وصْلِيَّةٌ، وهي الدّالَّةُ عَلى حالَةٍ هي أجْدَرُ الأحْوالِ بِأنْ لا يَتَحَقَّقَ مَعَها مُفادُ الكَلامِ السّابِقِ فَيُنَبَّهُ السّامِعُ عَلى أنَّها مُتَحَقِّقٌ مَعَها مُفادُ الكَلامِ السّابِقِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وهَذا مُبالَغَةٌ ثانِيَةٌ.

وانْتَصَبَ مَدَدًا عَلى التَّمْيِيزِ المُفَسِّرِ لِلْإبْهامِ الَّذِي في لَفْظِ مِثْلِهِ أيْ مِثْلِ البَحْرِ في الإمْدادِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском