Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Maryam 19:11–24
19:11Page 305
فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ مِنَ ٱلۡمِحۡرَابِ فَأَوۡحَىٰٓ إِلَيۡهِمۡ أَن سَبِّحُواْ بُكۡرَةٗ وَعَشِيّٗا ١١
So he came out to his people from the prayer chamber and signaled to them to exalt [Allāh] in the morning and afternoon.
﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرابِ فَأوْحى إلَيْهِمُ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ الظّاهِرُ أنَّ المَعْنى أنَّهُ خَرَجَ عَلى قَوْمِهِ لِيُصَلِّيَ عَلى عادَتِهِ، فَكانَ في مِحْرابِهِ في صَلاةٍ خاصَّةٍ ودُعاءٍ خَفِيٍّ، ثُمَّ خَرَجَ لِصَلاةِ الجَماعَةِ إذْ هو الحَبْرُ الأعْظَمُ لَهم.
وضُمِّنَ (خَرَجَ) مَعْنى (طَلَعَ) فَعُدِيَّ بِـ (عَلى) كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ﴾ [القصص: ٧٩] .
والمِحْرابُ: بَيْتٌ أوْ مُحْتَجَرٌ يُخَصَّصُ لِلْعِبادَةِ الخاصَّةِ. قالَ الحَرِيرِيُّ: فَمِحْرابِي أحْرى بِي.
والوَحْيُ: الإشارَةُ بِالعَيْنِ أوْ بِغَيْرِها، والإيماءُ لِإفادَةِ مَعْنًى شَأْنُهُ أنْ يُفادَ بِالكَلامِ.
و(أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ. وجُمْلَةُ ﴿سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ تَفْسِيرٌ لِـ (أوْحى)، لِأنَّ (أوْحى) فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ.
وإنَّما أمَرَهم بِالتَّسْبِيحِ لِئَلّا يَحْسَبُوا أنَّ زَكَرِيّاءَ لَمّا لَمْ يُكَلِّمْهم قَدْ نَذَرَ صَمْتًا فَيَقْتَدُوا بِهِ فَيَصْمُتُوا، وكانَ الصَّمْتُ مِن صُنُوفِ
صفحة ٧٥
العِبادَةِ في الأُمَمِ السّالِفَةِ. كَما سَيَأْتِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقُولِي إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦] . فَأوْمَأ إلَيْهِمْ أنْ يَشْرَعُوا فِيما اعْتادُوهُ مِنَ التَّسْبِيحِ، أوْ أرادَ أنْ يُسَبِّحُوا اللَّهَ تَسْبِيحَ شُكْرٍ عَلى أنْ وهَبَ نَبِيئَهُمُ ابْنًا يَرِثُ عِلْمَهُ. ولَعَلَّهم كانُوا عَلِمُوا تَرَقُّبَهُ اسْتِجابَةَ دَعْوَتِهِ، أوْ أنَّهُ أمَرَهم بِذَلِكَ أمْرًا مُبْهَمًا يُفَسِّرُهُ عِنْدَما تَزُولُ حُبْسَةُ لِسانِهِ.
19:12–14Page 306
يَٰيَحۡيَىٰ خُذِ ٱلۡكِتَٰبَ بِقُوَّةٖۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡحُكۡمَ صَبِيّٗا ١٢
[Allāh said], "O John, take the Scripture [i.e., adhere to it] with determination." And We gave him judgement [while yet] a boy
وَحَنَانٗا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَوٰةٗۖ وَكَانَ تَقِيّٗا ١٣
And affection from Us and purity, and he was fearing of Allāh
وَبَرَّۢا بِوَٰلِدَيۡهِ وَلَمۡ يَكُن جَبَّارًا عَصِيّٗا ١٤
And dutiful to his parents, and he was not a disobedient tyrant.
﴿يا يَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ ﴿وحَنانًا مِن لَدَنّا وزَكاةً وكانَ تَقِيًّا﴾ ﴿وبَرًّا بِوالِدَيْهِ ولَمْ يَكُنْ جَبّارًا عَصِيًّا﴾
مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، بِقَرِينَةِ أنَّ هَذا الكَلامَ خِطابٌ لِيَحْيى، فَلا مَحالَةَ أنَّهُ صادِرٌ مِن قائِلٍ، ولا يُناسِبُ إلّا أنْ يَكُونَ قَوْلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهو انْتِقالٌ مِنَ البِشارَةِ بِهِ إلى نُبُوءَتِهِ. والأظْهَرُ أنَّ هَذا مِن إخْبارِ القُرْآنِ لِلْأُمَّةِ لا مِن حِكايَةِ ما قِيلَ لِزَكَرِيّاءَ. فَهَذا ابْتِداءُ ذِكْرِ فَضائِلِ يَحْيى. وطُوِيَ ما بَيْنَ ذَلِكَ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِهِ. والسِّياقُ يَدُلُّ عَلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: قُلْنا يا يَحْيى خُذِ الكِتابَ. والكِتابُ: التَّوْراةُ لا مَحالَةَ، إذْ لَمْ يَكُنْ لِيَحْيى كِتابٌ مُنَزَّلٌ عَلَيْهِ. والأخْذُ: مُسْتَعارٌ لِلتَّفَهُّمِ والتَّدَبُّرِ، كَما يُقالُ: أخَذْتُ العِلْمَ عَنْ فُلانٍ، لِأنَّ المُعْتَنِى بِالشَّيْءِ يُشْبِهُ الآخِذَ. والقُوَّةُ: المُرادُ بِها قُوَّةٌ مَعْنَوِيَّةٌ، وهي العَزِيمَةُ والثَّباتُ. والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ أخْذًا مُلابِسًا لِلثَّباتِ عَلى الكِتابِ. أيْ عَلى العَمَلِ بِهِ وحَمْلِ الأُمَّةِ عَلى اتِّباعِهِ، فَقَدْ أخَذَ الوَهَنُ يَتَطَرَّقُ إلى الأُمَّةِ اليَهُودِيَّةِ في العَمَلِ بِدِينِها.
صفحة ٧٦
وآتَيْناهُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ القَوْلِ المَحْذُوفَةِ، أيْ قُلْنا: يا يَحْيى خُذِ الكِتابَ وآتَيْناهُ الحُكْمَ. والحُكْمُ: اسْمٌ لِلْحِكْمَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْناها في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمُرادُ بِها النُّبُوءَةُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [يوسف: ٢٢] في سُورَةِ يُوسُفَ، فَيَكُونُ هَذا خُصُوصِيَّةً لِيَحْيى أنْ أُوتِيَ النُّبُوءَةَ في حالِ صِباهُ. وقِيلَ: الحُكْمُ هو الحِكْمَةُ والفَهْمُ.
وصَبِيًّا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في آتَيْناهُ. وهَذا يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ أعْطاهُ اسْتِقامَةَ الفِكْرِ وإدْراكَ الحَقائِقِ في حالِ الصِّبا عَلى غَيْرِ المُعْتادِ، كَما أعْطى نَبِيئَهُ مُحَمَّدًا ﷺ الِاسْتِقامَةَ وإصابَةَ الرَّأْيِ في صِباهُ. ويَبْعُدُ أنْ يَكُونَ يَحْيى أُعْطِي النُّبُوءَةَ وهو صَبِيٌّ، لِأنَّ النُّبُوءَةَ رُتْبَةٌ عَظِيمَةٌ فَإنَّما تُعْطى عِنْدَ بُلُوغِ الأشُدِّ. واتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّيَحْيى أُعْطِيَ النُّبُوءَةَ قَبْلَ بُلُوغِ الأرْبَعِينَ سَنَةً بِكَثِيرٍ. ولَعَلَّ اللَّهَ لَمّا أرادَ أنْ يَكُونَ شَهِيدًا في مُقْتَبَلِ عُمْرِهِ باكَرَهُ بِالنُّبُوءَةِ.
والحَنانُ: الشَّفَقَةُ. ومِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى الحَنّانُ. ومِن كَلامِ العَرَبِ: حَنانَيْكَ، أيْ حَنانًا مِنكَ بَعْدَ حَنانٍ. وجُعِلَ حَنانُ يَحْيى مِن لَدُنِ اللَّهِ إشارَةً إلى أنَّهُ مُتَجاوِزُ المُعْتادِ بَيْنَ النّاسِ. والزَّكاةُ: زَكاةُ النَّفْسِ ونَقاؤُها مِنَ الخَبائِثِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾ [النازعات: ١٨]، أوْ أُرِيدَ بِها البَرَكَةُ.
وتَقِيٌّ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٍ، مِنِ اتَّقى إذا اتَّصَفَ بِالتَّقْوى، وهي تَجَنُّبُ ما يُخالِفُ الدِّينَ. وجِيءَ في وصْفِهِ بِالتَّقْوى بِفِعْلِ ﴿كانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦٣] لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِهِ مِنَ الوَصْفِ.
صفحة ٧٧
وكَذَلِكَ عَطَفَ بُرُورَهُ بِوالِدَيْهِ عَلى كَوْنِهِ تَقِيًّا لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِهِ مِن هَذا الوَصْفِ.
والبُرُورُ: الإكْرامُ والسَّعْيُ في الطّاعَةِ. والبَرُّ بِفَتْحِ الباءِ وصْفٌ عَلى وزْنِ المَصْدَرِ، فالوَصْفُ بِهِ مُبالَغَةٌ. وأمّا البِرُّ بِكَسْرِ الباءِ فَهو اسْمُ مَصْدَرٍ لِعَدَمِ جَرْيِهِ عَلى القِياسِ.
والجَبّارُ: المُسْتَخِفُّ بِحُقُوقِ النّاسِ، كَأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الجَبْرِ، وهو القَسْرُ والغَصْبُ، لِأنَّهُ يَغْصِبُ حُقُوقَ النّاسِ.
والعَصِيُّ: فَعِيلٌ مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ، أيْ شَدِيدُ العِصْيانِ. والمُبالَغَةُ مُنْصَرِفَةٌ إلى النَّفْيِ لا إلى المَنفِيِّ، أيْ لَمْ يَكُنْ عاصِيًا بِالمَرَّةِ.
19:15Page 306
وَسَلَٰمٌ عَلَيۡهِ يَوۡمَ وُلِدَ وَيَوۡمَ يَمُوتُ وَيَوۡمَ يُبۡعَثُ حَيّٗا ١٥
And peace be upon him the day he was born and the day he dies and the day he is raised alive.
﴿وسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ ويَوْمَ يَمُوتُ ويَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾
الأظْهَرُ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢] مُخاطَبًا بِهِ المُسْلِمُونَ لِيَعْلَمُوا كَرامَةَ يَحْيى عِنْدَ اللَّهِ.
والسَّلامُ: اسْمُ الكَلامِ الَّذِي يُفاتِحُ بِهِ الزّائِرُ والرّاحِلُ، فِيهِ ثَناءٌ أوْ دُعاءٌ. وسُمِّيَ ذَلِكَ سَلامًا لِأنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلى الدُّعاءِ بِالسَّلامَةِ ولِأنَّهُ يُؤْذِنُ بِأنَّ الَّذِي أقْدَمَ هو عَلَيْهِ مُسالِمٌ لَهُ لا يَخْشى مِنهُ بَأْسًا. فالمُرادُ هُنا سَلامٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِ، وهو ثَناءُ اللَّهِ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] . فَإذا عُرِّفَ السَّلامُ بِاللّامِ فالمُرادُ بِهِ مِثْلُ المُرادِ بِالمُنَكَّرِ أوْ مُرادٌ بِهِ العَهْدُ، أيْ سَلامٌ إلَيْهِ، كَما سَيَأْتِي في السَّلامِ عَلى عِيسى. فالمَعْنى: أنَّ إكْرامَ اللَّهِ مُتَمَكِّنٌ مِن أحْوالِهِ الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ.
صفحة ٧٨
وهَذِهِ الأحْوالُ الثَّلاثَةُ المَذْكُورَةُ هُنا أحْوالُ ابْتِداءِ أطْوارٍ: طَوْرِ الوُرُودِ عَلى الدُّنْيا، وطَوْرِ الِارْتِحالِ عَنْها، وطَوْرِ الوُرُودِ عَلى الآخِرَةِ. وهَذا كِنايَةٌ عَلى أنَّهُ بِمَحَلِّ العِنايَةِ الإلَهِيَّةِ في هَذِهِ الأحْوالِ.
والمُرادُ بِاليَوْمِ مُطْلَقُ الزَّمانِ الواقِعِ فِيهِ تِلْكَ الأحْوالُ.
وجِيءَ بِالفِعْلِ المُضارِعِ في ﴿ويَوْمَ يَمُوتُ﴾ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ الَّتِي ماتَ فِيها. ولَمْ تُذْكَرْ قِصَّةُ قَتْلِهِ في القُرْآنِ إلّا إجْمالًا.
19:16–21Page 306
وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَرۡيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتۡ مِنۡ أَهۡلِهَا مَكَانٗا شَرۡقِيّٗا ١٦
And mention, [O Muḥammad], in the Book [the story of] Mary, when she withdrew from her family to a place toward the east.
فَٱتَّخَذَتۡ مِن دُونِهِمۡ حِجَابٗا فَأَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرٗا سَوِيّٗا ١٧
And she took, in seclusion from them, a screen. Then We sent to her Our Angel [i.e., Gabriel], and he represented himself to her as a well-proportioned man.
قَالَتۡ إِنِّيٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحۡمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّٗا ١٨
She said, "Indeed, I seek refuge in the Most Merciful from you, [so leave me], if you should be fearing of Allāh."
قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَٰمٗا زَكِيّٗا ١٩
He said, "I am only the messenger of your Lord to give you [news of] a pure boy [i.e., son]."
قَالَتۡ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَلَمۡ يَمۡسَسۡنِي بَشَرٞ وَلَمۡ أَكُ بَغِيّٗا ٢٠
She said, "How can I have a boy while no man has touched me and I have not been unchaste?"
قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٞۖ وَلِنَجۡعَلَهُۥٓ ءَايَةٗ لِّلنَّاسِ وَرَحۡمَةٗ مِّنَّاۚ وَكَانَ أَمۡرٗا مَّقۡضِيّٗا ٢١
He said, "Thus [it will be]; your Lord says, 'It is easy for Me, and We will make him a sign to the people and a mercy from Us. And it is a matter [already] decreed.'"
﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ إذِ انْتَبَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ ﴿فاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجابًا فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ ﴿قالَتْ إنِّيَ أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ ﴿قالَ إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكَ لِأهَبَ لَكَ غُلامًا زَكِيًّا﴾ ﴿قالَتْ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ ﴿قالَ كَذَلِكِ قالَ رَبُّكَ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ ورَحْمَةً مِنّا وكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا﴾
جُمْلَةُ ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٢] عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ فَلا يُراعى حُسْنُ اتِّحادِ الجُمْلَتَيْنِ في الخَبَرِيَّةِ والإنْشائِيَّةِ، عَلى أنَّ ذَلِكَ الِاتِّحادَ لَيْسَ بِمُلْتَزِمٍ. عَلى أنَّكَ عَلِمْتَ أنَّ الأحْسَنَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّاءَ﴾ [مريم: ٢]) مَصْدَرًا وقَعَ بَدَلًا مِن فِعْلِهِ.
صفحة ٧٩
والمُرادُ بِالذِّكْرِ: التِّلاوَةُ، أيِ اتْلُ خَبَرَ مَرْيَمَ الَّذِي نَقُصُّهُ عَلَيْكَ.
وفِي افْتِتاحِ القِصَّةِ بِهَذا زِيادَةُ اهْتِمامٍ بِها وتَشْوِيقٍ لِلسّامِعِ أنْ يَتَعَرَّفَها ويَتَدَبَّرَها.
والكِتابُ: القُرْآنُ، لِأنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مِن جُمْلَةِ القُرْآنِ. وقَدِ اخْتَصَّتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِزِيادَةِ كَلِمَةِ ﴿فِي الكِتابِ﴾ بَعْدَ كَلِمَةِ واذْكُرْ. وفائِدَةُ ذَلِكَ التَّنْبِيهُ إلى أنَّ ذِكْرَ مَن أمَرَ بِذِكْرِهِمْ كائِنٌ بِآياتِ القُرْآنِ ولَيْسَ مُجَرَّدَ ذِكْرِ فَضْلِهِ في كَلامٍ آخَرَ مِن قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ كَقَوْلِهِ «لَوْ لَبِثْتُ ما لَبِثَ يُوسُفُ في السِّجْنِ لَأجَبْتُ الدّاعِيَ» . ولَمْ يَأْتِ مِثْلُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في سُورَةٍ أُخْرى لِأنَّهُ قَدْ حَصَلَ عِلْمُ المُرادِ في هَذِهِ السُّورَةِ فَعُلِمَ أنَّهُ المُرادُ في بَقِيَّةِ الآياتِ الَّتِي جاءَ فِيها لَفْظُ اذْكُرْ. ولَعَلَّ سُورَةَ مَرْيَمَ هي أوَّلُ سُورَةٍ أتى فِيها لَفْظُ واذْكُرْ في قَصَصِ الأنْبِياءِ فَإنَّها السُّورَةُ الرّابِعَةُ والأرْبَعُونَ في عَدَدِ نُزُولِ السُّوَرِ.و (إذْ) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ (اذْكُرْ) بِاعْتِبارِ تَضَمُّنِهِ مَعْنى القِصَّةِ والخَبَرِ، ولَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِهِ في ظاهِرِ مَعْناهُ لِعَدَمِ صِحَّةِ المَعْنى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (إذْ) مُجَرَّدَ اسْمِ زَمانٍ غَيْرَ ظَرْفٍ ويُجْعَلَ بَدَلًا مِن مَرْيَمَ، أيِ اذْكُرْ زَمَنَ انْتِباذِها مَكانًا شَرْقِيًّا. وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ (﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّاءَ إذْ نادى رَبَّهُ﴾ [مريم: ٢]) . والِانْتِباذُ: الِانْفِرادُ والِاعْتِزالُ، لِأنَّ النَّبْذَ: الإبْعادُ والطَّرْحُ، فالِانْتِباذُ في الأصْلِ افْتِعالٌ مُطاوِعُ نَبَذَهُ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى الفِعْلِ الحاصِلِ بِدُونِ سَبْقِ فاعِلٍ لَهُ.
وانْتَصَبَ مَكانًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ انْتَبَذَتْ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى حَلَّتْ. ويَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِما فِيهِ مِنَ الإبْهامِ. والمَعْنى: ابْتَعَدَتْ عَنْ أهْلِها في مَكانٍ شَرْقِيٍّ.
صفحة ٨٠
ونُكِّرَ المَكانُ إبْهامًا لَهُ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِتَعْيِينِ نَوْعِهِ إذْ لا يُفِيدُ كَمالًا في المَقْصُودِ مِنَ القِصَّةِ. وأمّا التَّصَدِّي لِوَصْفِهِ بِأنَّهُ شَرْقِيٌّ فَلِلتَّنْبِيهِ عَلى أصْلِ اتِّخاذِ النَّصارى الشَّرْقَ قِبْلَةً لِصَلَواتِهِمْ إذْ كانَ حَمْلُ مَرْيَمَ بِعِيسى في مَكانٍ مِن جِهَةِ مَشْرِقِ الشَّمْسِ. كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنِّي لَأعْلَمُ خَلْقِ اللَّهِ لِأيِّ شَيْءٍ اتَّخَذَتِ النَّصارى الشَّرْقَ قِبْلَةً لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ أيْ أنَّ ذَلِكَ الِاسْتِقْبالَ لَيْسَ بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى. فَذِكْرُ كَوْنِ المَكانِ شَرْقِيًّا نُكْتَةٌ بَدِيعَةٌ مِن تارِيخِ الشَّرائِعِ مَعَ ما فِيهِ مِن مُؤاخاةِ الفَواصِلِ.
واتِّخاذُ الحِجابِ: جَعْلُ شَيْءٍ يُحْجَبُ عَنِ النّاسِ. قِيلَ: إنَّها احْتَجَبَتْ لِتَغْتَسِلَ وقِيلَ لِتَمْتَشِطَ.
والرُّوحُ: المَلَكُ، لِأنَّ تَعْلِيقَ الإرْسالِ بِهِ وإضافَتَهُ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ دَلّا عَلى أنَّهُ مِنَ المَلائِكَةِ وقَدْ تَمَثَّلَ لَها بَشَرًا.
والتَّمَثُّلُ: تَكَلُّفُ المُماثَلَةِ، أيْ أنَّ ذَلِكَ الشَّكْلَ لَيْسَ شَكْلَ المَلَكَ بِالأصالَةِ.
و(بَشَرًا) حالٌ مِن ضَمِيرِ (تَمَثَّلَ)، وهو حالٌ عَلى مَعْنى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ. والبَشَرُ: الإنْسانُ. قالَ تَعالى ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ [ص: ٧١] أيْ خالِقٌ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . والسَّوِيُّ: المُسَوّى، أيِ التّامُّ الخَلْقِ. وإنَّما تَمَثَّلَ لَها كَذَلِكَ لِلتَّناسُبِ بَيْنَ كَمالِ الحَقِيقَةِ وكَمالِ الصُّورَةِ، ولِلْإشارَةِ إلى كَمالِ عِصْمَتِها إذْ قالَتْ ﴿إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾، إذْ لَمْ يَكُنْ في صُورَتِهِ ما يُكْرَهُ لِأمْثالِها، لِأنَّها حَسِبَتْ أنَّهُ بَشَرٌ اخْتَبَأ لَها لِيُراوِدَها
صفحة ٨١
عَنْ نَفْسِها، فَبادَرَتْهُ بِالتَّعَوُّذِ مِنهُ قَبْلَ أنْ يُكَلِّمَها مُبادَرَةً بِالإنْكارِ عَلى ما تَوَهَّمَتْهُ مِن قَصْدِهِ الَّذِي هو المُتَبادِرُ مِن أمْثالِهِ في مِثْلِ تِلْكَ الحالَةِ. وجُمْلَةُ ﴿إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ﴾ خَبَرِيَّةٌ، ولِذَلِكَ أُكِّدَتْ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ. والمَعْنى: أنَّها أخْبَرَتْهُ بِأنَّها جَعَلَتِ اللَّهَ مَعاذًا لَها مِنهُ، أيْ جَعَلَتْ جانِبَ اللَّهِ مَلْجَأً لَها مِمّا هَمَّ بِهِ. وهَذِهِ مَوْعِظَةٌ لَهُ. وذِكْرُها صِفَةَ الرَّحْمَنِ دُونَ غَيْرِها مِن صِفاتِ اللَّهِ لِأنَّها أرادَتْ أنْ يَرْحَمَها اللَّهُ بِدَفْعِ مَن حَسِبَتْهُ داعِرًا عَلَيْها. وقَوْلُها ﴿إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ تَذْكِيرٌ لَهُ بِالمَوْعِظَةِ بِأنَّ عَلَيْهِ أنْ يَتَّقِيَ رَبَّهُ. ومَجِيءُ هَذا التَّذْكِيرِ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ المُؤْذِنِ بِالشَّكِّ في تَقْواهُ قَصْدٌ لِتَهْيِيجِ خَشْيَتِهِ. وكَذَلِكَ اجْتِلابُ فِعْلِ الكَوْنِ الدّالِّ عَلى كَوْنِ التَّقْوى مُسْتَقِرَّةً فِيهِ. وهَذا أبْلَغُ وعْظٍ وتَذْكِيرٍ وحَثٍّ عَلى العَمَلِ بِتَقْواهُ. والقَصْرُ في قَوْلِهِ ﴿إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ لَسْتُ بَشَرًا، رَدًّا عَلى قَوْلِها ﴿إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ المُقْتَضِي اعْتِقادَها أنَّهُ بَشَرٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ لِأهَبَ بِهَمْزَةِ المُتَكَلِّمِ بَعْدَ لامِ العِلَّةِ. ومَعْنى إسْنادِ الهِبَةِ إلى نَفْسِهِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِأنَّهُ سَبَبُ هَذِهِ الهِبَةِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ (لِيَهَبَ) بِياءِ الغائِبِ، أيْ لِيَهَبَ رَبُّكِ لَكِ، مَعَ أنَّها مَكْتُوبَةٌ في المُصْحَفِ بِألِفٍ. وعِنْدِي أنَّ قِراءَةَ هَؤُلاءِ بِالياءِ بَعْدَ اللّامِ إنَّما هي نُطْقُ الهَمْزَةِ المُخَفَّفَةِ بَعْدَ كَسْرِ اللّامِ بِصُورَةِ نُطْقِ الياءِ. ومُحاوَرَتُها المَلَكَ مُحاوَلَةٌ قَصَدَتْ بِها صَرْفَهُ عَمّا جاءَ لِأجْلِهِ، لِأنَّها عَلِمَتْ أنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ فَأرادَتْ مُراجَعَةَ رَبِّها في أمْرٍ لَمْ تُطِقْهُ
صفحة ٨٢
كَما راجَعَهُ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْمِ لُوطٍ. وكَما راجَعَهُ مُحَمَّدٌ ﷺ في فَرْضِ خَمْسِينَ صَلاةً. ومَعْنى المُحاوَرَةِ أنَّ ذَلِكَ يَجُرُّ لَها ضُرًّا عَظِيمًا إذْ هي مَخْطُوبَةٌ لِرَجُلٍ ولَمْ يَبْنِ بِها فَكَيْفَ يَتَلَقّى النّاسُ مِنها الإتْيانَ بِوَلَدٍ مِن غَيْرِ أبٍ مَعْرُوفٍ. وقَوْلُها ﴿ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ تَبْرِئَةٌ لِنَفْسِها مِنَ البِغاءِ بِما يَقْتَضِيهِ فِعْلُ الكَوْنِ مِن تَمَكُّنِ الوَصْفِ الَّذِي هو خَبَرُ الكَوْنِ، والمَقْصُودُ مِنهُ تَأْكِيدُ النَّفْيِ. فَمُفادُ قَوْلِها ﴿ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ غَيْرُ مُفادِ قَوْلِها ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾، وهو مِمّا زادَتْ بِهِ هَذِهِ القِصَّةُ عَلى ما في قِصَّتِها في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، لِأنَّ قِصَّتَها في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ نَزَلَتْ بَعْدَ هَذِهِ فَصَحَّ الِاجْتِزاءُ في القِصَّةِ بِقَوْلِها ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ . وقَوْلُها ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ أيْ لَمْ يَبْنِ بِي زَوْجٌ، لِأنَّها كانَتْ مَخْطُوبَةً ومُراكِنَةً لِيُوسُفَ النَّجّارِ ولَكِنَّهُ لَمْ يَبْنِ بِها فَإذا حَمَلَتْ بِوَلَدٍ اتَّهَمَها خَطِيبُها وأهْلُها بِالزِّنى.
وأمّا قَوْلُها ﴿ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ فَهو نَفْيٌ لِأنْ تَكُونَ بَغِيًّا مِن قَبْلِ تِلْكَ السّاعَةِ، فَلا تَرْضى بِأنْ تُرْمى بِالبِغاءِ بَعْدَ ذَلِكَ. فالكَلامُ كِنايَةٌ عَنِ التَّنَزُّهِ عَنِ الوَصْمِ بِالبِغاءِ بِقاعِدَةِ الِاسْتِصْحابِ. والمَعْنى: ما كُنْتُ بَغِيًّا فِيما مَضى أفَأعِدُ بَغِيًّا فِيما يُسْتَقْبَلُ.
ولِلْمُفَسِّرِينَ في هَذا المَقامِ حَيْرَةٌ ذَكَرَها الفَخْرُ والطِّيبِيُّ، وفِيما ذَكَرْنا مَخْرَجٌ مِن مَأْزِقِها. ولَيْسَ كَلامُ مَرْيَمَ مَسُوقًا مَساقَ الِاسْتِبْعادِ مِثْلَ قَوْلِ زَكَرِيّاءَ ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ [مريم: ٨] لِاخْتِلافِ الحالَيْنِ لِأنَّ حالَ زَكَرِيّاءَ حالُ راغِبٍ في حُصُولِ الوَلَدِ، وحالُ مَرْيَمَ حالُ مُتَشائِمٍ مِنهُ مُتَبَرِّئٍ مِن حُصُولِهِ.
والبَغِيُّ: اسْمٌ لِلْمَرْأةِ الزّانِيَةِ، ولِذَلِكَ لَمْ تَتَّصِلْ بِهِ هاءُ التَّأْنِيثِ، ووَزْنُهُ فَعِيلٌ أوْ فَعَوْلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ فَيَكُونُ أصْلُهُ بَغُوي. لِأنَّهُ مِنَ
صفحة ٨٣
البَغْيِ فَلَمّا اجْتَمَعَ الواوُ والياءُ وسَكَنَ السّابِقُ مِنهُما قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ في الياءِ الأصْلِيَّةِ وعُوِّضَ عَنْ ضَمَّةِ الغَيْنِ كَسْرَةً لِمُناسَبَةِ الياءِ فَصارَ بَغِيٌّ.
وجَوابُ المَلَكِ مَعْناهُ: أنَّ الأمْرَ كَما قُلْتُ، نَظِيرَ قَوْلِهِ في قِصَّةِ زَكَرِيّاءَ ﴿كَذَلِكِ قالَ رَبُّكِ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾، وهو عُدُولٌ عَنْ إبْطالِ مُرادِها مِنَ المُراجَعَةِ إلى بَيانِ هَوْنِ هَذا الخَلْقِ في جانِبِ القُدْرَةِ عَلى طَرِيقَةِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ.
وفِي قَوْلِهِ ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ تَوْجِيهٌ بِأنَّ ما اشْتَكَتْهُ مِن تَوَقُّعِ ضِدِّ قَوْلِها وطَعْنِهِمْ في عِرْضِها لَيْسَ بِأمْرٍ عَظِيمٍ في جانِبِ ما أرادَ اللَّهُ مِن هُدى النّاسِ لِرِسالَةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَصْرِفُهُ عَنْ إنْفاذِ مُرادِهِ ما عَسى أنْ يَعْرِضَ مِن ضُرٍّ في ذَلِكَ لِبَعْضِ عَبِيدِهِ، لِأنَّ مُراعاةَ المَصالِحِ العامَّةِ تُقَدَّمُ عَلى مُراعاةِ المَصالِحِ الخاصَّةِ.
فَضَمِيرُ ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ عائِدٌ إلى ما تَضَمَّنَهُ حِوارُها مِن لِحاقِ الضُّرِّ بِها كَما فَسَّرْنا بِهِ قَوْلَها ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ . فَبَيْنَ جَوابِ المَلَكِ إيّاها وبَيْنَ جَوابِ اللَّهِ زَكَرِيّاءَ اخْتِلافٌ في المَعْنى.
والكَلامُ في المَوْضُوعَيْنِ عَلى لِسانِ المَلَكِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ولَكِنَّهُ أُسْنِدَ في قِصَّةِ زَكَرِيّاءَ إلى اللَّهِ لِأنَّ كَلامَ المَلَكِ كانَ تَبْلِيغَ وحْيٍ عَنِ اللَّهِ جَوابًا مِنَ اللَّهِ عَنْ مُناجاةِ زَكَرِيّاءَ، وأُسْنِدَ في هَذِهِ القِصَّةِ إلى المَلَكِ لِأنَّهُ جَوابٌ عَنْ خِطابِها إيّاهُ. وقَوْلُهُ ولِنَجْعَلَهُ عَطْفٌ عَلى ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ بِاعْتِبارِ ما في ذَلِكَ مِن قَوْلِ الرُّوحِ لَها ﴿لِأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾، أيْ لِأنَّ هِبَةَ الغُلامِ الزَّكِيِّ كَرامَةٌ مِنَ اللَّهِ لَها، وجَعْلَهُ آيَةً لِلنّاسِ ورَحْمَةً كَرامَةٌ لِلْغُلامِ، فَوَقَعَ التِفاتٌ مِن طَرِيقَةِ الغَيْبَةِ إلى طَرِيقَةِ التَّكَلُّمِ.
صفحة ٨٤
وجُمْلَةُ ﴿وكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في قَوْلِ المَلَكِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً. وضَمِيرُ كانَ عائِدٌ إلى الوَهْبِ المَأْخُوذِ مِن قَوْلِهِ ﴿لِأهَبَ لَكِ غُلامًا﴾ . وهَذا قَطْعٌ لِلْمُراجَعَةِ وإنْباءٌ بِأنَّ التَّخْلِيقَ قَدْ حَصَلَ في رَحِمِها.
19:22–23Page 306
۞ فَحَمَلَتۡهُ فَٱنتَبَذَتۡ بِهِۦ مَكَانٗا قَصِيّٗا ٢٢
So she conceived him, and she withdrew with him to a remote place.
فَأَجَآءَهَا ٱلۡمَخَاضُ إِلَىٰ جِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ قَالَتۡ يَٰلَيۡتَنِي مِتُّ قَبۡلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسۡيٗا مَّنسِيّٗا ٢٣
And the pains of childbirth drove her to the trunk of a palm tree. She said, "Oh, I wish I had died before this and was in oblivion, forgotten."
﴿فَحَمَلَتْهُ فانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانًا قَصِيًّا﴾ ﴿فَأجاءَها المَخاضُ إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا وكُنْتُ نِسْيًا مَنسِيًّا﴾
الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ والتَّعْقِيبِ، أيْ فَحَمَلَتْ بِالغُلامِ في فَوْرِ تِلْكَ المُراجَعَةِ.
والحَمْلُ: العُلُوقُ، يُقالُ: حَمَلَتِ المَرْأةُ ولَدًا، وهو الأصْلُ، قالَ تَعالى ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف: ١٥] . ويُقالُ: حَمَلَتْ بِهِ. وكَأنَّ الباءَ لِتَأْكِيدِ اللُّصُوقِ، مِثْلُها في ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] .
قالَ أبُو كَبِيرٍ الهُذَلِيُّ:
حَمَلَتْ بِهِ في لَيْلَةٍ قَرْءُودَةٍ كَرْهًا وعَقْدُ نِطاقِها لَمْ يُحْلَلِ
والِانْتِباذُ تَقَدَّمَ قَرِيبًا، وكَذَلِكَ انْتِصابُ مَكانًا تَقَدَّمَ.
وقَصِيًّا بَعِيدًا، أيْ بَعِيدًا عَنْ مَكانِ أهْلِها. قِيلَ: خَرَجَتْ إلى البِلادِ المِصْرِيَّةِ فارَّةً مِن قَوْمِها أنْ يُعَزِّرُوها وأعانَها خَطِيبُها يُوسُفُ النَّجّارُ وأنَّها ولَدَتْ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الأرْضِ المِصْرِيَّةِ. ولا يَصِحُّ.
وفِي إنْجِيلِ لُوقا: أنَّها ولَدَتْهُ في قَرْيَةِ بَيْتِ لَحْمٍ مِنَ البِلادِ اليَهُودِيَّةِ حِينَ صَعَدَتْ إلَيْها مَعَ خَطِيبِها يُوسُفَ النَّجّارِ إذْ كانَ مَطْلُوبًا لِلْحُضُورِ بِقَرْيَةِ أهْلِهِ لِأنَّ مَلِكَ البِلادِ يُجْرِي إحْصاءَ سُكّانِ البِلادِ، وهو ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ﴾ [مريم: ٢٧] .
صفحة ٨٥
والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَأجاءَها المَخاضُ﴾ لِلتَّعْقِيبِ العُرْفِيِّ، أيْ جاءَها المَخاضُ بَعْدَ تَمامِ مُدَّةِ الحَمْلِ، قِيلَ بَعْدَ ثَمانِيَةِ أشْهُرٍ مِن حَمْلِها. وأجاءَها مَعْناهُ ألْجَأها، وأصْلُهُ جاءَ، عُدِّيَ بِالهَمْزَةِ فَقِيلَ: أجاءَهُ، أيْ جَعَلَهَ جائِيًا. ثُمَّ أُطْلِقَ مَجازًا عَلى إلْجاءِ شَيْءٍ شَيْئًا إلى شَيْءٍ، كَأنَّهُ يَجِيءُ بِهِ إلى ذَلِكَ الشَّيْءِ، ويَضْطَرُّهُ إلى المَجِيءِ إلَيْهِ. قالَ الفَرّاءُ: أصْلُهُ مِن جِئْتُ وقَدْ جَعَلَتْهُ العَرَبُ إلْجاءً. وفي المَثَلِ شَرٌّ ما يُجِيئُكَ إلى مُخَّةِ عُرْقُوبٍ، وقالَ زُهَيْرٌ:
وجارٍ سارَ مُعْتَمِدًا إلَيْنا ∗∗∗ أجاءَتْهُ المَخافَةُ والرَّجاءُ
والمَخاضُ بِفَتْحِ المِيمِ: طَلْقُ الحامِلِ، وهو تَحَرُّكُ الجَنِينِ لِلْخُرُوجِ.
والجِذْعُ بِكَسْرِ الجِيمِ وسُكُونِ الذّالِ المُعْجَمَةِ: العُودُ الأصْلِيُّ لِلنَّخْلَةِ الَّذِي يَتَفَرَّعُ مِنهُ الجَرِيدُ. وهو ما بَيْنَ العُرُوقِ والأغْصانِ، أيْ إلى أصْلِ نَخْلَةٍ اسْتَنَدَتْ إلَيْهِ.
وجُمْلَةُ قالَتْ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، لِأنَّ السّامِعَ يَتَشَوَّفُ إلى مَعْرِفَةِ حالِها عِنْدَ إبّانِ وضْعِ حَمْلِها بَعْدَ ما كانَ أمْرُها مُسْتَتِرًا غَيْرَ مَكْشُوفٍ بَيْنَ النّاسِ وقَدْ آنَ أنْ يَنْكَشِفَ، فَيُجابُ السّامِعُ بِأنَّها تَمَنَّتِ المَوْتَ قَبْلَ ذَلِكَ؛ فَهي في حالَةٍ مِنَ الحُزْنِ تَرى أنَّ المَوْتَ أهْوَنُ عَلَيْها مِنَ الوُقُوعِ فِيها.
وهَذا دَلِيلٌ عَلى مَقامِ صَبْرِها وصِدْقِها في تَلَقِّي البَلْوى الَّتِي ابْتَلاها اللَّهُ تَعالى. فَلِذَلِكَ كانَتْ في مَقامِ الصِّدِّيقِيَّةِ.
والمُشارُ إلَيْهِ في قَوْلِها ﴿قَبْلَ هَذا﴾ هو الحَمْلُ. أرادَتْ أنْ لا يُتَطَرَّقَ عِرْضُها بِطَعْنٍ ولا تَجُرَّ عَلى أهْلِها مَعَرَّةً. ولَمْ تَتَمَنَّ أنْ تَكُونَ ماتَتْ
صفحة ٨٦
بَعْدَ بُدْوُ الحَمْلِ لِأنَّ المَوْتَ حِينَئِذٍ لا يَدْفَعُ الطَّعْنَ في عِرْضِها بَعْدَ مَوْتِها ولا المَعَرَّةَ عَلى أهْلِها إذْ يُشاهِدُ أهْلُها بَطْنَها بِحَمْلِها وهي مَيْتَةٌ فَتَطْرُقُها القالَةُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ مِتُّ بِكَسْرِ المِيمِ لِلْوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ مُتُّمْ﴾ [آل عمران: ١٥٧] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ بِضَمِّ المِيمِ عَلى الأصْلِ. وهُما لُغَتانِ في فِعْلِ (ماتَ) إذا اتَّصَلَ بِهِ ضَمِيرُ رَفْعٍ مُتَّصِلٍ.
والنِّسْيُ بِكَسْرِ النُّونِ وسُكُونِ السِّينِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ: الشَّيْءُ الحَقِيرُ الَّذِي شَأْنُهُ أنْ يُنْسى. ووَزْنُ فِعْلِ يَأْتِي بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ بِقَيْدِ تَهْيِئَتِهِ لِتَعَلُّقِ الفِعْلِ بِهِ دُونَ تَعَلُّقٍ حَصَلَ. وذَلِكَ مِثْلُ الذَّبْحِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧]، أيْ كَبْشٍ عَظِيمٍ مُعَدٍّ لِأنْ يُذْبَحَ، فَلا يُقالُ لِلْكَبْشِ ذِبْحٌ إلّا إذا أُعِدَّ لِلذَّبْحِ، ولا يُقالُ لِلْمَذْبُوحِ ذِبْحٌ بَلْ ذَبِيحٌ. والعَرَبُ تُسَمِّي الأشْياءَ الَّتِي يَغْلِبُ إهْمالُها أنْساءً، ويَقُولُونَ عِنْدَ الِارْتِحالِ: انْظُرُوا أنْساءَكم، أيِ الأشْياءَ الَّتِي شَأْنُكم أنْ تَنْسَوْها. ووَصَفَ النِّسْيَ بِمَنسِيٍّ مُبالَغَةً في نِسْيانِ ذِكْرِها، أيْ لَيْتَنِي كُنْتُ شَيْئًا غَيْرَ مُتَذَكَّرٍ وقَدْ نَسِيَهُ أهْلُهُ وتَرَكُوهُ فَلا يَلْتَفِتُونَ إلى ما يَحُلُّ بِهِ، فَهي تَمَنَّتِ المَوْتَ وانْقِطاعَ ذِكْرِها بَيْنَ أهْلِها مِن قَبْلِ ذَلِكَ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، وحَفَصٌ، وخَلَفٌ (نَسْيًا) بِفَتْحِ النُّونِ، وهو لُغَةٌ في النِّسْيِ، كالوِتْرِ والوَتْرِ، والجِسْرِ والجَسْرِ.
19:24Page 306
فَنَادَىٰهَا مِن تَحۡتِهَآ أَلَّا تَحۡزَنِي قَدۡ جَعَلَ رَبُّكِ تَحۡتَكِ سَرِيّٗا ٢٤
But he1 called her from below her, "Do not grieve; your Lord has provided beneath you a stream.
﴿فَناداها مِن تَحْتِها ألّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾
ضَمِيرُ الرَّفْعِ المُسْتَتِرُ في ناداها عائِدٌ إلى ما عادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ الغائِبُ في فَحَمَلَتْهُ، أيْ ناداها المَوْلُودُ.
صفحة ٨٧
قَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وخَلَفٌ، ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ ﴿مِن تَحْتِها﴾ بِكَسْرِ مِيمِ مِن عَلى أنَّها حَرْفُ ابْتِداءٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ ناداها وبِجَرِّ تَحْتِها.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ (مَن) بِفَتْحِ المِيمِ عَلى أنَّها اسْمُ مَوْصُولٍ، وفَتَحَ (تَحْتَها) عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ جُعِلَ صِلَةً. والمَعْنِيُّ بِالمَوْصُولِ هو الغُلامُ الَّذِي تَحْتَها. وهَذا إرْهاصٌ لِعِيسى وكَرامَةٌ لِأُمِّهِ عَلَيْهِما السَّلامُ.
وقَيْدُ ﴿مِن تَحْتِها﴾ لِتَحْقِيقِ ذَلِكَ، ولِإفادَةِ أنَّهُ ناداها عِنْدَ وضْعِهِ قَبْلَ أنْ تَرْفَعَهُ مُبادَرَةً لِلتَّسْلِيَةِ والبِشارَةِ وتَصْوِيرًا لِتِلْكَ الحالَةِ الَّتِي هي حالَةُ تَمامِ اتِّصالِ الصَّبِيِّ بِأُمِّهِ. و(أنْ) مِن قَوْلِهِ ﴿ألّا تَحْزَنِي﴾ تَفْسِيرِيَّةٌ لِفِعْلِ ناداها. وجُمْلَةُ ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ خَبَرٌ مُرادٌ بِهِ التَّعْلِيلُ لِجُمْلَةِ ﴿ألّا تَحْزَنِي﴾، أيْ أنَّ حالَتَكَ حالَةٌ جَدِيرَةٌ بِالمَسَرَّةِ دُونَ الحُزْنِ لِما فِيها مِنَ الكَرامَةِ الإلَهِيَّةِ. السَّرِيُّ: الجَدْوَلُ مِنَ الماءِ كالسّاقِيَةِ، كَثِيرُ الماءِ الجارِي.
وهَبَها اللَّهُ طَعامًا طَيِّبًا وشَرابًا طَيِّبًا كَرامَةً لَها يَشْهَدُها كُلُّ مَن يَراها، وكانَ مَعَها خَطِيبُها يُوسُفُ النَّجّارُ، ومَن عَسى أنْ يَشْهَدَها فَيَكُونَ شاهِدًا بِعِصْمَتِها وبَراءَتِها مِمّا يُظَنُّ بِها. فَأمّا الماءُ فَلِأنَّهُ لَمْ يَكُنِ الشَّأْنُ أنْ تَأْوِيَ إلى مَجْرى ماءٍ لِتَضَعَ عِنْدَهُ. وأمّا الرُّطَبُ فَقِيلَ كانَ الوَقْتُ شِتاءً ولَمْ يَكُنْ إبّانَ رُطَبٍ وكانَ جِذْعُ النَّخْلَةِ جِذْعَ نَخْلَةٍ مَيْتَةٍ فَسُقُوطُ الرُّطَبِ مِنها خارِقٌ لِلْعادَةِ. وإنَّما أُعْطِيَتْ رُطَبًا دُونَ التَّمْرِ لِأنَّ الرُّطَبَ أشْهى لِلنَّفْسِ إذْ هو كالفاكِهَةِ وأمّا التَّمْرُ فَغِذاءٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences