Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Kahf 18:13–18
18:13–14Page 294
نَّحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ نَبَأَهُم بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّهُمۡ فِتۡيَةٌ ءَامَنُواْ بِرَبِّهِمۡ وَزِدۡنَٰهُمۡ هُدٗى ١٣
It is We who relate to you, [O Muḥammad], their story in truth. Indeed, they were youths who believed in their Lord, and We increased them in guidance.
وَرَبَطۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ إِذۡ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَن نَّدۡعُوَاْ مِن دُونِهِۦٓ إِلَٰهٗاۖ لَّقَدۡ قُلۡنَآ إِذٗا شَطَطًا ١٤
And We bound [i.e., made firm] their hearts when they stood up and said, "Our Lord is the Lord of the heavens and the earth. Never will we invoke besides Him any deity. We would have certainly spoken, then, an excessive transgression.
﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأهم بِالحَقِّ إنَّهم فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وزِدْناهم هُدًى﴾ ﴿ورَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِن دُونِهِ إلَهًا لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾ لَمّا اقْتَضى قَوْلُهُ ﴿لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى﴾ [الكهف: ١٢] أنَّ في نَبَأِ أهْلِ الكَهْفِ تَخَرُّصاتٍ ورَجْمًا بِالغَيْبِ، أثارَ ذَلِكَ في النَّفْسِ تَطَلُّعًا إلى مَعْرِفَةِ الصِّدْقِ في أمْرِهِمْ،
صفحة ٢٧١
مِن أصْلِ وُجُودِ القِصَّةِ إلى تَفاصِيلِها مِن مُخْبِرٍ لا يُشَكُّ في صِدْقِ خَبَرِهِ، كانَتْ جُمْلَةُ ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأهم بِالحَقِّ﴾ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِجُمْلَةِ ﴿لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى لِما لَبِثُوا أمَدًا﴾ [الكهف: ١٢] .
وهَذا شُرُوعٌ في مُجْمَلِ القِصَّةِ، والِاهْتِمامِ بِمَواضِعِ العِبْرَةِ مِنها، وقَدَّمَ مِنها ما فِيهِ وصْفُ ثَباتِهِمْ عَلى الإيمانِ، ومُنابِذَتِهِمْ قَوْمَهُمُ الكَفَرَةَ، ودُخُولِهِمُ الكَهْفَ.
وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في جُمْلَةِ ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ يُفِيدُ الِاخْتِصاصَ، أيْ نَحْنُ لا غَيْرُنا يَقُصُّ قِصَصَهم بِالحَقِّ.
والحَقُّ: هُنا الصِّدْقُ، والصِّدْقُ مِن أنْواعِ الحَقِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٠٥] في سُورَةِ الأعْرافِ.
والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، أيِ القَصَصَ المُصاحِبَ لِلصِّدْقِ لا لِلتَّخَرُّصاتِ.
والقَصَصُ: سَرْدُ خَبَرٍ طَوِيلٍ، فالإخْبارُ بِمُخاطَبَةٍ مُفَرَّقَةٍ لَيْسَ بِقَصَصٍ، وتَقَدَّمَ في طالِعِ سُورَةِ يُوسُفَ.
والنَّبَأُ: الخَبَرُ الَّذِي فِيهِ أهَمِّيَّةٌ، ولَهُ شَأْنٌ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم فِتْيَةٌ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِلْقَصَصِ والنَّبَأِ، وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ، لا لِرَدِّ الإنْكارِ.
وزِيادَةُ الهُدى يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَقْوِيَةَ هُدى الإيمانِ المَعْلُومِ مِن قَوْلِهِ ﴿آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ بِفَتْحِ بَصائِرِهِمْ لِلتَّفْكِيرِ في وسائِلِ النَّجاةِ بِإيمانِهِمْ، وألْهَمَهُمُ التَّوْفِيقَ والثَّباتَ، فَكُلُّ ذَلِكَ هُدًى زائِدٌ عَلى هُدى الإيمانِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَقْوِيَةَ فَضْلِ الإيمانِ بِفَضْلِ التَّقْوى كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى وآتاهم تَقْواهُمْ﴾ [محمد: ١٧] .
صفحة ٢٧٢
والزِّيادَةُ: وفْرَةُ مِقْدارِ شَيْءٍ مَخْصُوصٍ، مِثْلُ وفْرَةِ عَدَدِ المَعْدُودِ، ووَزْنِ المَوْزُونِ، ووَفْرَةِ سُكّانِ المَدِينَةِ.
وفِعْلُ (زادَ) يَكُونُ قاصِرًا مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]، ويَكُونُ مُتَعَدِّيًا كَقَوْلِهِ ﴿فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠]، وتُسْتَعارُ الزِّيادَةُ لِقُوَّةِ الوَصْفِ كَما هُنا.
والرَّبْطُ عَلى القَلْبِ مُسْتَعارٌ إلى تَثْبِيتِ الإيمانِ، وعَدَمِ التَّرَدُّدِ فِيهِ، فَلَمّا شاعَ إطْلاقُ القَلْبِ عَلى الِاعْتِقادِ اسْتُعِيرَ الرَّبْطُ عَلَيْهِ لِلتَّثْبِيتِ عَلى عَقْدِهِ، كَما قالَ تَعالى ﴿لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ١٠]، ومِنهُ قَوْلُهم: هو رابِطُ الجَأْشِ، وفي ضِدِّهِ يُقالُ: اضْطَرَبَ قَلْبُهُ، وقالَ تَعالى ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠]، اسْتُعِيرَ الِاضْطِرابُ، ونَحْوُهُ لِلتَّرَدُّدِ والشَّكِّ في حُصُولِ شَيْءٍ.
وتَعْدِيَةُ فِعْلِ ”رَبَطْنا“ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ لِلْمُبالَغَةِ في الشَّدِّ؛ لِأنَّ حَرْفَ الِاسْتِعْلاءِ مُسْتَعارٌ لِمَعْنى التَّمَكُّنِ مِنَ الفِعْلِ.
و”إذْ قامُوا“ ظَرْفٌ لِلرَّبْطِ، أيْ كانَ الرَّبْطُ في وقْتٍ في قِيامِهِمْ، أيْ كانَ ذَلِكَ الخاطِرُ الَّذِي قامُوا بِهِ مُقارِنًا لَرَبْطِ اللَّهِ عَلى قُلُوبِهِمْ، أيْ لَوْلا ذَلِكَ لَما أقْدَمُوا عَلى مِثْلِ ذَلِكَ العَمَلِ وذَلِكَ القَوْلِ.
والقِيامُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ حَقِيقِيًّا، بِأنْ وقَفُوا بَيْنَ يَدَيْ مَلِكِ الرُّومِ المُشْرِكِ، أوْ وقَفُوا في مَجامِعِ قَوْمِهِمْ خُطَباءَ مُعْلِنِينَ فَسادَ عَقِيدَةِ الشِّرْكِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ القِيامُ مُسْتَعارًا لِلْإقْدامِ والجَسْرِ عَلى عَمَلٍ عَظِيمٍ، ولِلِاهْتِمامِ بِالعَمَلِ أوِ القَوْلِ، تَشْبِيهًا لِلِاهْتِمامِ بِقِيامِ الشَّخْصِ مِن قُعُودٍ لِلْإقْبالِ عَلى عَمَلٍ ما، كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
بِأنَّ حِصْنًا وحَيًّا مِن بَنِي أسَـدٍ قامُوا فَقالُوا حِمانا غَيْرُ مَقْرُوبِ فَلَيْسَ في ذَلِكَ قِيامٌ بَعْدَ قُعُودٍ بَلْ قَدْ يَكُونُونَ قالُوهُ وهم قُعُودٌ.
وعَرَّفُوا اللَّهَ بِطَرِيقِ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ، إمّا لِأنَّهم عُرِفُوا مِن قَبْلُ بِأنَّهم عَبَدُوا اللَّهَ المُنَزَّهَ عَنِ الجِسْمِ، وخَصائِصِ المُحْدَثاتِ، وإمّا لِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا
صفحة ٢٧٣
باسِمٍ عَلَمٍ عِنْدَ أُولَئِكَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّ رَبَّ الأرْبابِ هو (جُوبْتِيرِ) المُمَثَّلُ في كَوْكَبِ المُشْتَرِي، فَلَمْ يَكُنْ طَرِيقٌ لِتَعْرِيفِهِمُ الإلَهَ الحَقَّ إلّا طَرِيقُ الإضافَةِ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْ قَوْلِ مُوسى لِفِرْعَوْنَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ قالَ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] .
وهَذا إنْ كانَ القَوْلُ مَسُوقًا إلى قَوْمِهِمُ المُشْرِكِينَ قَصَدُوا بِهِ إعْلانَ إيمانِهِمْ بَيْنَ قَوْمِهِمْ، وإظْهارَ عَدَمِ الِاكْتِراثِ بِتَهْدِيدِ المَلِكِ وقَوْمِهِ، فَيَكُونُ مَوْقِفُهم هَذا كَمَوْقِفِ بَنِي إسْرائِيلَ حِينَ قالُوا لِفِرْعَوْنَ ﴿لا ضَيْرَ إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٥٠] أوْ قَصَدُوا بِهِ مَوْعِظَةَ قَوْمِهِمْ بِدُونِ مُواجَهَةِ خِطابِهِمْ؛ اسْتِنْزالًا لِطائِرِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ مِن بابِ (إيّاكِ أعْنِي فاسْمَعِي يا جارَةُ)، واسْتِقْصاءً لِتَبْلِيغِ الحَقِّ إلَيْهِمْ، وهَذا هو الأظْهَرُ لِحَمْلِ القِيامِ عَلى حَقِيقَتِهِ، ولِأنَّ القَوْلَ نُسِبَ إلى ضَمِيرِ جَمْعِهِمْ دُونَ بَعْضِهِمْ، بِخِلافِ الإسْنادِ في قَوْلِهِ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف: ١٩] تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المَقُولُ لَهُ ذَلِكَ فَرِيقًا آخَرَ، ولِظُهُورِ قَصْدِ الِاحْتِجاجِ مِن مَقالِهِمْ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ - إعْلامًا لِقَوْمِهِمْ بِهَذِهِ الحَقِيقَةِ، وتَكُونُ جُمْلَةُ لَنْ نَدْعُوَ اسْتِئْنافًا، وإنْ كانَ هَذا القَوْلُ قَدْ جَرى بَيْنَهم في خاصَّتِهِمْ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ ﴿وإذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ [الكهف: ١٦] إلَخْ، فالتَّعْرِيفُ بِالإضافَةِ؛ لِأنَّها أخْطَرُ طَرِيقٍ بَيْنَهم، ولِأنَّها تَتَضَمَّنُ تَشْرِيفًا لِأنْفُسِهِمْ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ صِفَةً كاشِفَةً، وجُمْلَةُ ﴿لَنْ نَدْعُوَ مِن دُونِهِ إلَهًا﴾ خَبَرَ المُبْتَدَأِ.
وذَكَرُوا الدُّعاءَ دُونَ العِبادَةِ؛ لِأنَّ الدُّعاءَ يَشْمَلُ الأقْوالَ كُلَّها مِن إجْراءِ وصْفِ الإلَهِيَّةِ عَلى غَيْرِ اللَّهِ ومِن نِداءِ غَيْرِ اللَّهِ عِنْدَ السُّؤالِ.
وجُمْلَةُ ﴿لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِما أفادَهُ تَوْكِيدُ النَّفْيِ بِـ ”لَنْ“، وإنَّ وُجُودَ حَرْفِ الجَوابِ في خِلالِ الجُمْلَةِ يُنادِي عَلى كَوْنِها مُتَفَرِّعَةً عَلى الَّتِي قَبْلَها، واللّامُ لِلْقَسَمِ.
صفحة ٢٧٤
والشَّطَطُ: الإفْراطُ في مُخالَفَةِ الحَقِّ والصَّوابِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الشَّطِّ، وهو البُعْدُ عَنِ المَوْطِنِ لِما في البُعْدِ عَنْهُ مِن كَراهِيَةِ النُّفُوسِ، فاسْتُعِيرَ لِلْإفْراطِ في شَيْءٍ مَكْرُوهٍ، أيْ لَقَدْ قُلْنا قَوْلًا شَطَطًا، وهو نِسْبَةُ الإلَهِيَّةِ إلى مَن دُونَ اللَّهِ.
18:15Page 294
هَٰٓؤُلَآءِ قَوۡمُنَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗۖ لَّوۡلَا يَأۡتُونَ عَلَيۡهِم بِسُلۡطَٰنِۭ بَيِّنٖۖ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا ١٥
These, our people, have taken besides Him deities. Why do they not bring for [worship of] them a clear evidence? And who is more unjust than one who invents about Allāh a lie?"
﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِما اقْتَضَتْهُ جُمْلَةُ ﴿لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾ [الكهف: ١٤] إذْ يَثُورُ في نَفْسِ السّامِعِ أنْ يَتَساءَلَ عَمَّنْ يَقُولُ هَذا الشَّطَطَ، إنْ كانَ في السّامِعِينَ مَن لا يَعْلَمُ ذَلِكَ أوْ بِتَنْزِيلِ غَيْرِ السّائِلِ مَنزِلَةَ السّائِلِ.
وهَذِهِ الجُمْلَةُ مِن بَقِيَّةِ كَلامِ الفِتْيَةِ كَما اقْتَضاهُ ضَمِيرُ قَوْلِهِ دُونِهِ العائِدُ إلى رَبَّنا.
والإشارَةُ إلى قَوْمِهِمْ بِـ ”هَؤُلاءِ“ لِقَصْدِ تَمْيِيزِهِمْ بِما سَيُخْبِرُ بِهِ عَنْهم، وفي هَذِهِ الإشارَةِ تَعْرِيضٌ بِالتَّعَجُّبِ مِن حالِهِمْ وتَفْضِيحُ صُنْعِهِمْ، وهو مِن لَوازِمِ قَصْدِ التَّمْيِيزِ.
وجُمْلَةُ اتَّخِذُوا خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، وهو خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ عَلَيْهِمْ دُونَ الإخْبارِ، إذِ اتِّخاذُهم آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ مَعْلُومٌ بَيْنَ المُتَخاطِبِينَ، فَلَيْسَ الإخْبارُ بِهِ بِمُفِيدٍ فائِدَةَ الخَبَرِ.
ومَعْنى ”مِن دُونِهِ“ مِن غَيْرِهِ، و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ آلِهَةً ناشِئَةً مِن غَيْرِ اللَّهِ، وكانَ قَوْمُهم يَوْمَئِذٍ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ عَلى عَقِيدَةِ الرُّومِ، ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ.
وجُمْلَةُ ﴿لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ﴾ مُؤَكِّدَةٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها بِاعْتِبارِ أنَّها مُسْتَعْمَلَةٌ في الإنْكارِ؛ لِأنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ الجُمْلَةِ يُقَوِّي الإنْكارَ عَلَيْهِمْ.
صفحة ٢٧٥
و(لَوْلا) حَرْفُ تَحْضِيضٍ، حَقِيقَتُهُ: الحَثُّ عَلى تَحْصِيلِ مَدْخُولِها، ولَمّا كانَ الإتْيانُ بِسُلْطانٍ عَلى ثُبُوتِ الإلَهِيَّةِ لِلْأصْنامِ الَّتِي اتَّخَذُوها آلِهَةً مُتَعَذِّرًا بِقَرِينَةِ أنَّهم أنْكَرُوهُ عَلَيْهِمُ انْصَرَفَ التَّحْضِيضُ إلى التَّبْكِيتِ والتَّغْلِيطِ، أيِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ لا بُرْهانَ عَلى إلَهِيَّتِهِمْ.
ومَعْنى ”عَلَيْهِمْ“ عَلى آلِهَتِهِمْ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ .
والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ والبُرْهانُ.
والبَيِّنُ: الواضِحُ الدَّلالَةِ، ومَعْنى الكَلامِ: إذْ لَمْ يَأْتُوا بِسُلْطانٍ عَلى ذَلِكَ فَقَدْ أقامُوا اعْتِقادَهم عَلى الكَذِبِ والخَطَأِ، ولِذَلِكَ فَرَّعَ عَلَيْهِ جُمْلَةَ ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ .
و(مَن) اسْتِفْهامِيَّةٌ، وهو إنْكارٌ، أيْ لا أظْلَمَ مِمَّنِ افْتَرى، والمَعْنى: أنَّهُ أظْلَمُ مِن غَيْرِهِ، ولَيْسَ المُرادُ المُساواةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤] .
والمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ كَذِبًا، وذَلِكَ أنَّهم أشْرَكُوا مَعَهُ غَيْرَهُ في الإلَهِيَّةِ فَقَدْ كَذَبُوا عَلَيْهِ في ذَلِكَ إذْ أثْبَتُوا لَهُ صِفَةً مُخالِفَةً لِلْواقِعِ.
وافْتِراءُ الكَذِبِ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [المائدة: ١٠٣] في سُورَةِ العُقُودِ.
ثُمَّ إنْ كانَ الكَلامُ مِن مَبْدَئِهِ خِطابًا لِقَوْمِهِمْ أعْلَنُوا بِهِ إيمانَهم بَيْنَهم كَما تَقَدَّمَ؛ كانَتِ الإشارَةُ في قَوْلِهِمْ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنا﴾ عَلى ظاهِرِها، وكانَ ارْتِقاءً في التَّعْرِيضِ لَهم بِالمَوْعِظَةِ، وإنْ كانَ الكَلامُ مِن مَبْدَئِهِ دائِرًا بَيْنَهم في خاصَّتِهِمْ؛ كانَتِ الإشارَةُ إلى حاضِرٍ في الذِّهْنِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ﴾ [الأنعام: ٨٩] أيْ مُشْرِكُو مَكَّةَ.
18:16Page 295
وَإِذِ ٱعۡتَزَلۡتُمُوهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ فَأۡوُۥٓاْ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ يَنشُرۡ لَكُمۡ رَبُّكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَيُهَيِّئۡ لَكُم مِّنۡ أَمۡرِكُم مِّرۡفَقٗا ١٦
[The youths said to one another], "And when you have withdrawn from them and that which they worship other than Allāh, retreat to the cave. Your Lord will spread out for you of His mercy and will prepare for you from your affair facility."
صفحة ٢٧٦
﴿وإذِ اعْتَزَلْتُمُوهم وما يَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ فَأْوُوا إلى الكَهْفِ يَنْشُرْ لَكم رَبُّكم مِن رَحْمَتِهِ ويُهَيِّئْ لَكم مِن أمْرِكم مَرْفِقًا﴾ يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ عَلى سَبِيلِ النُّصْحِ والمَشُورَةِ الصّائِبَةِ، ولَيْسَ يَلْزَمُ في حِكايَةِ أقْوالِ القائِلِينَ أنْ تَكُونَ المَحْكِيّاتُ كُلُّها صادِرَةً في وقْتٍ واحِدٍ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونُوا قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ذَلِكَ بَعْدَ اليَأْسِ مِنِ ارْعِواءِ قَوْمِهِمْ عَنْ فِتْنَتِهِمْ في مَقامٍ آخَرَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في نَفْسِ المَقامِ الَّذِي خاطَبُوا فِيهِ قَوْمَهم بِأنْ غَيَّرُوا الخِطابَ مِن مُواجَهَةِ قَوْمِهِمْ إلى مُواجَهَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وهو ضَرْبٌ مِنَ الِالتِفاتِ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ فِعْلُ ”اعْتَزَلْتُمُوهم“ مُسْتَعْمَلًا في إرادَةِ الفِعْلِ، مِثْلُ ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي يَكُونُ الِاعْتِزالُ قَدْ حَصَلَ فِيما بَيْنَ مَقامِ خِطابِهِمْ قَوْمَهم وبَيْنَ مُخاطَبَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ فالقُرْآنُ اقْتَصَرَ في حِكايَةِ أقْوالِهِمْ عَلى المَقْصِدِ الأهَمِّ مِنها في الدَّلالَةِ عَلى ثَباتِهِمْ دُونَ ما سِوى ذَلِكَ مِمّا لا أثَرَ لَهُ في الغَرَضِ، وإنَّما هو مُجَرَّدُ قَصَصٍ.
و(إذْ) لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ بِمَعْنى التَّعْلِيلِ.
والِاعْتِزالُ: التَّباعُدُ والِانْفِرادُ عَنْ مُخالَطَةِ الشَّيْءِ، فَمَعْنى اعْتِزالِ القَوْمِ تَرْكُ مُخالَطَتِهِمْ، ومَعْنى اعْتِزالِ ما يَعْبُدُونَ: التَّباعُدُ عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ إلّا اللَّهَ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَكُنْ يَعْبُدُهُ القَوْمُ.
والفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ بِاعْتِبارِ إفادَتِها مَعْنى: اعْتَزَلْتُمْ دِينَهُمُ اعْتِزالًا اعْتِقادِيًّا، فَيُقَدَّرُ بَعْدَها جُمْلَةٌ نَحْوَ: اعْتَزِلُوهُمُ اعْتِزالَ مُفارَقَةٍ فَأْوُوا إلى الكَهْفِ، أوْ يُقَدَّرُ: وإذِ اعْتَزَلْتُمْ دِينَهم يُعَذِّبُونَكم فَأْوُوا
صفحة ٢٧٧
إلى الكَهْفِ، وجَوَّزَ الفَرّاءُ أنْ تُضَمَّنَ (إذْ) مَعْنى الشَّرْطِ، ويَكُونُ فَأْوُوا جَوابَها، وعَلى الشَّرْطِ يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ ”اعْتَزَلْتُمُوهم“ مُسْتَعْمَلًا في إرادَةِ الِاعْتِزالِ.
والأوْيُ تَقَدَّمَ آنِفًا، أيْ فاسْكُنُوا الكَهْفَ.
والتَّعْرِيفُ في ”الكَهْفِ“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْرِيفَ العَهْدِ، بِأنْ كانَ الكَهْفُ مَعْهُودًا عِنْدَهم يَتَعَبَّدُونَ فِيهِ مِن قَبْلُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْرِيفَ الحَقِيقَةِ مِثْلَ ﴿وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٣]، أيْ فَأْوُوا إلى كَهْفٍ مِنَ الكُهُوفِ، وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ يَكُونُ إشارَةً مِنهم إلى سُنَّةِ النَّصارى الَّتِي ذَكَرْناها في أوَّلِ هَذِهِ الآياتِ، أوْ عادَةِ المُضْطَهَدِينَ مِنَ اليَهُودِ كَما ارْتَأيْناهُ هُنالِكَ.
ونَشْرُ الرَّحْمَةِ: تَوَفُّرُ تَعَلُّقِها بِالمَرْحُومِينَ، شَبَّهَ تَعْلِيقَ الصِّفَةِ المُتَكَرِّرَ بِنَشْرِ الثَّوْبِ في أنَّهُ لا يُبْقِي مِنَ الثَّوْبِ شَيْئًا مَخْفِيًّا، كَما شُبِّهَ بِالبَسْطِ، وشُبِّهَ ضِدُّهُ بِالطَّيِّ وبِالقَبْضِ.
والمَرْفِقُ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الفاءِ: ما يُرْتَفَقُ بِهِ ويُنْتَفَعُ، وبِذَلِكَ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ، وبِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ وبِهِ قَرَأ الباقُونَ وتَهْيِئَتُهُ مُسْتَعارَةٌ لِلْإكْرامِ بِهِ والعِنايَةِ، تَشْبِيهًا بِتَهْيِئَةِ القِرى لِلضَّيْفِ المُعْتَنى بِهِ، وجُزِمَ ”يَنْشُرْ“ في جَوابِ الأمْرِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى الثِّقَةِ بِالرَّجاءِ والدُّعاءِ، وساقُوهُ مَساقَ الحاصِلِ لِشِدَّةِ ثِقَتِهِمْ بِلُطْفِ رَبِّهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ.
18:17Page 295
۞ وَتَرَى ٱلشَّمۡسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَٰوَرُ عَن كَهۡفِهِمۡ ذَاتَ ٱلۡيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقۡرِضُهُمۡ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ وَهُمۡ فِي فَجۡوَةٖ مِّنۡهُۚ ذَٰلِكَ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِۗ مَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ وَلِيّٗا مُّرۡشِدٗا ١٧
And [had you been present], you would see the sun when it rose, inclining away from their cave on the right, and when it set, passing away from them on the left, while they were [lying] within an open space thereof. That was from the signs of Allāh. He whom Allāh guides is the [rightly] guided, but he whom He sends astray - never will you find for him a protecting guide.
﴿وتَرى الشَّمْسَ إذا طَلَعَتْ تَزّاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ وإذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهم ذاتَ الشِّمالِ وهم في فَجْوَةٍ مِنهُ﴾ عَطَفَ بَعْضَ أحْوالِهِمْ عَلى بَعْضٍ، انْتَقَلَ إلى ذِكْرِهِ بِمُناسَبَةِ الإشارَةِ إلى تَحْقِيقِ رَجائِهِمْ في رَبِّهِمْ حِينَ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ﴿يَنْشُرْ لَكم رَبُّكم مِن رَحْمَتِهِ ويُهَيِّئْ لَكم مِن أمْرِكم مِرفَقًا﴾ [الكهف: ١٦] .
صفحة ٢٧٨
وهَذا حالٌ عَظِيمٌ، وهو ما هَيَّأ اللَّهُ لَهم في أمْرِهِمْ مِن مَرْفِقٍ، وأنَّ ذَلِكَ جَزاؤُهم عَلى اهْتِدائِهِمْ، وهو مِن لُطْفِ اللَّهِ بِهِمْ.
والخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، والمَعْنى: يَرى مَن تُمْكِنُهُ الرُّؤْيَةُ، وهَذا كَثِيرٌ في الِاسْتِعْمالِ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
تَرى عافِياتِ الطَّيْرِ قَدْ وثِقَتْ لَها بِشَبَعٍ مِنَ السَّخْلِ العِتاقِ الأكِايِلِ
وقَدْ أوْجَزَ مِنَ الخَبَرِ أنَّهم لَمّا قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ﴿فَأْوُوا إلى الكَهْفِ﴾ [الكهف: ١٦] أنَّهم أوَوْا إلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: فَأخَذُوا بِنَصِيحَتِهِ؛ فَأوَوْا إلى الكَهْفِ، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في صَدْرِ القِصَّةِ ﴿إذْ أوى الفِتْيَةُ إلى الكَهْفِ﴾ [الكهف: ١٠] فَرَدَّ عَجُزَ الكَلامِ عَلى صَدْرِهِ.
و”تَزّاوَرُ“ مُضارِعٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الزَّوْرِ بِفَتْحِ الزّايِ، وهو المَيْلُ، وقَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ بِفَتْحِ التّاءِ وتَشْدِيدِ الزّايِ بَعْدَها ألِفٌ وفَتْحِ الواوِ، وأصْلُهُ: تَتَزاوَرُ بِتاءَيْنِ أُدْغِمَتْ تاءُ التَّفاعُلِ في الزّايِ تَخْفِيفًا.
وقَرَأهُ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِتَخْفِيفِ الزّايِ عَلى حَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ وهي تاءُ المُضارَعَةِ لِلتَّخْفِيفِ اجْتِزاءً بِرَفْعِ الفِعْلِ الدّالِّ عَلى المُضارَعَةِ، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ (تَزْوَرُّ) بِفَتْحِ التّاءِ بَعْدَها زايٌ ساكِنَةٌ، وبِفَتْحِ الواوِ، وتَشْدِيدِ الرّاءِ بِوَزْنِ ”تَحْمَرُّ“، وكُلُّها أبْنِيَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الزَّوَرِ بِالتَّحْرِيكِ، وهو المَيْلُ عَنِ المَكانِ، قالَ عَنْتَرَةُ:
فازْوَرَّ مِن وقْعِ القَنا بِلَبانِهِ
أيْ مالَ بَعْضُ بَدَنِهِ إلى بَعْضٍ وانْقَبَضَ.
والإتْيانُ بِفِعْلِ المُضارَعَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَكَرُّرِ ذَلِكَ كُلَّ يَوْمٍ و”تَقْرِضُهم“ أيْ تَنْصَرِفُ عَنْهم، وأصْلُ القَرْضِ القَطْعُ، أيْ أنَّها لا تَطَّلِعُ في كَهْفِهِمْ.
صفحة ٢٧٩
و﴿ذاتَ اليَمِينِ وذاتَ الشِّمالِ﴾ [الكهف: ١٨] بِمَعْنى صاحِبَةٍ، وهي صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيِ الجِهَةَ صاحِبَةَ اليَمِينِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ”ذاتِ“ عِنْدِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١] في سُورَةِ الأنْفالِ.
والتَّعْرِيفُ في (اليَمِينِ، والشِّمالِ) عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ: يَمِينِ الكَهْفِ وشِمالِهِ، فَيَدُلُّ عَلى أنَّ فَمَ الكَهْفِ كانَ مَفْتُوحًا إلى الشِّمالِ الشَّرْقِيِّ، فالشَّمْسُ إذا طَلَعَتْ تَطْلُعُ عَلى جانِبِ الكَهْفِ ولا تَخْتَرِقُهُ أشِعَّتُها، وإذا غَرَبَتْ كانَتْ أشِعَّتُها أبْعَدَ عَنْ فَمِ الكَهْفِ مِنها حِينَ طُلُوعِها.
وهَذا وضْعٌ عَجِيبٌ يَسَّرَهُ اللَّهُ لَهم بِحِكْمَتِهِ؛ لِيَكُونَ داخِلَ الكَهْفِ بِحالَةِ اعْتِدالٍ، فَلا يَنْتابُ البِلى أجْسادَهم، وذَلِكَ مِن آياتِ قُدْرَةِ اللَّهِ.
والفَجْوَةُ: المُتَّسَعُ مِن داخِلِ الكَهْفِ، بِحَيْثُ لَمْ يَكُونُوا قَرِيبِينَ مِن فَمِ الكَهْفِ، وفي تِلْكَ الفَجْوَةِ عَوْنٌ عَلى حِفْظِ هَذا الكَهْفِ كَما هو.
* * *
﴿ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ﴾
الإشارَةُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ إلى المَذْكُورِ مِن قَوْلِهِ ﴿وتَرى الشَّمْسَ﴾ .
وآياتُ اللَّهِ: دَلائِلُ قُدْرَتِهِ وعِنايَتِهِ بِأوْلِيائِهِ ومُؤَيِّدِي دِينِ الحَقِّ.
والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ في خِلالِ القِصَّةِ لِلتَّنْوِيهِ بِأصْحابِها، والإشارَةُ لِلتَّعْظِيمِ.
* * *
﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهْوَ المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ ولِيًّا﴾
مُرْشِدًا اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِما اقْتَضاهُ اسْمُ الإشارَةِ مِن تَعْظِيمِ أمْرِ الآيَةِ، وأصْحابِها.
صفحة ٢٨٠
وعُمُومُ (مَنِ) الشَّرْطِيَّةِ يَشْمَلُ المُتَحَدَّثَ عَنْهم بِقَرِينَةِ المَقامِ، والمَعْنى: أنَّهم كانُوا مُهْتَدِينَ؛ لِأنَّ اللَّهَ هَداهم فِيمَن هَدى، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ تَيْسِيرَ ذَلِكَ لَهم مِنَ اللَّهِ هو أثَرُ تَيْسِيرِهِمْ لِلْيُسْرى والهُدى، فَأبْلَغَهُمُ الحَقَّ عَلى لِسانِ رَسُولِهِمْ، ورَزَقَهم أفْهامًا تُؤْمِنُ بِالحَقِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي﴾، وعَلى كِتابَةِ ”المُهْتَدِ“ بِدُونِ ياءٍ في سُورَةِ الإسْراءِ.
والمُرْشِدُ: الَّذِي يُبَيِّنُ لِلْحَيْرانِ وجْهَ الرُّشْدِ، وهو إصابَةُ المَطْلُوبِ مِنَ الخَيْرِ.
18:18Page 295
وَتَحۡسَبُهُمۡ أَيۡقَاظٗا وَهُمۡ رُقُودٞۚ وَنُقَلِّبُهُمۡ ذَاتَ ٱلۡيَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِۖ وَكَلۡبُهُم بَٰسِطٞ ذِرَاعَيۡهِ بِٱلۡوَصِيدِۚ لَوِ ٱطَّلَعۡتَ عَلَيۡهِمۡ لَوَلَّيۡتَ مِنۡهُمۡ فِرَارٗا وَلَمُلِئۡتَ مِنۡهُمۡ رُعۡبٗا ١٨
And you would think them awake, while they were asleep. And We turned them to the right and to the left, while their dog stretched his forelegs at the entrance. If you had looked at them, you would have turned from them in flight and been filled by them with terror.
﴿وتَحْسِبُهم أيْقاظًا وهم رُقُودٌ ونُقَلِّبُهم ذاتَ اليَمِينِ وذاتَ الشِّمالِ﴾ عَطْفٌ عَلى بَقِيَّةِ القِصَّةِ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، والخِطابُ فِيهِ كالخِطابِ في قَوْلِهِ ﴿وتَرى الشَّمْسَ﴾ [الكهف: ١٧]، وهَذا انْتِقالٌ إلى ما في حالِهِمْ مِنَ العِبْرَةِ لِمَن لَوْ رَآهم مِنَ النّاسِ، مُدْمَجٌ فِيهِ بَيانُ كَرامَتِهِمْ وعَظِيمُ قُدْرَةِ اللَّهِ في شَأْنِهِمْ، وهو تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ لِمَن لَوْ رَآهُ مِنَ النّاسِ.
ومَعْنى حُسْبانِهِمْ أيْقاظًا: أنَّهم في حالَةٍ تُشْبِهُ حالَ اليَقَظَةِ، وتَخالُفِ حالَ النَّوْمِ، فَقِيلَ: كانَتْ أعْيُنُهم مَفْتُوحَةً.
وصِيغَ فِعْلُ ”تَحْسَبُهم“ مُضارِعًا لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ يَتَكَرَّرُ مُدَّةً طَوِيلَةً.
والأيْقاظُ: جَمْعُ يَقِظٍ، بِوَزْنِ كَتِفٍ، وبِضَمِّ القافِ بِوَزْنِ عَضُدٍ.
والرُّقُودُ: جَمْعُ راقِدٍ.
والتَّقْلِيبُ: تَغْيِيرُ وضْعِ الشَّيْءِ مِن ظاهِرِهِ إلى باطِنِهِ، قالَ تَعالى ﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ [الكهف: ٤٢] .
صفحة ٢٨١
و﴿ذاتَ اليَمِينِ وذاتَ الشِّمالِ﴾ أيْ إلى جِهَةِ أيْمانِهِمْ وشَمائِلِهِمْ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ أجْرى عَلَيْهِمْ حالَ الأحْياءِ الأيْقاظِ فَجَعَلَهم تَتَغَيَّرُ أوْضاعُهم مِن أيْمانِهِمْ إلى شَمائِلِهِمْ والعَكْسُ، وذَلِكَ لِحِكْمَةٍ، لَعَلَّ لَها أثَرًا في بَقاءِ أجْسامِهِمْ بِحالَةِ سَلامَةٍ.
والإتْيانُ بِالمُضارِعِ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ بِحَسَبِ الزَّمَنِ المَحْكِيِّ، ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونُوا كَذَلِكَ حِينَ نُزُولِ الآيَةِ.
* * *
﴿وكَلْبُهم باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالوَصِيدِ﴾
هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ تَقْلِيبَهم لِلْيَمِينِ ولِلشَّمالِ كَرامَةٌ لَهم بِمَنحِهِمْ حالَةَ الأحْياءِ وعِنايَةٌ بِهِمْ، ولِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرِ التَّقْلِيبَ لِكَلْبِهِمْ بَلِ اسْتَمَرَّ في مَكانِهِ باسِطًا ذِراعَيْهِ شَأْنَ جِلْسَةِ الكَلْبِ.
والوَصِيدُ: مَدْخَلُ الكَهْفِ، شُبِّهَ بِالبابِ الَّذِي هو الوَصِيدُ؛ لِأنَّهُ يُوصَدُ ويُغْلَقُ.
وعَدَمُ تَقْلِيبِ الكَلْبِ عَنْ يَمِينِهِ وشِمالِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ تَقْلِيبَهم لَيْسَ مِن أسْبابِ سَلامَتِهِمْ مِنَ البِلى، وإلّا لَكانَ كَلْبُهم مِثْلَهم فِيهِ، بَلْ هو كَرامَةٌ لَهم، وقَدْ يُقالُ: إنَّهم لَمْ يَفْنَوْا، وأمّا كَلْبُهم فَفَنِيَ، وصارَ رِمَّةً مَبْسُوطَةً عِظامُ ذِراعَيْهِ.
* * *
﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا ولَمُلِّئْتَ مِنهم رُعْبًا﴾
الخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، أيْ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ أيُّها السّامِعُ حِينَ كانُوا في تِلْكَ الحالَةِ قَبْلَ أنْ يَبْعَثَهُمُ اللَّهُ، إذْ لَيْسَ في الكَلامِ أنَّهم لَمْ يَزالُوا كَذَلِكَ زَمَنَ نُزُولِ الآيَةِ.
صفحة ٢٨٢
والمَعْنى: لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ، ولَمْ تَكُنْ عَلِمْتَ بِقِصَّتِهِمْ لَحَسِبْتَهم لُصُوصًا قُطّاعًا لِلطَّرِيقِ، إذْ هم عَدَدٌ في كَهْفٍ، وكانَتِ الكُهُوفُ مَخابِئَ لِقُطّاعِ الطَّرِيقِ، كَما قالَ تَأبَّطَ شَرًّا:
أقُولُ لَلَحْيانٍ وقَدْ صَفِرَتْ لَهم وِطابِي ويَوْمِي ضَيِّقُ الجُحْرِ مِعْوَرُ
فَفَرَرْتَ مِنهم، ومَلَكَكَ الرُّعْبُ مِن شَرِّهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠]، ولَيْسَ المُرادُ الرُّعْبَ مِن ذَواتِهِمْ؛ إذْ لَيْسَ في ذَواتِهِمْ ما يُخالِفُ خَلْقَ النّاسِ، ولا الخَوْفَ مِن كَوْنِهِمْ أمْواتًا، إذْ لَمْ يَكُنِ الرُّعْبُ مِنَ الأمْواتِ مِن خِلالِ العَرَبِ، عَلى أنَّهُ قَدْ سَبَقَ ﴿وتَحْسِبُهم أيْقاظًا وهم رُقُودٌ﴾ .
والِاطِّلاعُ: الإشْرافُ عَلى الشَّيْءِ، ورُؤْيَتُهُ مِن مَكانٍ مُرْتَفِعٍ؛ لِأنَّهُ افْتِعالٌ مِن طَلَعَ إذا ارْتَقى جَبَلًا، فَصِيَغُ الِافْتِعالِ لِلْمُبالَغَةِ في الِارْتِقاءِ، وضُمِّنَ مَعْنى الإشْرافِ فَعُدِّيَ بِـ (عَلى)، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ مَجازًا مَشْهُورًا في رُؤْيَةِ الشَّيْءِ الَّذِي لا يَراهُ أحَدٌ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ هَذا الفِعْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ﴾ [مريم: ٧٨] في سُورَةِ مَرْيَمَ، فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ، وفي الكَشّافِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما يَقْتَضِي ذَلِكَ ولَيْسَ بِصَحِيحٍ.
وانْتُصِبَ فِرارًا عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُبَيِّنِ لِنَوْعِ ولَّيْتَ.
و(مُلِّئْتَ) مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ، أيْ مَلَّأكَ الرُّعْبُ، ومَلَّأ - بِتَشْدِيدِ اللّامِ - مُضاعَفُ مَلَأ، وقُرِئَ بِهِما.
والمَلْءُ: كَوْنُ المَظْرُوفِ حالًّا في جَمِيعِ فَراغِ الظَّرْفِ بِحَيْثُ لا تَبْقى في الظَّرْفِ سَعَةٌ لِزِيادَةِ شَيْءٍ مِنَ المَظْرُوفِ، فَمُثِّلَتِ الصِّفَةُ النَّفْسِيَّةُ بِالمَظْرُوفِ، ومُثِّلَ عَقْلُ الإنْسانِ بِالظَّرْفِ، ومُثِّلَ تَمَكُّنِ الصِّفَةِ مِنَ النَّفْسِ بِحَيْثُ لا يُخالِطُها تَفْكِيرٌ في غَيْرِها بِمَلْءِ الظَّرْفِ بِالمَظْرُوفِ، فَكانَ في قَوْلِهِ ”مُلِّئْتَ“ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، وعَكْسُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا﴾ [القصص: ١٠] .
صفحة ٢٨٣
وانْتَصَبَ ”رُعْبًا“ عَلى تَمْيِيزِ النِّسْبَةِ المُحَوَّلِ عَنِ الفاعِلِ في المَعْنى؛ لِأنَّ الرُّعْبَ هو الَّذِي يَمْلَأُ، فَلَمّا بُنِيَ الفِعْلُ إلى المَجْهُولِ؛ لِقَصْدِ الإجْمالِ ثُمَّ التَّفْصِيلُ صارَ ما حَقُّهُ أنْ يَكُونَ فاعِلًا تَمْيِيزًا، وهو إسْنادٌ بَدِيعٌ حَصَلَ مِنهُ التَّفْصِيلُ بَعْدَ الإجْمالِ، ولَيْسَ تَمْيِيزًا مُحَوَّلًا عَنِ المَفْعُولِ كَما قَدْ يَلُوحُ بادِئَ الرَّأْيِ.
والرُّعْبُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [آل عمران: ١٥١] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ (ولَمُلِّئْتَ) بِتَشْدِيدِ اللّامِ عَلى المُبالَغَةِ في المَلْءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِتَخْفِيفِ اللّامِ عَلى الأصْلِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”رُعْبًا“ بِسُكُونِ العَيْنِ، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ بِضَمِّ العَيْنِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences