Ibn 'AshurAl‑Kahf · 18:83–92

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Kahf 18:83–92

18:83–85Page 302

وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَن ذِي ٱلۡقَرۡنَيۡنِۖ قُلۡ سَأَتۡلُواْ عَلَيۡكُم مِّنۡهُ ذِكۡرًا ٨٣

And they ask you, [O Muḥammad], about Dhul-Qarnayn. Say, "I will recite to you about him a report."

إِنَّا مَكَّنَّا لَهُۥ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَءَاتَيۡنَٰهُ مِن كُلِّ شَيۡءٖ سَبَبٗا ٨٤

Indeed, We established him upon the earth, and We gave him from everything a way [i.e., means].

فَأَتۡبَعَ سَبَبًا ٨٥

So he followed a way

صفحة ١٧

﴿ويَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ قُلْ سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا﴾ ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ افْتِتاحُ هَذِهِ القِصَّةِ بِـ ”يَسْألُونَكَ“ يَدُلُّ عَلى أنَّها مِمّا نَزَلَتِ السُّورَةُ لِلْجَوابِ عَنْهُ كَما كانَ الِابْتِداءُ بِقِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ اقْتِضابًا تَنْبِيهًا عَلى مِثْلِ ذَلِكَ.

وقَدْ ذَكَرْنا عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] في سُورَةِ الإسْراءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ سَألُوا النَّبِيءَ ﷺ ثَلاثَةَ أسْئِلَةٍ بِإغْراءٍ مِن أحْبارِ اليَهُودِ في يَثْرِبَ. فَقالُوا: سَلُوهُ عَنْ أهْلِ الكَهْفِ وعَنْ ذِي القَرْنَيْنِ وعَنِ الرُّوحِ فَإنْ أجابَ عَنْها كُلِّها فَلَيْسَ بِنَبِيءٍ وإنْ أجابَ عَنْ بَعْضِها وأمْسَكَ عَنْ بَعْضٍ فَهو نَبِيءٌ» ؟ . وبَيَّنّا هُنالِكَ وجْهَ التَّعْجِيلِ في سُورَةِ الإسْراءِ النّازِلَةِ قَبْلَ سُورَةِ الكَهْفِ بِالجَوابِ عَنْ سُؤالِهِمْ عَنِ الرُّوحِ وتَأْخِيرِ الجَوابِ عَنْ أهْلِ الكَهْفِ وعَنْ ذِي القَرْنَيْنِ إلى سُورَةِ الكَهْفِ. وأعْقَبْنا ذَلِكَ بِما رَأيْناهُ في تَحْقِيقِ الحَقِّ مِن سَوْقِ هَذِهِ الأسْئِلَةِ الثَّلاثَةِ في مَواقِعَ مُخْتَلِفَةٍ.

فالسّائِلُونَ: قُرَيْشٌ لا مَحالَةَ. والمَسْئُولُ عَنْهُ: خَبَرُ رَجُلٌ مِن عُظَماءِ العالَمِ عُرِفَ بِلَقَبِ ذِي القَرْنَيْنِ، كانَتْ أخْبارُ سِيرَتِهِ خَفِيَّةً مُجْمَلَةً مُغْلَقَةً، فَسَألُوا النَّبِيءَ عَنْ تَحْقِيقِها وتَفْصِيلِها. وأذِنَ لَهُ اللَّهُ أنْ يُبَيِّنَ مِنها ما هو مَوْضِعُ العِبْرَةِ لِلنّاسِ في شُئُونِ الصَّلاحِ والعَدْلِ، وفي عَجِيبِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى في اخْتِلافِ أحْوالِ الخَلْقِ، فَكانَ أحْبارُ اليَهُودِ مُنْفَرِدِينَ بِمَعْرِفَةٍ إجْمالِيَّةٍ عَنْ هَذِهِ المَسائِلِ الثَّلاثِ وكانَتْ مِن أسْرارِهِمْ فَلِذَلِكَ جَرَّبُوا بِها نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ .

صفحة ١٨

ولَمْ يَتَجاوَزِ القُرْآنُ ذِكْرَ هَذا الرَّجُلِ بِأكْثَرِ مِن لَقَبِهِ المُشْتَهِرِ بِهِ إلى تَعْيِينِ اسْمِهِ وبِلادِهِ وقَوْمِهِ، لِأنَّ ذَلِكَ مِن شُئُونِ أهْلِ التّارِيخِ والقَصَصِ ولَيْسَ مِن أغْراضِ القُرْآنِ، فَكانَ مِنهُ الِاقْتِصارُ عَلى ما يُفِيدُ الأُمَّةَ مِن هَذِهِ القِصَّةِ عِبْرَةً حِكَمِيَّةً أوْ خُلُقِيَّةً فَلِذَلِكَ قالَ اللَّهُ: ﴿قُلْ سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا﴾ . والمُرادُ بِالسُّؤالِ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ السُّؤالُ عَنْ خَبَرِهِ فَحُذِفَ المُضافُ إيجازًا لِدَلالَةِ المَقامِ، وكَذَلِكَ حُذِفَ المُضافُ في قَوْلِهِ مِنهُ أيْ مِن خَبَرِهِ و”مِن“ تَبْعِيضِيَّةٌ.

والذِّكْرُ: التَّذَكُّرُ والتَّفَكُّرُ، أيْ سَأتْلُو عَلَيْكم ما بِهِ التَّذَكُّرُ، فَجَعَلَ المَتْلُوَّ نَفْسَهُ ذِكْرًا مُبالَغَةً بِالوَصْفِ بِالمَصْدَرِ، ولَكِنَّ القُرْآنَ جاءَ بِالحَقِّ الَّذِي لا تَخْلِيطَ فِيهِ مِن حالِ الرَّجُلِ الَّذِي يُوصَفُ بِذِي القَرْنَيْنِ بِما فِيهِ إبْطالٌ لِما خَلَطَ بِهِ النّاسُ بَيْنَ أحْوالِ رِجالٍ عُظَماءَ كانُوا في عُصُورٍ مُتَقارِبَةٍ أوْ كانَتْ قَصَصُهم تُساقُ مَساقَ مَن جاسُوا خِلالَ بِلادٍ مُتَقارِبَةٍ مُتَماثِلَةٍ وشَوَّهُوا تَخْلِيطَهم بِالأكاذِيبِ، وأكْثَرُهم في ذَلِكَ صاحِبُ الشّاهْنامَةِ الفِرْدَوْسِيُّ وهو مَعْرُوفٌ بِالأكاذِيبِ والأوْهامِ الخُرافِيَّةِ.

اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَعْيِينِ المُسَمّى بِذِي القَرْنَيْنِ اخْتِلافًا كَثِيرًا تَفَرَّقَتْ بِهِمْ فِيهِ أخْبارٌ قَصَصِيَّةٌ وأخْبارٌ تارِيخِيَّةٌ واسْتِرْواحٌ مِنَ الِاشْتِقاقاتِ اللَّفْظِيَّةِ، ولَعَلَّ اخْتِلافَهم لَهُ مَزِيدُ اتِّصالٍ بِاخْتِلافِ القَصّاصِينَ الَّذِينَ عُنُوا بِأحْوالِ الفاتِحِينَ عِنايَةَ تَخْلِيطٍ لا عِنايَةَ تَحْقِيقٍ فَرامُوا تَطْبِيقَ هَذِهِ القِصَّةِ عَلَيْها. والَّذِي يَجِبُ الِانْفِصالُ فِيهِ بادِئَ ذِي بَدْءٍ أنَّ وصْفَهُ بِذِي القَرْنَيْنِ يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ وصْفًا ذاتِيًّا لَهُ وهو وصْفٌ عَرَبِيٌّ يَظْهَرُ أنْ يَكُونَ عُرِفَ بِمَدْلُولِهِ بَيْنَ المُثِيرِينَ لِلسُّؤالِ عَنْهُ فَتَرْجَمُوهُ بِهَذا اللَّفْظِ.

صفحة ١٩

ويَتَعَيَّنُ أنْ لا يُحْمَلَ القَرْنانِ عَلى الحَقِيقَةِ بَلْ هُما عَلى التَّشْبِيهِ أوْ عَلى الصُّورَةِ. فالأظْهَرُ أنْ يَكُونا ذُؤابَتَيْنِ مِن شَعْرِ الرَّأْسِ مُتَدَلِّيَتَيْنِ، وإطْلاقُ القَرْنِ عَلى الضَّفِيرَةِ مِنَ الشَّعْرِ شائِعٌ في العَرَبِيَّةِ، قالَ عُمَرُ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ:

فَلَثَمْتُ فاها آخِذًا بِقُرُونِها شُرْبَ النَّزِيفِ بِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ

وفِي حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ «فِي صِفَةِ غُسْلِ ابْنَةِ النَّبِيءِ ﷺ قالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: فَجَعَلْنا رَأْسَها ثَلاثَةَ قُرُونٍ»، فَيَكُونُ هَذا المَلِكُ قَدْ أطالَ شَعْرَ رَأْسِهِ وضَفَّرَهُ ضَفِيرَتَيْنِ فَسُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ، كَما سُمِّيَ خِرْباقُ ذا اليَدَيْنِ.

وقِيلَ: هُما شِبْهُ قَرْنَيِ الكَبْشِ مِن نُحاسٍ كانا في خُوذَةِ هَذا المَلِكِ فَنُعِتَ بِهِما. وقِيلَ: هُما ضَرْبَتانِ عَلى مَوْضِعَيْنِ مِن رَأْسِ الإنْسانِ يُشْبِهانِ مَنبَتَيِ القَرْنَيْنِ مِن ذَواتِ القُرُونِ.

ومِن هُنا تَأْتِي الأقْوالُ في تَعْيِينِ ذِي القَرْنَيْنِ،

فَأحَدُ الأقْوالِ: أنَّهُ الإسْكَنْدَرُ بْنُ فِيلِيبُوسَ المَقْدُونِيُّ. وذَكَرُوا في وجْهِ تَلْقِيبِهِ بِذِي القَرْنَيْنِ أنَّهُ ضَفَّرَ شَعْرَهُ قَرْنَيْنِ، وقِيلَ: كانَ يَلْبَسُ خُوذَةً في الحَرْبِ بِها قَرْنانِ، وقِيلَ: رَسَمَ ذاتَهُ عَلى بَعْضِ نُقُودِهِ بِقَرْنَيْنِ في رَأْسِهِ تَمْثِيلًا لِنَفْسِهِ بِالمَعْبُودِ آمَوُنَ مَعْبُودِ المِصْرِيِّينَ وذَلِكَ حِينَ مَلَكَ مِصْرَ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مَلِكٌ مِن مُلُوكِ حِمْيَرَ هو تُبَّعٌ أبُو كَرِبٍ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ مَلِكٌ مِن مُلُوكِ الفُرْسِ وأنَّهُ (أفْرِيدُونُ بْنُ أثْفِيانَ بْنِ جَمْشِيدَ) . هَذِهِ أوْضَحُ الأقْوالِ، وما دُونَها لا يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ ولا تَصْحِيحُ رِوايَتِهِ.

ونَحْنُ تُجاهَ هَذا الِاخْتِلافِ يَحِقُّ عَلَيْنا أنْ نَسْتَخْلِصَ مِن قِصَّتِهِ في هَذِهِ الآيَةِ أحْوالًا تُقَرِّبُ تَعْيِينَهُ وتَزْيِيفَ ما عَداهُ مِنَ الأقْوالِ، ولَيْسَ يَجِبُ الِاقْتِصارُ عَلى تَعْيِينِهِ مِن بَيْنِ أصْحابِ هَذِهِ الأقْوالِ بَلِ الأمْرُ في ذَلِكَ أوْسَعُ

صفحة ٢٠

وهَذِهِ القِصَّةُ القُرْآنِيَّةُ تُعْطِي صِفاتٍ لا مَحِيدَ عَنْها: إحْداها: أنَّهُ كانَ مَلِكًا صالِحًا عادِلًا.

الثّانِيَةُ: أنَّهُ كانَ مُلْهَمًا مِنَ اللَّهِ.

الثّالِثَةُ: أنَّ مُلْكَهُ شَمِلَ أقْطارًا شاسِعَةً.

الرّابِعَةُ: أنَّهُ بَلَغَ في فُتُوحِهِ مِن جِهَةِ المَغْرِبِ مَكانًا كانَ مَجْهُولًا وهو عَيْنٌ حَمِئَةٌ.

الخامِسَةُ: أنَّهُ بَلَغَ بِلادَ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، وأنَّها كانَتْ في جِهَةٍ مِمّا شَمِلَهُ مُلْكُهُ غَيْرِ الجِهَتَيْنِ الشَّرْقِيَّةِ والغَرْبِيَّةِ فَكانَتْ وسَطًا بَيْنَهُما كَما يَقْتَضِيهِ اسْتِقْراءُ مَبْلَغِ أسْبابِهِ.

السّادِسَةُ: أنَّهُ أقامَ سَدًّا يَحُولُ بَيْنَ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ وبَيْنَ قَوْمٍ آخَرِينَ.

السّابِعَةُ: أنَّ ياجُوجَ وماجُوجَ هَؤُلاءِ كانُوا عائِثِينَ في الأرْضِ فَسادًا وأنَّهم كانُوا يُفْسِدُونَ بِلادَ قَوْمٍ مُوالِينَ لِهَذا المَلِكِ.

الثّامِنَةُ: أنَّهُ كانَ مَعَهُ قَوْمٌ أهْلُ صِناعَةٍ مُتْقَنَةٍ في الحَدِيدِ والبِناءِ.

التّاسِعَةُ: أنَّ خَبَرَهُ خَفِيٌّ دَقِيقٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا الأحْبارُ عِلْمًا إجْمالِيًّا كَما دَلَّ عَلَيْهِ سَبَبُ النُّزُولِ.

وأنْتَ إذا تَدَبَّرْتَ جَمِيعَ هَذِهِ الأحْوالِ نَفَيْتَ أنْ يَكُونَ ذُو القَرْنَيْنِ إسْكَنْدَرَ المَقْدُونِيَّ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَلِكًا صالِحًا بَلْ كانَ وثَنِيًّا فَلَمْ يَكُنْ أهْلًا لِتَلَقِّي الوَحْيِ مِنَ اللَّهِ وإنْ كانَتْ لَهُ كَمالاتٌ عَلى الجُمْلَةِ، وأيْضًا فَلا يُعْرَفُ في تارِيخِهِ أنَّهُ أقامَ سَدًّا بَيْنَ بَلَدَيْنِ.

وأمّا نِسْبَةُ السَّدِّ الفاصِلِ بَيْنَ الصِّينِ وبَيْنَ بِلادِ ياجُوجَ وماجُوجَ إلَيْهِ في كَلامِ بَعْضِ المُؤَرِّخِينَ فَهو ناشِئٌ عَنْ شُهْرَةِ الإسْكَنْدَرِ فَتَوَهَّمَ

صفحة ٢١

القَصّاصُونَ أنَّ ذَلِكَ السَّدَّ لا يَكُونُ إلّا مِن بِنائِهِ، كَما تَوَهَّمَ العَرَبُ أنَّ مَدِينَةَ تَدْمُرَ بَناها سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وأيْضًا فَإنَّ هِيرُودُوتِسَ اليُونانِيَّ المُؤَرِّخَ ذَكَرَ أنَّ الإسْكَنْدَرَ حارَبَ أُمَّهُ (سِكْيُثُوسَ) . وهَذا الِاسْمُ هو اسْمُ ماجُوجَ كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا.

وأحْسَبُ أنَّ لِتَرْكِيبِ القِصَّةِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ عَلى اسْمِ إسْكَنْدَرَ المَقْدُونِيِّ أثَرًا في اشْتِهارِ نِسْبَةِ السَّدِّ إلَيْهِ. وذَلِكَ مِن أوْهامِ المُؤَرِّخِينَ في الإسْلامِ.

ولا يُعْرَفُ أنَّ مَمْلَكَةَ إسْكَنْدَرَ كانَتْ تَبْلُغُ في الغَرْبِ إلى عَيْنٍ حَمِئَةٍ، وفي الشَّرْقِ إلى قَوْمٍ مَجْهُولِينَ عُراةٍ أوْ عَدِيمِي المَساكِنِ، ولا أنَّ أُمَّتَهُ كانَتْ تُلَقِّبُهُ بِذِي القَرْنَيْنِ. وإنَّما انْتُحِلَ هَذا اللَّقَبُ لَهُ لَمّا تَوَهَّمُوا أنَّهُ المَعْنِيُّ بِذِي القَرْنَيْنِ في هَذِهِ الآيَةِ. فَمَنحُهُ هَذا اللَّقَبَ مِن مُخْتَرَعاتِ مُؤَرِّخِي المُسْلِمِينَ، ولَيْسَ رَسْمُ وجْهِهِ عَلى النُّقُودِ بِقَرْنَيْنِ مِمّا شَأْنُهُ أنْ يُلَقَّبَ بِهِ. وأيْضًا فالإسْكَنْدَرُ كانَتْ أخْبارُهُ مَشْهُورَةً لِأنَّهُ حارَبَ الفُرْسَ والقِبْطَ وهُما أُمَّتانِ مُجاوِرَتانِ لِلْأُمَّةِ العَرَبِيَّةِ.

ومِثْلُ هَذِهِ المُبْطِلاتِ الَّتِي ذَكَرْناها تَتَأتّى لِإبْطالِ أنْ يَكُونَ المَلِكُ المُتَحَدَّثُ عَنْهُ هو أفْرِيدُونُ، فَإمّا أنْ يَكُونَ مِن تَبابِعَةِ حِمْيَرَ فَقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في عَصْرٍ مُتَوَغِّلٍ في القِدَمِ. وقَدْ تَوَهَّمَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ كانَ مُعاصِرًا إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَتْ بِلادُهُ الَّتِي فَتَحَها مَجْهُولَةَ المَواقِعِ. ولَكِنْ يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ هو المُرادَ لِأنَّ العَرَبَ لا يَعْرِفُونَ مِن خَبَرِهِ مِثْلَ هَذا. وقَدْ ظَهَرَ مِن أقْوالِهِمْ أنَّ سَبَبَ هَذا التَّوَهُّمِ هو وُجُودُ كَلِمَةِ (ذُو) الَّتِي اشْتُهِرَ وُجُودُ مِثْلِها في ألْقابِ مُلُوكِ اليَمَنِ وتَبابِعَتِهِ.

صفحة ٢٢

فالَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ ذا القَرْنَيْنِ كانَ مَلِكًا مِن مُلُوكِ الصِّينِ لِوُجُودِ أسْبابٍ: أحَدُها: أنَّ بِلادَ الصِّينِ اشْتَهَرَ أهْلُها مُنْذُ القِدَمِ بِأنَّهم أهْلُ تَدْبِيرٍ وصَنائِعَ.

الثّانِي: أنَّ مُعْظَمَ مُلُوكِهِمْ كانُوا أهْلَ عَدْلٍ وتَدْبِيرٍ لِلْمَمْلَكَةِ.

الثّالِثُ: أنَّ مِن سِماتِهِمْ تَطْوِيلُ شَعْرِ رُءُوسِهِمْ وجَعْلُها في ضَفِيرَتَيْنِ فَيَظْهَرُ وجْهُ تَعْرِيفِهِ بِذِي القَرْنَيْنِ.

الرّابِعُ: أنَّ سَدًّا ورَدْمًا عَظِيمًا لا يُعْرَفُ لَهُ نَظِيرٌ في العالَمِ هو مَوْجُودٌ بَيْنَ بِلادِ الصِّينِ وبِلادِ المَغُولِ. وهو المَشْهُورُ في كُتُبِ الجُغْرافِيا والتّارِيخِ بِالسُّورِ الأعْظَمِ، وسَيَرِدُ وصْفُهُ.

الخامِسُ: ما رَوَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّ النَّبِيءَ ﷺ «خَرَجَ لَيْلَةً فَقالَ: ويْلٌ لِلْعَرَبِ مِن شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ فُتِحَ اليَوْمَ مِن رَدْمِ ياجُوجَ وماجُوجَ هَكَذا» . وأشارَ بِعَقْدِ تِسْعِينَ أعْنِي بِوَضْعِ طَرَفِ السَّبّابَةِ عَلى طَرَفِ الإبْهامِ وقَدْ كانَ زَوالُ عَظَمَةِ سُلْطانِ العَرَبِ عَلى يَدِ المَغُولِ في بَغْدادَ فَتَعَيَّنَ أنَّ ياجُوجَ وماجُوجَ هُمُ المَغُولُ وأنَّ الرَّدْمَ المَذْكُورَ في القُرْآنِ هو الرَّدْمُ الفاصِلُ بَيْنَ بِلادِ المَغُولِ وبِلادِ الصِّينِ وبانِيهِ مَلِكٌ مِن مُلُوكِهِمْ.

وأنَّ وصْفَهُ في القُرْآنِ بِذِي القَرْنَيْنِ تَوْصِيفٌ لا تَلْقِيبٌ فَهو مِثْلُ التَّعْبِيرِ عَنْ شاوَلَ مَلِكِ إسْرائِيلَ باسِمِ طالُوتَ. وهَذا المَلِكُ هو الَّذِي بَنى السَّدَّ الفاصِلَ بَيْنَ الصِّينِ ومَنغُولْيا. واسْمُ هَذا المَلِكِ (تِسِينْشِي هُوانْقَتِي) أوْ (تِسِينْ شِي هو انْقْ تِي) . وكانَ مَوْجُودًا في حُدُودِ سَنَةِ سَبْعٍ وأرْبَعِينَ ومِائَتَيْنِ قَبْلَ مِيلادِ المَسِيحِ فَهو مُتَأخِّرٌ عَنْ إسْكَنْدَرَ المَقْدُونِيِّ بِنَحْوِ قَرْنٍ. وبِلادُ الصِّينِ في ذَلِكَ العَصْرِ كانَتْ مُتَدَيِّنَةً بِدِينِ (كِنْفِيشْيُوسَ) المُشَرِّعِ المُصْلِحِ. فَلا جَرَمَ أنْ يَكُونَ أهْلُ شَرِيعَتِهِ صالِحِينَ.

صفحة ٢٣

وهَذا المَلِكُ يُؤْخَذُ مِن كُتُبِ التّارِيخِ أنَّهُ ساءَتْ حالَتُهُ في آخِرِ عُمُرِهِ وأفْسَدَ كَثِيرًا وقَتَلَ عُلَماءَ وأحْرَقَ كُتُبًا، واللَّهُ أعْلَمُ بِالحَقِيقَةِ وبِأسْبابِها.

ولَمّا ظَنَّ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ أنَّ ذا القَرْنَيْنِ المَذْكُورَ في القُرْآنِ هو إسْكَنْدَرُ بْنُ فِيلِيبُوسَ نَحَلُوهُ بِناءَ السَّدِّ. وزَعَمُوهُ مِن صُنْعِهُ كَما نَحَلُوهُ لَقَبَ ذِي القَرْنَيْنِ. وكُلُّ ذَلِكَ بِناءَ أوْهامٍ عَلى أوْهامٍ ولا أساسَ لِواحِدٍ مِنها ولا عَلاقَةَ لِإسْكَنْدَرَ المَقْدُونِيِّ بِقِصَّةِ ذِي القَرْنَيْنِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ. .

والأمْرُ في قَوْلِهِ ﴿قُلْ سَأتْلُو عَلَيْكُمْ﴾ إذْنٌ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ بِأنْ يَعِدَ بِالجَوابِ عَنْ سُؤالِهِمْ عَمَلًا بِقَوْلِهِ ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣] عَلى أحَدِ تَأْوِيلَيْنِ في مَعْناهُ.

والسِّينُ في قَوْلِ ﴿سَأتْلُو عَلَيْكُمْ﴾ لِتَحْقِيقِ الوَعْدِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] في سُورَةِ يُوسُفَ.

وجُعِلَ خَبَرُ ذِي القَرْنَيْنِ تِلاوَةً وذِكْرًا لِلْإشارَةِ إلى أنَّ المُهِمَّ مِن أخْبارِهِ ما فِيهِ تَذْكِيرٌ وما يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ تِلاوَةً حَسَبَ شَأْنِ القُرْآنِ فَإنَّهُ يُتْلى لِأجْلِ الذِّكْرِ ولا يُساقُ مَساقَ القَصَصِ.

وقَوْلُهُ مِنهُ ذِكْرًا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ أحْوالَهُ وأخْبارَهُ كَثِيرَةٌ وأنَّهم إنَّما يُهِمُّهم بَعْضُ أحْوالِهِ المُفِيدَةِ ذِكْرًا وعِظَةً. ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ في قِصَّةِ أهْلِ الكَهْفِ: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن نَبَئِهِمْ. لِأنَّ قِصَّتَهم مُنْحَصِرَةٌ فِيما ذَكَرَ. وأحْوالُ ذِي القَرْنَيْنِ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ فِيما ذَكَرَ هُنا.

وحَرْفُ مِن في قَوْلِهِ مِنهُ ذِكْرًا لِلتَّبْعِيضِ بِاعْتِبارِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ، أيْ مِن خَبَرِهِ.

والتَّمْكِينُ: جَعْلُ الشَّيْءِ مُتَمَكِّنًا، أيْ راسِخًا. وهو تَمْثِيلٌ لِقُوَّةِ التَّصَرُّفِ بِحَيْثُ لا يُزَعْزِعُ قُوَّتَهُ أحَدٌ. وحَقُّ فِعْلِ مَكَّنا التَّعْدِيَةُ

صفحة ٢٤

بِنَفْسِهِ، فَيُقالُ: مَكَّناهُ في الأرْضِ كَقَوْلِهِ ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ [الأنعام: ٦] . فاللّامُ في قَوْلِهِ ﴿مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾ لِلتَّوْكِيدِ كاللّامِ في قَوْلِهِمْ: شَكَرْتُ لَهُ، ونَصَحْتُ لَهُ، والجَمْعُ بَيْنَهُما تَفَنُّنٌ. وعَلى ذَلِكَ جاءَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ [الأنعام: ٦] . فَمَعْنى التَّمْكِينِ في الأرْضِ إعْطاءُ المَقْدِرَةِ عَلى التَّصَرُّفِ.

والمُرادُ بِالأرْضِ أهْلُ الأرْضِ، والمُرادُ بِالأرْضِ أرْضٌ مُعَيَّنَةٌ وهي أرْضُ مُلْكِهِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ [يوسف: ٢١] . والسَّبَبُ حَقِيقَتُهُ: الحَبْلُ، وأُطْلِقَ هُنا عَلى ما يُتَوَسَّلُ بِهِ إلى الشَّيْءِ مِن عِلْمٍ أوْ مَقْدِرَةٍ أوْ آلاتِ التَّسْخِيرِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وكُلُّ شَيْءٍ مُسْتَعْمَلٌ هُنا في الأشْياءِ الكَثِيرَةِ كَما تَقَدَّمَ في نَظائِرِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنها قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس: ٩٧] أيْ آتَيْناهُ وسائِلَ أشْياءَ عَظِيمَةٍ كَثِيرَةٍ.

18:86–89Page 303

حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ مَغۡرِبَ ٱلشَّمۡسِ وَجَدَهَا تَغۡرُبُ فِي عَيۡنٍ حَمِئَةٖ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوۡمٗاۖ قُلۡنَا يَٰذَا ٱلۡقَرۡنَيۡنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمۡ حُسۡنٗا ٨٦

Until, when he reached the setting of the sun [i.e., the west], he found it [as if] setting in a body of dark water,1 and he found near it a people. We [i.e., Allāh] said, "O Dhul-Qarnayn, either you punish [them] or else adopt among them [a way of] goodness."

قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوۡفَ نُعَذِّبُهُۥ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِۦ فَيُعَذِّبُهُۥ عَذَابٗا نُّكۡرٗا ٨٧

He said, "As for one who wrongs,1 we will punish him. Then he will be returned to his Lord, and He will punish him with a terrible punishment [i.e., Hellfire].

وَأَمَّا مَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَهُۥ جَزَآءً ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَسَنَقُولُ لَهُۥ مِنۡ أَمۡرِنَا يُسۡرٗا ٨٨

But as for one who believes and does righteousness, he will have a reward of the best [i.e., Paradise], and we [i.e., Dhul-Qarnayn] will speak to him from our command with ease."

ثُمَّ أَتۡبَعَ سَبَبًا ٨٩

Then he followed a way

﴿فاتَّبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٥] ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِيئَةٍ ووَجَدَ عِنْدِها قَوْمًا قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ ﴿قالَ أمّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكُرًا﴾ ﴿وأمّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالَحًا فَلَهُ جَزاءُ الحُسْنى وسَنَقُولُ لَهُ مَن أمْرِنا يُسْرًا﴾ السَّبَبُ: الوَسِيلَةُ. المُرادُ هُنا مَعْنًى مَجازِيٌّ وهو الطَّرِيقُ لِأنَّ الطَّرِيقَ وسِيلَةٌ إلى المَكانِ المَقْصُودِ وقَرِينَةُ المَجازِ ذِكْرُ الِاتِّباعِ والبُلُوغِ

صفحة ٢٥

فِي قَوْلِهِ (﴿فاتَّبَعَ سَبَبًا حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ [الكهف: ٨٥]) . والدَّلِيلُ عَلى إرادَةِ غَيْرِ مَعْنى السَّبَبِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٤] إظْهارُ اسْمِ السَّبَبِ دُونَ إضْمارِهِ لِأنَّهُ لَمّا أُرِيدَ بِهِ مَعْنًى غَيْرُ ما أُرِيدَ بِالأوَّلِ حَسُنَ إظْهارُ اسْمِهِ تَنْبِيهًا عَلى اخْتِلافِ المَعْنَيَيْنِ، أيْ فاتَّبَعَ طَرِيقًا لِلسَّيْرِ وكانَ سَيْرُهُ لِلْغَزْوِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ . ولَمْ يَعُدَّ أهْلُ اللُّغَةِ مَعْنى الطَّرِيقِ في مَعانِي لَفْظِ السَّبَبِ لَعَلَّهم رَأوْهُ لَمْ يَكْثُرْ ويَنْتَشِرْ في الكَلامِ. ويَظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿أسْبابَ السَّماواتِ﴾ [غافر: ٣٧] مِن هَذا المَعْنى، وكَذَلِكَ قَوْلُ زُهَيْرٍ:

ومَن هابَ أسْبابَ المَنايا يَنَلْنَهُ

أيْ هابَ طُرُقَ المَنايا أنْ يَسْلُكَها تَنَلْهُ المَنايا، أيْ تَأْتِيهِ، فَذَلِكَ مَجازٌ بِالقَرِينَةِ.

والمُرادُ بِـ ﴿مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ مَكانُ مَغْرِبِ الشَّمْسِ مِن حَيْثُ يَلُوحُ الغُرُوبُ مِن جِهاتِ المَعْمُورِ مِن طَرِيقِ غَزْوَتِهِ أوْ مَمْلَكَتِهِ. وذَلِكَ حَيْثُ يَلُوحُ أنَّهُ لا أرْضَ وراءَهُ بِحَيْثُ يَبْدُو الأُفُقُ مِن جِهَةٍ مُسْتَبْحِرَةٍ، إذْ لَيْسَ لِلشَّمْسِ مَغْرِبٌ حَقِيقِيٌّ إلّا فِيما يَلُوحُ لِلتَّخَيُّلِ. والأشْبَهُ أنْ يَكُونَ ذُو القَرْنَيْنِ قَدْ بَلَغَ بَحْرَ الخَزَرِ وهو بُحَيْرَةُ قَزْوِينَ فَإنَّها غَرْبُ بِلادِ الصِّينِ.

والقَوْلُ في تَرْكِيبِ ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ كالقَوْلِ في قَوْلِهِ ﴿حَتّى إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ خَرَقَها﴾ [الكهف: ٧١] . والعَيْنُ: مَنبَعُ ماءٍ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ مَهْمُوزًا مُشْتَقًّا مِنَ الحَمْأةِ، وهو الطِّينُ الأسْوَدُ. والمَعْنى: عَيْنٌ مُخْتَلِطٌ ماؤُها بِالحَمْأةِ فَهو غَيْرُ صافٍ.

صفحة ٢٦

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وخَلَفٌ (في عَيْنٍ حامِيَةٍ) بِألِفٍ بَعْدَ الحاءِ وياءٍ بَعْدَ المِيمِ، أيْ حارَّةٍ مِنَ الحُمُوِّ وهو الحَرارَةُ، أيْ أنَّ ماءَها سَخَنَ.

ويَظْهَرُ أنَّ هَذِهِ العَيْنَ مِن عُيُونِ النِّفْطِ الواقِعَةِ عَلى ساحِلِ بَحْرِ الخَزَرِ حَيْثُ مَدِينَةُ باكُو، وفِيها مَنابِعُ النِّفْطِ الآنَ ولَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا يَوْمَئِذٍ. والمُؤَرِّخُونَ المُسْلِمُونَ يُسَمُّونَها البِلادَ المُنْتِنَةَ.

وتَنْكِيرُ قُومًا يُؤْذِنُ بِأنَّهم أُمَّةٌ غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ ولا مَأْلُوفَةٍ حالَةُ عَقائِدِهِمْ وسِيرَتُهم.

فَجُمْلَةُ ﴿قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِما أشْعَرَ بِهِ تَنْكِيرُ قَوْمًا مِن إثارَةِ سُؤالٍ عَنْ حالِهِمْ وعَمّا لاقاهُ بِهِمْ ذُو القَرْنَيْنِ.

وقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ ﴿إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ عَلى أنَّهم مُسْتَحِقُّونَ لِلْعَذابِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ أحْوالَهم كانَتْ في فَسادٍ مِن كُفْرٍ وفَسادِ عَمَلٍ.

وإسْنادُ القَوْلِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ يَحْتَمِلُ أنَّهُ قَوْلُ إلْهامٍ، أيْ ألْقَيْنا في نَفْسِهِ تَرَدُّدًا بَيْنَ أنْ يُبادِرَ اسْتِئْصالَهم وأنْ يُمْهِلَهم ويَدَعُوهم إلى الإيمانِ وحُسْنِ العَمَلِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿قالَ أمّا مَن ظَلَمَ﴾، أيْ قالَ في نَفْسِهِ مُعْتَمِدًا عَلى حالَةٍ وسَطٍ بَيْنِ صُورَتَيِ التَّرَدُّدِ.

وقِيلَ: إنَّ ذا القَرْنَيْنِ كانَ نَبِيئًا يُوحى إلَيْهِ فَيَكُونُ القَوْلُ كَلامًا مُوحًى بِهِ إلَيْهِ يُخَيِّرُهُ فِيهِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، مِثْلَ التَّخْيِيرِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ [محمد: ٤]، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿قالَ أمّا مَن ظَلَمَ﴾ جَوابًا مِنهُ إلى رَبِّهِ. وقَدْ أرادَ اللَّهُ إظْهارَ سَدادِ اجْتِهادِهِ كَقَوْلِهِ ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] . وحُسْنًا مُصَدَرٌ. وعَدَلَ عَنْ أنَ تُحْسِنَ إلَيْهِمْ إلى ﴿أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ مُبالَغَةً في الإحْسانِ إلَيْهِمْ حَتّى جَعَلَ كَأنَّهُ اتَّخَذَ فِيهِمْ نَفْسَ

صفحة ٢٧

الحُسْنِ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣] . وفي هَذِهِ المُبالَغَةِ تَلْقِينٌ لِاخْتِيارِ أحَدِ الأمْرَيْنِ المُخَيَّرِ بَيْنَهُما.

والظُّلْمُ: الشِّرْكُ، بِقَرِينَةِ قَسِيمِهِ في قَوْلِهِ ﴿وأمّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ . واجْتِلابُ حَرْفِ الِاسْتِقْبالِ في قَوْلِهِ ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ يُشِيرُ إلى أنَّهُ سَيَدْعُوهُ إلى الإيمانِ فَإنْ أصَرَّ عَلى الكُفْرِ يُعَذِّبْهُ. وقَدْ صَرَّحَ بِهَذا المَفْهُومِ في قَوْلِهِ ﴿وأمّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ أيْ آمَنَ بَعْدَ كُفْرِهِ.

ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مَن هو مُؤْمِنٌ الآنَ، لِأنَّ التَّخْيِيرَ بَيْنَ تَعْذِيبِهِمْ واتِّخاذِ الإمْهالِ مَعَهم يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ فِيهِمْ مُؤْمِنُونَ حِينَ التَّخْيِيرِ.

والمَعْنى: فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ عَذابَ الدُّنْيا ولِذَلِكَ أسْنَدَهُ إلى ضَمِيرِهِ ثُمَّ قالَ ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا﴾ وذَلِكَ عَذابُ الآخِرَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (جَزاءُ الحُسْنى) بِإضافَةِ (جَزاءُ) إلى (الحُسْنى) عَلى الإضافَةِ البَيانِيَّةِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ ﴿جَزاءً الحُسْنى﴾ بِنَصْبِ جَزاءً مُنَوَّنًا عَلى أنَّهُ تَمْيِيزٌ لِنِسْبَةِ اسْتِحْقاقِهِ الحُسْنى، أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى﴾، أوْ حالٌ مُقَدَّمَةٌ عَلى صاحِبِها بِاعْتِبارِ تَعْرِيفِ الجِنْسِ كالتَّنْكِيرِ.

وتَأْنِيثُ الحُسْنى بِاعْتِبارِ الخَصْلَةِ أوِ الفِعْلَةِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الحُسْنى هي الجَنَّةُ كَما في قَوْلِهِ ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] . والقَوْلُ اليُسْرُ: هو الكَلامُ الحَسَنُ. وُصِفَ بِاليُسْرِ المَعْنَوِيِّ لِكَوْنِهِ لا يُثْقِلُ سَماعَهُ. وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقُلْ لَهم قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٨] أيْ جَمِيلًا.

فَإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الحُسْنى الخِصالَ الحُسْنى، فَمَعْنى عَطْفِ وسَنَقُولُ لَهُ مِن أمْرِنا يُسْرًا أنَّهُ يُجازِي بِالإحْسانِ وبِالثَّناءِ. وكِلاهُما

صفحة ٢٨

مِن ذِي القَرْنَيْنِ، وإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الحُسْنى ثَوابَ الآخِرَةِ فَذَلِكَ مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى وإنَّما ذُو القَرْنَيْنِ مُخْبِرٌ بِهِ خَبَرًا مُسْتَعْمَلًا في فائِدَةِ الخَبَرِ، عَلى مَعْنى. إنّا نُبَشِّرُهُ بِذَلِكَ، أوْ مُسْتَعْمَلًا في لازِمِ الفائِدَةِ تَأدُّبًا مَعَ اللَّهِ تَعالى، أيْ أنِّي أعْلَمُ جَزاءَهُ عِنْدَكَ الحُسْنى.

وعُطِفَ عَلَيْهِ وسَنَقُولُ لَهُ مِن أمْرِنا يُسْرًا لِبَيانِ حَظِّ المَلِكِ مِن جَزائِهِ وأنَّهُ البِشارَةُ والثَّناءُ.

18:90Page 303

حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ مَطۡلِعَ ٱلشَّمۡسِ وَجَدَهَا تَطۡلُعُ عَلَىٰ قَوۡمٖ لَّمۡ نَجۡعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتۡرٗا ٩٠

Until, when he came to the rising of the sun [i.e., the east], he found it rising on a people for whom We had not made against it any shield.

﴿ثُمَّ اتَّبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٩] ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهم مِن دُونِها سِتْرًا﴾

تَقَدَّمَ خِلافُ القُرّاءِ في اتَّبَعَ سَبَبًا فَهو كَذَلِكَ هُنا.

ومَطْلِعُ الشَّمْسِ: جِهَةُ المَشْرِقِ مِن سُلْطانِهِ ومَمْلَكَتِهِ، بَلَغَ جِهَةً قاصِيَةً مِنَ الشَّرْقِ حَيْثُ يُخالُ أنْ لا عُمْرانَ وراءَها، فالمَطْلِعُ مَكانُ الطُّلُوعِ.

والظّاهِرُ أنَّهُ بَلَغَ ساحِلَ بَحْرِ اليابانِ في حُدُودِ مَنشُورْيا أوْ كُورْيا شَرْقًا، فَوَجَدَ قَوْمًا تَطَلُعُ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ لا يُسْتَرُونَ مِن حَرِّها، أيْ لا جَبَلَ فِيها يَسْتَظِلُّونَ بِظِلِّهِ ولا شَجَرَ فِيها، فَهي أرْضٌ مَكْشُوفَةٌ لِلشَّمْسِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم كانُوا قَوْمًا عُراةً فَكانُوا يَتَّقُونَ شُعاعَ الشَّمْسِ في الكُهُوفِ أوْ في أسْرابٍ يَتَّخِذُونَها في التُّرابِ. فالمُرادُ بِالسِّتْرِ ما يَسْتُرُ الجَسَدَ.

وكانُوا قَدْ تَعَوَّدُوا مُلاقاةَ حَرِّ الشَّمْسِ، ولَعَلَّهم كانُوا يَتَعَرَّضُونَ لِلشَّمْسِ فَيَدْفَعُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ ما يُلاقُونَهُ مِنَ القُرِّ لَيْلًا.

صفحة ٢٩

وفِي هَذِهِ الحالَةِ عِبْرَةٌ مِنِ اخْتِلافِ الأُمَمِ في الطَّبائِعِ والعَوائِدِ وسِيرَتِهِمْ عَلى نَحْوِ مُناخِهِمْ.

18:91–92Page 303

كَذَٰلِكَۖ وَقَدۡ أَحَطۡنَا بِمَا لَدَيۡهِ خُبۡرٗا ٩١

Thus.1 And We had encompassed [all] that he had in knowledge.

ثُمَّ أَتۡبَعَ سَبَبًا ٩٢

Then he followed a way

﴿كَذَلِكَ﴾ الكافُ لِلتَّشْبِيهِ، والمُشَبَّهُ بِهِ شَيْءٌ تَضَمَّنَهُ الكَلامُ السّابِقُ بِلَفْظِهِ أوْ مَعْناهُ.

والكافُ ومَجْرُورُها يَجُوزُ أنْ يَكُونَ شِبْهَ جُمْلَةٍ وقَعَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ، أيْ تَشْبِيهًا مُماثِلًا لِما سَمِعْتَ.

واسْمُ الإشارَةِ يُشِيرُ إلى المَحْذُوفِ لِأنَّهُ كالمَذْكُورِ لِتَقَرُّرِ العِلْمِ بِهِ، والمَعْنى: مَن أرادَ تَشْبِيهَهُ لَمْ يُشَبِّهْهُ بِأكْثَرِ مِن أنْ يُشَبِّهَهُ بِذاتِهِ عَلى طَرِيقَةِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جُزْءَ جُمْلَةٍ حُذِفَ أحَدُ جُزْءَيْها والمَحْذُوفُ مُبْتَدَأٌ. والتَّقْدِيرُ: أمْرُ ذِي القَرْنَيْنِ كَذَلِكَ، أيْ كَما سَمِعْتَ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِقَوْمًا أيْ قَوْمًا كَذَلِكَ القَوْمُ الَّذِينَ وجَدَهم في مَغْرِبِ الشَّمْسِ، أيْ في كَوْنِهِمْ كُفّارًا، وفي تَخْيِيرِهِ في إجْراءِ أمْرِهِمْ عَلى العِقابِ أوْ عَلى الإمْهالِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَجْرُورُ جُزْءَ جُمْلَةٍ أيْضًا جُلِبَتْ لِلِانْتِقالِ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ فَيَكُونَ فَصْلَ خِطابٍ كَما يُقالُ: هَذا الأمْرُ كَذا.

وعَلى الوُجُوهِ كُلِّها فَهو اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ( ﴿ثُمَّ اتَّبَعَ سَبَبًا حَتّى إذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ [الكهف: ٨٩]

إلَخْ، وجُمْلَةُ (﴿ثُمَّ اتَّبَعَ سَبَبًا حَتّى إذا بَلَغَ بَيْنَ السُّدَّيْنِ﴾) إلَخْ. .

* * *

صفحة ٣٠

﴿وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾

هَذِهِ الجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ في (ثُمَّ اتَّبَعَ) . وما لَدَيْهِ: ما عِنْدَهُ مِن عَظَمَةِ المُلْكِ مِن جُنْدٍ وقُوَّةٍ وثَرْوَةٍ.

والخُبْرُ بِضَمِّ الخاءِ وسُكُونِ المُوَحَّدَةِ: العِلْمُ والإحاطَةُ بِالخَبَرِ. كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِ المَعْلُومِ عَظِيمًا بِحَيْثُ لا يُحِيطُ بِهِ عِلْمًا إلّا عَلّامُ الغُيُوبِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском