Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Kahf 18:64–76
18:64–70Page 301
قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبۡغِۚ فَٱرۡتَدَّا عَلَىٰٓ ءَاثَارِهِمَا قَصَصٗا ٦٤
[Moses] said, "That is what we were seeking." So they returned, following their footprints.
فَوَجَدَا عَبۡدٗا مِّنۡ عِبَادِنَآ ءَاتَيۡنَٰهُ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَعَلَّمۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلۡمٗا ٦٥
And they found a servant from among Our servants [i.e., al-Khiḍr] to whom We had given mercy from Us and had taught him from Us a [certain] knowledge.
قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰ هَلۡ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰٓ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمۡتَ رُشۡدٗا ٦٦
Moses said to him, "May I follow you on [the condition] that you teach me from what you have been taught of sound judgement?"
قَالَ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا ٦٧
He said, "Indeed, with me you will never be able to have patience.
وَكَيۡفَ تَصۡبِرُ عَلَىٰ مَا لَمۡ تُحِطۡ بِهِۦ خُبۡرٗا ٦٨
And how can you have patience for what you do not encompass in knowledge?"
قَالَ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِرٗا وَلَآ أَعۡصِي لَكَ أَمۡرٗا ٦٩
[Moses] said, "You will find me, if Allāh wills, patient, and I will not disobey you in [any] order."
قَالَ فَإِنِ ٱتَّبَعۡتَنِي فَلَا تَسۡـَٔلۡنِي عَن شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ أُحۡدِثَ لَكَ مِنۡهُ ذِكۡرٗا ٧٠
He said, "Then if you follow me, do not ask me about anything until I make to you about it mention [i.e., explanation]."
صفحة ٣٦٨
﴿قالَ ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ ﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ ﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ ﴿قالَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ ﴿قالَ سَتَجِدُنِيَ إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ ﴿قالَ فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألَنِّي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ .
”قالَ ذَلِكَ“ إلَخْ جَوابٌ عَنْ كَلامِهِ، ولِذَلِكَ فُصِلَتْ كَما بَيَّناهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.
والإشارَةُ بِـ ”ذَلِكَ“ إلى ما تَضَمَّنَهُ خَبَرُ الفَتى مِن فَقْدِ الحُوتِ، ومَعْنى كَوْنِهِ المُبْتَغى أنَّهُ وسِيلَةُ المُبْتَغى، وإنَّما المُبْتَغى هو لِقاءُ العَبْدِ الصّالِحِ في المَكانِ الَّذِي يُفْقَدُ فِيهِ الحُوتُ.
وكُتِبَ ”نَبْغِ“ في المُصْحَفِ بِدُونِ ياءٍ في آخِرِهِ، فَقِيلَ: أرادَ الكاتِبُونَ مُراعاةَ حالَةِ الوَقْفِ؛ لِأنَّ الأحْسَنَ في الوَقْفِ عَلى ياءِ المَنقُوصِ أنْ يُوقَفَ بِحَذْفِها، وقِيلَ: أرادُوا التَّنْبِيهَ عَلى أنَّها رُوِيَتْ مَحْذُوفَةً في هَذِهِ الآيَةِ، والعَرَبُ يَمِيلُونَ إلى التَّخْفِيفِ، فَقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ بِحَذْفِ الياءِ في الوَقْفِ وإثْباتِها في الوَصْلِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وابْنُ عامِرٍ بِحَذْفِ الياءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ويَعْقُوبُ بِإثْباتِها في الحالَيْنِ، والنُّونُ نُونُ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ، أيْ ما أبْغِيهِ أنا وأنْتَ، وكِلاهُما يَبْغِي مُلاقاةَ العَبْدِ الصّالِحِ.
والِارْتِدادُ: مُطاوِعُ الرَّدِّ كَأنَّ رادًّا رَدَّهُما، وإنَّما رَدَّتْهُما إرادَتُهُما، أيْ رَجَعا عَلى آثارِ سَيْرِهِما، أيْ رَجَعا عَلى طَرِيقِهِما الَّذِي أتَيا مِنهُ.
صفحة ٣٦٩
والقَصَصُ: مَصْدَرُ قَصَّ الأثَرَ، إذا تَوَخّى مُتابَعَتَهُ كَيْلا يُخْطِئا الطَّرِيقَ الأوَّلَ.
والمُرادُ بِالعَبْدِ: الخَضِرُ، ووُصِفَ بِأنَّهُ مِن عِبادِ اللَّهِ؛ تَشْرِيفًا لَهُ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] .
وعَدَلَ عَنِ الإضافَةِ إلى التَّنْكِيرِ والصِّفَةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ ما يَقْتَضِي تَعْرِيفَهُ، ولِلْإشارَةِ إلى أنَّ هَذا الحالَ الغَرِيبَ العَظِيمَ الَّذِي ذُكِرَ مِن قِصَّتِهِ ما هو إلّا مِن أحْوالِ عِبادٍ كَثِيرِينَ لِلَّهِ تَعالى، وما مِنهم إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ.
وإيتاءُ الرَّحْمَةِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: أنَّهُ جَعَلَ مَرْحُومًا، وذَلِكَ بِأنْ رَفَقَ اللَّهُ بِهِ في أحْوالِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَعَلْناهُ سَبَبَ رَحْمَةٍ بِأنْ صَرَّفَهُ تَصَرُّفًا يَجْلِبُ الرَّحْمَةَ العامَّةَ، والعِلْمُ مِن لَدُنِ اللَّهِ: هو الإعْلامُ بِطَرِيقِ الوَحْيِ.
و(عِنْدَ) و(لَدُنْ) كِلاهُما حَقِيقَتُهُ اسْمُ مَكانٍ قَرِيبٍ، ويُسْتَعْمَلانِ مَجازًا في اخْتِصاصِ المُضافِ إلَيْهِ بِمَوْصُوفِهِما.
و(مِنِ) ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ آتَيْناهُ رَحْمَةً صَدَرَتْ مِن مَكانِ القُرْبِ، أيِ الشَّرَفِ، وهو قُرْبُ تَشْرِيفٍ بِالِانْتِسابِ إلى اللَّهِ، وعِلْمًا صَدَرَ مِنهُ أيْضًا، وذَلِكَ أنَّ ما أُوتِيهِ مِنَ الوَلايَةِ أوِ النُّبُوءَةِ رَحْمَةٌ عَزِيزَةٌ، أوْ ما أُوتِيهِ مِنَ العِلْمِ عَزِيزٌ، فَكَأنَّهُما مِمّا يُدَّخَرُ عِنْدَ اللَّهِ في مَكانِ القُرْبِ التَّشْرِيفِيِّ مِنَ اللَّهِ فَلا يُعْطى إلّا لِلْمُصْطَفَيْنَ.
والمُخالَفَةُ بَيْنَ ”مِن عِنْدِنا“ وبَيْنَ ”مِن لَدُنّا“ لِلتَّفَنُّنِ تَفادِيًا مِن إعادَةِ الكَلِمَةِ، وجُمْلَةُ ”فَقالَ لَهُ مُوسى“ ابْتِداءُ مُحاوَرَةٍ، فَهو اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقَعِ التَّعْبِيرُ بِـ (قالَ) مُجَرَّدَةً عَنِ العاطِفِ.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ”هَلْ أتْبَعُكَ“ مُسْتَعْمَلٌ في العَرْضِ بِقَرِينَةِ أنَّهُ اسْتِفْهامٌ عَنْ عَمَلِ نَفْسِ المُسْتَفْهِمِ، والِاتِّباعُ: مَجازٌ في المُصاحَبَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ [الأنعام: ١١٦] .
صفحة ٣٧٠
و(عَلى) مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى الِاشْتِراطِ؛ لِأنَّهُ اسْتِعْلاءٌ مَجازِيٌّ، جُعِلَ الِاتِّباعُ كَأنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فَوْقَ التَّعْلِيمِ؛ لِشِدَّةِ المُقارَنَةِ بَيْنَهُما، فَصِيغَةُ: أفْعَلُ كَذا عَلى كَذا، مِن صِيَغِ الِالتِزامِ والتَّعاقُدِ.
ويُؤْخَذُ مِنَ الآيَةِ جَوازُ التَّعاقُدِ عَلى تَعْلِيمِ القُرْآنِ والعِلْمِ، كَما في حَدِيثِ تَزْوِيجِ المَرْأةِ الَّتِي عَرَضَتْ نَفْسَها عَلى النَّبِيءِ ﷺ فَلَمْ يَقْبَلْها، فَزَوَّجَها مَن رَغِبَ فِيها عَلى أنْ يُعَلِّمَها ما مَعَهُ مِنَ القُرْآنِ.
وفِيهِ أنَّهُ التِزامٌ يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ، وقَدْ تَفَرَّعَ عَنْ حُكْمِ لُزُومِ الِالتِزامِ أنَّ العُرْفَ فِيهِ يَقُومُ مَقامَ الِاشْتِراطِ، فَيَجِبُ عَلى المُنْتَصِبِ لِلتَّعْلِيمِ أنْ يُعامِلَ المُتَعَلِّمِينَ بِما جَرى عَلَيْهِ عُرْفُ أقالِيمِهِمْ.
وذَكَرَ عِياضٌ في بابِ صِفَةِ مَجْلِسِ مالِكٍ لِلْعِلْمِ مِن كِتابِ المَدارِكِ: أنَّ رَجُلًا خُراسانِيًّا جاءَ مِن خُراسانَ إلى المَدِينَةِ لِلسَّماعِ مِن مالِكٍ فَوَجَدَ النّاسَ يَعْرِضُونَ عَلَيْهِ وهو يَسْمَعُ، ولا يَسْمَعُونَ قِراءَةً مِنهُ عَلَيْهِمْ، فَسَألَهُ أنْ يَقْرَأ عَلَيْهِمْ فَأبى مالِكٌ، فاسْتَدْعى الخُراسانِيُّ قاضِيَ المَدِينَةِ، وقالَ: جِئْتُ مِن خُراسانَ ونَحْنُ لا نَرى العَرْضَ وأبى مالِكٌ أنْ يَقْرَأ عَلَيْنا، فَحَكَمَ القاضِي عَلى مالِكٍ: أنْ يَقْرَأ لَهُ، فَقِيلَ لِمالِكٍ: أأصابَ القاضِي الحَقَّ ؟ قالَ: نَعَمْ.
وفِيهِ أيْضًا إشارَةٌ إلى أنَّ حَقَّ المُعَلِّمِ عَلى المُتَعَلِّمِ اتِّباعُهُ والِاقْتِداءُ بِهِ.
وانْتَصَبَ ”رُشْدًا“ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِـ ”تُعَلِّمَنِي“ أيْ ما بِهِ الرُّشْدُ، أيِ الخَيْرُ.
وهَذا العِلْمُ الَّذِي سَألَ مُوسى تَعَلُّمَهُ هو مِنَ العِلْمِ النّافِعِ الَّذِي لا يَتَعَلَّقُ بِالتَّشْرِيعِ لِلْأُمَّةِ الإسْرائِيلِيَّةِ، فَإنَّ مُوسى مُسْتَغْنٍ في عِلْمِ التَّشْرِيعِ عَنِ الِازْدِيادِ إلّا مِن وحْيِ اللَّهِ إلَيْهِ مُباشَرَةً؛ لِأنَّهُ لِذَلِكَ أرْسَلَهُ، وما عَدا ذَلِكَ لا تَقْتَضِي الرِّسالَةُ عِلْمَهُ، «وقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ في قِصَّةِ الَّذِينَ وجَدَهم يَأْبِرُونَ النَّخْلَ - أنْتُمْ أعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْياكم»، ورَجَعَ يَوْمَ بَدْرٍ «إلى قَوْلِ المُنْذِرِ بْنِ الحارِثِ في أنَّ المَنزِلَ الَّذِي نَزَلَهُ جَيْشُ المُسْلِمِينَ بِبَدْرٍ أوَّلَ مَرَّةٍ لَيْسَ الألْيَقَ بِالحَرْبِ» .
صفحة ٣٧١
وإنَّما رامَ مُوسى أنْ يَعْلَمَ شَيْئًا مِنَ العِلْمِ الَّذِي خَصَّ اللَّهُ بِهِ الخَضِرَ؛ لِأنَّ الِازْدِيادَ مِنَ العُلُومِ النّافِعَةِ هو مِنَ الخَيْرِ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى تَعْلِيمًا لِنَبِيِّهِ ﴿وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، وهَذا العِلْمُ الَّذِي أُوتِيهِ الخَضِرُ هو عِلْمُ سِياسَةٍ خاصَّةٍ، غَيْرِ عامَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِمُعَيَّنِينَ؛ لِجَلْبِ مَصْلَحَةٍ، أوْ دَفْعِ مَفْسَدَةٍ بِحَسَبِ ما تُهَيِّئُهُ الحَوادِثُ والأكْوانُ، لا بِحَسَبِ ما يُناسِبُ المَصْلَحَةَ العامَّةَ، فَلَعَلَّ اللَّهَ يَسَّرَهُ لِنَفْعِ مُعَيَّنِينَ مِن عِنْدِهِ، كَما جَعَلَ مُحَمَّدًا ﷺ رَحْمَةً عامَّةً لِكافَّةِ النّاسِ، ومِن هُنا فارَقَ سِياسَةَ التَّشْرِيعِ العامَّةِ، ونَظِيرُهُ مَعْرِفَةُ النَّبِيءِ ﷺ أحْوالَ بَعْضِ المُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ، وتَحَقُّقُهُ أنَّ أُولَئِكَ المُشْرِكِينَ لا يُؤْمِنُونَ وهو مَعَ ذَلِكَ يَدْعُوهم دَوْمًا إلى الإيمانِ، وتَحَقُّقُهُ أنَّ أُولَئِكَ المُنافِقِينَ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ وهو يُعامِلُهم مُعامَلَةَ المُؤْمِنِينَ، وكانَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ يَعْرِفُهم بِأعْيانِهِمْ بِإخْبارِ النَّبِيءِ ﷺ إيّاهُ بِهِمْ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”رُشْدًا“ بِضَمِّ الرّاءِ وسُكُونِ الشِّينِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِفَتْحِ الرّاءِ وفَتْحِ الشِّينِ مِثْلَ اللَّفْظَيْنِ السّابِقَيْنِ، وهُما لُغَتانِ كَما تَقَدَّمَ.
وأكَّدَ جُمْلَةَ ”إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا“ بِحَرْفِ (إنَّ) وبِحَرْفِ (لَنْ) تَحْقِيقًا لِمَضْمُونِها مِن تَوَقُّعِ ضِيقِ ذَرْعِ مُوسى عَنْ قَبُولِ ما يُبْدِيهِ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّهُ تَصْدُرُ مِنهُ أفْعالٌ ظاهِرُها المُنْكَرُ، وباطِنُها المَعْرُوفُ، ولَمّا كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ أقامَهُمُ اللَّهُ لِإجْراءِ الأحْكامِ عَلى الظّاهِرِ عَلِمَ أنَّهُ سَيُنْكِرُ ما يُشاهِدُهُ مِن تَصَرُّفاتِهِ؛ لِاخْتِلافِ المَشْرَبَيْنِ؛ لِأنَّ الأنْبِياءَ لا يُقِرُّونَ المُنْكَرَ.
وهَذا تَحْذِيرٌ مِنهُ لِمُوسى، وتَنْبِيهٌ عَلى ما يَسْتَقْبِلُهُ مِنهُ حَتّى يُقْدِمَ عَلى مُتابَعَتِهِ - إنْ شاءَ - عَلى بَصِيرَةٍ وعَلى غَيْرِ اغْتِرارٍ، ولَيْسَ المَقْصُودُ مِنهُ الإخْبارَ، فَمَناطُ التَّأْكِيداتِ في جُمْلَةِ ”إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا“ إنَّما هو تَحْقِيقُ خُطُورَةِ أعْمالِهِ وغَرابَتِها في المُتَعارَفِ بِحَيْثُ لا تُتَحَمَّلُ، ولَوْ كانَ خَبَرًا عَلى أصْلِهِ لَمْ يَقْبَلْ فِيهِ المُراجَعَةَ، ولَمْ يُجِبْهُ مُوسى بِقَوْلِهِ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا﴾ .
صفحة ٣٧٢
وفِي هَذا أصْلٌ مِن أُصُولِ التَّعْلِيمِ أنْ يُنَبِّهَ المُعَلِّمُ المُتَعَلِّمَ بِعَوارِضِ مَوْضُوعاتِ العُلُومِ المُلَقَّنَةِ، لاسِيَّما إذا كانَتْ في مُعالَجَتِها مَشَقَّةٌ.
وزادَها تَأْكِيدًا عُمُومُ الصَّبْرِ المَنفِيِّ؛ لِوُقُوعِهِ نَكِرَةً في سِياقِ النَّفْيِ، وأنَّ المَنفِيَّ اسْتِطاعَتُهُ الصَّبْرُ المُفِيدُ أنَّهُ لَوْ تَجَشَّمَ أنْ يَصْبِرَ لَمْ يَسْتَطِعْ ذَلِكَ، فَأفادَ هَذا التَّرْكِيبُ نَفْيَ حُصُولِ الصَّبْرِ مِنهُ في المُسْتَقْبَلِ عَلى آكَدِ وجْهٍ.
وزِيادَةُ ”مَعِيَ“ إيماءٌ إلى أنَّهُ يَجِدُ مِن أعْمالِهِ ما لا يَجِدُ مِثْلَهُ مَعَ غَيْرِهِ، فانْتِفاءُ الصَّبْرِ عَلى أعْمالِهِ أجْدَرُ.
وجُمْلَةُ ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنِ اسْمِ (إنَّ) أوْ مِن ضَمِيرِ ”تَسْتَطِيعَ“، فالواوُ واوُ الحالِ، ولَيْسَتْ واوَ العَطْفِ؛ لِأنَّ شَأْنَ هَذِهِ الجُمْلَةِ أنْ لا تُعْطَفَ عَلى الَّتِي قَبْلَها؛ لِأنَّ بَيْنَهُما كَمالَ الِاتِّصالِ؛ إذِ الثّانِيَةُ كالعِلَّةِ لِلْأُولى، وإنَّما أُوثِرَ مَجِيئُها في صُورَةِ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ، دُونَ أنْ تُفْصَلَ عَنِ الجُمْلَةِ الأُولى فَتَقَعَ عِلَّةً مَعَ أنَّ التَّعْلِيلَ هو المُرادُ؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَضْمُونَها عِلَّةٌ مُلازِمَةٌ لِمَضْمُونِ الَّتِي قَبْلَها إذْ هي حالٌ مِنَ المُسْنَدِ إلَيْهِ في الجُمْلَةِ قَبْلَها.
و(كَيْفَ) لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ في مَعْنى النَّفْيِ، أيْ: وأنْتَ لا تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تَحُطْ بِهِ خُبْرًا.
والخُبْرُ بِضَمِّ الخاءِ وسُكُونِ الباءِ: العِلْمُ، وهو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ تَمْيِيزٌ لِنِسْبَةِ الإحاطَةِ في قَوْلِهِ ”ما لَمْ تُحِطْ بِهِ“ أيْ إحاطَةً مِن حَيْثُ العِلْمِ.
والإحاطَةُ: مَجازٌ في التَّمَكُّنِ، تَشْبِيهًا لِقُوَّةِ تَمَكُّنِ الِاتِّصافِ بِتَمَكُّنِ الجِسْمِ المُحِيطِ بِما أحاطَ بِهِ.
وقَوْلُهُ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا﴾ أبْلَغُ في ثُبُوتِ الصَّبْرِ مِن نَحْوِ: سَأصْبِرُ؛ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ صَبْرٍ ظاهِرٍ لِرَفِيقِهِ ومَتْبُوعِهِ، وظاهِرٌ أنَّ مُتَعَلِّقَ الصَّبْرِ هُنا هو الصَّبْرُ عَلى ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُثِيرَ الجَزَعَ أوِ الضَّجَرَ مِن تَعَبٍ في
صفحة ٣٧٣
المُتابَعَةِ، ومِن مُشاهَدَةِ ما لا يَتَحَمَّلُهُ إدْراكُهُ، ومِن تَرَقُّبِ بَيانِ الأسْبابِ والعِلَلِ والمَقاصِدِ.
ولَمّا كانَ هَذا الصَّبْرُ الكامِلُ يَقْتَضِي طاعَةَ الآمِرِ فِيما يَأْمُرُهُ بِهِ؛ عَطَفَ عَلَيْهِ ما يُفِيدُ الطّاعَةَ؛ إبْلاغًا في الِاتِّسامِ بِأكْمَلِ أحْوالِ طالِبِ العِلْمِ.
فَجُمْلَةُ ﴿ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ سَتَجِدُنِي، أوْ هو مِن عَطْفِ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ المُشْتَقِّ عَطْفًا عَلى ”صابِرًا“ فَيُئَوَّلُ بِمَصْدَرٍ، أيْ وغَيْرَ عاصٍ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ أهَمَّ ما يَتَّسِمُ بِهِ طالِبُ العِلْمِ هو الصَّبْرُ والطّاعَةُ لِلْمُعَلِّمِ.
وفِي تَأْكِيدِهِ ذَلِكَ بِالتَّعْلِيقِ عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ - اسْتِعانَةً بِهِ، وحِرْصًا عَلى تَقَدُّمِ التَّيْسِيرِ؛ تَأدُّبًا مَعَ اللَّهِ - إيذانٌ بِأنَّ الصَّبْرَ والطّاعَةَ مِنَ المُتَعَلِّمِ الَّذِي لَهُ شَيْءٌ مِنَ العِلْمِ أعْسَرُ مِن صَبْرِ وطاعَةِ المُتَعَلِّمِ السّاذِجِ؛ لِأنَّ خُلُوَّ ذِهْنِهِ مِنَ العِلْمِ لا يُخْرِجُهُ مِن مُشاهَدَةِ الغَرائِبِ، إذْ لَيْسَ في ذِهْنِهِ مِنَ المَعارِفِ ما يُعارِضُ قَبُولَها، فالمُتَعَلِّمُ الَّذِي لَهُ نَصِيبٌ مِنَ العِلْمِ، وجاءَ طالِبًا الكَمالَ في عُلُومِهِ إذا بَدا لَهُ مِن عُلُومِ أُسْتاذِهِ ما يُخالِفُ ما تَقَرَّرَ في عِلْمِهِ يُبادِرُ إلى الِاعْتِراضِ والمُنازَعَةِ، وذَلِكَ قَدْ يُثِيرُ النَّفْرَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أُسْتاذِهِ، فَلِتَجَنُّبِ ذَلِكَ خَشِيَ الخَضِرُ أنْ يَلْقى مِن مُوسى هَذِهِ المُعامَلَةَ فَقالَ لَهُ ﴿إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾، فَأكَّدَ لَهُ مُوسى أنَّهُ يَصْبِرُ ويُطِيعُ أمْرَهُ إذا أمَرَهُ، والتِزامُ مُوسى ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى ثِقَتِهِ بِعِصْمَةِ مَتْبُوعِهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ أخْبَرَهُ بِأنَّهُ آتاهُ عِلْمًا.
والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَإنِ اتَّبَعْتَنِي﴾ تَفْرِيعٌ عَلى وعْدِ مُوسى إيّاهُ بِأنَّهُ يَجِدُهُ صابِرًا، فَفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ نَهْيَهُ عَنِ السُّؤالِ عَنْ شَيْءٍ مِمّا يُشاهِدُهُ مِن تَصَرُّفاتِهِ حَتّى يُبَيِّنَهُ لَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ.
وأكَّدَ النَّهْيَ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ؛ تَحْقِيقًا لِحُصُولِ أكْمَلِ أحْوالِ المُتَعَلِّمِ مَعَ المُعَلِّمِ؛ لِأنَّ السُّؤالَ قَدْ يُصادِفُ وقْتَ اشْتِغالِ المَسْئُولِ بِإكْمالِ عَمَلِهِ فَتَضِيقُ لَهُ نَفْسُهُ،
صفحة ٣٧٤
فَرُبَّما كانَ الجَوابُ عَنْهُ بِدُونِ شَرَهِ نَفْسٍ، ورُبَّما خالَطَهُ بَعْضُ القَلَقِ فَيَكُونُ الجَوابُ غَيْرَ شافٍ، فَأرادَ الخَضِرُ أنْ يَتَوَلّى هو بَيانَ أعْمالِهِ في الإبّانِ الَّذِي يَراهُ مُناسِبًا؛ لِيَكُونَ البَيانُ أبْسَطَ، والإقْبالُ أبْهَجَ؛ فَيَزِيدُ الِاتِّصالَ بَيْنَ القَرِينَيْنِ.
والذِّكْرُ هُنا: ذِكْرُ اللِّسانِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ [البقرة: ٤٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، أعْنِي بَيانَ العِلَلِ والتَّوْجِيهاتِ، وكَشْفَ الغَوامِضِ.
وإحْداثُ الذِّكْرِ: إنْشاؤُهُ وإبْرازُهُ، كَقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ:
أحْدَثْنا لِخالِقِها شُكْرا
وقَرَأ نافِعٌ (فَلا تَسْألَنِّي) بِالهَمْزِ، وبِفَتْحِ اللّامِ، وتَشْدِيدِ النُّونِ عَلى أنَّهُ مُضارِعُ (سَألَ) المَهْمُوزِ مُقْتَرِنًا بِنُونِ التَّوْكِيدِ الخَفِيفَةِ المُدْغَمَةِ في نُونِ الوِقايَةِ، وبِإثْباتِ ياءِ المُتَكَلِّمِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ مِثْلَهُ، لَكِنْ بِحَذْفِ ياءِ المُتَكَلِّمِ، وقَرَأ البَقِيَّةُ ”تَسْألْنِي“ بِالهَمْزِ وسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ النُّونِ، وأثْبَتُوا ياءَ المُتَكَلِّمِ.
18:71Page 301
فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا رَكِبَا فِي ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَاۖ قَالَ أَخَرَقۡتَهَا لِتُغۡرِقَ أَهۡلَهَا لَقَدۡ جِئۡتَ شَيۡـًٔا إِمۡرٗا ٧١
So they set out, until when they had embarked on the ship, he [i.e., al-Khiḍr] tore it open. [Moses] said, "Have you torn it open to drown its people? You have certainly done a grave thing."
﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ أيْ فَعَقَّبَ تِلْكَ المُحاوَرَةَ أنَّهُما انْطَلَقا، والِانْطِلاقُ: الذَّهابُ والمَشْيُ، مُشْتَقٌّ مِنَ الإطْلاقِ وهو ضِدُّ التَّقْيِيدِ؛ لِأنَّ الدّابَّةَ إذا حُلَّ عِقالُها مَشَتْ، فَأصْلُهُ مُطاوِعُ أطْلَقَهُ.
و(حَتّى) غايَةٌ لِلِانْطِلاقِ، أيْ إلى أنْ رَكِبا في السَّفِينَةِ.
و(حَتّى) ابْتِدائِيَّةٌ، وفي الكَلامِ إيجازٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ﴾، أصْلُ الكَلامِ: حَتّى اسْتَأْجَرا سَفِينَةً فَرَكِباها، فَلَمّا رَكِبا في السَّفِينَةِ خَرَقَها.
صفحة ٣٧٥
وتَعْرِيفُ السَّفِينَةِ تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّهْنِيِّ، مِثْلُ التَّعْرِيفِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٣] .
و(إذا) ظَرْفٌ لِلزَّمانِ الماضِي هُنا، ولَيْسَتْ مُتَضَمِّنَةً مَعْنى الشَّرْطِ، وهَذا التَّوْقِيتُ يُؤْذِنُ بِأخْذِهِ في خَرْقِ السَّفِينَةِ حِينَ رُكُوبِهِما، وفي ذَلِكَ ما يُشِيرُ إلى أنَّ الرُّكُوبَ فِيها كانَ لِأجْلِ خَرْقِها؛ لِأنَّ الشَّيْءَ المَقْصُودَ يُبادِرُ بِهِ قاصِدُهُ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ قَدْ دَبَّرَهُ، وارْتَآهُ مِن قَبْلُ.
وبُنِيَ نَظْمُ الكَلامِ عَلى تَقْدِيمِ الظَّرْفِ عَلى عامِلِهِ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الخَرْقَ وقَعَ بِمُجَرَّدِ الرُّكُوبِ في السَّفِينَةِ؛ لِأنَّ في تَقْدِيمِ الظَّرْفِ اهْتِمامًا بِهِ، فَيَدُلُّ عَلى أنَّ وقْتَ الرُّكُوبِ مَقْصُودٌ؛ لِإيقاعِ الفِعْلِ فِيهِ.
وضُمِّنَ الرُّكُوبُ مَعْنى الدُّخُولِ؛ لِأنَّهُ رُكُوبٌ مَجازِيٌّ، فَلِذَلِكَ عُدِّيَ بِحَرْفِ (في) الظَّرْفِيَّةِ نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَ ارْكَبُوا فِيها﴾ [هود: ٤١] دُونَ نَحْوِ قَوْلِهِ ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها﴾ [النحل: ٨]، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في سُورَةِ هُودٍ.
والخَرْقُ: الثَّقْبُ والشَّقُّ، وهو ضِدُّ الِالتِئامِ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أخَرَقْتَها﴾ لِلْإنْكارِ، ومَحَلُّ الإنْكارِ هو العِلَّةُ بِقَوْلِهِ ﴿لِتُغْرِقَ أهْلَها﴾؛ لِأنَّ العِلَّةَ مُلازِمَةٌ لِلْفِعْلِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ، ولِذَلِكَ تَوَجَّهَ أنْ يُغَيِّرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا المُنْكَرَ في ظاهِرِ الأمْرِ، وتَأْكِيدُ إنْكارِهِ بِقَوْلِهِ ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ .
والإمْرُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ: هو العَظِيمُ المُفْظِعُ، يُقالُ: أمِرَ كَفَرِحَ إمْرًا، إذا كَثُرَ في نَوْعِهِ، ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ الرّاغِبُ بِالمُنْكَرِ؛ لِأنَّ المَقامَ دالٌّ عَلى شَيْءٍ ضارٍّ، ومَقامُ الأنْبِياءِ في تَغْيِيرِ المُنْكَرِ مَقامُ شِدَّةٍ وصَراحَةٍ. ولَمْ يَجْعَلْهُ ”نُكْرًا“ كَما في الآيَةِ بَعْدَها؛ لِأنَّ العَمَلَ الَّذِي عَمِلَهُ الخَضِرُ ذَرِيعَةً لِلْغَرَقِ، ولَمْ يَقَعِ الغَرَقُ بِالفِعْلِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ لِتُغْرِقَ بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ مَضْمُونُهُ عَلى الخِطابِ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ (لِيَغْرَقَ) بِتَحْتِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ ”أهْلُها“ عَلى إسْنادِ فِعْلِ الغَرَقِ لِلْأهْلِ.
18:72Page 301
قَالَ أَلَمۡ أَقُلۡ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا ٧٢
[Al-Khiḍr] said, "Did I not say that with me you would never be able to have patience?"
صفحة ٣٧٦
﴿قالَ ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ، وتَعْرِيضٌ بِاللَّوْمِ عَلى عَدَمِ الوَفاءِ بِما التَزَمَ، أيْ: أتُقِرُّ أنِّي قُلْتُ إنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ مَعِي صَبْرًا ؟
و”مَعِيَ“ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”تَسْتَطِيعَ“، فاسْتِطاعَةُ الصَّبْرِ المَنفِيَّةُ هي الَّتِي تَكُونُ في صُحْبَتِهِ؛ لِأنَّهُ يَرى أُمُورًا عَجِيبَةً لا يُدْرِكُ تَأْوِيلَها.
وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ القَوْلِ تَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، أيْ ألَمْ يَقَعْ مِنِّي قَوْلٌ فِيهِ خِطابُكَ بِعَدَمِ الِاسْتِطاعَةِ ؟
18:73Page 301
قَالَ لَا تُؤَاخِذۡنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرۡهِقۡنِي مِنۡ أَمۡرِي عُسۡرٗا ٧٣
[Moses] said, "Do not blame me for what I forgot and do not overwhelm me in my matter with difficulty."
﴿قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا﴾ اعْتَذَرَ مُوسى بِالنِّسْيانِ، وكانَ قَدْ نَسِيَ التِزامَهُ بِما غَشِيَ ذِهْنَهُ مِن مُشاهَدَةِ ما يُنْكِرُهُ.
والنَّهْيُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعَطُّفِ، والتِماسِ عَدَمِ المُؤاخَذَةِ؛ لِأنَّهُ قَدْ يُؤاخِذُهُ عَلى النِّسْيانِ مُؤاخَذَةَ مَن لا يَصْلُحُ لِلْمُصاحَبَةِ لِما يَنْشَأُ عَنِ النِّسْيانِ مِن خَطَرٍ، فالحَزامَةُ الِاحْتِرازُ مِن صُحْبَةِ مَن يَطْرَأُ عَلَيْهِ النِّسْيانُ، ولِذَلِكَ بُنِيَ كَلامُ مُوسى عَلى طَلَبِ عَدَمِ المُؤاخَذَةِ بِالنِّسْيانِ، ولَمْ يُبْنَ عَلى الِاعْتِذارِ بِالنِّسْيانِ، كَأنَّهُ رَأى نَفْسَهُ مَحْقُوقًا بِالمُؤاخَذَةِ، فَكانَ كَلامًا بَدِيعَ النَّسِيجِ في الِاعْتِذارِ.
والمُؤاخَذَةُ: مُفاعَلَةٌ مِنَ الأخْذِ، وهي هُنا لِلْمُبالَغَةِ؛ لِأنَّها مِن جانِبٍ واحِدٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النحل: ٦١] .
و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ لا تُؤاخِذْنِي بِنِسْيانِي.
صفحة ٣٧٧
والإرْهاقُ: تَعْدِيَةُ رَهَقَ، إذا غَشِيَ ولَحِقَ، أيْ لا تُغْشِنِي عُسْرًا، وهو هُنا مَجازٌ في المُعامَلَةِ بِالشِّدَّةِ.
والإرْهاقُ: مُسْتَعارٌ لِلْمُعامَلَةِ والمُقابَلَةِ.
والعُسْرُ: الشِّدَّةُ وضِدُّ اليُسْرِ، والمُرادُ هُنا: عُسْرُ المُعامَلَةِ، أيْ عَدَمُ التَّسامُحِ مَعَهُ فِيما فَعَلَهُ، فَهو يَسْألُهُ الإغْضاءَ والصَّفْحَ.
والأمْرُ: الشَّأْنُ.
و(مِن) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ابْتِدائِيَّةً، فَكَوْنُ المُرادِ بِأمْرِهِ نِسْيانَهُ، أيْ لا تَجْعَلْ نِسْيانِي مُنْشِئًا لِإرْهاقِي عُسْرًا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَيانِيَّةً؛ فَيَكُونُ المُرادُ بِأمْرِهِ شَأْنَهُ مَعَهُ، أيْ لا تَجْعَلْ شَأْنِي إرْهاقَكَ إيّايَ عُسْرًا.
18:74Page 301
فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا لَقِيَا غُلَٰمٗا فَقَتَلَهُۥ قَالَ أَقَتَلۡتَ نَفۡسٗا زَكِيَّةَۢ بِغَيۡرِ نَفۡسٖ لَّقَدۡ جِئۡتَ شَيۡـٔٗا نُّكۡرٗا ٧٤
So they set out, until when they met a boy, he [i.e., al-Khiḍr] killed him. [Moses] said, "Have you killed a pure soul for other than [having killed] a soul? You have certainly done a deplorable thing."
﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ قالَ أقَتَلْتَ نَفْسًا زاكِيَةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكُرًا﴾ يَدُلُّ تَفْرِيعُ قَوْلِهِ ﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا لَقِيا غُلامًا﴾ عَنِ اعْتِذارِ مُوسى، عَلى أنَّ الخَضِرَ قَبِلَ عُذْرَهُ، وانْطَلَقا مُصْطَحِبَيْنِ.
والقَوْلُ في نَظْمِ قَوْلِهِ ﴿حَتّى إذا لَقِيا غُلامًا﴾ كالقَوْلِ في قَوْلِهِ ﴿حَتّى إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ﴾ [الكهف: ٧١] .
وقَوْلُهُ ”فَقَتَلَهُ“ تَعْقِيبٌ لِفِعْلِ ”لَقِيا“ تَأْكِيدًا لِلْمُبادَرَةِ المَفْهُومَةِ مِن تَقْدِيمِ الظَّرْفِ، فَكانَتِ المُبادَرَةُ بِقَتْلِ الغُلامِ عِنْدَ لِقائِهِ أسْرَعَ مِنَ المُبادَرَةِ بِخَرْقِ السَّفِينَةِ حِينَ رُكُوبِها.
وكَلامُ مُوسى في إنْكارِ ذَلِكَ جَرى عَلى نَسَقِ كَلامِهِ في إنْكارِ خَرْقِ السَّفِينَةِ
صفحة ٣٧٨
سِوى أنَّهُ وصَفَ هَذا الفِعْلَ بِأنَّهُ نُكُرٌ، وهو بِضَمَّتَيْنِ: الَّذِي تُنْكِرُهُ العُقُولُ وتَسْتَقْبِحُهُ، فَهو أشَدُّ مِنَ الشَّيْءِ الإمْرِ؛ لِأنَّ هَذا فَسادٌ حاصِلٌ، والآخَرُ ذَرِيعَةُ فَسادٍ كَما تَقَدَّمَ، ووَصَفَ النَّفْسَ بِالزّاكِيَةِ؛ لِأنَّها نَفْسُ غُلامٍ لَمْ يَبْلُغِ الحُلُمَ؛ فَلَمْ يَقْتَرِفْ ذَنْبًا؛ فَكانَ زَكِيًّا طاهِرًا، والزَّكاءُ: الزِّيادَةُ في الخَيْرِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ، ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ (زاكِيَةً) بِألْفٍ بَعْدِ الزّايِ اسْمَ فاعِلٍ مِن زَكا، وقَرَأ الباقُونَ ”زَكِيَّةً“، وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: النُّونُ مِن قَوْلِهِ نُكْرًا هي نِصْفُ القُرْآنِ، أيْ نِصْفُ حُرُوفِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ ذَلِكَ مُخالِفٌ لِقَوْلِ الجُمْهُورِ: إنَّ نِصْفَ القُرْآنِ هو حَرْفُ التّاءِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولْيَتَلَطَّفْ﴾ [الكهف: ١٩] في هَذِهِ السُّورَةِ.
18:75–76Page 302
۞ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا ٧٥
[Al-Khiḍr] said, "Did I not tell you that with me you would never be able to have patience?"
قَالَ إِن سَأَلۡتُكَ عَن شَيۡءِۭ بَعۡدَهَا فَلَا تُصَٰحِبۡنِيۖ قَدۡ بَلَغۡتَ مِن لَّدُنِّي عُذۡرٗا ٧٦
[Moses] said, "If I should ask you about anything after this, then do not keep me as a companion. You have obtained from me an excuse."
صفحة ٥
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الكَهْفِ
﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ﴿قالَ إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِي عُذْرًا﴾ كانَ جَوابُ الخَضِرِ هَذا عَلى نَسَقِ جَوابِهِ السّابِقِ إلّا أنَّهُ زادَ ما حُكِيَ في الآيَةِ بِكَلِمَةِ (لَكَ) وهو تَصْرِيحٌ بِمُتَعَلِّقِ فِعْلِ القَوْلِ. وإذْ كانَ المَقُولُ لَهُ مَعْلُومًا مِن مَقامِ الخِطابِ كانَ في التَّصْرِيحِ بِمُتَعَلِّقِ فِعْلِ القَوْلِ تَحْقِيقٌ لِوُقُوعِ القَوْلِ وتَثْبِيتٌ لَهُ وتَقْوِيَةٌ، والدّاعِي لِذَلِكَ أنَّهُ أهْمَلَ العَمَلَ بِهِ.
واللّامُ في قَوْلِهِ (لَكَ) لامُ التَّبْلِيغِ، وهي الَّتِي تَدْخُلُ عَلى اسْمِ أوْ ضَمِيرِ السّامِعِ لِقَوْلٍ أوْ ما في مَعْناهُ، نَحْوَ: قَلْتُ لَهُ، وأذِنْتُ لَهُ، وفَسَّرْتُ لَهُ؛ وذَلِكَ عِنْدَما يَكُونُ المَقُولُ لَهُ الكَلامُ مَعْلُومًا مِنَ السِّياقِ فَيَكُونُ ذِكْرُ اللّامِ لِزِيادَةِ تَقَوِّي الكَلامِ وتَبْلِيغِهِ إلى السّامِعِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَتْ لامُ التَّبْلِيغِ. ألا تَرى أنَّ اللّامَ لَمْ يَحْتَجْ لِذِكْرِهِ في جَوابِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ ﴿ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٢] . فَكانَ التَّقْرِيرُ والإنْكارُ مَعَ ذِكْرِ لامِ تَعْدِيَةِ القَوْلِ أقْوى وأشَدَّ.
صفحة ٦
وهُنا لَمْ يَعْتَذِرْ مُوسى بِالنِّسْيانِ: إمّا لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَسِيَ. ولَكِنَّهُ رَجَّحَ تَغْيِيرَ المُنْكَرِ العَظِيمِ. وهو قَتْلُ النَّفْسِ بِدُونِ مُوجِبٍ عَلى واجِبِ الوَفاءِ بِالِالتِزامِ؛ وإمّا لِأنَّهُ نَسِيَ وأعَرَضَ عَنِ الِاعْتِذارِ بِالنِّسْيانِ لِسَماجَةِ تَكَرُّرِ الِاعْتِذارِ بِهِ.
وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ فَقَدْ عَدَلَ إلى المُبادَرَةِ بِاشْتِراطِ ما تَطْمَئِنُّ إلَيْهِ نَفْسُ صاحِبِهِ بِأنَّهُ إنْ عادَ لِلسُّؤالِ الَّذِي لا يَبْتَغِيهِ صاحِبُهُ فَقَدْ جَعَلَ لَهُ أنْ لا يُصاحِبَهُ بَعْدَهُ.
وفِي الحَدِيثِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ: كانَتِ الأُولى مِن مُوسى نِسْيانًا، والثّانِيَةُ شَرْطًا، فاحْتَمَلَ كَلامُ النَّبِيءِ الِاحْتِمالَيْنِ المَذْكُورَيْنِ.
وأنْصَفَ مُوسى إذْ جَعَلَ لِصاحِبِهِ العُذْرَ في تَرْكِ مُصاحَبَتِهِ في الثّالِثَةِ تَجَنُّبًا لِإحْراجِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لَدُنِّي) - بِتَشْدِيدِ النُّونِ - قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي قِراءَةُ النَّبِيءِ ﷺ يَعْنِي أنَّ فِيها سَنَدًا خاصًّا مَرْوِيًّا فِيهِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ كَما تَقَدَّمَ في المُقَدِّمَةِ السّادِسَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ (مِن لَدُنِي) - بِتَخْفِيفِ النُّونِ - عَلى أنَّهُ حُذِفَ مِنهُ نُونُ الوِقايَةِ تَخْفِيفًا، لِأنَّ (لَدُنْ) أثْقَلُ مِن (عَنْ) (ومِن) فَكانَ التَّخْفِيفُ فِيها مَقْبُولًا دُونَهُما.
ومَعْنى ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾ قَدْ وصَلْتَ مِن جِهَتِي إلى العُذْرِ. فاسْتُعِيرَ (بَلَغْتَ) لِمَعْنًى (تَحَتَّمَ وتَعَيَّنَ) لِوُجُودِ أسْبابِهِ بِتَشْبِيهِ العُذْرِ في قَطْعِ الصُّحْبَةِ بِمَكانٍ يَنْتَهِي إلَيْهِ السّائِرُ عَلى طَرِيقَةِ المَكْنِيَّةِ.
وأثْبَتَ لَهُ البُلُوغَ تَخْيِيلًا، أوِ اسْتَعارَ البُلُوغَ لِتَعَيُّنِ حُصُولِ الشَّيْءِ بَعْدَ المُماطَلَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences