Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
الكهف
Al-Kahf
The Cave · Meccan · 110 ayahs
18:1Page 293
ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَٰبَ وَلَمۡ يَجۡعَل لَّهُۥ عِوَجَاۜ ١
[All] praise is [due] to Allāh, who has sent down upon His Servant [Muḥammad (ﷺ)] the Book and has not made therein any deviance.1
﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ ﴿قَيِّمًا﴾ [الكهف: ٢] مَوْقِعُ الِافْتِتاحِ بِهَذا التَّحْمِيدِ كَمَوْقِعِ الخُطْبَةِ يُفْتَتَحُ بِها الكَلامُ في الغَرَضِ المُهِمِّ.
ولَمّا كانَ إنْزالُ القُرْآنِ عَلى النَّبِيءِ ﷺ أجْزَلَ نَعْماءِ اللَّهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهُ سَبَبُ نَجاتِهِمْ في حَياتِهِمُ الأبَدِيَّةِ، وسَبَبُ فَوْزِهِمْ في الحَياةِ العاجِلَةِ بِطِيبِ الحَياةِ وانْتِظامِ الأحْوالِ، والسِّيادَةِ عَلى النّاسِ، ونِعْمَةٌ عَلى النَّبِيءِ ﷺ بِأنْ جَعَلَهُ واسِطَةَ ذَلِكَ ومُبَلِّغَهُ ومُبَيِّنَهُ؛ لِأجْلِ ذَلِكَ اسْتَحَقَّ اللَّهُ تَعالى أكْمَلَ الحَمْدِ إخْبارًا وإنْشاءً، وقَدْ تَقَدَّمَ إفادَةُ جُمْلَةِ ”الحَمْدُ لِلَّهِ“ اسْتِحْقاقَهُ أكْمَلَ الحَمْدِ في صَدْرِ سُورَةِ الفاتِحَةِ.
وهِيَ هُنا جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ، أخْبَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ، والمُسْلِمِينَ بِأنَّ مُسْتَحِقَّ الحَمْدِ هو اللَّهُ تَعالى لا غَيْرُهُ؛ فَأجْرى عَلى اسْمِ الجَلالَةِ الوَصْفَ بِالمَوْصُولِ؛ تَنْوِيهًا بِمَضْمُونِ الصِّلَةِ، ولِما يُفِيدُهُ المَوْصُولُ مِن تَعْلِيلِ الخَبَرِ.
صفحة ٢٤٧
وذِكْرُ النَّبِيءِ ﷺ بِوَصْفِ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ؛ تَقْرِيبٌ لِمَنزِلَتِهِ، وتَنْوِيهٌ بِهِ بِما في إنْزالِ الكِتابِ عَلَيْهِ مِن رِفْعَةِ قَدْرِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١] .
والكِتابُ: القُرْآنُ، فَكُلُّ مِقْدارٍ مُنَزَّلٍ مِنَ القُرْآنِ فَهو الكِتابُ، فالمُرادُ بِالكِتابِ هُنا ما وقَعَ إنْزالُهُ مِن يَوْمِ البَعْثَةِ في غارِ حِراءٍ إلى يَوْمِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ، ويُلْحَقُ بِهِ ما يَنْزِلُ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ، ويُزادُ بِهِ مِقْدارُهُ.
وجُمْلَةُ ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الكِتابِ وبَيْنَ الحالِ مِنهُ وهو ﴿قَيِّمًا﴾ [الكهف: ٢]، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، ويَجُوزُ كَوْنُ الجُمْلَةِ حالًا، والواوِ حالِيَّةً.
والعِوَجُ بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِها وبِفَتْحِ الواوِ حَقِيقَتُهُ: انْحِرافُ جِسْمٍ ما عَنِ الشَّكْلِ المُسْتَقِيمِ، فَهو ضِدُّ الِاسْتِقامَةِ، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى الِانْحِرافِ عَنِ الصَّوابِ والمَعانِي المَقْبُولَةِ المُسْتَحْسَنَةِ.
والَّذِي عَلَيْهِ المُحَقِّقُونَ مِن أيِمَّةِ اللُّغَةِ أنَّ مَكْسُورَ العَيْنِ ومَفْتُوحَها سَواءٌ في الإطْلاقَيْنِ الحَقِيقِيِّ والمَجازِيِّ، وقِيلَ: المَكْسُورُ العَيْنِ يَخْتَصُّ بِالإطْلاقِ المَجازِيِّ، وعَلَيْهِ دَرَجَ في الكَشّافِ، ويُبْطِلُهُ قَوْلُهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ نَسْفَ الجِبالِ ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه: ١٠٦] حَيْثُ اتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى قِراءَتِهِ بِكَسْرِ العَيْنِ، وعَنِ ابْنِ السِّكِّيتِ: أنَّ المَكْسُورَ أعَمُّ يَجِيءُ في الحَقِيقِيِّ والمَجازِيِّ، وأنَّ المَفْتُوحَ خاصٌّ بِالمَجازِيِّ.
والمُرادُ بِالعِوَجِ هُنا: عِوَجُ مَدْلُولاتِ كَلامِهِ بِمُخالَفَتِها لِلصَّوابِ، وتَناقُضِها، وبُعْدِها عَنِ الحِكْمَةِ، وإصابَةِ المُرادِ.
والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ أوِ الحالِيَّةِ إبْطالُ ما يَرْمِيهِ بِهِ المُشْرِكُونَ مِن قَوْلِهِمُ: افْتَراهُ، وأساطِيرُ الأوَّلِينَ، وقَوْلُ كاهِنٍ؛ لِأنَّ تِلْكَ الأُمُورَ لا تَخْلُو مِن عِوَجٍ، قالَ تَعالى ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] .
صفحة ٢٤٨
وضَمِيرُ ”لَهُ“ عائِدٌ إلى ”الكِتابَ“ .
وإنَّما عُدِّيَ الجَعْلُ بِاللّامِ دُونَ ”في“؛ لِأنَّ العِوَجَ المَعْنَوِيَّ يُناسِبُهُ حَرْفُ الِاخْتِصاصِ دُونَ حَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ؛ لِأنَّ الظَّرْفِيَّةَ مِن عَلائِقِ الأجْسامِ، وأمّا مَعْنى الِاخْتِصاصِ فَهو أعَمُّ.
فالمَعْنى: أنَّهُ مُتَّصِفٌ بِكَمالِ أوْصافِ الكُتُبِ مِن صِحَّةِ المَعانِي والسَّلامَةِ مِنَ الخَطَأِ والِاخْتِلافِ، وهَذا وصْفُ كَمالٍ لِلْكِتابِ في ذاتِهِ، وهو مُقْتَضٍ أنَّهُ أهْلٌ لِلِانْتِفاعِ بِهِ، فَهَذا كَوَصْفِهِ بِأنَّهُ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
و”قَيِّمًا“ حالٌ مِنَ الكِتابِ أوْ مِن ضَمِيرِهِ المَجْرُورِ بِاللّامِ؛ لِأنَّهُ إذا جُعِلَ حالًا مِن أحَدِهِما ثَبَتَ الِاتِّصافُ بِهِ لِلْآخَرِ، إذْ هُما شَيْءٌ واحِدٌ، فَلا طائِلَ فِيما أطالُوا بِهِ مِنَ الإعْرابِ.
والقَيِّمُ: صِفَةُ مُبالَغَةٍ مِنَ القِيامِ المَجازِيِّ، الَّذِي يُطْلَقُ عَلى دَوامِ تَعَهُّدِ شَيْءٍ، ومُلازَمَةِ صَلاحِهِ؛ لِأنَّ التَّعَهُّدَ يَسْتَلْزِمُ القِيامَ لِرُؤْيَةِ الشَّيْءِ، والتَّيَقُّظَ لِأحْوالِهِ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والمُرادُ بِهِ هُنا أنَّهُ قَيِّمٌ عَلى هَدْيِ الأُمَّةِ، وإصْلاحِها، فالمُرادُ أنَّ كَمالَهُ مُتَعَدٍّ بِالنَّفْعِ، فَوِزانُهُ وِزانُ وصْفِهِ بِأنَّهُ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِ ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ وقَوْلِهِ ”قَيِّمًا“ كالجَمْعِ بَيْنَ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] وبَيْنَ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، ولَيْسَ هو تَأْكِيدًا لِنَفْيِ العِوَجِ.
18:2–3Page 293
قَيِّمٗا لِّيُنذِرَ بَأۡسٗا شَدِيدٗا مِّن لَّدُنۡهُ وَيُبَشِّرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرًا حَسَنٗا ٢
[He has made it] straight, to warn of severe punishment from Him and to give good tidings to the believers who do righteous deeds that they will have a good reward [i.e., Paradise]
مَّٰكِثِينَ فِيهِ أَبَدٗا ٣
In which they will remain forever
﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ﴾
”لِيُنْذِرَ“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”أنْزَلَ“، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ، أيْ لِيُنْذِرَ اللَّهُ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ، والمَفْعُولُ الأوَّلُ لِـ ”يُنْذِرَ“ مَحْذُوفٌ؛ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ،
صفحة ٢٤٩
أوْ تَنْزِيلًا لِلْفِعْلِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ المُنْذَرُ بِهِ، وهو البَأْسُ الشَّدِيدُ تَهْوِيلًا لَهُ، ولِتَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ المُنْكِرِينَ إنْزالَ القُرْآنِ مِنَ اللَّهِ.
والبَأْسُ: الشِّدَّةُ في الألَمِ، ويُطْلَقُ عَلى القُوَّةِ في الحَرْبِ؛ لِأنَّها تُؤْلِمُ العَدُوَّ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ وحِينَ البَأْسِ﴾ [البقرة: ١٧٧] مِن سُورَةِ البَقَرَةِ، والمُرادُ هُنا: شِدَّةُ الحالِ في الحَياةِ الدُّنْيا، وذَلِكَ هو الَّذِي أُطْلِقَ عَلى اسْمِ البَأْسِ في القُرْآنِ، وعَلَيْهِ دَرَجَ الطَّبَرِيُّ، وهَذا إيماءٌ بِالتَّهْدِيدِ لِلْمُشْرِكِينَ بِما سَيَلْقَوْنَهُ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ بِأيْدِي المُسْلِمِينَ، وذَلِكَ بَأْسٌ مِن لَدُنْهُ تَعالى؛ لِأنَّهُ بِتَقْدِيرِهِ، وبِأمْرِهِ عِبادَهُ أنْ يَفْعَلُوهُ، فاسْتِعْمالُ لَدُنْ هُنا في مَعْنَيَيْهِ؛ الحَقِيقِيِّ، والمَجازِيِّ.
ولَيْسَ في جَعْلِ الإنْذارِ بِبَأْسِ الدُّنْيا عِلَّةً لِإنْزالِ الكِتابِ ما يَقْتَضِي اقْتِصارَ عِلَلِ إنْزالِهِ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ الفِعْلَ الواحِدَ قَدْ تَكُونُ لَهُ عِلَلٌ كَثِيرَةٌ يُذْكَرُ بَعْضُها، ويُتْرَكُ بَعْضٌ.
وإنَّما آثَرْتُ الحَمْلَ عَلى جَعْلِ البَأْسِ الشَّدِيدِ بَأْسَ الدُّنْيا لِلتَّفَصِّي مِمّا يَرِدُ عَلى إعادَةِ فِعْلِ ﴿ويُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ [الكهف: ٤] كَما سَيَأْتِي.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالبَأْسِ عَذابُ الآخِرَةِ، فَإنَّهُ بَأْسٌ شَدِيدٌ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿مِن لَدُنْهُ﴾ مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ، وبِهَذا الوَجْهِ فَسَّرَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالبَأْسِ الشَّدِيدِ ما يَشْمَلُ بَأْسَ عَذابِ الآخِرَةِ وبَأْسَ عَذابِ الدُّنْيا، وعَلى هَذا دَرَجَ ابْنُ عَطِيَّةَ، والقُرْطُبِيُّ، ويَكُونَ اسْتِعْمالُ ﴿مِن لَدُنْهُ﴾ في مَعْنَيَيْهِ الحَقِيقِيِّ والمَجازِيِّ، أمّا في عَذابِ الآخِرَةِ فَظاهِرٌ، وأمّا في عَذابِ الدُّنْيا فَلِأنَّ بَعْضَهُ بِالقَتْلِ، والأسْرِ، وهُما مِن أفْعالِ النّاسِ، ولَكِنَّ اللَّهَ أمَرَ المُسْلِمِينَ بِهِما، فَهُما مِن لَدُنْهُ.
وحَذْفُ مَفْعُولِ ”يُنْذِرَ“ لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلَيْهِ لِظُهُورِ أنَّهُ يُنْذِرُ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الكِتابِ، ولا بِالمُنْزَلِ عَلَيْهِ، ولِدَلالَةِ مُقابَلِهِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ ﴿ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ﴾ .
* * *
صفحة ٢٥٠
﴿ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا﴾ ﴿ماكِثِينَ فِيهِ أبَدًا﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا﴾، فَهو سَبَبٌ آخَرُ لِإنْزالِ الكِتابِ أثارَتْهُ مُناسَبَةُ ذِكْرِ الإنْذارِ لِيَبْقى الإنْذارُ مُوَجَّهًا إلى غَيْرِهِمْ.
وقَوْلُهُ ﴿أنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”يُبَشِّرَ“ بِحَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ مَعَ (أنَّ) أيْ بِأنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا، وذِكْرُ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ اسْتِحْقاقَ ذَلِكَ الأجْرِ بِحُصُولِ ذَلِكَ لِأمْرَيْنِ، ولا يَتَعَرَّضُ القُرْآنُ في الغالِبِ لِحالَةِ حُصُولِ الإيمانِ مَعَ شَيْءٍ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ كَثِيرٍ أوْ قَلِيلٍ، ولِحُكْمِهِ أدِلَّةٌ كَثِيرَةٌ.
والمُكْثُ: الِاسْتِقْرارُ في المَكانِ، شَبَّهَ ما لَهم مِنَ اللَّذّاتِ والمُلائِماتِ بِالظَّرْفِ الَّذِي يَسْتَقِرُّ فِيهِ حالُهُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الأجْرَ الحَسَنَ كالمُحِيطِ بِهِمْ لا يُفارِقُهم طَرْفَةَ عَيْنٍ، فَلَيْسَ قَوْلُهُ أبَدًا بِتَأْكِيدٍ لِمَعْنى ”ماكِثِينَ“ بَلْ أُفِيدَ بِمَجْمُوعِها الإحاطَةُ والدَّوامُ.
18:4Page 293
وَيُنذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗا ٤
And to warn those who say, "Allāh has taken a son."
﴿ويُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ ولا لِآبائِهِمْ﴾ [الكهف: ٥] تَعْلِيلٌ آخَرُ لِإنْزالِ الكِتابِ عَلى عَبْدِهِ، جُعِلَ تالِيًا لِقَوْلِهِ ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ﴾ [الكهف: ٢] بِاعْتِبارِ أنَّ المُرادَ هُنا إنْذارٌ مَخْصُوصٌ مُقابِلٌ لِما بَشَّرَ بِهِ المُؤْمِنِينَ، وهَذا إنْذارٌ بِجَزاءٍ خالِدِينَ فِيهِ، وهو عَذابُ الآخِرَةِ، فَإنْ جَرَيْتَ عَلى تَخْصِيصِ البَأْسِ في قَوْلِهِ ﴿بَأْسًا شَدِيدًا﴾ [الكهف: ٢] بِعَذابِ الدُّنْيا كَما تَقَدَّمَ كانَ هَذا الإنْذارُ مُغايِرًا لِما قَبْلَهُ، وإنْ جَرَيْتَ عَلى شُمُولِ البَأْسِ لِلْعَذابَيْنِ كانَتْ إعادَةُ فِعْلِ ”يُنْذِرَ“ تَأْكِيدًا، فَكانَ عَطْفُهُ بِاعْتِبارِ أنَّ لِمَفْعُولِهِ صِفَةً زائِدَةً عَلى مَعْنى مَفْعُولِ فِعْلِ
صفحة ٢٥١
”يُنْذِرَ“ السّابِقِ، يُعْرَفُ بِها الفَرِيقُ المُنْذَرُونُ بِكِلا الإنْذارَيْنِ، وهو يُومِئُ إلى ”المُنْذَرِينَ“ المَحْذُوفِ في قَوْلِهِ ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ [الكهف: ٢] ويُغْنِي عَنْ ذِكْرِهِ، وهَذِهِ العِلَّةُ أثارَتْها مُناسَبَةُ ذِكْرِ التَّبْشِيرِ قَبْلَها، وقَدْ حُذِفَ هَنا المُنْذَرُ بِهِ اعْتِمادًا عَلى مُقابِلِهِ المُبَشَّرِ بِهِ.
والمُرادُ بِـ ﴿الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ هُنا المُشْرِكُونَ الَّذِينَ زَعَمُوا أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ النَّصارى الَّذِينَ قالُوا بِأنَّ عِيسى ابْنُ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ القُرْآنَ المَكِّيَّ ما تَعَرَّضَ لِلرَّدِّ عَلى أهْلِ الكِتابِ مَعَ تَأهُّلِهِمْ لِلدُّخُولِ في العُمُومِ لِاتِّحادِ السَّبَبِ.
والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالمَوْصُولِ وصِلَتِهِ؛ لِأنَّهم قَدْ عُرِفُوا بِهَذِهِ المَقالَةِ بَيْنَ أقْوامِهِمْ وبَيْنَ المُسْلِمِينَ؛ تَشْنِيعًا عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ المَقالَةِ، وإيماءً إلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا ما أُنْذِرُوا بِهِ لِأجْلِها، ولِغَيْرِها، فَمَضْمُونُ الصِّلَةِ مِن مُوجِباتِ ما أُنْذِرُوا بِهِ؛ لِأنَّ العِلَلَ تَتَعَدَّدُ.
والوَلَدُ: اسْمٌ لِمَن يُولَدُ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى، يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ﴾ [يونس: ٦٨] في سُورَةِ يُونُسَ.
وجُمْلَةُ ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ﴾ [الكهف: ٥] حالٌ مِنَ ﴿الَّذِينَ قالُوا﴾، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِالباءِ عائِدٌ إلى القَوْلِ المَفْهُومِ مِن ”قالُوا“ .
و(مِن) لِتَوْكِيدِ النَّفْيِ، وفائِدَةُ ذِكْرِ هَذِهِ الحالِ أنَّها أشْنَعُ في كُفْرِهِمْ، وهي أنْ يَقُولُوا كَذِبًا لَيْسَتْ لَهم فِيهِ شُبْهَةٌ، فَأطْلَقَ العِلْمَ عَلى سَبَبِ العِلْمِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ومَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧] .
وضَمِيرُ ”بِهِ“ عائِدٌ عَلى مَصْدَرٍ مَأْخُوذٍ مِن فِعْلِ ”قالُوا“، أيْ: ما لَهم بِذَلِكَ القَوْلِ مَن عِلْمٍ.
وعَطْفُ ﴿ولا لِآبائِهِمْ﴾ [الكهف: ٥] لِقَطْعِ حُجَّتِهِمْ؛ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] فَإذا لَمْ يَكُنْ لِآبائِهِمْ حُجَّةٌ عَلى ما يَقُولُونَ فَلَيْسُوا جَدِيرِينَ بِأنْ يُقَلِّدُوهم.
18:5Page 294
مَّا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٖ وَلَا لِأٓبَآئِهِمۡۚ كَبُرَتۡ كَلِمَةٗ تَخۡرُجُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبٗا ٥
They have no knowledge of it,1 nor had their fathers. Grave is the word that comes out of their mouths; they speak not except a lie.
صفحة ٢٥٢
﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ إنْ يَقُولُونَ إلّا كَذِبًا﴾
اسْتِئْنافٌ بِالتَّشاؤُمِ بِذَلِكَ القَوْلِ الشَّنِيعِ.
ووَجْهُ فَصْلِ الجُمْلَةِ أنَّها مُخالِفَةٌ لِلَّتِي قَبْلَها بِالإنْشائِيَّةِ المُخالَفَةِ لِلْخَبَرِيَّةِ.
وفِعْلُ كَبُرَتْ بِضَمِّ الباءِ، أصْلُهُ: الإخْبارُ عَنِ الشَّيْءِ بِضَخامَةِ جِسْمِهِ، ويُسْتَعْمَلُ مَجازًا في الشِّدَّةِ والقُوَّةِ في وصْفٍ مِنَ الصِّفاتِ المَحْمُودَةِ والمَذْمُومَةِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ، وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ في التَّعَجُّبِ مِن كِبَرِ هَذِهِ الكَلِمَةِ في الشَّناعَةِ بِقَرِينَةِ المَقامِ، ودَلَّ عَلى قَصْدِ التَّعَجُّبِ مِنها انْتِصابُ ”كَلِمَةً“ عَلى التَّمْيِيزِ، إذْ لا يَحْتَمِلُ التَّمْيِيزُ هُنا مَعْنًى غَيْرَ أنَّهُ تَمْيِيزُ نِسْبَةِ التَّعَجُّبِ، ومِن أجْلِ هَذا مَثَّلُوا بِهَذِهِ الآيَةِ لِوُرُودِ (فَعُلَ) الأصْلِيِّ والمُحَوَّلِ لِمَعْنى المَدْحِ والذَّمِّ في مَعْنى نِعْمَ وبِئْسَ، بِحَسَبِ المَقامِ.
والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ”كَبُرَتْ“ يَرْجِعُ إلى الكَلِمَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها التَّمْيِيزُ.
وأُطْلِقَتِ الكَلِمَةُ عَلى الكَلامِ، وهو إطْلاقٌ شائِعٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ [المؤمنون: ١٠٠] وقَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ: أصْدَقُ كَلِمَةٍ قالَها شاعِرٌ كَلِمَةُ لَبِيَدٍ:
ألا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللَّهَ باطِلُ
وجُمْلَةُ ﴿تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ صِفَةٌ لِـ ”كَلِمَةً“ مَقْصُودٌ بِها مِن جَرْأتِهِمْ عَلى النُّطْقِ بِها، ووَقاحَتِهِمْ في قَوْلِها.
والتَّعْبِيرُ بِالفِعْلِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ صُورَةِ خُرُوجِها مِن أفْواهِهِمْ تَخَيُّلًا لِفَظاعَتِها، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ الكَلامِ لَيْسَ لَهُ مَصْدَرٌ غَيْرُ الأفْواهِ،؛ لِأنَّهُ لِاسْتِحالَتِهِ تَتَلَقّاهُ وتَنْطِقُ بِهِ أفْواهُهم وتَسْمَعُهُ أسْماعُهم، ولا تَعْقِلُهُ عُقُولُهم؛ لِأنَّ المُحالَ لا يَعْتَقِدُهُ العَقْلُ، ولَكِنَّهُ يَتَلَقّاهُ المُقَلِّدُ دُونَ تَأمُّلٍ.
صفحة ٢٥٣
والأفْواهُ: جَمْعُ (فَمٍ) بِوَزْنِ أفْعالٍ؛ لِأنَّ أصْلَ فَمٍ (فَوَهٌ) بِفَتْحَتَيْنِ بِوَزْنِ جَمَلٍ، أوْ فِيهٍ بِوَزْنِ رِيحٍ، فَحُذِفَتِ الهاءُ مِن آخِرِهِ لِثِقَلِها مَعَ قِلَّةِ الكَلِمَةِ بِحَيْثُ لا يَجِدُ النّاطِقُ حَرْفًا يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ لِسانُهُ، ولِأنَّ ما قَبْلَها حَرْفٌ ثَقِيلٌ وهو الواوُ المُتَحَرِّكَةُ فَلَمّا بَقِيَتِ الكَلِمَةُ مَخْتُومَةً بِواوٍ مُتَحَرِّكَةٍ أُبْدِلَتْ ألْفًا؛ لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها فَصارَ (فًا) ولا يَكُونُ اسْمٌ عَلى حَرْفَيْنِ أحَدُهُما تَنْوِينٌ، فَأُبْدِلَتِ الألِفُ المُنَوَّنَةُ بِحَرْفٍ صَحِيحٍ، وهو المِيمُ؛ لِأنَّها تُشابِهُ الواوَ الَّتِي هي الأصْلُ في الكَلِمَةِ؛ لِأنَّهُما شَفَهِيَّتانِ فَصارَ ”فَمٌ“، ولَمّا جَمَعُوهُ رَدُّوهُ إلى أصْلِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنْ يَقُولُونَ إلّا كَذِبًا﴾ مُؤَكِّدَةٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ﴾؛ لِأنَّ الشَّيْءَ الَّذِي تَنْطِقُ بِهِ الألْسُنُ ولا تَحَقُّقَ لَهُ في الخارِجِ ونَفْسِ الأمْرِ هو الكَذِبُ، أيْ تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ خُرُوجَ الكَذِبِ، فَما قَوْلُهم ذَلِكَ إلّا كَذِبٌ، أيْ لَيْسَتْ لَهُ صِفَةٌ إلّا صِفَةُ الكَذِبِ.
هَذا إذا جُعِلَ القَوْلُ المَأْخُوذُ مِن ”يَقُولُونَ“ خُصُوصَ قَوْلِهِمُ ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ [الكهف: ٤]، ولَكَ أنْ تَحْمِلَ ”يَقُولُونَ“ عَلى العُمُومِ في سِياقِ النَّفْيِ، أيْ لا يَصْدُرُ مِنهم قَوْلٌ إلّا الكَذِبُ، فَيَكُونُ قَصْرًا إضافِيًّا، أيْ ما يَقُولُونَهُ في القُرْآنِ والإسْلامِ، أوْ ما يَقُولُونَهُ مِن مُعْتَقَداتِهِمُ المُخالِفِ لِما جاءَ بِهِ الإسْلامُ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ ”إنْ يَقُولُونَ“ تَذْيِيلًا.
18:6Page 294
فَلَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ إِن لَّمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ أَسَفًا ٦
Then perhaps you would kill yourself through grief over them, [O Muḥammad], if they do not believe in this message, [and] out of sorrow.
﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ويُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ [الكهف: ٤] بِاعْتِبارِهِمْ مُكَذِّبِينَ كافِرِينَ بِقَرِينَةِ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا.
صفحة ٢٥٤
و(لَعَلَّ) حَقِيقَتُها إنْشاءُ الرَّجاءِ والتَّوَقُّعِ، وتُسْتَعْمَلُ في الإنْكارِ والتَّحْذِيرِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ المُرْسَلِ؛ لِأنَّهُما لازِمانِ لِتَوَقُّعِ الأمْرِ المَكْرُوهِ.
وهِيَ هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ في تَحْذِيرِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الِاغْتِمامِ والحُزْنِ عَلى عَدَمِ إيمانِ مَن لَمْ يُؤْمِنُوا مِن قَوْمِهِ، وذَلِكَ في مَعْنى التَّسْلِيَةِ؛ لِقِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِهِمْ.
والباخِعُ: قاتِلٌ نَفْسَهَ، كَذا فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ وابْنُ جُبَيْرٍ، وفَسَّرَهُ البُخارِيُّ بِمُهْلِكٍ، وتَفْسِيرُهُ يَرْجِعُ إلى أبِي عُبَيْدَةَ.
وفِي اشْتِقاقِهِ خِلافٌ، فَقِيلَ مُشْتَقُّ (البِخاعِ) بِالباءِ المُوَحَّدَةِ بِوَزْنِ كِتابٍ، وهو عِرْقٌ مُسْتَبْطَنٌ في القَفا فَإذا بَلَغَ الذّابِحُ البِخاعَ، فَذَلِكَ أعْمَقُ الذَّبْحِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الشعراء: ٣] في سُورَةِ الشُّعَراءِ، وانْفَرَدَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِذِكْرِ هَذا الِاشْتِقاقِ في الكَشّافِ والفائِقِ والأساسِ، قالَ ابْنُ الأثِيرِ في النِّهايَةِ: بَحَثْتُ في كُتُبِ اللُّغَةِ والطِّبِّ فَلَمْ أجِدِ البِخاعَ بِالمُوَحَّدَةِ يَعْنِي أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ انْفَرَدَ بِهَذا الِاشْتِقاقِ، وبِإثْباتِ البِخاعِ اسْمًا لِهَذا العِرْقِ، قُلْتُ: كَفى بِالزَّمَخْشَرِيِّ حُجَّةً فِيما أثْبَتَهُ، وقَدْ تَبِعَهُ عَلَيْهِ المُطَرِّزِيُّ في المُغْرِبِ وصاحِبُ القامُوسِ، فالبَخْعُ: أصْلُهُ أنْ يَبْلُغَ الذّابِحُ بِالذَّبْحِ إلى القَفا، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى القَتْلِ المَشُوبِ بِغَيْظٍ.
والآثارُ: جَمْعُ أثَرٍ وهو ما يُؤْثِرُهُ، أيْ يُبْقِيهِ الماشِي أوِ الرّاكِبُ في الرَّمْلِ أوِ الأرْضِ مِن مَواطِئِ أقْدامِهِ، وأخْفافِ راحِلَتِهِ، والأثَرُ أيْضًا ما يُبْقِيهِ أهْلُ الدّارِ إذا تَرَحَّلُوا عَنْها مِن تافِهِ آلاتِهِمُ الَّتِي كانُوا يُعالِجُونَ بِها شُئُونَهم كالأوْتادِ والرَّمادِ.
وحَرْفُ (عَلى) لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لَعَلَّكَ مُهْلِكٌ نَفْسَكَ لِأجْلِ إعْراضِهِمْ عَنْكَ، كَما يُعْرِضُ السّائِرُ عَنِ المَكانِ الَّذِي كانَ فِيهِ؛ فَتَكُونُ (عَلى) لِلتَّعْلِيلِ.
صفحة ٢٥٥
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى تَمْثِيلَ حالِ الرَّسُولِ ﷺ في شِدَّةِ حِرْصِهِ عَلى اتِّباعِ قَوْمِهِ لَهُ، وفي غَمِّهِ مِن إعْراضِهِمْ - وتَمْثِيلَ حالِهِمْ في النُّفُورِ والإعْراضِ بِحالِ مَن فارَقَهُ أهْلُهُ وأحِبَّتُهُ، فَهو يَرى آثارَ دِيارِهِمْ، ويَحْزَنُ لِفِراقِهِمْ، ويَكُونُ حَرْفُ (عَلى) مُسْتَقِرًّا في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ، ومَعْنى (عَلى) الِاسْتِعْلاءُ المَجازِيُّ، وهو شِدَّةُ الِاتِّصالِ بِالمَكانِ.
وكَأنَّ هَذا الكَلامَ سَبَقَ إلى الرَّسُولِ ﷺ في آخِرِ أوْقاتِ رَجائِهِ في إيمانِهِمْ إيماءً إلى أنَّهم غَيْرُ صائِرِينَ إلى الإيمانِ، وتَهْيِئَةً لِنَفْسِهِ أنْ تَتَحَمَّلَ ما سَيَلْقاهُ مِن عِنادِهِمْ رَأْفَةً مِن رَبِّهِ، ولِذَلِكَ قالَ ”إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ“ بِصِيغَةِ الفِعْلِ المُضارِعِ المُقْتَضِيَةِ الحُصُولَ في المُسْتَقْبَلِ، أيْ إنِ اسْتَمَرَّ عَدَمُ إيمانِهِمْ.
واسْمُ الإشارَةِ وبَيانُهُ مُرادٌ بِهِ القُرْآنُ؛ لِأنَّهُ لِحُضُورِهِ في الأذْهانِ كَأنَّهُ حاضِرٌ في مَقامِ نُزُولِ الآيَةِ؛ فَأُشِيرَ إلَيْهِ بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ، وبَيَّنَ بِأنَّهُ الحَدِيثُ.
والحَدِيثُ: الخَبَرُ، وإطْلاقُ اسْمِ (الحَدِيثِ) عَلى القُرْآنِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ، إذِ الحَدِيثُ هو الكَلامُ الطَّوِيلُ المُتَضَمِّنُ أخْبارًا وقِصَصًا، سُمِّي الحَدِيثُ حَدِيثًا بِاعْتِبارِ اشْتِمالِهِ عَلى الأمْرِ الحَدِيثِ، أيِ الَّذِي حَدَثَ وجَدَّ، أيِ الأخْبارِ المُسْتَجَدَّةِ الَّتِي لا يَعْلَمُها المُخاطَبُ، فالحَدِيثُ (فَعِيلٌ) بِمَعْنى (مَفْعُولٍ)، وانْظُرْ ما يَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣] في سُورَةِ الزُّمَرِ.
و”أسَفًا“ مَفْعُولٌ لَهُ مِن ﴿باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أيْ قاتِلُها لِأجْلِ شَدَّةِ الحُزْنِ، والشَّرْطُ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ المَفْعُولَيْنِ، ولا جَوابَ لَهُ لِلِاسْتِغْناءِ عَنِ الجَوابِ بِما قَبْلَ الشَّرْطِ.
18:7–8Page 294
إِنَّا جَعَلۡنَا مَا عَلَى ٱلۡأَرۡضِ زِينَةٗ لَّهَا لِنَبۡلُوَهُمۡ أَيُّهُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗا ٧
Indeed, We have made that which is on the earth adornment for it that We may test them [as to] which of them is best in deed.
وَإِنَّا لَجَٰعِلُونَ مَا عَلَيۡهَا صَعِيدٗا جُرُزًا ٨
And indeed, We will make that which is upon it [into] a barren ground.
صفحة ٢٥٦
﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ ﴿وإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا﴾ مُناسَبَةُ مَوْقِعِ هَذِهِ الآيَةِ هُنا خَفِيَّةٌ، أعْوَزَ المُفَسِّرِينَ بَيانُها، مِنهم ساكِتٌ عَنْها، ومِنهم مُحاوِلٌ بَيانَها بِما لا يَزِيدُ عَلى السُّكُوتِ.
والَّذِي يَبْدُو: أنَّها تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ عَلى إعْراضِ المُشْرِكِينَ بِأنَّ اللَّهَ أمْهَلَهم، وأعْطاهُمُ الدُّنْيا لَعَلَّهم يَشْكُرُونَهُ، وأنَّهم بَطَرُوا النِّعْمَةَ، فَإنَّ اللَّهَ يَسْلُبُ عَنْهُ النِّعْمَةَ فَتَصِيرُ بِلادُهم قاحِلَةً، وهَذا تَعْرِيضٌ بِأنْ سَيَحُلُّ بِهِمْ قَحْطُ السِّنِينَ السَّبْعِ الَّتِي سَألَ رَسُولُ اللَّهِ رَبَّهُ أنْ يَجْعَلَها عَلى المُشْرِكِينَ كَسِنِينَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
ولِهَذا اتِّصالٌ بِقَوْلِهِ ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ﴾ [الكهف: ٢] .
ومَوْقِعُ (إنَّ) صَدْرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَوقِعُ التَّعْلِيلِ لِلتَّسْلِيَةِ الَّتِي تَضَمَّنَها قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ﴾ [الكهف: ٦] .
ويَحْصُلُ مِن ذَلِكَ تَذْكِيرُ بَعْضِهِمْ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى، وخاصَّةً ما كانَ مِنها إيجادًا لِلْأشْياءِ، وأضْدادِها مِن حَياةِ الأرْضِ، ومَوْتِها المُماثِلِ لِحَياةِ النّاسِ ومَوْتِهِمْ، والمُماثِلِ لِلْحَياةِ المَعْنَوِيَّةِ والمَوْتِ المَعْنَوِيِّ مِن إيمانٍ وكُفْرٍ، ونِعْمَةٍ ونِقْمَةٍ، كُلُّها عِبَرٌ لِمَن يَعْتَبِرُ بِالتَّغَيُّرِ، ويَأْخُذُ إلى الِانْتِقالِ مَن حالٍ إلى حالٍ، فَلا يَثِقُ بِقُوَّتِهِ وبَطْشِهِ؛ لِيَقِيسَ الأشْياءَ بِأشْباهِها ويَعْرِضَ نَفْسَهُ عَلى مِعْيارِ الفَضائِلِ، وحُسْنى العَواقِبِ.
وأوْثَرَ الِاسْتِدْلالُ بِحالِ الأرْضِ الَّتِي عَلَيْها النّاسُ؛ لِأنَّها أقْرَبُ إلى حِسِّهِمْ وتَعَلُّقِهِمْ، كَما قالَ تَعالى ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وإلى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ١٧]، وقالَ ﴿وفِي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات: ٢٠] .
صفحة ٢٥٧
وقَدْ جاءَ نَظْمُ هَذا الكَلامِ عَلى أُسْلُوبِ الإعْجازِ في جَمْعِ مُعانٍ كَثِيرَةٍ يَصْلُحُ اللَّفْظُ لَها مِن مُخْتَلِفِ الأعْراضِ المَقْصُودَةِ، فَإنَّ الإخْبارَ عَنْ خَلْقِ ما عَلى الأرْضِ زِينَةً يَجْمَعُ الِامْتِنانَ عَلى النّاسِ والتَّذْكِيرَ بِبَدِيعِ صُنْعِ اللَّهِ إذْ وضَعَ هَذا العالَمَ عَلى أتْقَنِ مِثالٍ مُلائِمٍ لِما تُحِبُّهُ النُّفُوسُ مِنَ الزِّينَةِ والزُّخْرُفِ، والِامْتِنانُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرٌ، مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦]، وقالَ ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ والأنْعامِ والحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤] .
ولا تَكُونُ الأشْياءُ زِينَةً إلّا وهي مَبْثُوثَةٌ فِيها الحَياةُ الَّتِي بِها نَماؤُها وازْدِهارُها، وهَذِهِ الزِّينَةُ مُسْتَمِرَّةٌ عَلى وجْهِ الأرْضِ مُنْذُ رَآها الإنْسانُ، واسْتِمْرارُها بِاسْتِمْرارِ أنْواعِها، وإنْ كانَ الزَّوالُ يَعْرِضُ لِأشْخاصِها فَتَخْلُفُها أشْخاصٌ أُخْرى مِن نَوْعِها، فَيَتَضَمَّنُ هَذا امْتِنانًا بِبَثِّ الحَياةِ في المَوْجُوداتِ الأرْضِيَّةِ.
ومِن لَوازِمِ هَذِهِ الزِّينَةِ أنَّها تُوقِظُ العُقُولَ إلى النَّظَرِ في وُجُودِ مُنْشِئِها، وتَسْبُرُ غَوْرَ النُّفُوسِ في مِقْدارِ الشُّكْرِ لِخالِقِها وجاعِلِها لَهم، فَمِن مُوفٍ بِحَقِّ الشُّكْرِ، ومُقَصِّرٍ فِيهِ، وجاحِدٍ كافِرٍ بِنِعْمَةِ هَذا المُنْعِمِ ناسِبٍ إيّاها إلى غَيْرِ مُوجِدِها، ومِن لَوازِمِها أيْضًا أنَّها تُثِيرُ الشَّهَواتِ لِاقْتِطافِها وتَناوُلِها فَتُسْتَثارُ مِن ذَلِكَ مُخْتَلِفُ الكَيْفِيّاتِ في تَناوُلِها، وتَعارُضُ الشَّهَواتِ في الِاسْتِيثارِ بِها مِمّا يُفْضِي إلى تَغالُبِ النّاسِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، واعْتِداءِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، وذَلِكَ الَّذِي أوْجَدَ حاجَتَهم إلى الشَّرائِعِ؛ لِتَضْبِطَ لَهم أحْوالَ مُعامَلاتِهِمْ، ولِذَلِكَ عَلَّلَ جَعْلَ ما عَلى الأرْضِ زِينَةً بِقَوْلِهِ ”لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا“، أيْ أفْوَتُ في حُسْنٍ مِن عَمَلِ القَلْبِ الرّاجِعِ إلى الإيمانِ والكُفْرِ، وعَمَلِ الجَسَدِ المُتَبَدِّي في الِامْتِثالِ لِلْحَقِّ والحَيْدَةِ عَنْهُ.
فَمَجْمُوعُ النّاسِ مُتَفاوِتُونَ في حُسْنِ العَمَلِ، ومِن دَرَجاتِ التَّفاوُتِ في هَذا الحُسْنِ تُعْلَمُ بِطَرِيقِ الفَحْوى دَرَجَةَ انْعِدامِ الحُسْنِ مِن أصْلِهِ، وهي حالَةُ الكُفْرِ وسُوءِ العَمَلِ، كَما جاءَ في حَدِيثِ: مَثَلُ المُنافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ ومَثَلُ المُنافِقِ الَّذِي لا يُقْرَأُ القُرْآنَ.
صفحة ٢٥٨
والبَلْوُ: الِاخْتِبارُ والتَّجْرِبَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ﴾ [يونس: ٣٠] في سُورَةِ يُونُسَ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِتَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ التَّنْجِيزِيِّ بِالمَعْلُومِ عِنْدَ حُصُولِهِ بِقَرِينَةِ الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ والسَّمْعِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى إحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ بِكُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ وُقُوعِهِ فَهو مُسْتَغْنٍ عَنِ الِاخْتِبارِ والتَّجْرِبَةِ، وفائِدَةُ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ الِانْتِقالُ مِنها إلى الكِنايَةِ عَنْ ظُهُورِ ذَلِكَ لِكُلِّ النّاسِ حَتّى لا يَلْتَبِسَ عَلَيْهِمُ الصّالِحُ بِضِدِّهِ، وهو كَقَوْلِ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:
وأقْبَلْتُ والخَطِّيُّ يَخْطِرُ بَيْنَنا لِأعْلَمَ مَن جَبانُها مِن شُجاعِها
وقَوْلُهُ ﴿وإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا﴾ تَكْمِيلٌ لِلْعِبْرَةِ، وتَحْقِيقٌ لِفَناءِ العالَمِ، فَقَوْلُهُ ”جاعِلُونَ“ اسْمُ فاعِلٍ مُرادٌ بِهِ المُسْتَقْبَلُ، أيْ سَنَجْعَلُ ما عَلى الأرْضِ كُلَّهُ مَعْدُومًا فَلا يَكُونُ عَلى الأرْضِ إلّا تُرابٌ جافٌّ أجْرَدُ لا يَصْلُحُ لِلْحَياةِ فَوْقَهُ وذَلِكَ هو فَناءُ العالَمِ، قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] .
والصَّعِيدُ: التُّرابُ، والجُرُزُ: القاحِلُ الأجْرَدُ، وسَيَأْتِي بَيانُ مَعْنى الصَّعِيدِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠] في هَذِهِ السُّورَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences