Ibn 'AshurMaryam · 19:25–33

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Maryam 19:25–33

19:25Page 306

وَهُزِّيٓ إِلَيۡكِ بِجِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ تُسَٰقِطۡ عَلَيۡكِ رُطَبٗا جَنِيّٗا ٢٥

And shake toward you the trunk of the palm tree; it will drop upon you ripe, fresh dates.

صفحة ٨٨

﴿وهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تَسّاقَطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ ﴿فَكُلِي واشْرَبِي وقَرِّي عَيْنًا﴾ [مريم: ٢٦]

فائِدَةُ قَوْلِهِ ﴿وهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ أنْ يَكُونَ إثْمارُ الجِذْعِ اليابِسِ رُطَبًا بِبَرَكَةِ تَحْرِيكِها إيّاهُ، وتِلْكَ كَرامَةٌ أُخْرى لَها. ولِتُشاهِدَ بِعَيْنِها كَيْفَ يُثْمِرُ الجِذْعُ اليابِسُ رُطَبًا. وفي ذَلِكَ كَرامَةٌ لَها بِقُوَّةِ يَقِينِها بِمَرْتَبَتِها.

والباءُ في ﴿بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ لِتَوْكِيدِ لُصُوقِ الفِعْلِ بِمَفْعُولِهِ مِثْلَ ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وقَوَلِهِ ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] . وضُمِّنَ هُزِّي مَعْنى قَرِّبِي أوْ أدْنِي، فَعُدِّيَ بِـ (إلى)، أيْ حَرِّكِي جِذْعَ النَّخْلَةِ وقَرِّبِيهِ يَدْنُ إلَيْكِ ويَلِنْ بَعْدَ اليُبْسِ ويُسْقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا: والمَعْنى: أدْنِي إلى نَفْسِكِ جِذْعَ النَّخْلَةِ. فَكانَ فاعِلُ الفِعْلِ ومُتَعَلِّقُهُ مُتَّحِدًا، وكِلاهُما ضَمِيرُ مُعادٍ واحِدٍ. ولا ضَيْرَ في ذَلِكَ لِصِحَّةِ المَعْنى ووُرُودِ أمْثالِهِ في الِاسْتِعْمالِ نَحْوَ ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ﴾ [القصص: ٣٢] . فالضّامُّ والمَضْمُومُ إلَيْهِ واحِدٌ. وإنَّما مَنَعَ النُّحاةُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ والمَفْعُولُ ضَمِيرَيْ مُعادٍ واحِدٍ إلّا في أفْعالِ القُلُوبِ، وفي فِعْلَيْ: عَدِمَ وفَقَدَ، لِعَدَمِ سَماعِ ذَلِكَ، لا لِفَسادِ المَعْنى، فَلا يُقاسُ عَلى ذَلِكَ مَنعُ غَيْرِهِ.

والرُّطَبُ: تَمْرٌ لَمْ يَتِمَّ جَفافُهُ.

والجَنِيُّ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ مُجْتَنًى، وهو كِنايَةٌ عَنْ حَدَثانِ سُقُوطِهِ، أيْ عَنْ طَراوَتِهِ ولَمْ يَكُنْ مِنَ الرُّطَبِ المَخْبُوءِ مِن قَبْلُ لِأنَّ الرُّطَبَ مَتى كانَ أقْرَبَ عَهْدًا بِنَخْلَتِهِ كانَ أطْيَبَ طَعْمًا.

صفحة ٨٩

و(تَسّاقَطْ) قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ وتَشْدِيدِ السِّينِ أصْلُهُ تَتَساقَطُ بِتاءَيْنِ أُدْغِمَتِ التّاءُ الثّانِيَةُ في السِّينِ لِيَتَأتّى التَّخْفِيفُ بِالإدْغامِ.

وقَرَأهُ حَمْزَةُ بِتَخْفِيفِ السِّينِ عَلى حَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ لِلتَّخْفِيفِ. ورُطَبًا عَلى هاتِهِ القِراءاتِ تَمْيِيزٌ لِنِسْبَةِ التَّساقُطِ إلى النَّخْلَةِ.

وقَرَأهُ حَفْصٌ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ السِّينِ عَلى أنَّهُ مُضارِعُ ساقَطَتِ النَّخْلَةُ تَمْرَها، مُبالَغَةٌ في أسْقَطَتْ، ورُطَبًا مَفْعُولٌ بِهِ.

وقَرَأهُ يَعْقُوبُ بِياءٍ تَحْتِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ وفَتْحِ القافِ وتَشْدِيدِ السِّينِ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ عائِدًا إلى ﴿جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٣] .

وجُمْلَةُ فَكُلِي وما بَعْدَها فَذْلَكَةٌ لِلْجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها مِن قَوْلِهِ ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤] أيْ فَأنْتِ في بُحْبُوحَةِ عَيْشٍ.

وقُرَّةُ العَيْنِ: كِنايَةٌ عَنِ السُّرُورِ بِطَرِيقِ المُضادَّةِ، لِقَوْلِهِمْ: سَخَنَتْ عَيْنُهُ إذا كَثُرَ بُكاؤُهُ. فالكِنايَةُ بِضِدِّ ذَلِكَ عَنِ السُّرُورِ كِنايَةٌ بِأرْبَعِ مَراتِبَ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي ولَكَ﴾ [القصص: ٩] . وقُرَّةُ العَيْنِ تَشْمَلُ هَناءَ العَيْشِ وتَشْمَلُ الأُنْسَ بِالطِّفْلِ المَوْلُودِ. وفي كَوْنِهِ قُرَّةَ عَيْنٍ كِنايَةً عَنْ ضَمانِ سَلامَتِهِ ونَباهَةِ شَأْنِهِ.

وفَتْحُ القافِ في ﴿وقَرِّي عَيْنًا﴾ [مريم: ٢٦] لِأنَّهُ مُضارِعُ قَرِرَتْ عَيْنُهُ مِن بابِ رَضِيَ، أُدْغِمَ فَنُقِلَتْ حَرَكَةُ عَيْنِ الكَلِمَةِ إلى فائِها في المُضارِعِ لِأنَّ الفاءَ ساكِنَةٌ.

19:26Page 307

فَكُلِي وَٱشۡرَبِي وَقَرِّي عَيۡنٗاۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلۡبَشَرِ أَحَدٗا فَقُولِيٓ إِنِّي نَذَرۡتُ لِلرَّحۡمَٰنِ صَوۡمٗا فَلَنۡ أُكَلِّمَ ٱلۡيَوۡمَ إِنسِيّٗا ٢٦

So eat and drink and be contented. And if you see from among humanity anyone, say, 'Indeed, I have vowed to the Most Merciful abstention, so I will not speak today to [any] man.'"

﴿فَإمّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أحَدًا فَقُولِي إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾

هَذا مِن بَقِيَّةِ ما زادَها بِهِ عِيسى، وهو وحْيٌ مِنَ اللَّهِ إلى مَرْيَمَ أجْراهُ عَلى لِسانِ الطِّفْلِ، تَلْقِينًا مِنَ اللَّهِ لِمَرْيَمَ وإرْشادًا لِقَطْعِ المُراجَعَة

صفحة ٩٠

مَعَ مَن يُرِيدُ مُجادَلَتَها. فَعَلَّمَها أنْ تَنْذُرَ صَوْمًا يُقارِنُهُ انْقِطاعٌ عَنِ الكَلامِ، فَتَكُونَ في عِبادَةٍ وتَسْتَرِيحَ مِن سُؤالِ السّائِلِينَ ومُجادَلَةِ الجَهَلَةِ.

وكانَ الِانْقِطاعُ عَنِ الكَلامِ مِن ضُرُوبِ العِبادَةِ في بَعْضِ الشَّرائِعِ السّالِفَةِ، وقَدِ اقْتَبَسَهُ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ المَرْأةِ مِن أحْمَسَ الَّتِي حَجَّتْ مُصْمَتَةً. ونُسِخَ في شَرِيعَةِ الإسْلامِ بِالنِّسْبَةِ، فَفي المُوَطَّأِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأى رَجُلًا قائِمًا في الشَّمْسِ فَقالَ: ما بالُ هَذا ؟ فَقالُوا: نَذَرَ أنْ لا يَتَكَلَّمَ ولا يَسْتَظِلَّ مِنَ الشَّمْسِ ولا يَجْلِسَ ويَصُومَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مُرُوهُ فَلْيَتَكَلَّمْ ولِيَسْتَظِلَّ ولِيَجْلِسْ ولِيُتِمَّ صِيامَهُ. وكانَ هَذا الرَّجُلُ يُدْعى أبا إسْرائِيلَ» .

ورُوِيَ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ دَخَلَ عَلى امْرَأةٍ قَدْ نَذَرَتْ أنْ لا تَتَكَلَّمَ. فَقالَ لَها: إنَّ الإسْلامَ قَدْ هَدَمَ هَذا فَتَكَلِّمِي. وفي الحَدِيثِ «أنَّ امْرَأةً مِن أحْمَسَ حَجَّتْ مُصْمِتَةً»، أيْ لا تَتَكَلَّمُ. فالصَّمْتُ كانَ عِبادَةً في شَرْعِ مَن قَبْلَنا ولَيْسَ هو بِشَرْعٍ لَنا لِأنَّهُ نَسَخَهُ الإسْلامُ بِقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «مُرُوهُ فَلْيَتَكَلَّمْ»، وعَمَلِ أصْحابِهِ.

وقَدْ دَلَّتِ الآثارُ الوارِدَةُ في هَذِهِ عَلى أشْياءَ: الأوَّلُ: أنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَمْ يُوجِبِ الوَفاءَ بِالنَّذْرِ في مِثْلِ هَذا، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ غَيْرُ قُرْبَةٍ.

الثّانِي: أنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ فِيهِ بِكَفّارَةٍ شَأْنَ النَّذْرِ الَّذِي يَتَعَذَّرُ الوَفاءُ بِهِ أوِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ لَهُ عَمَلٌ مُعَيَّنٌ كَقَوْلِهِ: عَلَيَّ نَذْرٌ، وفي المُوَطَّأِ عَقِبَ ذِكْرِ الحَدِيثِ المَذْكُورِ قالَ مالِكٌ: ولَمْ يَأْمُرْهُ بِكَفّارَةٍ

صفحة ٩١

ولَوْ كانَتْ فِيهِ كَفّارَةٌ لَأمَرَهُ بِها فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ عَمَلٌ لا اعْتِدادَ بِهِ بِوَجْهٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ أوْمَأ إلى عِلَّةِ عَدَمِ انْعِقادِ النَّذْرِ بِهِ بِقَوْلِهِ: «إنَّ اللَّهَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ» .

فَعَلِمْنا مِن ذَلِكَ أنَّ مَعْنى العِبادَةِ أنْ تَكُونَ قَوْلًا أوْ فِعْلًا يَشْتَمِلُ عَلى مَعْنى يُكْسِبُ النَّفْسَ تَزْكِيَةً ويَبْلُغُ بِها إلى غايَةٍ مَحْمُودَةٍ مِثْلَ الصَّوْمِ والحَجِّ، فَيُحْتَمَلُ ما فِيها مِنَ المَشَقَّةِ لِأجْلِ الغايَةِ السّامِيَةِ، ولَيْسَتِ العِبادَةُ بِانْتِقامٍ مِنَ اللَّهِ لِعَبْدِهِ ولا تَعْذِيبٍ لَهُ كَما كانَ أهْلُ الضَّلالِ يَتَقَرَّبُونَ بِتَعْذِيبِ نُفُوسِهِمْ، وكَما شُرِعَ في بَعْضِ الأدْيانِ التَّعْذِيبُ القَلِيلُ لِخَضْدِ جَلافَتِهِمْ. وفي هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى فَكُلُوا ﴿مِنها وأطْعِمُوا القانِعَ والمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْناها لَكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [الحج: ٣٦] ﴿لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها ولَكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]، لِأنَّهم كانُوا يَحْسَبُونَ أنَّ القُرْبَةَ إلى اللَّهِ في الهَدايا أنْ يُرِيقُوا دِماءَها ويَتْرُكُوا لُحُومَها مُلْقاةً لِلْعَوافِي.

وفِي البُخارِيِّ: عَنْ أنَسٍ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ رَأى شَيْخًا يُهادى بَيْنَ ابْنَيْهِ فَقالَ: ما بالُ هَذا ؟ قالُوا: نَذَرَ أنْ يَمْشِيَ. قالَ: إنَّ اللَّهَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ. وأمَرَهُ أنْ يَرْكَبَ فَلَمْ يَرَ لَهُ في المَشْيِ في الطَّوافِ قُرْبَةً» .

وفِيهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ مَرَّ وهو يَطُوفُ بِالكَعْبَةِ بِإنْسانٍ رَبَطَ يَدَهُ إلى إنْسانٍ بِسَيْرٍ أوْ بِخَيْطٍ أوْ بِشَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ، فَقَطَعَهُ النَّبِيءُ بِيَدِهِ ثُمَّ قالَ: قُدْهُ بِيَدِهِ» .

صفحة ٩٢

وفِي مُسْنَدِ أحْمَدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِي: «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ أدْرَكَ رَجُلَيْنِ وهُما مُقْتَرِنانِ. فَقالَ: ما بالُهُما ؟ قالا: إنّا نَذَرْنا لَنَقْتَرِنَنَّ حَتّى نَأْتِيَ الكَعْبَةَ. فَقالَ: أطْلِقا أنْفُسَكُما لَيْسَ هَذا نَذْرًا إنَّما النَّذْرُ ما يُبْتَغى بِهِ وجْهُ اللَّهِ» . وقالَ: إسْنادُهُ حَسَنٌ.

الرّابِعُ: أنَّ الرّاوِيَ لِبَعْضِ هَذِهِ الآثارِ رَواها بِلَفْظِ: نَهى رَسُولُ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ. ولِذَلِكَ قالَ مالِكٌ في المُوَطَّأِ عَقِبَ حَدِيثِ الرَّجُلِ الَّذِي نَذَرَ أنْ لا يَسْتَظِلَّ ولا يَتَكَلَّمَ ولا يَجْلِسَ: قالَ مالِكٌ: قَدْ أمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ أنْ يُتِمَّ ما كانَ لِلَّهِ طاعَةً ويَتْرُكَ ما كانَ لِلَّهِ مَعْصِيَةٌ. ووَجْهُ كَوْنِهِ مَعْصِيَةً أنَّهُ جَراءَةٌ عَلى اللَّهِ بِأنْ يَعْبُدَهُ بِما لَمْ يَشْرَعْ لَهُ ولَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَرَجٌ عَلى النَّفْسِ كَنَذْرِ صَمْتِ ساعَةٍ، وأنَّهُ تَعْذِيبٌ لِلنَّفْسِ الَّتِي كَرَّمَها اللَّهُ تَعالى مِنَ التَّعْذِيبِ بِوُجُوهِ التَّعْذِيبِ إلّا لِعَمَلٍ اعْتَبَرَهُ الإسْلامُ مَصْلَحَةً لِلْمَرْءِ في خاصَّتِهِ أوْ لِلْأُمَّةِ أوْ لِدَرْءِ مَفْسَدَةٍ مِثْلَ القِصاصِ والجَلْدِ. ولِذَلِكَ قالَ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم إنَّ اللَّهَ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] .

وقالَ النَّبِيءُ ﷺ: «إنَّ دِماءَكم وأمْوالَكم وأنْفُسَكم وأبْشارَكم عَلَيْكم حَرامٌ» لِأنَّ شَرِيعَةَ الإسْلامِ لا تُناطُ شَرائِعُها إلّا بِجَلْبِ المَصالِحِ ودَرْءِ المَفاسِدِ.

والمَأْخُوذُ مِن قَوْلِ مالِكٍ في هَذا أنَّهُ مَعْصِيَةٌ كَما قالَهُ في المُوَطَّأِ. ولِذَلِكَ قالَ الشَّيْخُ أبُو مُحَمَّدٍ في الرِّسالَةِ: ومَن نَذَرَ مَعْصِيَةً مِن قَتْلِ نَفْسٍ أوْ شُرْبِ خَمْرٍ أوْ نَحْوِهُ أوْ ما لَيْسَ بِطاعَةٍ ولا مَعْصِيَةٍ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ، ولْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ. فَقَوْلُهُ ولْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ بِناءً عَلى أنَّهُ أتى بِنَذْرِهِ مُخالِفًا لِنَهْيِ النَّبِيءِ ﷺ عَنْهُ.

صفحة ٩٣

ولَوْ فَعَلَ أحَدٌ صَمْتًا بِدُونِ نَذْرٍ ولا قَصْدِ عِبادَةٍ لَمْ يَكُنْ حَرامًا إلّا إذا بَلَغَ إلى حَدِّ المَشَقَّةِ المُضْنِيَةِ.

وقَدْ بَقِيَ عِنْدَ النَّصارى اعْتِبارُ الصَّمْتِ عِبادَةً وهم يَجْعَلُونَهُ تَرَحُّمًا عَلى المَيِّتِ أنْ يَقِفُوا صامِتِينَ هُنَيْهَةً.

ومَعْنى ﴿فَقُولِي إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾: فانْذُرِي صَوْمًا وإنْ لَقِيتِ مِنَ البَشَرِ أحَدًا فَقُولِي: إنِّي نَذَرْتُ صَوْمًا فَحُذِفَتْ جُمْلَةٌ لِلْقَرِينَةِ. وقَدْ جُعِلَ القَوْلُ المُتَضَمِّنُ إخْبارًا بِالنَّذْرِ عِبارَةً عَنْ إيقاعِ النَّذْرِ وعَنِ الإخْبارِ بِهِ كِنايَةً عَنْ إيقاعِ النَّذْرِ لِتَلازُمِهِما لِأنَّ الأصْلَ في الخَبَرِ الصِّدْقُ والمُطابَقَةُ لِلْواقِعِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٦] . ولَيْسَ المُرادَ أنَّها تَقُولُ ذَلِكَ ولا تَفْعَلُهُ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَأْذَنُ في الكَذِبِ إلّا في حالِ الضَّرُورَةِ مَعَ عَدَمِ تَأتِّي الصِّدْقِ مَعَها، ولِذَلِكَ جاءَ في الحَدِيثِ «إنَّ في المَعارِيضِ مَندُوحَةً عَنِ الكَذِبِ» . وأُطْلِقَ القَوْلُ عَلى ما يَدُلُّ عَلى ما في النَّفْسِ، وهو الإيماءُ إلى أنَّها نَذَرَتْ صَوْمًا مَجازًا بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾ . فالمُرادُ أنْ تُؤَدِّيَ ذَلِكَ بِإشارَةٍ إلى أنَّها نَذَرَتْ صَوْمًا بِأنْ تُشِيرَ إشارَةً تَدُلُّ عَلى الِانْقِطاعِ عَنِ الأكْلِ، وإشارَةً تَدُلُّ عَلى أنَّها لا تَتَكَلَّمُ لِأجْلِ ذَلِكَ، فَإنْ كانَ الصَّوْمُ في شَرْعِهِمْ مَشْرُوطًا بِتَرْكِ الكَلامِ كَما قِيلَ فالإشارَةُ الواحِدَةُ كافِيَةٌ. وأنَّ كَلامُ الصَّوْمِ عِبادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ قَدْ يَأْتِي بِها الصّائِمُ مَعَ تَرْكِ الكَلامِ تُشِيرُ إشارَتَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّها نَذَرَتِ الأمْرَيْنِ، وقَدْ عَلِمَتْ مَرْيَمُ أنَّ الطِّفْلَ الَّذِي كَلَّمَها هو الَّذِي يَتَوَلّى الجَوابَ عَنْها حِينَ تُسْألُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأشارَتْ إلَيْهِ﴾ [مريم: ٢٩] .

صفحة ٩٤

والنُّونُ في قَوْلِهِ تَرَيِنَّ نُونُ التَّوْكِيدِ الشَّدِيدَةُ اتَّصَلَتْ بِالفِعْلِ الَّذِي صارَ آخِرُهُ ياءً بِسَبَبِ حَذْفِ نُونِ الرَّفْعِ لِأجْلِ حَرْفِ الشَّرْطِ فَحُرِّكَتِ الياءُ بِحَرَكَةٍ مُجانِسَةٍ لَها كَما هو الشَّأْنُ مَعَ نُونِ التَّوْكِيدِ الشَّدِيدَةِ.

والإنْسِيُّ: الإنْسانُ، والياءُ فِيهِ لِلنَّسَبِ إلى الإنْسِ، وهو اسْمُ جَمْعِ إنْسانٍ، فَياءُ النَّسَبِ لِإفادَةِ فَرْدٍ مِنَ الجِنْسِ مِثْلَ: ياءُ حَرَسِيٍّ لِواحِدٍ مِنَ الحَرَسِ. وهَذا نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ يُفِيدُ العُمُومَ، أيْ لَنْ أُكَلِّمَ أحَدًا.

وعَدَلَ عَنْ أحَدٍ إلى إنْسِيًّا لِلرَّعْيِ عَلى فاصِلَةِ الياءِ، ولَيْسَ ذَلِكَ احْتِرازًا عَنْ تَكْلِيمِها المَلائِكَةَ إذْ لا يَخْطُرُ ذَلِكَ بِالبالِ عِنْدَ المُخاطَبِينَ بِمَن هُيِّئَتْ لَهم هَذِهِ المَقالَةُ فالحَمْلُ عَلَيْهِ سَماجَةٌ.

19:27–28Page 307

فَأَتَتۡ بِهِۦ قَوۡمَهَا تَحۡمِلُهُۥۖ قَالُواْ يَٰمَرۡيَمُ لَقَدۡ جِئۡتِ شَيۡـٔٗا فَرِيّٗا ٢٧

Then she brought him to her people, carrying him. They said, "O Mary, you have certainly done a thing unprecedented.

يَٰٓأُخۡتَ هَٰرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمۡرَأَ سَوۡءٖ وَمَا كَانَتۡ أُمُّكِ بَغِيّٗا ٢٨

O sister [i.e., descendant] of Aaron, your father was not a man of evil, nor was your mother unchaste."

﴿فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ ﴿يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ وما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ دَلَّتِ الفاءُ عَلى أنَّ مَرْيَمَ جاءَتْ أهْلَها عَقِبَ انْتِهاءِ الكَلامِ الَّذِي كَلَّمَها ابْنُها.

وفِي إنْجِيلِ لُوقا: أنَّها بَقِيَتْ في بَيْتِ لَحْمٍ إلى انْتِهاءِ واحِدٍ وأرْبَعِينَ يَوْمًا، وهي أيّامُ التَّطْهِيرِ مِن دَمِ النِّفاسِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ التَّعْقِيبُ المُسْتَفادُ مِنَ الفاءِ تَعْقِيبًا عُرْفِيًّا مِثْلَ: تَزَوَّجَ فَوُلِدَ لَهُ.

وقَوْمُها: أهْلُ مَحَلَّتِها.

وجُمْلَةُ تَحْمِلُهُ حالٌ مِن تاءِ أتَتْ. وهَذِهِ الحالُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّها أتَتْ مُعْلِنَةً بِهِ غَيْرَ ساتِرَةٍ لِأنَّها قَدْ عَلِمَتْ أنَّ اللَّهَ سَيُبَرِّئُها مِمّا يُتَّهَمُ بِهِ مِثْلُ مَن جاءَ في حالَتِها.

صفحة ٩٥

وجُمْلَةُ ﴿قالُوا يا مَرْيَمُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا. وقالَ قَوْمُها هَذِهِ المَقالَةَ تَوْبِيخًا لَها.

وفَرِيٌّ: فَعِيلٌ مِن فَرى مِن ذَواتِ الياءِ. ولِهَذا اللَّفْظِ عِدَّةُ إطْلاقاتٍ، وأظْهَرُ مَحامِلِهِ هُنا أنَّهُ الشَّنِيعُ في السُّوءِ، قالَهُ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ، وهو جاءَ مِن مادَّةِ افْتَرى إذا كُذِّبَ لِأنَّ المَرْأةَ تَنْسِبُ ولَدَها الَّذِي حَمَلَتْ بِهِ مِن زِنًى إلى زَوْجِها كَذِبًا.

ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢] .

ومِن أهْلِ اللُّغَةِ مَن قالَ: إنَّ الفَرِيَّ والفِرْيَةَ مُشْتَقّانِ مِنَ الإفْراءِ بِالهَمْزِ. وهو قَطْعُ الجَلْدِ لِإفْسادِهِ أوْ لِتَحْرِيقِهِ، تَفْرِقَةً بَيْنَ أفْرى وفَرى، وأنَّ فَرى المُجَرَّدَ لِلْإصْلاحِ.

والأُخْتُ: مُؤَنَّثُ الأخِ، اسْمٌ يُضافُ إلى اسْمٍ آخَرَ، فَيُطْلَقُ حَقِيقَةً عَلى ابْنَةِ أبَوَيْ ما أُضِيفَتْ إلى اسْمِهِ أوِ ابْنَةِ أحَدِ أبَوَيْهِ. ويُطْلَقُ عَلى مَن تَكُونُ مِن أبْناءِ صاحِبِ الِاسْمِ الَّذِي تُضافُ إلَيْهِ إذا كانَ اسْمَ قَبِيلَةٍ كَقَوْلِهِمْ: يا أخا العَرَبِ. كَما في حَدِيثِ ضَيْفِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَوْلُهُ لِزَوْجِهِ يا أُخْتَ بَنِي فِراسٍ ما هَذا. فَإذا لَمْ يُذْكَرْ لَفْظُ بَنِي مُضافًا إلى اسْمِ جَدِّ القَبِيلَةِ كانَ مُقَدَّرًا. قالَ سَهْلُ بْنُ مالِكٍ الفَزارِيُّ:

يا أُخْتَ خَيْرِ البَدْوِ والحَضارَةْ كَيْفَ تَرَيْنَ في فَتى فَزارَةْ

يُرِيدُ يا أُخْتَ أفْضَلِ قَبائِلِ العَرَبِ مِن بَدْوِها وحَضَرِها.

فَقَوْلُهُ تَعالى ﴿يا أُخْتَ هارُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى حَقِيقَتِهِ. فَيَكُونَ لِمَرْيَمَ أخٌ اسْمُهُ هارُونُ كانَ صالِحًا في قَوْمِهِ، خاطَبُوها بِالإضافَةِ إلَيْهِ زِيادَةً في التَّوْبِيخِ، أيْ ما كانَ لِأُخْتِ مِثْلِهِ أنْ تَفْعَلَ فِعْلَتَكَ، وهَذا أظْهَرُ الوَجْهَيْنِ. فَفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ «عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ إلى أهْلِ نَجْرانَ فَقالُوا: أرَأيْتَ ما تَقْرَءُونَ ﴿يا أُخْتَ هارُونَ﴾ .

صفحة ٩٦

ومُوسى قَبْلَ عِيسى بِكَذا وكَذا ؟ قالَ المُغِيرَةُ: فَلَمْ أدْرِ ما أقُولُ. فَلَمّا قَدِمْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ. فَقالَ: ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهم كانُوا يُسَمُّونَ بِأسْماءِ أنْبِيائِهِمْ والصّالِحِينَ قَبْلَهُمُ» اهـ. فَفي هَذا تَجْهِيلٌ لِأهْلِ نَجْرانَ أنْ طَعَنُوا في القُرْآنِ عَلى تَوَهُّمِ أنْ لَيْسَ في القَوْمِ مَنِ اسْمُهُ هارُونُ إلّا هارُونَ الرَّسُولَ أخا مُوسى.ويُحْتَمَلُ أنَّ مَعْنى أُخْتَ هارُونَ أنَّها إحْدى النِّساءِ مِن ذُرِّيَّةِ هارُونَ أخِي مُوسى، كَقَوْلَ أبِي بَكْرٍ: يا أُخْتَ بَنِي فِراسٍ.

وقَدْ كانَتْ مَرْيَمُ مِن ذُرِّيَّةِ هارُونَ أخِي مُوسى مِن سِبْطِ لاوِي. فَفي إنْجِيلِ لُوقا كانَ كاهِنٌ اسْمُهُ زَكَرِيّاءُ مِن فِرْقَةِ أبِيّا وامْرَأتُهُ مِن بَناتِ هارُونَ واسْمُها إلْيَصاباتُ، وإلْيَصاباتُ زَوْجَةُ زَكَرِيّاءَ نَسِيبَةُ مَرْيَمَ، أيِ ابْنَةِ عَمِّها. وما وقَعَ لِلْمُفَسِّرِينَ في نَسَبِ مَرْيَمَ أنَّها مِن نَسْلِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ خَطَأٌ.

ولَعَلَّ قَوْمَها تَكَلَّمُوا بِاللَّفْظَيْنِ فَحَكاهُ القُرْآنُ بِما يَصْلُحُ لَهُما عَلى وجْهِ الإيجازِ. ولَيْسَ في هَذا الِاحْتِمالِ ما يُنافِي حَدِيثَ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ.

والسَّوْءُ بِفَتْحِ السِّينِ وسُكُونِ الواوِ: مَصْدَرُ ساءَهُ، إذا أضَرَّ بِهِ وأفْسَدَ بَعْضَ حالِهِ، فَإضافَةُ اسْمٍ إلَيْهِ تُفِيدُ أنَّهُ مِن شُئُونِهِ وأفْعالِهِ وأنَّهُ هو مَصْدَرٌ لَهُ. فَمَعْنى ﴿امْرَأ سَوْءٍ﴾ رَجُلَ عَمَلٍ مُفْسِدٍ.

ومَعْنى البَغِيِّ تَقَدَّمَ قَرِيبًا. وعَنَوْا بِهَذا الكَلامِ الكِنايَةَ عَنْ كَوْنِها أتَتْ بِأمْرٍ لَيْسَ مِن شَأْنِ أهْلِها، أيْ أتَتْ بِسَوْءٍ لَيْسَ مِن شَأْنِ أبِيها وبِغاءٍ لَيْسَ مِن شَأْنِ أُمِّها، وخالَفَتْ سِيرَةَ أبَوَيْها فَكانَتِ امْرَأةَ سَوْءٍ وكانَتْ بَغِيًّا؛ وما كانَ أبُوها امْرَأ سَوْءٍ ولا كانَتْ أُمُّها بَغِيًّا فَكانَتْ مُبْتَكِرَةً الفَواحِشَ في أهْلِها. وهم أرادُوا ذَمَّها فَأتَوْا بِكَلامٍ صَرِيحُهُ ثَناءٌ عَلى أبَوَيْها مُقْتَضٍ أنَّ شَأْنَها أنْ تَكُونَ مِثْلَ أبَوَيْها.

19:29Page 307

فَأَشَارَتۡ إِلَيۡهِۖ قَالُواْ كَيۡفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلۡمَهۡدِ صَبِيّٗا ٢٩

So she pointed to him. They said, "How can we speak to one who is in the cradle a child?"

صفحة ٩٧

﴿فَأشارَتْ إلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ في المَهْدِ صَبِيًّا﴾ أيْ أشارَتْ إلَيْهِ إشارَةً دَلَّتْ عَلى أنَّها تُحِيلُهم عَلَيْهِ لِيَسْألُوهُ عَنْ قِصَّتِهِ، أوْ أشارَتْ إلى أنْ يَسْمَعُوا مِنهُ الجَوابَ عَنْ تَوْبِيخِهِمْ إيّاها وقَدْ فَهِمُوا ذَلِكَ مِن إشارَتِها.

ولَمّا كانَتْ إشارَتُها بِمَنزِلَةِ مُراجَعَةِ كَلامٍ حُكِيَ حِوارُهُمُ الواقِعُ عَقِبَ الإشارَةِ بِجُمْلَةِ القَوْلِ مَفْصُولَةٍ غَيْرِ مَعْطُوفَةٍ.

والِاسْتِفْهامُ: إنْكارٌ؛ أنْكَرُوا أنْ يُكَلِّمُوا مَن لَيْسَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَتَكَلَّمَ، وأنْكَرُوا أنْ تُحِيلَهم عَلى مُكالَمَتِهِ، أيْ كَيْفَ نَتَرَقَّبُ مِنهُ الجَوابَ، أوْ كَيْفَ نُلْقِي عَلَيْهِ السُّؤالَ، لِأنَّ الحالَتَيْنِ تَقْتَضِيانِ التَّكَلُّمَ.

وزِيادَةُ فِعْلِ الكَوْنِ في ﴿مَن كانَ في المَهْدِ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِ المَظْرُوفِيَّةِ في المَهْدِ مِن هَذا الَّذِي أُحِيلُوا عَلى مُكالَمَتِهِ، وذَلِكَ مُبالَغَةٌ مِنهم في الإنْكارِ، وتَعَجُّبٌ مِنِ اسْتِخْفافِها بِهِمْ. فَفِعْلُ كانَ زائِدٌ لِلتَّوْكِيدِ، ولِذَلِكَ جاءَ بِصِيغَةِ المُضِيِّ لِأنَّ كانَ الزّائِدَةُ تَكُونُ بِصِيغَةِ الماضِي غالِبًا.

وقَوْلُهُ ﴿فِي المَهْدِ﴾ خَبَرٌ مِنَ المَوْصُولَةِ.

وصَبِيًّا حالٌ مِنِ اسْمِ المَوْصُولِ.

والمَهْدُ: فِراشُ الصَّبِيِّ وما يُمَهَّدُ لِوَضْعِهِ.

19:30–33Page 307

قَالَ إِنِّي عَبۡدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِيَ ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلَنِي نَبِيّٗا ٣٠

[Jesus] said, "Indeed, I am the servant of Allāh. He has given me the Scripture and made me a prophet.

وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيۡنَ مَا كُنتُ وَأَوۡصَٰنِي بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمۡتُ حَيّٗا ٣١

And He has made me blessed wherever I am and has enjoined upon me prayer and zakāh as long as I remain alive

وَبَرَّۢا بِوَٰلِدَتِي وَلَمۡ يَجۡعَلۡنِي جَبَّارٗا شَقِيّٗا ٣٢

And [made me] dutiful to my mother, and He has not made me a wretched tyrant.

وَٱلسَّلَٰمُ عَلَيَّ يَوۡمَ وُلِدتُّ وَيَوۡمَ أَمُوتُ وَيَوۡمَ أُبۡعَثُ حَيّٗا ٣٣

And peace is on me the day I was born and the day I will die and the day I am raised alive."

صفحة ٩٨

﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ وجَعَلَنِي نَبِيئًا﴾ ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ ‎وأوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا﴾ ﴿وبَرًّا بِوالِدَتِي ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ .

كَلامُ عِيسى هَذا مِمّا أهْمَلَتْهُ أناجِيلُ النَّصارى لِأنَّهم طَوَوْا خَبَرَ وُصُولِها إلى أهْلِها بَعْدَ وضْعِها، وهو طَيٌّ يُتَعَجَّبُ مِنهُ. ويَدُلُّ عَلى أنَّها كُتِبَتْ في أحْوالٍ غَيْرِ مَضْبُوطَةٍ، فَأطْلَعَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ نَبِيئَهُ ﷺ .

والِابْتِداءُ بِوَصْفِ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ ألْقاهُ اللَّهُ عَلى لِسانِ عِيسى لِأنَّ اللَّهَ عَلِمَ بِأنَّ قَوْمًا سَيَقُولُونَ: أنَّهُ ابْنُ اللَّهِ.

والتَّعْبِيرُ عَنْ إيتاءِ الكِتابِ بِفِعْلِ المُضِيِّ مُرادٌ بِهِ أنَّ اللَّهَ قَدَّرَ إيتاءَهُ إيّاهُ، أيْ قَدَّرَ أنْ يُؤْتِيَنِي الكِتابَ.

والكِتابُ: الشَّرِيعَةُ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تُكْتَبَ لِئَلّا يَقَعَ فِيها تَغْيِيرٌ. فَإطْلاقُ الكِتابِ عَلى شَرِيعَةِ عِيسى كَإطْلاقِ الكِتابِ عَلى القُرْآنِ.

والمُرادُ بِالكِتابِ الإنْجِيلُ وهو ما كُتِبَ مِنَ الوَحْيِ الَّذِي خاطَبَ اللَّهُ بِهِ عِيسى.

ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالكِتابِ التَّوْراةُ فَيَكُونَ الإيتاءُ إيتاءَ عِلْمِ ما في التَّوْراةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يا يَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢]، فَيَكُونَ قَوْلُهُ (﴿وجَعَلَنِي نَبِيئًا﴾) ارْتِقاءً في المَراتِبِ الَّتِي آتاهُ اللَّهُ إيّاها.

والقَوْلُ في التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِالماضِي كالقَوْلِ في قَوْلِهِ و﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ .

صفحة ٩٩

والمُبارَكُ: الَّذِي تُقارِنُ البَرَكَةُ أحْوالَهُ في أعْمالِهِ ومُحاوَرَتِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، لِأنَّ المُبارَكَ اسْمُ مَفْعُولٍ مِن بارَكَهُ، إذا جَعَلَهُ ذا بَرَكَةٍ. أوْ مِن بارَكَ فِيهِ، إذا جَعَلَ البَرَكَةَ مَعَهُ.

والبَرَكَةُ: الخَيْرُ واليُمْنُ.

ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ أرْسَلَهُ بِرَحْمَةٍ لِبَنِي إسْرائِيلَ لِيُحِلَّ لَهم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْهِمْ ولِيَدْعُوَهم إلى مَكارِمِ الأخْلاقِ بَعْدَ أنْ قَسَتْ قُلُوبُهم وغَيَّرُوا مِن دِينِهِمْ، فَهَذِهِ أعْظَمُ بَرَكَةٍ تُقارِنُهُ. ومِن بَرَكَتِهِ أنْ جَعَلَ اللَّهُ حُلُولَهُ في المَكانِ سَبَبًا لِخَيْرِ أهْلِ تِلْكَ البُقْعَةِ مِن خِصْبِها واهْتِداءِ أهْلِها وتَوْفِيقِهِمْ إلى الخَيْرِ. ولِذَلِكَ كانَ إذا لَقِيَهُ الجَهَلَةُ والقُساةُ والمُفْسِدُونَ انْقَلَبُوا صالِحِينَ وانْفَتَحَتْ قُلُوبُهم لِلْإيمانِ والحِكْمَةِ. ولِذَلِكَ تَرى أكْثَرَ الحَوارِيِّينَ كانُوا مِن عامَّةِ الأُمِّيِّينَ مِن صَيّادِينَ وعَشّارِينَ فَصارُوا دُعاةَ هَدًى وفاضَتْ ألْسِنَتُهم بِالحِكْمَةِ.

وبِهَذا يَظْهَرُ أنَّ كَوْنَهُ مُبارَكًا أعَمُّ مِن كَوْنِهِ نَبِيئًا عُمُومًا وجْهِيًّا، فَلَمْ يَكُنْ في قَوْلِهِ (﴿وجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾) غُنْيَةٌ عَنْ قَوْلِهِ ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا﴾ .

والتَّعْمِيمُ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿أيْنَ ما كُنْتُ﴾ تَعْمِيمٌ لِلْأمْكِنَةِ، أيْ لا تَقْتَصِرُ بَرَكَتُهُ عَلى كَوْنِهِ في الهَيْكَلِ بِالمَقْدِسِ أوْ في مَجْمَعِ أهْلِ بَلَدِهِ، بَلْ هو حَيْثُما حَلَّ تَحُلَّ مَعَهُ البَرَكَةُ.

والوِصايَةُ: الأمْرُ المُؤَكَّدُ بِعَمَلٍ مُسْتَقْبَلٍ، أيْ قَدَّرَ وصِيَّتَي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ، أيْ أنْ يَأْمُرَنِي بِهِما أمْرًا مُؤَكَّدًا مُسْتَمِرًّا، فاسْتِعْمالُ صِيغَةِ المُضِيِّ في أوْصانِي مِثْلَ اسْتِعْمالِها في قَوْلِهِ ﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ .

والزَّكاةُ: الصَّدَقَةُ. والمُرادُ: أنْ يُصَلِّيَ ويُزَكِّيَ. وهَذا أمْرٌ خاصٌّ بِهِ كَما أُمِرَ نَبِيئُنا ﷺ بِقِيامِ اللَّيْلِ، وقَرِينَةُ

صفحة ١٠٠

الخُصُوصِ قَوْلُهُ ﴿ما دُمْتُ حَيًّا﴾ لِدَلالَتِهِ عَلى اسْتِغْراقِ مُدَّةِ حَيّاتِهِ بِإيقاعِ الصَّلاةِ والصَّدَقَةِ، أيْ أنْ يُصَلِّيَ ويَتَصَدَّقَ في أوْقاتِ التَّمَكُّنِ مِن ذَلِكَ، أيْ غَيْرِ أوْقاتِ الدَّعْوَةِ أوِ الضَّرُوراتِ.

فالِاسْتِغْراقُ المُسْتَفادُ مِن قَوْلِهِ ﴿ما دُمْتُ حَيًّا﴾ اسْتِغْراقٌ عُرْفِيٌّ مُرادٌ بِهِ الكَثْرَةُ؛ ولَيْسَ المُرادُ الصَّلاةَ والصَّدَقَةَ المَفْرُوضَتَيْنِ عَلى أُمَّتِهِ، لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ في أوْصافٍ تَمَيَّزَ بِها عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولِأنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِشَرْعِ صَلاةٍ زائِدَةٍ عَلى ما شُرِعَ في التَّوْراةِ. والبَرُّ بِفَتْحِ الباءِ: اسْمٌ بِمَعْنى البارِّ. وتَقَدَّمَ آنِفًا. وقَدْ خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ بَيْنَ قَوْمِهِ، لِأنَّ بِرَّ الوالِدَيْنِ كانَ ضَعِيفًا في بَنِي إسْرائِيلَ يَوْمَئِذٍ، وبِخاصَّةٍ الوالِدَةُ لِأنَّها تُسْتَضْعَفُ، لِأنَّ فَرْطَ حَنانِها ومَشَقَّتِها قَدْ يُجَرِّئانِ الوَلَدَ عَلى التَّساهُلِ في البِرِّ بِها.

والجَبّارُ: المُتَكَبِّرُ الغَلِيظُ عَلى النّاسِ في مُعامَلَتِهِمْ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ قَوْلُهُ ﴿واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ [هود: ٥٩] .

والشَّقِيُّ: الخاسِرُ والَّذِي تَكُونُ أحْوالُهُ كَدِرَةً لَهُ ومُؤْلِمَةً، وهو ضِدُّ السَّعِيدِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥] في آخِرِ سُورَةِ هُودٍ.

ووُصِفَ الجَبّارُ بِالشَّقِيِّ بِاعْتِبارِ مَآلِهِ في الآخِرَةِ ورُبَّما في الدُّنْيا.

وقَوْلُهُ ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ﴾ إلى آخِرِهِ تَنْوِيهٌ بِكَرامَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ، أجْراهُ عَلى لِسانِهِ لِيَعْلَمُوا أنَّهُ بِمَحَلِّ العِنايَةِ مِن رَبِّهِ، والقَوْلُ فِيهِ تَقَدَّمَ في آيَةِ ذِكْرِ يَحْيى.

وجِيءَ بِالسَّلامِ هُنا مُعَرَّفًا بِاللّامِ عَلى الجِنْسِ مُبالَغَةً في تَعَلُّقِ السَّلامِ بِهِ حَتّى كانَ جِنْسُ السَّلامِ بِأجْمَعِهِ عَلَيْهِ. وهَذا مُؤْذِنٌ

صفحة ١٠١

بِتَفْضِيلِهِ عَلى يَحْيى إذْ قِيلَ في شَأْنِهِ ﴿وسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾ [مريم: ١٥]، وذَلِكَ هو الفَرْقُ بَيْنَ المُعَرَّفِ بِلامِ الجِنْسِ وبَيْنَ النَّكِرَةِ.

ويَجُوزُ جَعْلُ اللّامِ لِلْعَهْدِ، أيْ سَلامٌ إلَيْهِ، وهو كِنايَةٌ عَنْ تَكْرِيمِ اللَّهِ عَبْدَهُ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ في المَلَأِ الأعْلى وبِالأمْرِ بِكَرامَتِهِ.

ومِن هَذا القَبِيلِ السَّلامُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، وما أمَرَنا بِهِ في التَّشَهُّدِ في الصَّلاةِ مِن قَوْلِ المُتَشَهِّدِ السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها النَّبِيءُ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ.

ومُؤْذِنٌ أيْضًا بِتَمْهِيدِ التَّعْرِيضِ بِاليَهُودِ إذْ طَعَنُوا فِيهِ وشَتَمُوهُ في الأحْوالِ الثَّلاثَةِ، فَقالُوا: وُلِدَ مِن زِنًى، وقالُوا: ماتَ مَصْلُوبًا، وقالُوا: يُحْشَرُ مَعَ المَلاحِدَةِ والكَفَرَةِ، لِأنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّهُ كَفَرَ بِأحْكامٍ مِنَ التَّوْراةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском