Ibn 'AshurAl‑Kahf · 18:55–59

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Kahf 18:55–59

18:55Page 300

وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤۡمِنُوٓاْ إِذۡ جَآءَهُمُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّهُمۡ إِلَّآ أَن تَأۡتِيَهُمۡ سُنَّةُ ٱلۡأَوَّلِينَ أَوۡ يَأۡتِيَهُمُ ٱلۡعَذَابُ قُبُلٗا ٥٥

And nothing has prevented the people from believing when guidance came to them and from asking forgiveness of their Lord except that there [must] befall them the [accustomed] precedent of the former peoples1 or that the punishment should come [directly] before them.

﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى ويَسْتَغْفِرُوا رَبَّهم إلّا أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ قِبَلًا﴾ .

عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ﴾ [الكهف: ٥٤] إلَخْ، ومَعْناها مُتَّصِلٌ تَمامَ الِاتِّصالِ بِمَعْنى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، بِحَيْثُ لَوْ عُطِفَتْ عَلَيْها بِفاءِ التَّفْرِيعِ لَكانَ ذَلِكَ مُقْتَضى الظّاهِرِ، وتُعْتَبَرُ جُمْلَةُ ﴿وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤] مُعْتَرِضَةً بَيْنَهُما، لَوْلا أنَّ في جَعْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ مُسْتَقِلَّةً بِالعَطْفِ اهْتِمامًا بِمَضْمُونِها في ذاتِهِ، بِحَيْثُ يُعَدُّ تَفْرِيعُهُ عَلى مَضْمُونِ الَّتِي قَبْلَها يَحِيدُ بِهِ عَنِ المَوْقِعِ الجَدِيرِ هو بِهِ في نُفُوسِ السّامِعِينَ إذْ أُرِيدُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً مُقَرَّرَةً في النُّفُوسِ، ولِهَذِهِ الخُصُوصِيَّةِ فِيما أرى عَدْلٌ في هَذِهِ الجُمْلَةِ عَنِ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ بِقَوْلِهِ ﴿وما مَنَعَ النّاسَ﴾ وبِقَوْلِهِ ﴿إذْ جاءَهُمُ الهُدى﴾ دُونَ أنْ يَقُولَ: وما مَنَعَهم أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى؛ قَصْدًا لِاسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ بِذاتِها غَيْرِ مُسْتَعانَةٍ بِغَيْرِها، فَتَكُونُ فائِدَةً مُسْتَقِلَّةً تَسْتَأْهِلُ تَوَجُّهَ العُقُولِ إلى وعْيِها لِذاتِها لا لِأنَّها فَرْعٌ عَلى غَيْرِها.

عَلى أنَّ عُمُومَ النّاسِ هُنا أشْمَلُ مِن عُمُومِ لَفْظِ النّاسِ في قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِلنّاسِ﴾ [الكهف: ٥٤] فَإنَّ ذَلِكَ يَعُمُّ النّاسَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ القُرْآنَ في أزْمانِ ما بَعْدَ نُزُولِ تِلْكَ الآيَةِ، وهَذا يَعُمُّ النّاسَ كُلَّهُمُ الَّذِينَ امْتَنَعُوا مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ.

وكَذَلِكَ عُمُومُ لَفْظِ الهُدى يَشْمَلُ هُدى القُرْآنِ وما قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ وأقْوالِ الأنْبِياءِ كُلِّها، فَكانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ قِياسًا تَمْثِيلِيًّا بِشَواهِدِ التّارِيخِ وأحْوالِ تَلَقِّي الأُمَمِ دَعَواتِ رُسُلِهِمْ.

صفحة ٣٥٠

فالمَعْنى: ما مَنَعَ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ مِنَ الإيمانِ بِالقُرْآنِ شَيْءٌ يَمْنَعُ مِثْلَهُ، ولَكِنَّهم كالأُمَمِ الَّذِينَ قَبْلَهُمُ الَّذِينَ جاءَهُمُ الهُدى بِأنْواعِهِ مِن كُتُبٍ، وآياتٍ، وإرْشادٍ إلى الخَيْرِ.

والمُرادُ بِـ ”الأوَّلِينَ“ السّابِقُونَ مِنَ الأُمَمِ في الضَّلالِ والعِنادِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِمُ الآباءُ، أيْ سُنَّةُ آبائِهِمْ، أيْ طَرِيقَتُهم ودِينُهم، ولِكُلِّ أُمَّةٍ أُمَّةٌ سَبَقَتْها.

و”أنْ تَأْتِيَهُمُ“ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ، هو فاعِلُ ”ما مَنَعَ“، ”أنْ يُؤْمِنُوا“ مَنصُوبٌ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ مِن أنْ يُؤْمِنُوا.

ومَعْنى ﴿تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ تَحِلُّ فِيهِمْ وتَعْتَرِيهِمْ، أيْ تُلْقى في نُفُوسِهِمْ وتُسَوَّلُ إلَيْهِمْ، والمَعْنى: أنَّهم يُشْبِهُونَ خَلْقَ مَن كانُوا قَبْلَهم مِن أهْلِ الضَّلالِ ويُقَلِّدُونَهم، كَما قالَ تَعالى ﴿أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٣] .

وسُنَّةُ الأوَّلِينَ: طَرِيقَتُهم في الكُفْرِ، وإضافَةُ ”سُنَّةُ“ إلَيْهِمْ تُشْبِهُ إضافَةَ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ، أيِ السُّنَّةُ الَّتِي سَنَّها الأوَّلُونَ، وإسْنادُ مَنعِهِمْ مِنَ الإيمانِ إلى إتْيانِ سُنَّةِ الأوَّلِينَ اسْتِعارَةٌ.

والمَعْنى: ما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إلّا الَّذِي مَنَعَ الأوَّلِينَ قَبْلَهم مِن عادَةِ العِنادِ والطُّغْيانِ وطَرِيقَتِهِمْ في تَكْذِيبِ الرُّسُلِ والِاسْتِخْفافِ بِهِمْ.

وذِكْرُ الِاسْتِغْفارِ هُنا بَعْدَ ذِكْرِ الإيمانِ تَلْقِينٌ إيّاهم بِأنْ يُبادِرُوا بِالإقْلاعِ عَنِ الكُفْرِ، وأنْ يَتُوبُوا إلى اللَّهِ مِن تَكْذِيبِ النَّبِيءِ ومُكابَرَتِهِ.

و(أوْ) هي الَّتِي بِمَعْنى (إلى)، وانْتِصابُ فِعْلِ ”يَأْتِيَهُمُ العَذابُ“ بِـ (أنْ) مُضْمَرَةً بَعْدَ (أوْ)، و(أوْ) مُتَّصِلَةَ المَعْنى بِفِعْلِ ”مَنَعَ“، أيْ مَنَعَهم تَقْلِيدُ سُنَّةِ الأوَّلِينَ مِنَ الإيمانِ إلى أنْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ كَما أتى الأوَّلِينَ.

هَذا ما بَدا لِي في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، وأراهُ ألْيَقَ بِمَوْقِعِ هاتِهِ الآيَةِ مِنَ الَّتِي قَبْلَها.

صفحة ٣٥١

فَأمّا جَمِيعُ المُفَسِّرِينَ فَقَدْ تَأوَّلُوا الآيَةَ عَلى خِلافِ هَذا عَلى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ، فَجَعَلُوا المُرادَ بِالنّاسِ عَيْنَ المُرادِ بِهِمْ في قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِلنّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الكهف: ٥٤]، أيْ ما مَنَعَ المُشْرِكِينَ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، وجَعَلُوا المُرادَ بِالهُدى عَيْنَ المُرادِ بِالقُرْآنِ، وحَمَلُوا سُنَّةَ الأوَّلِينَ عَلى مَعْنى سُنَّةِ اللَّهِ في الأوَّلِينَ، أيِ الأُمَمِ المُكَذِّبِينَ الماضِينَ، أيْ: فَإضافَةُ (سُنَّةَ) إلى (الأوَّلِينَ) مِثْلُ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ، وهي عادَةُ اللَّهِ فِيهِمْ، أيْ يُعَذِّبُهم عَذابَ الِاسْتِئْصالِ.

وجَعَلُوا إسْنادَ المَنعِ مِنَ الإيمانِ إلى إتْيانِ سُنَّةِ الأوَّلِينَ، بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيِ انْتِظارُ أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ اللَّهِ في الأوَّلِينَ، أيْ: ويَكُونُ الكَلامُ تَهَكُّمًا وتَعْرِيضًا بِالتَّهْدِيدِ بِحُلُولِ العَذابِ بِالمُشْرِكِينَ، أيْ لا يُؤْمِنُونَ إلّا عِنْدَ نُزُولِ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ، أيْ عَلى مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فانْتَظِرُوا﴾ [يونس: ١٠٢] .

وجَعَلُوا قَوْلَهُ ﴿أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ قُبُلًا﴾ قَسِيمًا لِقَوْلِهِ ﴿إلّا أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾، فَحَرْفُ (أوْ) لِلتَّقْسِيمِ، وفِعْلُ ”يَأْتِيَهِمْ“ مَنصُوبٌ بِالعَطْفِ عَلى فِعْلِ ﴿أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ بِالِاسْتِئْصالِ المُفاجِئِ، أوْ يَأْتِيَهِمُ العَذابُ مُواجِهًا لَهم، وجَعَلُوا قُبُلًا حالًا مِنَ العَذابِ، أيْ مُقابِلًا، قالَ الكَلْبِيُّ: وهو عَذابُ السَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ، ولَعَلَّهُ يُرِيدُ أنَّهُ عَذابُ مُقابَلَةٍ وجْهًا لِوَجْهٍ، أيْ عَذابُ الجَلّادِ بِالسُّيُوفِ، ومَعْناهُ: أنَّ المُشْرِكِينَ مِنهم مَن ذاقَ عَذابَ السَّيْفِ في غَزَواتِ المُسْلِمِينَ، ومِنهم مَن ماتَ فَهو يَرى عَذابَ الآخِرَةِ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ الَّذِي سَلَكُوهُ يَنْسَلِخُ مِنَ الآيَةِ مَعْنى التَّذْيِيلِ، وتُقْصَرُ عَلى مَعْنى التَّهْدِيدِ.

والإتْيانُ: مَجازٌ في الحُصُولِ في المُسْتَقْبَلِ، لِوُجُودِ (أنِ) المَصْدَرِيَّةِ الَّتِي تُخَلِّصُ المُضارِعَ لِلِاسْتِقْبالِ، وهو اسْتِقْبالٌ نِسْبِيٌّ فَلِكُلِّ أُمَّةٍ اسْتِقْبالُ سُنَّةِ مَن قَبْلَها.

والسُّنَّةُ: العادَةُ المَأْلُوفَةُ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ.

وإسْنادُ مَنعِهِمُ الإيمانَ إلى إتْيانِ سُنَّةِ الأوَّلِينَ أوْ إتْيانِ العَذابِ إسْنادُ مَجازٍ عَقْلِيٍّ، والمُرادُ: ما مَنَعَهم إلّا سَبَبُ إتْيانِ سُنَّةِ الأوَّلِينَ لَهم أوْ إتْيانِ العَذابِ، وسَبَبُ ذَلِكَ

صفحة ٣٥٢

هُوَ التَّكَبُّرُ والمُكابَرَةُ والتَّمَسُّكُ بِالضَّلالِ، أيْ أنَّهُ لا يُوجَدُ مانِعٌ يَمْنَعُهُمُ الإيمانَ يُخَوِّلُهُمُ المَعْذِرَةَ بِهِ، ولَكِنَّهم جَرَوْا عَلى سُنَنِ مَن قَبْلَهم مِنَ الضَّلالِ، وهَذا كِنايَةٌ عَنِ انْتِفاءِ إيمانِهِمْ إلى أنْ يَحِلَّ بِهِمْ أحَدُ العَذابَيْنِ.

وفِي هَذِهِ الكِنايَةِ تَهْدِيدٌ، وإنْذارٌ، وتَحْذِيرٌ، وحَثٌّ عَلى المُبادَرَةِ بِالِاسْتِغْفارِ مِنَ الكُفْرِ، وهو في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى (﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [يونس: ٩٦]) .

و(قِبَلًا) حالٌ مِنَ العَذابِ، وهو بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ، في قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِمَعْنى المُقابِلِ الظّاهِرِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، وخَلَفٌ ”قُبُلًا“ بِضَمَّتَيْنِ وهو جَمْعُ قَبِيلٍ، أيْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ أنْواعًا.

18:56Page 300

وَمَا نُرۡسِلُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَۚ وَيُجَٰدِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ لِيُدۡحِضُواْ بِهِ ٱلۡحَقَّۖ وَٱتَّخَذُوٓاْ ءَايَٰتِي وَمَآ أُنذِرُواْ هُزُوٗا ٥٦

And We send not the messengers except as bringers of good tidings and warners. And those who disbelieve dispute by [using] falsehood to [attempt to] invalidate thereby the truth and have taken My verses, and that of which they are warned, in ridicule.

﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلّا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ ويُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ واتَّخَذُوا آياتِي وما أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾ .

بَعْدَ أنْ أشارَ إلى جِدالِهِمْ في هُدى القُرْآنِ بِما مَهَّدَ لَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]، وأشارَ إلى أنَّ الجِدالَ فِيهِ مُجَرَّدُ مُكابَرَةٍ وعِنادٍ، وأنَّهُ لا يَحُفُّ بِالقُرْآنِ ما يَمْنَعُ مِنَ الإيمانِ بِهِ، كَما لَمْ يَحُفَّ بِالهُدى الَّذِي أرْسَلَ إلى الأُمَمِ ما يَمْنَعُهُمُ الإيمانَ بِهِ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِأنَّ وظِيفَةَ الرُّسُلِ التَّبْلِيغُ بِالبِشارَةِ والنِّذارَةِ، لا التَّصَدِّي لِلْمُجادَلَةِ؛ لِأنَّها مُجادَلَةٌ لَمْ يُقْصَدْ مِنها الِاسْتِرْشادُ، بَلِ الغايَةُ مِنها إبْطالُ الحَقِّ.

والِاسْتِثْناءُ مِن أحْوالٍ عامَّةٍ مَحْذُوفَةٍ، أيْ ما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ في حالٍ إلّا في حالِ كَوْنِهِمْ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، والمُرادُ بِالمُرْسَلِينَ جَمِيعُ الرُّسُلِ.

صفحة ٣٥٣

وجُمْلَةُ ﴿ويُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالباطِلِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلّا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾، وكِلْتا الجُمْلَتَيْنِ مُرْتَبِطٌ بِجُمْلَتِي ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِلنّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]، وتَرْتِيبُ هَذِهِ الجُمَلِ في الذِّكْرِ جارٍ عَلى تَرْتِيبِ مَعانِيها في النَّفْسِ بِحَيْثُ يُشْعِرُ بِأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنها ناشِئٌ مَعْناها عَلى مَعْنى الَّتِي قَبْلَها، فَكانَتْ جُمْلَةُ ﴿ويُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالباطِلِ﴾ مُفِيدَةً مَعْنى الِاسْتِدْراكِ، أيْ أرْسَلْنا الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ بِما فِيهِ مَقْنَعٌ لِطالِبِ الهُدى، ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا جادَلُوهُ بِالباطِلِ؛ لِإزالَةِ الحَقِّ لا لِقَصْدٍ آخَرَ، واخْتِيارُ فِعْلِ المُضارَعَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَكَرُّرِ المُجادَلَةِ، أوْ لِاسْتِحْضارِ صُورَةِ المُجادَلَةِ.

والمُجادِلَةُ تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤] في سُورَةِ هُودٍ.

والإدْحاضُ: الإزْلاقُ، يُقالُ: دَحَضَتِ القَدَمُ، إذا زَلَّتْ، وهو مَجازٌ في الإزالَةِ؛ لِأنَّ الرِّجْلَ إذا زَلَقَتْ زالَتْ عَنْ مَوْضِعِ تَخَطِّيها، قالَ تَعالى ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١] .

وجُمْلَةُ ﴿واتَّخَذُوا آياتِي﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ويُجادِلُ فَإنَّهم ما قَصَدُوا مِنَ المُجادَلَةِ الِاهْتِداءَ، ولَكِنْ أرادُوا إدْحاضَ الحَقِّ، واتِّخاذَ الآياتِ كُلِّها، وبِخاصَّةٍ آياتُ الإنْذارِ هُزُؤًا.

والهُزُؤُ: مَصْدَرُ هَزَأ، أيِ اتَّخَذُوا ذَلِكَ مُسْتَهْزَأً بِهِ، والِاسْتِهْزاءُ بِالآياتِ هو الِاسْتِهْزاءُ عِنْدَ سَماعِها، كَما يَفْعَلُونَ عِنْدَ سَماعِ آياتِ الإخْبارِ بِالبَعْثِ وعِنْدَ سَماعِ آياتِ الوَعِيدِ والإنْذارِ بِالعَذابِ.

وعَطْفُ ”وما أنْذَرُوا“ عَلى ”الآياتِ“ عَطْفُ خاصٍّ عَلى عامٍّ؛ لِأنَّهُ أبْلَغُ في الدَّلالَةِ عَلى تَوَغُّلِ كُفْرِهِمْ وحَماقَةِ عُقُولِهِمْ.

”وما أُنْذِرُوا“ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ وإنْذارُهم، والإخْبارُ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (هُزُؤًا) بِضَمِّ الزّايِ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ (هُزْءًا) بِسُكُونِ الزّايِ.

18:57Page 300

وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ فَأَعۡرَضَ عَنۡهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتۡ يَدَاهُۚ إِنَّا جَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن يَفۡقَهُوهُ وَفِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٗاۖ وَإِن تَدۡعُهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ فَلَن يَهۡتَدُوٓاْ إِذًا أَبَدٗا ٥٧

And who is more unjust than one who is reminded of the verses of his Lord but turns away from them and forgets what his hands have put forth? Indeed, We have placed over their hearts coverings, lest they understand it, and in their ears deafness. And if you invite them to guidance - they will never be guided, then - ever.

صفحة ٣٥٤

﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأعْرَضَ عَنْها ونَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمُ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإنْ تَدْعُهم إلى الهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إذًا أبَدًا﴾ لَمّا بَيَّنَ حالَهم مِن مُجادَلَةِ الرُّسُلِ لِسُوءِ نِيَّةٍ، ومِنِ اسْتِهْزائِهِمْ بِالإنْذارِ، وعَرَّضَ بِحَماقَتِهِمْ أتْبَعَ ذَلِكَ بِأنَّهُ أشَدُّ الظُّلْمِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ ظُلْمُ المَرْءِ نَفْسَهُ، وهو أعْجَبُ الظُّلْمِ، فالَّذِينَ ذُكِّرُوا ما هم في غَفْلَةٍ عَنْهُ تَذْكِيرًا بِواسِطَةِ آياتِ اللَّهِ، وأعْرَضُوا عَنِ التَّأمُّلِ فِيها مَعَ أنَّها تُنْذِرُهم بِسُوءِ العاقِبَةِ، وشَأْنُ العاقِلِ إذا سَمِعَ مِثْلَ ذَلِكَ أنْ يَتَأهَّبَ لِلتَّأمُّلِ وأخْذِ الحَذَرِ، كَما قالَ النَّبِيءُ ﷺ لِقُرَيْشٍ «إذا أخْبَرْتُكم أنَّ العَدُوَّ مُصَبِّحُكم غَدًا أكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ ؟ فَقالُوا: ما جَرَّبْنا عَلَيْكَ كَذِبًا، فَقالَ: فَإنِّي نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ» .

و(مَنِ) المَجْرُورَةُ مَوْصُولَةٌ، وهي غَيْرُ خاصَّةٍ بِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمُ أكِنَّةً﴾، والمُرادُ بِها المُشْرِكُونَ مِنَ العَرَبِ الَّذِينَ ذُكِّرُوا بِالقُرْآنِ فَأعْرَضُوا عَنْهُ.

وعَطْفُ إعْراضِهِمْ عَنِ الذَّكَرِ عَلى التَّذْكِيرِ بِفاءِ التَّعْقِيبِ - إشارَةٌ إلى أنَّهم سارَعُوا بِالإعْراضِ ولَمْ يَتْرُكُوا لِأنْفُسِهِمْ مُهْلَةَ النَّظَرِ والتَّأمُّلِ.

ومَعْنى نِسْيانِ ما قَدَّمَتْ يَداهُ أنَّهُ لَمْ يَعْرِضْ حالَهُ وأعْمالَهُ عَلى النَّظَرِ والفِكْرِ لِيَعْلَمَ: أهِيَ صالِحَةٌ لا تُخْشى عَواقِبُها، أمْ هي سَيِّئَةٌ مِن شَأْنِها أنْ لا يَسْلَمَ مُقْتَرِفُها مِن مُؤاخَذَةٍ، والصَّلاحُ بَيِّنٌ والفَسادُ بَيِّنٌ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ الأوَّلُ مَعْرُوفًا والثّانِي مُنْكَرًا، ولا سِيَّما بَعْدَ أنْ جاءَتْهُمُ الذِّكْرى عَلى لِسانِ الرَّسُولِ ﷺ فَهم بِمَجْمُوعِ الحالَيْنِ أشَدُّ النّاسِ ظُلْمًا، ولَوْ تَفَكَّرُوا قَلِيلًا لَعَلِمُوا أنَّهم غَيْرُ مُفْلِتِينَ مِن لِقاءِ جَزاءِ أعْمالِهِمْ.

صفحة ٣٥٥

فَـ (مِن) اسْتِفْهامٌ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ، أيْ لا أحَدَ أظْلَمُ مِن هَؤُلاءِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم.

والنِّسْيانُ: مُسْتَعْمَلٌ في التَّغاضِي عَنِ العَمَلِ، وحَقِيقَةُ النِّسْيانِ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها﴾ [البقرة: ١٠٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

ومَعْنى ”ما قَدَّمَتْ يَداهُ“ ما أسْلَفَهُ مِنَ الأعْمالِ، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ مِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ في القُرْآنِ في العَمَلِ السَّيِّئِ، فَصارَ جارِيًا مَجْرى المَثَلِ، قالَ تَعالى ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الحج: ١٠]، وقالَ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] .

والآيَةُ مَصُوغَةٌ بِصِيغَةِ العُمُومِ، والمَقْصُودُ الأوَّلُ مِنها مُشْرِكُو أهْلِ مَكَّةَ.

وجُمْلَةُ ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمُ أكِنَّةً﴾ مُسْتَأْنِفَةٌ بَيانِيَّةٌ نَشَأتْ عَلى جُمْلَةِ ﴿ونَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾، أيْ إنْ لَمْ تَعْلَمْ سَبَبَ نِسْيانِهِ ما قَدَّمَتْ يَداهُ فاعْلَمْ أنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً، وهو يُفِيدُ مَعْنى التَّعْلِيلِ بِالمَآلِ، ولَيْسَ مَوْقِعُ الجُمْلَةِ مَوْقِعَ الجُمْلَةِ التَّعْلِيلِيَّةِ.

والقُلُوبُ مُرادٌ بِها: مَدارِكُ العِلْمِ.

والأكِنَّةُ: جَمْعُ كِنانٍ، وهو الغِطاءُ؛ لِأنَّهُ يُكِنُّ الشَّيْءَ، أيْ يَحْجُبُهُ.

و”أنْ يَفْقَهُوهُ“ مَجْرُورٌ بِحَرْفٍ مَحْذُوفٍ، أيْ مِن أنْ يَفْقَهُوهُ، لِتَضْمِينِ ”أكِنَّةً“ مَعْنى الحائِلِ أوِ المانِعِ.

والوَقْرُ: ثِقَلُ السَّمْعِ المانِعُ مِن وُصُولِ الصَّوْتِ إلى الصِّماخِ.

والضَّمِيرُ المُفْرَدُ في ”يَفْقَهُوهُ“ عائِدٌ إلى القُرْآنِ المَفْهُومِ مِنَ المَقامِ والمُعَبَّرِ عَنْهُ بِالآياتِ.

صفحة ٣٥٦

وجُمْلَةُ ﴿وإنْ تَدْعُهم إلى الهُدى﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ﴾، وهي مُتَفَرِّعَةٌ عَلَيْها، ولَكِنَّها لَمْ تُعْطَفْ بِالفاءِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ جَعْلُ ذَلِكَ في الإخْبارِ المُسْتَقِلِّ.

وأكَّدَ نَفْيَ اهْتِدائِهِمْ بِحَرْفِ تَوْكِيدِ النَّفْيِ وهو (لَنْ)، وبِلَفْظِ (أبَدًا) المُؤَكِّدِ لِمَعْنى (لَنْ)، وبِحَرْفِ الجَزاءِ المُفِيدِ تَسَبُّبَ الجَوابِ عَلى الشَّرْطِ.

وإنَّما حَصَلَ مَعْنى الجَزاءِ بِاعْتِبارِ تَفَرُّعِ جُمْلَةِ الشَّرْطِ عَلى جُمْلَةِ الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ، أيْ ذَلِكَ مُسَبَّبٌ عَلى فَطْرِ قُلُوبِهِمْ عَلى عَدَمِ قَبُولِ الحَقِّ.

18:58Page 300

وَرَبُّكَ ٱلۡغَفُورُ ذُو ٱلرَّحۡمَةِۖ لَوۡ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلۡعَذَابَۚ بَل لَّهُم مَّوۡعِدٞ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِۦ مَوۡئِلٗا ٥٨

And your Lord is the Forgiving, the possessor of mercy. If He were to impose blame upon them for what they earned, He would have hastened for them the punishment. Rather, for them is an appointment from which they will never find an escape.

﴿ورَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهم بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ بَلْ لَهم مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ جَرى القُرْآنُ عَلى عادَتِهِ في تَعْقِيبِ التَّرْهِيبِ والتَّرْغِيبِ والعَكْسِ، فَلَمّا رَماهم بِقَوارِعِ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ عَطَفَ عَلى ذَلِكَ التَّعْرِيضَ بِالتَّذْكِيرِ بِالمَغْفِرَةِ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ في مَرْضاتِهِ، ثُمَّ التَّذْكِيرَ بِأنَّهُ يَشْمَلُ الخَلْقَ بِرَحْمَتِهِ في حِينِ الوَعِيدِ فَيُؤَخِّرُ ما تَوَعَّدَهم بِهِ إلى حَدٍّ مَعْلُومٍ؛ إمْهالًا لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ عَنْ ضَلالِهِمْ، ويَتَدَبَّرُونَ فِيما هم فِيهِ مِن نِعَمِ اللَّهِ تَعالى فَلَعَلَّهم يَشْكُرُونَ، مُوَجِّهًا الخِطابَ إلى النَّبِيءِ ﷺ مُفْتَتَحًا بِاسْتِحْضارِ الجَلالَةِ بِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ لِلنَّبِيءِ ﷺ إيماءً إلى أنَّ مَضْمُونَ الخَبَرِ تَكْرِيمٌ لَهُ، كَقَوْلِهِ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] .

والوَجْهُ في نَظْمِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ الغَفُورُ نَعْتًا لِلْمُبْتَدَأِ ويَكُونَ ذُو الرَّحْمَةِ هو الخَبَرُ؛ لِأنَّهُ المُناسِبُ لِلْمَقامِ ولِما بَعْدَهُ مِن جُمْلَةِ ”لَوْ يُؤاخِذُهم“، فَيَكُونُ ذِكْرُ ”الغَفُورِ“ إدْماجًا في خِلالِ المَقْصُودِ، فَخَصَّ بِالذِّكْرِ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى اسْمَ الغَفُورِ تَعْرِيضًا بِالتَّرْغِيبِ في الِاسْتِغْفارِ.

صفحة ٣٥٧

والغَفُورُ: اسْمٌ يَتَضَمَّنُ مُبالَغَةَ الغُفْرانِ؛ لِأنَّهُ واسِعُ المَغْفِرَةِ إذْ يَغْفِرُ لِمَن لا يُحْصَوْنَ، ويَغْفِرُ ذُنُوبًا لا تُحْصى، إنْ جاءَهُ عَبْدُهُ تائِبًا مُنْكَسِرًا، عَلى أنَّ إمْهالَهُ الكُفّارَ والعُصاةَ هو أيْضًا مِن أثَرِ المَغْفِرَةِ إذْ هو مَغْفِرَةٌ مُؤَقَّتَةٌ.

وأمّا قَوْلُهُ ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ فَهو المَقْصُودُ تَمْهِيدًا لِجُمْلَةِ ﴿لَوْ يُؤاخِذُهم بِما كَسَبُوا﴾، فَلِذَلِكَ كانَتْ تِلْكَ الجُمْلَةُ بَيانًا لِجُمْلَةِ ﴿ورَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ بِاعْتِبارِ ”الغَفُورُ“ الخَبَرُ، وهو الوَصْفُ الثّانِي.

والمَعْنى: أنَّهم فِيما كَسَبُوهُ مِنَ الشِّرْكِ والعِنادِ أحْرِياءُ بِتَعْجِيلِ العُقُوبَةِ، ولَكِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُهم إلى أمَدٍ مَعْلُومٍ مُقَدَّرٍ، وفي ذَلِكَ التَّأْجِيلِ رَحْمَةٌ بِالنّاسِ بِتَمْكِينِ بَعْضِهِمْ مِن مُهْلَةِ التَّدارُكِ، وإعادَةِ النَّظَرِ، وفِيهِ اسْتِبْقاؤُهم عَلى حالِهِمْ زَمَنًا.

فَوَصْفُ ”ذُو الرَّحْمَةِ“ يُساوِي وصْفَ (الرَّحِيمِ)؛ لِأنَّ (ذُو) رُسُوخُ النِّسْبَةِ بَيْنَ مَوْصُوفِها وما تُضافُ إلَيْهِ.

وإنَّما عَدَلَ عَنْ وصْفِ الرَّحِيمِ إلى ”ذُو الرَّحْمَةِ“ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا نَعْتَ تَنْبِيهًا بِطَرِيقَةِ تَغْيِيرِ الأُسْلُوبِ، فَإنَّ اسْمَ (الرَّحِيمِ) صارَ شَبِيهًا بِالأسْماءِ الجامِدَةِ،؛ لِأنَّهُ صِيغَ بِصِيغَةِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ، فَبَعُدَ عَنْ مُلاحَظَةِ الِاشْتِقاقِ فِيهِ، واقْتَرَبَ مِن صِنْفِ الصِّفَةِ الذّاتِيَّةِ.

و(بَلْ) لِلْإضْرابِ الإبْطالِيِّ عَنْ مَضْمُونِ جَوابِ (لَوْ)، أيْ لَمْ يُعَجِّلْ لَهُمُ العَذابَ إذْ لَهم مَوْعِدٌ لِلْعَذابِ مُتَأخِّرٌ، وهَذا تَهْدِيدٌ بِما يَحْصُلُ لَهم يَوْمَ بَدْرٍ.

والمَوْئِلُ: مَفْعِلٌ مِن (وألَ) بِمَعْنى لَجَأ، فَهو اسْمُ مَكانٍ بِمَعْنى المَلْجَأِ.

وأكَّدَ النَّفْيَ بِـ (لَنْ) رَدًّا عَلى إنْكارِهِمْ، إذْ هم يَحْسَبُونَ أنَّهم مُفْلِتُونَ مِنَ العَذابِ حِينَ يَرَوْنَ أنَّهُ تَأخَّرَ مُدَّةً طَوِيلَةً، أيْ؛ لِأنْ لا مَلْجَأ لَهم مِنَ العَذابِ دُونَ وقْتِ وعْدِهِ أوْ مَكانِ وعْدِهِ، فَهو مَلْجَؤُهم، وهَذا مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ، أيْ هم غَيْرُ مُفْلِتِينِ مِنهُ.

18:59Page 300

وَتِلۡكَ ٱلۡقُرَىٰٓ أَهۡلَكۡنَٰهُمۡ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَلۡنَا لِمَهۡلِكِهِم مَّوۡعِدٗا ٥٩

And those cities - We destroyed them when they wronged, and We made for their destruction an appointed time.

صفحة ٣٥٨

﴿وتِلْكَ القُرى أهْلَكْناهم لَمّا ظَلَمُوا وجَعَلْنا لِمُهْلَكِهِمْ مَوْعِدًا﴾

بَعْدَ أنْ أُزِيلَ غُرُورُهم بِتَأخُّرِ العَذابِ، وأُبْطِلَ الإفْلاتُ مِنهُ بِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ إمْهالٌ مِن أثَرِ رَحْمَةِ اللَّهِ بِخَلْقِهِ، ضَرَبَ لَهُمُ المَثَلَ في ذَلِكَ بِحالِ أهْلِ القُرى السّالِفِينَ الَّذِينَ أخَّرَ عَنْهُمُ العَذابَ مُدَّةً، ثُمَّ لَمْ يَنْجُوا مِنهُ بِأخَرَةٍ، فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ”بَلْ لَهم مَوْعِدٌ“ .

والإشارَةُ بِـ ”تِلْكَ“ إلى مُقَدَّرٌ في الذِّهْنِ، وكافُ الخِطابِ المُتَّصِلَةُ بِاسْمِ الإشارَةِ لا يُرادُ بِها مُخاطَبٌ، ولَكِنَّها مِن تَمامِ اسْمِ الإشارَةِ، وتَجْرِي عَلى ما يُناسِبُ حالَ المُخاطَبِ بِالإشارَةِ مِن واحِدٍ أوْ أكْثَرَ، والعَرَبُ يَعْرِفُونَ دِيارَ عادٍ وثَمُودَ ومَدْيَنَ ويَسْمَعُونَ بِقَوْمِ لُوطٍ، وقَوْمِ فِرْعَوْنَ، فَكانَتْ كالحاضِرَةِ حِينَ الإشارَةِ.

والظُّلْمُ: الشِّرْكُ وتَكْذِيبُ الرُّسُلِ، والمُهْلَكُ بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ اللّامِ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مِن (أهْلَكَ)، أيْ جَعَلْنا لِإهْلاكِنا إيّاهم وقْتًا مُعَيَّنًا في عِلْمِنا إذا جاءَ حَلَّ بِهِمُ الهَلاكُ، وهَذِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَرَأهُ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ عَلى أنَّهُ اسْمُ زَمانٍ عَلى وزْنِ مَفْعِلٍ، وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِفَتْحِ المِيمِ وفَتْحِ اللّامِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ لِهَلَكَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском