Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Kahf 18:42–48
18:42–43Page 298
وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِۦ فَأَصۡبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيۡهِ عَلَىٰ مَآ أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي لَمۡ أُشۡرِكۡ بِرَبِّيٓ أَحَدٗا ٤٢
And his fruits were encompassed [by ruin], so he began to turn his hands about [in dismay] over what he had spent on it, while it had collapsed upon its trellises, and said, "Oh, I wish I had not associated with my Lord anyone."1
وَلَمۡ تَكُن لَّهُۥ فِئَةٞ يَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا ٤٣
And there was for him no company to aid him other than Allāh, nor could he defend himself.
صفحة ٣٢٦
﴿وأُحِيطَ بِثُمُرِهِ فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ فِيها وهْيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ويَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ .
كانَ صاحِبُهُ المُؤْمِنُ رَجُلًا صالِحًا فَحَقَّقَ اللَّهُ رَجاءَهُ، أوْ كانَ رَجُلًا مُحَدَّثًا مِن مُحَدَّثِي هَذِهِ الأُمَّةِ، أوْ مِن مُحَدَّثِي الأُمَمِ الماضِيَةِ عَلى الخِلافِ في المَعْنِيِّ بِالرَّجُلَيْنِ في الآيَةِ، ألْهَمَهُ اللَّهُ مَعْرِفَةَ ما قَدَّرَهُ في الغَيْبِ مِن عِقابٍ في الدُّنْيا لِلرَّجُلِ الكافِرِ المُتَجَبِّرِ.
وإنَّما لَمْ تُعْطَفْ جُمْلَةُ ﴿وأُحِيطَ﴾ بِفاءِ التَّفْرِيعِ عَلى رَجاءِ صاحِبِهِ المُؤْمِنِ إذْ لَمْ يَتَعَلَّقِ الغَرَضُ في هَذا المَقامِ بِالإشارَةِ إلى الرَّجُلِ المُؤْمِنِ، وإنَّما المُهِمُّ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ ذَلِكَ حادِثٌ حَلَّ بِالكافِرِ عِقابًا لَهُ عَلى كُفْرِهِ؛ لِيَعْلَمَ السّامِعُونَ أنَّ ذَلِكَ جَزاءُ أمْثالِهِ، وأنْ لَيْسَ بِخُصُوصِيَّةٍ لِدَعْوَةِ الرَّجُلِ المُؤْمِنِ.
والإحاطَةُ: الأخْذُ مِن كُلِّ جانِبٍ، مَأْخُوذَةٌ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ بِالقَوْمِ إذا غَزاهم، وقَدْ تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] في سُورَةِ يُوسُفَ وقَوْلِهِ ﴿إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] في سُورَةِ الإسْراءِ.
والمَعْنى: أُتْلِفَ مالُهُ كُلُّهُ بِأنْ أرْسَلَ عَلى الجَنَّةِ والزَّرْعِ حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ؛ فَأصْبَحَتْ صَعِيدًا زَلَقًا، وهَلَكَتْ أنْعامُهُ، وسُلِبَتْ أمْوالُهُ، أوْ خُسِفَ بِها بِزَلْزالٍ أوْ نَحْوِهِ.
وتَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في لَفْظِ ”ثُمُرٍ“ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ [الكهف: ٣٤] .
صفحة ٣٢٧
وتَقْلِيبُ الكَفَّيْنِ: حَرَكَةٌ يَفْعَلُها المُتَحَسِّرُ، وذَلِكَ أنْ يُقَلِّبَهُما إلى أعْلى ثُمَّ إلى قُبالَتِهِ؛ تَحَسُّرًا عَلى ما صَرَفَهُ مِنَ المالِ في إحْداثِ تِلْكَ الجَنَّةِ، فَهو كِنايَةٌ عَنِ التَّحَسُّرِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهم: قَرَعَ السِّنَّ مِن نَدَمٍ، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩] .
والخاوِيَةُ: الخالِيَةُ، أيْ وهي خالِيَةٌ مِنَ الشَّجَرِ والزَّرْعِ، والعُرُوشِ: السَّقْفُ، و(عَلى) لِلِاسْتِعْلاءِ، وجُمْلَةُ ﴿عَلى عُرُوشِها﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ خاوِيَةٌ.
وهَذا التَّرْكِيبُ أرْسَلَهُ القُرْآنُ مَثَلًا لِلْخَرابِ التّامِّ الَّذِي هو سُقُوطُ سُقُوفِ البِناءِ وجُدْرانِهِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ [البقرة: ٢٥٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ، عَلى أنَّ الضَّمِيرَ مُرادٌ بِهِ جُدْرانُ القَرْيَةِ بِقَرِينَةِ مُقابَلَتِهِ بِعُرُوشِها، إذِ القَرْيَةُ هي المَنازِلُ المُرَكَّبَةُ مِن جُدْرانٍ وسُقُفٍ، ثُمَّ جَعَلَ ذَلِكَ مَثَلًا لِكُلِّ هَلاكٍ تامٍّ لا يَبْقى مَعَهُ بَقِيَّةٌ مِنَ الشَّيْءِ الهالِكِ.
وجُمْلَةُ ويَقُولُ حِكايَةٌ لِتَنَدُّمِهِ عَلى ما فَرَطَ مِنهُ حِينَ لا يَنْفَعُهُ النَّدَمُ بَعْدَ حُلُولِ العَذابِ.
والمُضارِعُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَكَرُّرِ ذَلِكَ القَوْلِ مِنهُ.
وحَرْفُ النِّداءِ مُسْتَعْمَلٌ في التَّلَهُّفِ، و(لَيْتَنِي) تَمَنٍّ مُرادٌ بِهِ التَّنَدُّمُ، وأصْلُ قَوْلِهِمْ (يا لَيْتَنِي) أنَّهُ تَنْزِيلٌ لِلْكَلِمَةِ مَنزِلَةَ مَن يَعْقِلُ، كَأنَّهُ يُخاطِبُ كَلِمَةَ (لَيْتَ) يَقُولُ: احْضُرِي فَهَذا أوانُكِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] .
وهَذا نَدَمٌ عَلى الإشْراكِ فِيما مَضى، وهو يُؤْذِنُ بِأنَّهُ آمَنَ بِاللَّهِ وحْدَهُ حِينَئِذٍ.
وقَوْلُهُ ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مَوْعِظَةٌ وتَنْبِيهٌ عَلى جَزاءِ قَوْلِهِ ﴿وأعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف: ٣٤] .
صفحة ٣٢٨
والفِئَةُ: الجَماعَةُ، وجُمْلَةُ يَنْصُرُونَهُ صِفَةٌ، أيْ لَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ هَذِهِ صِفَتُها، فَإنَّ فِئَتَهُ لَمْ تُغْنِ عَنْهُ مِن عَذابِ اللَّهِ.
وقَوْلُهُ ﴿وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ أيْ: ولا يَكُونُ لَهُ انْتِصارٌ وتَخَلُّصٌ مِنَ العَذابِ.
وقَرَأهُ الجُمْهُورُ ولَمْ تَكُنْ بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ اعْتِدادًا بِتَأْنِيثِ فِئَةٍ في اللَّفْظِ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ (يَكُنْ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، والوَجْهانِ جائِزانِ في العَمَلِ إذا رَفَعَ ما لَيْسَ بِحَقِيقِيِّ التَّأْنِيثِ.
وأحاطَ بِهِ هَذا العِقابَ لا لِمُجَرَّدِ الكُفْرِ؛ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ يُمَتِّعُ كافِرِينَ كَثِيرِينَ طِوالَ حَياتِهِمْ، ويُمْلِي لَهم، ويَسْتَدْرِجُهم، وإنَّما أحاطَ بِهِ هَذا العِقابَ جَزاءً عَلى طُغْيانِهِ، وجَعْلِهِ ثَرْوَتَهُ ومالَهُ وسِيلَةً إلى احْتِقارِ المُؤْمِنِ الفَقِيرِ، فَإنَّهُ لَمّا اعْتَزَّ بِتِلْكَ النِّعَمِ، وتَوَسَّلَ بِها إلى التَّكْذِيبِ بِوَعْدِ اللَّهِ اسْتَحَقَّ عِقابَ اللَّهِ بِسَلْبِ تِلْكَ النِّعَمِ عَنْهُ كَما سُلِبَتِ النِّعْمَةُ عَنْ قارُونَ حِينَ قالَ ﴿إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨]، وبِهَذا كانَ هَذا المَثَلُ مَوْضِعَ العِبْرَةِ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا النِّعْمَةَ وسِيلَةً لِلتَّرَفُّعِ عَنْ مَجالِسِ الدَّعْوَةِ؛ لِأنَّها تَجْمَعُ قَوْمًا يَرَوْنَهم أحَطَّ مِنهم، وطَلَبُوا مِنَ النَّبِيءِ ﷺ طَرْدَهم عَنْ مَجْلِسِهِ كَما تَقَدَّمَ.
18:44Page 298
هُنَالِكَ ٱلۡوَلَٰيَةُ لِلَّهِ ٱلۡحَقِّۚ هُوَ خَيۡرٞ ثَوَابٗا وَخَيۡرٌ عُقۡبٗا ٤٤
There1 the authority is [completely] for Allāh, the Truth. He is best in reward and best in outcome.
﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هو خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقُبًا﴾ تَذْيِيلٌ لِلْجُمَلِ قَبْلَها لِما في هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ العُمُومِ الحاصِلِ مِن قَصْرِ الوَلايَةِ عَلى اللَّهِ تَعالى المُقْتَضِي تَحْقِيقَ جُمْلَةِ ﴿ويَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ [الكهف: ٤٢]، وجُمْلَةِ ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الكهف: ٤٣]، وجُمْلَةِ ﴿وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ [الكهف: ٤٣]؛ لِأنَّ الوَلايَةَ مِن شَأْنِها أنْ تَبْعَثَ عَلى نَصْرِ المَوْلى، وأنْ تُطْمِعَ المَوْلى في أنَّ ولِيَّهُ يَنْصُرُهُ، ولِذَلِكَ لَمّا رَأى الكافِرَ ما دَهاهُ مِن جَرّاءِ كُفْرِهِ التَجَأ إلى أنْ يَقُولَ ﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ [الكهف: ٤٢]، إذْ عَلِمَ أنَّ الآلِهَةَ الأُخْرى لَمْ تُغْنِ وِلايَتُهم عَنْهُ شَيْئًا، كَما قالَ أبُو سُفْيانَ يَوْمَ أسْلَمَ (لَقَدْ عَلِمْتُ أنْ لَوْ كانَ مَعَهُ إلَهٌ آخَرُ لَقَدْ أغْنى عَنِّي شَيْئًا)، فاسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ و﴿الوَلايَةُ لِلَّهِ﴾ جُمْلَةُ خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ.
صفحة ٣٢٩
واسْمُ إشارَةِ المَكانِ البَعِيدِ مُسْتَعارٌ لِلْإشارَةِ إلى الحالِ العَجِيبَةِ بِتَشْبِيهِ الحالَةِ بِالمَكانِ؛ لِإحاطَتِها بِصاحِبِها، وتَشْبِيهُ غَرابَتِها بِالبُعْدِ؛ لِنُدْرَةِ حُصُولِها، والمَعْنى: أنَّ في مِثْلِ تِلْكَ الحالَةِ تَقْصُرُ الوَلايَةُ عَلى اللَّهِ، فالوَلايَةُ: جِنْسٌ مُعَرَّفٌ بِلامِ الجِنْسِ يُفِيدُ أنَّ هَذا الجِنْسَ مُخْتَصٌّ بِاللّامِ عَلى نَحْوِ ما قُرِّرَ في قَوْلِهِ تَعالى الحَمْدُ لِلَّهِ.
والوَلايَةُ بِفَتْحِ الواوِ مَصْدَرُ ولِيَ، إذا ثَبَتَ لَهُ الوَلاءُ، وتَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] في سُورَةِ الأنْفالِ.
وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ (الوِلايَةُ) بِكَسْرِ الواوِ وهي اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ، أوِ اسْمٌ بِمَعْنى السُّلْطانِ والمُلْكِ.
والحَقُّ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالجَرِّ، عَلى أنَّهُ وصْفُ اللَّهِ تَعالى، كَما وُصِفَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ورُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ [يونس: ٣٠] في سُورَةِ يُونُسَ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ (الحَقُّ) بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِلْوَلايَةِ، فَـ الحَقُّ بِمَعْنى الصِّدْقِ؛ لِأنَّ ولايَةَ غَيْرِهِ كَذِبٌ وباطِلٌ.
قالَ حُجَّةُ الإسْلامِ: والواجِبُ بِذاتِهِ هو الحَقُّ مُطْلَقًا، إذْ هو الَّذِي يَسْتَبِينُ بِالعَقْلِ أنَّهُ مَوْجُودٌ حَقًّا، فَهو مِن حَيْثُ ذاتِهِ يُسَمّى مَوْجُودًا ومِن حَيْثُ إضافَتِهِ إلى العَقْلِ الَّذِي أدْرَكَهُ عَلى ما هو عَلَيْهِ يُسَمّى حَقًّا ا هـ.
وبِهَذا يَظْهَرُ وجْهُ وصْفِهِ هُنا بِالحَقِّ دُونَ وصْفٍ آخَرَ،؛ لِأنَّهُ قَدْ ظَهَرَ في مِثْلِ تِلْكَ الحالِ أنَّ غَيْرَ اللَّهِ لا حَقِيقَةَ لَهُ أوْ لا دَوامَ لَهُ.
وخَيْرٌ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى أخِيرَ، فَيَكُونُ التَّفْضِيلُ في الخَيْرِيَّةِ عَلى ثَوابِ غَيْرِهِ وعُقُبِ غَيْرِهِ، فَإنَّ ما يَأْتِي مِن ثَوابٍ مِن غَيْرِهِ، ومِن عُقْبى إمّا زائِفٌ مُفْضٍ إلى ضُرٍّ، وإمّا زائِلٌ، وثَوابُ اللَّهِ خالِصٌ دائِمٌ، وكَذَلِكَ عُقْباهُ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَيْرٌ اسْمًا ضِدَّ الشَّرِّ، أيْ هو الَّذِي ثَوابُهُ وعُقُبُهُ خَيْرٌ، وما سِواهُ فَهو شَرٌّ.
صفحة ٣٣٠
والتَّمْيِيزُ تَمْيِيزُ نِسْبَةِ الخَيْرِ إلى اللَّهِ، و”العُقُبُ“ بِضَمَّتَيْنِ وبِسُكُونِ القافِ بِمَعْنى العاقِبَةِ، أيْ آخِرَةُ الأمْرِ، وهي ما يَرْجُوهُ المَرْءُ مِن سَعْيِهِ وعِمْلِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”عُقُبًا“ بِضَمَّتَيْنِ وبِالتَّنْوِينِ، وقَرَأهُ عاصِمٌ وحَمْزَةُ وخَلَفٌ بِإسْكانِ القافِ وبِالتَّنْوِينِ.
فَكَأنَّ ما نالَهُ ذَلِكَ المُشْرِكُ الجَبّارُ مِن عَطاءٍ إنَّما نالَهُ بِمَساعٍ وأسْبابٍ ظاهِرِيَّةٍ، ولَمْ يَنَلْهُ بِعِنايَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى وكَرامَةٍ؛ فَلَمْ يَكُنْ خَيْرًا وكانَتْ عاقِبَتُهُ شَرًّا عَلَيْهِ.
18:45Page 298
وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ فَأَصۡبَحَ هَشِيمٗا تَذۡرُوهُ ٱلرِّيَٰحُۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقۡتَدِرًا ٤٥
And present to them the example of the life of this world, [its being] like rain which We send down from the sky, and the vegetation of the earth mingles with it1 and [then] it becomes dry remnants, scattered by the winds. And Allāh is ever, over all things, Perfect in Ability.
﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ فَأصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ .
كانَ أعْظَمَ حائِلٍ بَيْنَ المُشْرِكِينَ وبَيْنَ النَّظَرِ في أدِلَّةِ الإسْلامِ انْهِماكُهم في الإقْبالِ عَلى الحَياةِ الزّائِلَةِ ونَعِيمِها، والغُرُورُ الَّذِي غَرَّ طُغاةَ أهْلِ الشِّرْكِ، وصَرَفَهم عَنْ إعْمالِ عُقُولِهِمْ في فَهْمِ أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ والبَعْثِ كَما قالَ تَعالى ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١١]، وقالَ ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٤] .
وكانُوا يَحْسَبُونَ هَذا العالَمَ غَيْرَ آيِلٍ إلى الفَناءِ ﴿وقالُوا ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤]، وما كانَ أحَدُ الرَّجُلَيْنِ الَّذِينَ تَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُما إلّا واحِدًا مِنَ المُشْرِكِينَ إذْ قالَ ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ [الكهف: ٣٦] .
فَأمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِأنْ يَضْرِبَ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا الَّتِي غَرَّتْهم بَهْجَتُها.
والحَياةُ الدُّنْيا: تُطْلَقُ عَلى مُدَّةِ بَقاءِ الأنْواعِ الحَيَّةِ عَلى الأرْضِ وبَقاءِ الأرْضِ عَلى حالَتِها، فَإطْلاقُ اسْمِ الحَياةِ الدُّنْيا عَلى تِلْكَ المُدَّةِ؛ لِأنَّها مُدَّةُ الحَياةِ النّاقِصَةِ غَيْرِ الأبَدِيَّةِ؛ لِأنَّها مُقَدَّرٌ زَوالُها، فَهي دُنْيا.
صفحة ٣٣١
وتُطْلَقُ الحَياةُ الدُّنْيا عَلى مُدَّةِ حَياةِ الأفْرادِ، أيْ حَياةِ كُلِّ أحَدٍ، ووَصْفُها بِـ (الدُّنْيا) بِمَعْنى القَرِيبَةِ، أيِ الحاضِرَةِ غَيْرِ المُسْتَنْظَرَةِ، كَنّى عَنِ الحُضُورِ بِالقُرْبِ، والوَصْفُ لِلِاحْتِرازِ عَنِ الحَياةِ الآخِرَةِ، وهي الحَياةُ بَعْدَ المَوْتِ.
والكافُ في قَوْلِهِ ”كَماءٍ“ في مَحَلِّ الحالِ مِنَ (الحَياةِ) المُضافِ إلَيْهِ (مَثَلَ)، أيِ اضْرِبْ لَهم مَثَلًا لَها حالَ أنَّها كَماءٍ أنْزَلْناهُ.
وهَذا المَثَلُ مُنْطَبِقٌ عَلى الحَياةِ الدُّنْيا بِإطْلاقَيْها، فَهُما مَرادانِ مِنهُ، وضَمِيرُ ”لَهم“ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ تَناسُقُ ضَمائِرِ الجُمَعِ الآتِيَةِ في قَوْلِهِ (وحَشَرْناهم فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم - وعُرِضُوا - بَلْ زَعَمْتُمْ أنْ لَنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا) .
واخْتِلاطُ النَّباتِ: وفْرَتُهُ والتِفافُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ مِن قُوَّةِ الخِصْبِ والِازْدِهارِ.
والباءُ في قَوْلِهِ (بِهِ) باءُ السَّبَبِيَّةِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى (ماءٍ) أيْ فاخْتَلَطَ النَّباتُ بِسَبَبِ الماءِ، أيِ اخْتَلَطَ بَعْضُ النَّباتِ بِبَعْضٍ، ولَيْسَتِ الباءُ لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ اخْتَلَطَ إلى المَفْعُولِ لِعَدَمِ وُضُوحِ المَعْنى عَلَيْهِ، وفي ذِكْرِ الأرْضِ بَعْدَ ذِكْرِ السَّماءِ مُحَسِّنُ الطِّباقِ.
و(أصْبَحَ) مُسْتَعْمَلَةٌ بِمَعْنى صارَ، وهو اسْتِعْمالٌ شائِعٌ.
والهَشِيمُ: اسْمٌ عَلى وزْنِ فَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ مَهْشُومًا مُحَطَّمًا، والهَشْمُ: الكَسْرُ والتَّفْتِيتُ.
و﴿تَذْرُوهُ الرِّياحُ﴾ أيْ تُفَرِّقُهُ في الهَواءِ، والذَّرْوُ: الرَّمْيُ في الهَواءِ، شُبِّهَتْ حالَةُ هَذا العالَمِ بِما فِيهِ بِحالَةِ الرَّوْضَةِ تَبْقى زَمانًا بَهِجَةً خَضِرَةً ثُمَّ يَصِيرُ نَبْتُها بَعْدَ حِينٍ إلى اضْمِحْلالٍ، ووَجْهُ الشَّبَهِ: المَصِيرُ مِن حالٍ حَسَنٍ إلى حالٍ سَيِّئٍ، وهَذا تَشْبِيهُ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ؛ لِأنَّ الحالَةَ المُشَبَّهَةَ مَعْقُولَةٌ؛ إذْ لَمْ يَرَ النّاسُ بَوادِرَ تَقَلُّصِ بَهْجَةِ الحَياةِ، وأيْضًا شُبِّهَتْ هَيْئَةُ إقْبالِ نَعِيمِ الدُّنْيا في الحَياةِ مَعَ الشَّبابِ والجِدَةِ وزُخْرُفِ العَيْشِ لِأهْلِهِ، ثُمَّ تَقَلُّصِ ذَلِكَ وزَوالِ نَفْعِهِ ثُمَّ انْقِراضِهِ أشْتاتًا
صفحة ٣٣٢
بِهَيْئَةِ إقْبالِ الغَيْثِ مُنْبِتِ الزَّرْعِ ونَشْأتِهِ عَنْهُ ونَضارَتِهِ ووَفْرَتِهِ، ثُمَّ أخْذِهِ في الِانْتِقاصِ وانْعِدامِ التَّمَتُّعِ بِهِ ثُمَّ تَطايُرِهِ أشْتاتًا في الهَواءِ - تَشْبِيهًا لِمُرَكَّبٍ مَحْسُوسٍ بِمُرَكَّبٍ مَحْسُوسٍ، ووَجْهُ الشَّبَهِ كَما عَلِمْتَ.
وجُمْلَةُ ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ في آخِرِ الكَلامِ، مَوْقِعُها التَّذْكِيرُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى خَلْقِ الأشْياءِ وأضْدادِها، وجَعْلُ أوائِلِها مُفْضِيَةً إلى أواخِرِها، وتَرْتِيبُهُ أسْبابَ الفَناءِ عَلى أسْبابِ البَقاءِ، وذَلِكَ اقْتِدارٌ عَجِيبٌ، وقَدْ أُفِيدَ ذَلِكَ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ بِالعُمُومِ الَّذِي في قَوْلِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وهو بِذَلِكَ العُمُومِ أشْبَهَ التَّذْيِيلَ، والمُقْتَدِرُ: القَوِيُّ القُدْرَةِ.
18:46Page 299
ٱلۡمَالُ وَٱلۡبَنُونَ زِينَةُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱلۡبَٰقِيَٰتُ ٱلصَّٰلِحَٰتُ خَيۡرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابٗا وَخَيۡرٌ أَمَلٗا ٤٦
Wealth and children are [but] adornment of the worldly life. But the enduring good deeds are better to your Lord1 for reward and better for [one's] hope.
﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ أمَلًا﴾ .
اعْتِراضٌ أُرِيدَ بِهِ المَوْعِظَةُ والعِبْرَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنَّ ما فِيهِ المُشْرِكُونَ مِنَ النِّعْمَةِ مِن مالٍ وبَنِينَ ما هو إلّا زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا الَّتِي عَلِمْتُمْ أنَّها إلى زَوالٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ [آل عمران: ١٩٦] وأنَّ ما أعَدَّ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ خَيْرٌ عِنْدَ اللَّهِ وخَيْرٌ أمَلًا، والِاغْتِباطُ بِالمالِ والبَنِينَ شَنْشَنَةٌ مَعْرُوفَةٌ في العَرَبِ، قالَ طَرَفَةُ:
فَلَوْ شاءَ رَبِّي كَنْتُ قَيْسَ بْنَ عاصِمٍ ولَوْ شاءَ رَبِّي كَنْتُ عَمْرَو بْنَ مَرْثَدِ
فَأصْبَحْتُ ذا مالٍ كَثِيرٍ وطافَ بِي ∗∗∗ بَنُونَ كِرامٌ سادَةٌ لِمُسَوَّدِ
﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ﴾ صِفَتانِ جَرَتا عَلى مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، أيِ الأعْمالُ الصّالِحاتُ الباقِياتُ، أيِ الَّتِي لا زَوالَ لَها، أيْ لا زَوالَ لِخَيْرِها، وهو ثَوابُها الخالِدُ، فَهي خَيْرٌ مِن زِينَةِ الحَياةِ الدُّنْيا الَّتِي هي غَيْرُ باقِيَةٍ.
صفحة ٣٣٣
وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ في تَرْتِيبِ الوَصْفَيْنِ أنْ يُقَدَّمَ الصّالِحاتُ عَلى الباقِياتِ؛ لِأنَّهُما وإنْ كانا وصْفَيْنِ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ إلّا أنَّ أعْرَفَهُما في وصْفِيَّةِ ذَلِكَ المَحْذُوفِ هو الصّالِحاتُ؛ لِأنَّهُ قَدْ شاعَ أنْ يُقالَ: الأعْمالُ الصّالِحاتُ، ولا يُقالُ الأعْمالُ الباقِياتُ، ولِأنَّ بَقاءَها مُتَرَتِّبٌ عَلى صَلاحِها، فَلا جَرَمَ أنَّ الصّالِحاتِ وصْفٌ قامَ مَقامَ المَوْصُوفِ وأغْنى عَنْهُ كَثِيرًا في الكَلامِ حَتّى صارَ لَفْظُ الصّالِحاتِ بِمَنزِلَةِ الِاسْمِ الدّالِّ عَلى عَمَلِ خَيْرٍ، وذَلِكَ كَثِيرٌ في القُرْآنِ قالَ تَعالى ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [البقرة: ٢٥]، وفي كَلامِهِمْ قالَ جَرِيرٌ:
كَيْفَ الهِجاءُ وما تَنْفَكُّ صالِحَةٌ ∗∗∗ مِن آلِ لَأْمٍ بِظَهْرِ الغَيْبِ تَأْتِينِي
ولَكِنْ خُولِفَ مُقْتَضى الظّاهِرِ هُنا، فَقُدِّمَ الباقِياتُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما ذُكِرَ قَبْلَهُ إنَّما كانَ مَفْصُولًا؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِباقٍ، وهو المالُ والبَنُونَ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا مَتاعٌ﴾ [الرعد: ٢٦]، فَكانَ هَذا التَّقْدِيمُ قاضِيًا لِحَقِّ الإيجازِ لِإغْنائِهِ عَنْ كَلامٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: أنَّ ذَلِكَ زائِلٌ أوْ ما هو بِباقٍ والباقِياتُ مِنَ الصّالِحاتِ خَيْرٌ مِنهُ، فَكانَ قَوْلُهُ ﴿فَأصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ﴾ [الكهف: ٤٥] مُفِيدًا لِلزَّوالِ بِطَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ، وهو مِن دَلالَةِ التَّضَمُّنِ، وكانَ قَوْلُهُ ”والباقِياتُ“ مُفِيدًا زَوالَ غَيْرِها بِطَرِيقَةِ الِالتِزامِ، فَحَصَلَ دَلالَتانِ غَيْرُ مُطابِقَتَيْنِ، وهُما أوْقَعُ في صِناعَةِ البَلاغَةِ، وحَصَلَ بِثانِيَتِهِما تَأْكِيدٌ لِمُفادِ الأُولى فَجاءَ كَلامًا مُؤَكَّدًا مُوجَزًا.
ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ آيَةُ سُورَةِ مَرْيَمَ قَوْلُهُ ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ [مريم: ٧٦] فَإنَّهُ وقَعَ إثْرَ قَوْلِهِ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: ٧٣] ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أحْسَنُ أثاثًا ورِئْيًا﴾ [مريم: ٧٤] الآيَةَ.
وتَقْدِيمُ المالِ عَلى البَنِينَ في الذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ أسْبَقُ خُطُورًا لِأذْهانِ النّاسِ؛ لِأنَّهُ يَرْغَبُ فِيهِ الصَّغِيرُ والكَبِيرُ والشّابُّ والشَّيْخُ، ومَن لَهُ مِنَ الأوْلادِ ما قَدْ كَفاهُ، ولِذَلِكَ أيْضًا قُدِّمَ في بَيْتِ طَرَفَةَ المَذْكُورِ آنِفًا.
صفحة ٣٣٤
ومَعْنى ﴿وخَيْرٌ أمَلًا﴾ أنَّ أمَلَ الآمِلِ في المالِ والبَنِينَ إنَّما يَأْمُلُ حُصُولَ أمْرٍ مَشْكُوكٍ في حُصُولِهِ ومَقْصُورٍ عَلى مُدَّتِهِ، وأمّا الآمِلُ لِثَوابِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ فَهو يَأْمُلُ حُصُولَ أمْرٍ مَوْعُودٍ بِهِ مِن صادِقِ الوَعْدِ، ويَأْمُلُ شَيْئًا تَحْصُلُ مِنهُ مَنفَعَةُ الدُّنْيا ومَنفَعَةُ الآخِرَةِ كَما قالَ تَعالى ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]، فَلا جَرَمَ كانَ قَوْلُهُ ﴿وخَيْرٌ أمَلًا﴾ بِالتَّحَقُّقِ والعُمُومِ تَذْيِيلًا لِما قَبْلَهُ.
18:47–48Page 299
وَيَوۡمَ نُسَيِّرُ ٱلۡجِبَالَ وَتَرَى ٱلۡأَرۡضَ بَارِزَةٗ وَحَشَرۡنَٰهُمۡ فَلَمۡ نُغَادِرۡ مِنۡهُمۡ أَحَدٗا ٤٧
And [warn of] the Day when We will remove the mountains and you will see the earth exposed,1 and We will gather them and not leave behind from them anyone.
وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفّٗا لَّقَدۡ جِئۡتُمُونَا كَمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةِۭۚ بَلۡ زَعَمۡتُمۡ أَلَّن نَّجۡعَلَ لَكُم مَّوۡعِدٗا ٤٨
And they will be presented before your Lord in rows, [and He will say], "You have certainly come to Us just as We created you the first time. But you claimed that We would never make for you an appointment."
﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ وتَرى الأرْضَ بارِزَةً وحَشَرْناهم فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا﴾ ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ ألَّنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ٤٥] فَلَفْظُ (يَوْمَ) مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ، كَما هو مُتَعارَفٌ في أمْثالِهِ، فَبَعْدَ أنْ بَيَّنَ لَهم تَعَرُّضَ ما هم فِيهِ مِن نَعِيمٍ إلى الزَّوالِ عَلى وجْهِ المَوْعِظَةِ، أعْقَبَهُ بِالتَّذْكِيرِ بِما بَعْدَ ذَلِكَ الزَّوالِ بِتَصْوِيرِ حالِ البَعْثِ، وما يَتَرَقَّبُهم فِيهِ مِنَ العِقابِ عَلى كُفْرِهِمْ بِهِ، وذَلِكَ مُقابَلَةٌ لِضِدِّهِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ﴾ [الكهف: ٤٦] .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ غَيْرِ فِعْلِ (اذْكُرْ) يَدُلُّ عَلَيْهِ مَقامُ الوَعِيدِ، مِثْلَ: يَرَوْنَ أمْرًا مُفْظِعًا أوْ عَظِيمًا، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمّا تَذْهَبُ إلى تَقْدِيرِهِ نَفْسُ السّامِعِ، ويُقَدَّرُ المَحْذُوفُ مُتَأخِّرًا عَنِ الظَّرْفِ، وما اتَّصَلَ بِهِ؛ لِقَصْدِ تَهْوِيلِ اليَوْمِ وما فِيهِ.
ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلِ القَوْلِ المُقَدَّرِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا﴾ إذْ لا يُناسِبُ مَوْقِعَ عَطْفِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى الَّتِي قَبْلَها، ولا وجْهَ مَعَهُ لِتَقْدِيمِ الظَّرْفِ عَلى عامِلِهِ.
صفحة ٣٣٥
وتَسْيِيرُ الجِبالِ: نَقْلُها مِن مَواضِعِها بِزَلْزالٍ أرْضِيٍّ عَظِيمٍ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير: ٣] وقَوْلِهِ تَعالى ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل: ٨٨]، وقِيلَ: أُطْلِقَ التَّسْيِيرُ عَلى تَناثُرِ أجْزائِها، فالمُرادُ: ويَوْمَ نُسَيِّرُ كُلَّ جَبَلٍ مِنَ الجِبالِ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] وقَوْلِهِ ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٥] وقَوْلِهِ ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [النبإ: ٢٠]، والسَّبَبُ واحِدٌ، والكَيْفِيَّتانِ مُتَلازِمَتانِ، وهو مِن أحْوالِ انْقِراضِ نِظامِ هَذا العالَمِ، وإقْبالِ عالَمِ الحَياةِ الخالِدَةِ والبَعْثِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ نُسَيِّرُ بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو (ويَوْمَ تُسَيَّرُ الجِبالُ) بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ بِبِناءِ الفِعْلِ إلى المَجْهُولِ ورَفْعِ (الجِبالِ) .
والخِطابُ في قَوْلِهِ ﴿وتَرى الأرْضَ بارِزَةً﴾ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، والمَعْنى: ويَرى الرّائِي، كَقَوْلِ طَرَفَةَ:
تَرى جُثْوَتَيْنِ مِن تُرابٍ عَلَيْهِما صَفائِحُ صُمٌّ مِن صَفِيحٍ مُنَضَّدٍ وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ ﴿فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ﴾ [الكهف: ٤٩] .
والبارِزَةُ: الظّاهِرَةُ، أيِ الظّاهِرُ سَطْحُها، إذْ لَيْسَ عَلَيْها شَيْءٌ يَسْتُرُ وجْهَها مِن شَجَرٍ ونَباتٍ أوْ حَيَوانٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإذا هم بِالسّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٤] .
وجُمْلَةُ ﴿وحَشَرْناهُمْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”نُسَيِّرُ“ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِنُونِ العَظْمَةِ، أوْ مِنَ الفاعِلِ المَنوِيِّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ بِناءُ الفِعْلِ لِلنّائِبِ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ (تُسَيَّرُ الجِبالُ) بِالبِناءِ لِلنّائِبِ.
ويَجُوزُ أنْ نَجْعَلَ جُمْلَةَ ”وحَشَرْناهم“ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ”نُسَيِّرُ الجِبالَ“ عَلى تَأْوِيلِهِ بِـ ”نَحْشُرُهم“ بِأنْ أطْلَقَ الفِعْلَ الماضِي عَلى المُسْتَقْبَلِ؛ تَنْبِيهًا عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ.
والمُغادَرَةُ: إبْقاءُ شَيْءٍ وتَرْكُهُ مِن تَعَلُّقِ فِعْلٍ بِهِ، وضَمائِرُ الغَيْبَةِ في (حَشَرْناهم - ومِنهم - وعُرِضُوا) عائِدَةٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ٤٥] .
صفحة ٣٣٦
وعَرْضُ الشَّيْءِ: إحْضارُهُ لِيُرى حالُهُ وما يَحْتاجُهُ، ومِنهُ عَرْضُ الجَيْشِ عَلى الأمِيرِ؛ لِيَرى حالَهم وعِدَّتَهم ”، وفي الحَدِيثِ“ عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِإحْضارِهِمْ حَيْثُ يَعْلَمُونَ أنَّهم سَيَتَلَقَّوْنَ ما يَأْمُرُ اللَّهُ بِهِ في شَأْنِهِمْ.
والصَّفُّ: جَماعَةٌ يَقِفُونَ واحِدًا حَذْوَ واحِدٍ، بِحَيْثُ يَبْدُو جَمِيعُهم لا يَحْجُبُ أحَدٌ مِنهم أحَدًا، وأصْلُهُ مَصْدَرُ (صَفَّهم) إذا أوْقَفَهم، أُطْلِقَ عَلى المَصْفُوفِ، وانْتُصِبَ ”صَفًّا“ عَلى الحالِ مِن واوِ ”عُرِضُوا“، وتِلْكَ الحالَةُ إيذانٌ بِأنَّهم أُحْضِرُوا بِحالَةِ الجُناةِ الَّذِينَ لا يَخْفى مِنهم أحَدٌ؛ إيقاعًا لِلرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وحَشَرْناهُمْ﴾، فَهي في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في حَشَرْناهم، أيْ: حَشَرْناهم وقَدْ عُرِضُوا؛ تَنْبِيهًا عَلى سُرْعَةِ عَرْضِهِمْ في حِينِ حَشْرِهِمْ.
وعَدَلَ عَنِ الإضْمارِ إلى التَّعْرِيفِ بِالإضافَةِ في قَوْلِهِ عَلى رَبِّكَ دُونَ أنْ يُقالَ (عَلَيْنا) لِتَضَمُّنِ الإضافَةِ تَنْوِيهًا بِشَأْنِ المُضافِ إلَيْهِ بِأنَّ في هَذا العَرْضِ وما فِيهِ مِنَ التَّهْدِيدِ نَصِيبًا مِنَ الِانْتِصارِ لِلْمُخاطَبِ إذْ كَذَّبُوهُ حِينَ أخْبَرَهم وأنْذَرَهم بِالبَعْثِ.
وجُمْلَةُ ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا﴾ مَقُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ أنَّ الجُمْلَةَ خِطابٌ لِلْمَعْرُوضِينَ فَتَعَيَّنَ تَقْدِيرُ القَوْلِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ الحالِ، والتَّقْدِيرُ: قائِلِينَ لَهم لَقَدْ جِئْتُمُونا، وذَلِكَ بِإسْماعِهِمْ هَذا الكَلامَ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى، وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى، والخِطابُ في قَوْلِهِ ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا﴾ مُوَجَّهٌ إلى مُعادِ ضَمِيرِ ”عُرِضُوا“ .
والخَبَرُ في قَوْلِهِ ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهْدِيدِ والتَّغْلِيظِ والتَّنْدِيمِ عَلى إنْكارِهِمُ البَعْثَ، والمَجِيءُ: مَجازٌ في الحُضُورِ، شُبِّهُوا حِينَ مَوْتِهِمْ بِالغائِبِينَ، وشُبِّهَتْ حَياتُهم بَعْدَ المَوْتِ بِمَجِيءِ الغائِبِ.
وقَوْلُهُ ﴿كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ واقِعٌ مَوْقِعَ المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُفِيدِ لِلْمُشابَهَةِ، أيْ: جِئْتُمُونا مَجِيئًا كَخَلْقِكم أوَّلَ مَرَّةٍ، فالخَلْقُ الثّانِي أشْبَهَ الخَلْقَ الأوَّلَ، أيْ فَهَذا
صفحة ٣٣٧
خَلْقٌ ثانٍ، و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ كَخَلْقِنا إيّاكُمُ المَرَّةَ الأُولى، قالَ تَعالى ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: ١٥]، والمَقْصُودُ التَّعْرِيضُ بِخَطَئِهِمْ في إنْكارِهِمُ البَعْثَ.
والإضْرابُ في قَوْلِهِ ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ ألَّنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا﴾ انْتِقالٌ مِنَ التَّهْدِيدِ وما مَعَهُ مِنَ التَّعْرِيضِ بِالتَّغْلِيطِ إلى التَّصْرِيحِ بِالتَّغْلِيطِ في قالَبِ الإنْكارِ، فالخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّغْلِيطِ مَجازًا، ولَيْسَ مُسْتَعْمَلًا في إفادَةِ مَدْلُولِهِ الأصْلِيِّ.
والزَّعْمُ: الِاعْتِقادُ المُخْطِئُ، أوِ الخَبَرُ المُعَرَّضُ لِلْكَذِبِ، والمَوْعِدُ أصْلُهُ: وقْتُ الوَعْدِ بِشَيْءٍ، أوْ مَكانُ الوَعْدِ، وهو هُنا الزَّمَنُ المَوْعُودُ بِهِ الحَياةُ بَعْدَ المَوْتِ.
والمَعْنى: أنَّكُمُ اعْتَقَدْتُمْ باطِلًا أنْ لا يَكُونَ لَكم مَوْعِدٌ لِلْبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ أبَدًا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences