Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Maryam 19:34–42
19:34–35Page 307
ذَٰلِكَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَۖ قَوۡلَ ٱلۡحَقِّ ٱلَّذِي فِيهِ يَمۡتَرُونَ ٣٤
That is Jesus, the son of Mary - the word of truth about which they are in dispute.
مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٖۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٣٥
It is not [befitting] for Allāh to take a son; exalted is He!1 When He decrees an affair, He only says to it, "Be," and it is.
﴿ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلُ الحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحانَهُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ .
اعْتِراضٌ بَيْنَ الجُمَلِ المَقُولَةِ في قَوْلِهِ ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٣٠] مَعَ قَوْلِهِ ﴿وأنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ﴾ [مريم: ٣٦]، أيْ ذَلِكَ المَذْكُورُ هو عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ لا كَما تَزْعُمُ النَّصارى واليَهُودُ.
والإشارَةُ لِتَمْيِيزِ المَذْكُورِ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ تَعْرِيضًا بِالرَّدِّ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى جَمِيعًا، إذْ أنْزَلَهُ اليَهُودُ إلى حَضِيضِ الجُناةِ، ورَفَعَهُ النَّصارى إلى مَقامِ الإلَهِيَّةِ، وكِلاهُما مُخْطِئٌ مُبْطِلٌ، أيْ ذَلِكَ هو عِيسى بِالحَقِّ،
صفحة ١٠٢
وأمّا مَن تَصِفُونَهُ فَلَيْسَ هو عِيسى لِأنَّ اسْتِحْضارَ الشَّخْصِ بِصِفاتٍ غَيْرِ صِفاتِهِ تَبْدِيلٌ لِشَخْصِيَّتِهِ، فَلَمّا وصَفُوهُ بِغَيْرِ ما هو صِفَتُهُ جُعِلُوا بِمَنزِلَةِ مَن لا يَعْرِفُونَ فاجْتُلِبَ اسْمُ الإشارَةِ لِيَتَمَيَّزَ المَوْصُوفُ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ عِنْدَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَعْرِفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ. والمَقْصُودُ بِالتَّمْيِيزِ تَمْيِيزُ صِفاتِهِ الحَقِيقِيَّةِ عَنِ الصِّفاتِ الباطِلَةِ الَّتِي ألْصَقُوها بِهِ لا تَمْيِيزَ ذاتِهِ عَنِ الذَّواتِ إذْ لَيْسَتْ ذاتُهُ بِحاضِرَةٍ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ، أيْ تِلْكَ حَقِيقَةُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وصِفَتُهُ.
و(قَوْلُ الحَقِّ) قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، ويَعْقُوبُ بِالنَّصْبِ؛ فَأمّا الرَّفْعُ فَهو خَبَرٌ ثانٍ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ أوْ وصْفٌ لِعِيسى أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وأمّا النَّصْبُ فَهو حالٌ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ أوْ مِن عِيسى.
ومَعْنى (قَوْلُ الحَقِّ) أنَّ تِلْكَ الصِّفاتِ الَّتِي سَمِعْتُمْ هي قَوْلُ الحَقِّ، أيْ مَقُولٌ هو الحَقُّ وما خالَفَها باطِلٌ، أوْ أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - هو قَوْلُ الحَقِّ، أيْ مَقُولُ الحَقِّ، أيِ المُكَوَّنُ مِن قَوْلِ كُنْ، فَيَكُونُ مَصْدَرًا بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ كالخَلْقِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١] .
وجَوَّزَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ أنْ يَكُونَ نَصْبُ (قَوْلُ الحَقِّ) بِتَقْدِيرِ: أُحِقُّ قَوْلَ الحَقِّ، أيْ هو مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ قَبْلَهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ وُجُوبًا، تَقْدِيرُهُ: أُحِقُّ قَوْلَ الحَقِّ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿قَوْلَ الحَقِّ﴾ مَصْدَرًا نائِبًا عَنْ فِعْلِهِ، أيْ أقُولُ قَوْلَ الحَقِّ. وعَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ يَكُونُ اعْتِراضًا.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُ مَصْدَرًا بِمَعْنى الفاعِلِ صِفَةً لِـ عِيسى أوْ حالًا مِنهُ، أيْ قائِلُ الحَقِّ إذْ قالَ ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ﴾ [مريم: ٣٠] إلى قَوْلِهِ ﴿أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٣] .
و﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ أوْ حالٌ ثانِيَةٌ أوْ خَبَرٌ ثانٍ عَنْ (﴿عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾) عَلى ما يُناسِبُ الوُجُوهَ المُتَقَدِّمَةَ.
صفحة ١٠٣
والِامْتِراءُ: الشَّكُّ، أيِ الَّذِي فِيهِ يَشُكُّونَ، أيْ يَعْتَقِدُونَ اعْتِقادًا مَبْناهُ الشَّكُّ والخَطَأُ، فَإنْ عادَ المَوْصُولُ إلى القَوْلِ فالِامْتِراءُ فِيهِ هو الِامْتِراءُ في صِدْقِهِ، وإنْ عادَ إلى عِيسى فالِامْتِراءُ فِيهِ هو الِامْتِراءُ في صِفاتِهِ بَيْنَ رافِعٍ وخافِضٍ.
وجُمْلَةُ ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ تَقْرِيرٌ لِمَعْنى العُبُودِيَّةِ، أوْ تَفْصِيلٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ فَتَكُونُ بِمَنزِلَةِ بَدَلِ البَعْضِ أوِ الِاشْتِمالِ مِنها، اكْتِفاءً بِإبْطالِ قَوْلِ النَّصارى بِأنَّ عِيسى ابْنُ اللَّهِ، لِأنَّهُ أهَمُّ بِالإبْطالِ، إذْ هو تَقْرِيرٌ لِعُبُودِيَّةِ عِيسى وتَنْزِيهٌ لِلَّهِ تَعالى عَمّا لا يَلِيقُ بِجَلالِ الأُلُوهِيَّةِ مِنِ اتِّخاذِ الوَلَدِ ومِن شائِبَةِ الشِّرْكِ، ولِأنَّهُ القَوْلُ النّاشِئُ عَنِ الغُلُوِّ في التَّقْدِيسِ، فَكانَ فِيما ذُكِرَ مِن صِفاتِ المَدْحِ لِعِيسى ما قَدْ يُقَوِّي شُبْهَتَهم فِيهِ بِخِلافِ قَوْلِ اليَهُودِ فَقَدْ ظَهَرَ بُطْلانُهُ بِما عُدِّدَ لِعِيسى مِن صِفاتِ الخَيْرِ.
وصِيغَةُ ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ﴾ تُفِيدُ انْتِفاءَ الوَلَدِ عَنْهُ تَعالى بِأبْلَغِ وجْهٍ لِأنَّ لامَ الجُحُودِ تُفِيدُ مُبالَغَةَ النَّفْيِ، وأنَّهُ مِمّا لا يُلاقِي وُجُودَ المَنفِيِّ عَنْهُ، ولِأنَّ في قَوْلِهِ أنْ يَتَّخِذَ إشارَةً إلى أنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ ولَدٌ لَكانَ هو خَلَقَهُ، واتَّخَذَهُ فَلَمْ يَعْدُ أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ مَخْلُوقاتِهِ، فَإثْباتُ البُنُوَّةِ لَهُ خُلْفٌ مِنَ القَوْلِ.
وجُمْلَةُ ﴿إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾، لِإبْطالِ شُبْهَةِ النَّصارى إذْ جَعَلُوا تَكْوِينَ إنْسانٍ بِأمْرِ التَّكْوِينِ عَنْ غَيْرِ سَبَبٍ مُعْتادٍ دَلِيلًا عَلى أنَّ المُكَوَّنَ ابْنٌ لِلَّهِ تَعالى، فَأشارَتِ الآيَةُ إلى أنَّ هَذا يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ أُصُولُ المَوْجُوداتِ أبْناءً لِلَّهِ وإنْ كانَ ما يَقْتَضِيهِ لا يَخْرُجُ عَنِ الخُضُوعِ إلى أمْرِ التَّكْوِينِ.
19:36Page 307
وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٣٦
[Jesus said], "And indeed, Allāh is my Lord and your Lord, so worship Him. That is a straight path."
صفحة ١٠٤
﴿وأنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا بَقِيَّةً لِكَلامٍ جَرى عَلى لِسانِ عِيسى تَأْيِيدًا لِبَراءَةِ أُمِّهِ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا. والمَعْنى: تَعْمِيمُ رُبُوبِيَّةِ اللَّهِ تَعالى لِكُلِّ الخَلْقِ.وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ، ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ هَمْزَةَ وأنَّ مَفْتُوحَةً فَخَرَّجَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ لامِ التَّعْلِيلِ، فَإنْ كانَ مِن كَلامِ عِيسى فَهو تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ فاعْبُدُوهُ عَلى أنَّهُ مُقَدَّمٌ مِن تَأْخِيرٍ لِلِاهْتِمامِ بِالعِلَّةِ لِكَوْنِها مُقَرِّرَةً لِلْمَعْلُولِ ومُثْبِتَةً لَهُ عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾ [الجن: ١٨] ويَكُونُ قَوْلُهُ فاعْبُدُوهُ مُتَفَرِّعًا عَلى قَوْلِهِ ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٣٠] بَعْدَ أنْ أرْدَفَ ما تَعَلَّقَهُ مِن أحْوالِ نَفْسِهِ.
ولَمّا اشْتَمَلَ مَدْخُولُ لامِ التَّعْلِيلِ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ أُضْمِرَ لَهُ فِيما بَعْدُ. وتَقْدِيرُ النَّظْمِ هَكَذا: فاعْبُدُوا اللَّهَ لِأنَّهُ رَبِّي ورَبُّكم.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ﴾ [مريم: ٣١] . أيْ وأوْصانِي بِأنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم، فَيَكُونُ بِحَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ وهو مُطَّرِدٌ مَعَ (أنَّ) .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الحَقِّ مِن قَوْلِهِ ﴿قَوْلَ الحَقِّ﴾ [مريم: ٣٤] عَلى وجْهِ جَعْلِ (قَوْلُ) بِمَعْنى قائِلٍ، أيْ قائِلٌ الحَقَّ وقائِلٌ إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم، فَإنَّ هَمْزَةَ (أنَّ) يَجُوزُ فَتْحُها وكَسْرُها بَعْدَ مادَّةِ القَوْلِ.
وإنْ كانَ مِمّا خُوطِبَ النَّبِيءُ ﷺ بِأنْ يَقُولَهُ كانَ بِتَقْدِيرِ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أوْ عَطْفًا عَلى مَرْيَمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى
صفحة ١٠٥
﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ﴾ [مريم: ١٦] أيِ اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ أنَّ اللَّهَ رَبِّي فَكَذَلِكَ، ويَكُونُ تَفْرِيعُ فاعْبُدُوهُ عَلى قَوْلِهِ ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحانَهُ﴾ [مريم: ٣٥] إلى آخِرِهِ.
وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِكَسْرِ هَمْزَةِ إنَّ. ووَجْهُها ظاهِرٌ عَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ.
وجُمْلَةُ ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران: ٥١] تَذْيِيلٌ وفَذْلَكَةٌ لِما سَبَقَهُ عَلى اخْتِلافِ الوُجُوهِ. والإشارَةُ إلى مَضْمُونِ ما تَقَدَّمَ عَلى اخْتِلافِ الوُجُوهِ.
والمُرادُ بِالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ اعْتِقادُ الحَقِّ، شُبِّهَ بِالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، شَبَّهَ الِاعْتِقادَ الحَقَّ في كَوْنِهِ مَوْصُولًا إلى الهُدى بِالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ في إيصالِهِ إلى المَكانِ المَقْصُودِ بِاطْمِئْنانِ بالٍ، وعُلِمَ أنَّ غَيْرَ هَذا كَبُنَيّاتِ الطَّرِيقِ مَن سَلَكَها ألْقَتْ بِهِ المَخاوِفُ والمَتالِفُ كَقَوْلِهِ ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] .
19:37Page 307
فَٱخۡتَلَفَ ٱلۡأَحۡزَابُ مِنۢ بَيۡنِهِمۡۖ فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشۡهَدِ يَوۡمٍ عَظِيمٍ ٣٧
Then the factions differed [concerning Jesus] from among them, so woe to those who disbelieved - from the scene of a tremendous Day.
﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾
الفاءُ لِتَفْرِيعِ الإخْبارِ بِحُصُولِ الِاخْتِلافِ عَلى الإخْبارِ بِأنَّ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ، أيْ حادَ عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ الأحْزابُ فاخْتَلَفُوا بَيْنَهم في الطَّرائِقِ الَّتِي سَلَكُوها، أيْ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ لا يَخْتَلِفُ سالِكُوهُ اخْتِلافًا أصْلِيًّا، فَسَلَكَ الأحْزابُ طُرُقًا أُخْرى هي حائِدَةٌ عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ فَلَمْ يَتَّفِقُوا عَلى شَيْءٍ.
صفحة ١٠٦
وقَوْلُهُ ﴿مِن بَيْنِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”فاخْتَلَفَ“ . ومِن حَرْفُ تَوْكِيدٍ، أيِ اخْتَلَفُوا بَيْنَهم.
والمُرادُ بِالأحْزابِ أحْزابُ النَّصارى، لِأنَّ الِاخْتِلافَ مُؤْذِنٌ بِأنَّهم كانُوا مُتَّفِقِينَ ولَمْ يَكُنِ اليَهُودُ مُوافِقِينَ النَّصارى في شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ. وقَدْ كانَ النَّصارى عَلى قَوْلٍ واحِدٍ عَلى التَّوْحِيدِ في حَياةِ الحَوارِيِّينَ ثُمَّ حَدَثَ الِاخْتِلافُ في تَلامِيذِهِمْ. وقَدْ ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ [النساء: ١٧١] في سُورَةِ النِّساءِ أنَّ الِاخْتِلافَ انْحَلَّ إلى ثَلاثَةِ مَذاهِبَ:المَلْكانِيَّةُ وتُسَمّى الجاثُلِيقِيَّةَ، واليَعْقُوبِيَّةُ، والنَّسْطُورِيَّةُ. وانْشَعَبَتْ مِن هَذِهِ الفِرَقِ عِدَّةُ فِرَقٍ ذَكَرَها الشَّهْرَسْتانِيُّ، ومِنها الألْيانَةُ، والبِلْيارِسِيَّةُ، والمِقْدانُوسِيَّةُ، والسِّبالِيَّةُ، والبُوطِينُوسِيَّةُ، والبُولِيَّةُ، إلى فِرَقٍ أُخْرى. مِنها فِرْقَةٌ كانَتْ في العَرَبِ تُسَمّى الرَّكُوسِيَّةُ ورَدَ ذِكْرُها في الحَدِيثِ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ لِعَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ: إنَّكَ رَكُوسِيٌّ» .
قالَ أهْلُ اللُّغَةِ هي نَصْرانِيَّةٌ مَشُوبَةٌ بِعَقائِدِ الصّابِئَةِ. وحَدَثَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فِرْقَةُ الِاعْتِراضِيَّةِ البُرُوتِسْتانُ أتْباعُ لُوثِيرَ. وأشْهَرُ الفِرَقِ اليَوْمَ هي المَلْكانِيَّةُ (كاثُولِيكُ)، واليَعْقُوبِيَّةُ أرْثُوذُوكْسُ، والِاعْتِراضِيَّةُ البُرُوتِسْتانُ. ولَمّا كانَ اخْتِلافُهم قَدِ انْحَصَرَ في مَرْجِعٍ واحِدٍ يَرْجِعُ إلى إلَهِيَّةِ عِيسى اغْتِرارًا وسُوءَ فَهْمٍ في مَعْنى لَفْظِ (ابْنٍ) الَّذِي ورَدَ صِفَةً لِلْمَسِيحِ في الأناجِيلِ مَعَ أنَّهُ قَدْ وُصِفَ بِذَلِكَ فِيها أيْضًا أصْحابُهُ. وقَدْ جاءَ في التَّوْراةِ أيْضًا أنْتُمْ أبْناءُ اللَّهِ. وفي إنْجِيلِ مَتّى الحَوارِيِّ وإنْجِيلِ يُوحَنّا الحَوارِيِّ كَلِماتٌ صَرِيحَةٌ في أنَّ المَسِيحَ ابْنُ إنْسانٍ وأنَّ اللَّهَ إلَهُهُ ورَبُّهُ، فَقَدِ انْحَصَرَتْ مَذاهِبُهم في الكُفْرِ بِاللَّهِ فَلِذَلِكَ ذُيِّلَ بِقَوْلِهِ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، فَشَمِلَ قَوْلُهُ الَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ المُخْبَرَ عَنْهم مِنَ النَّصارى وشَمِلَ المُشْرِكِينَ وغَيْرَهم.
والمَشْهَدُ صالِحٌ لِمَعانٍ، وهو أنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِنَ المُشاهَدَةِ أوْ مِنَ
صفحة ١٠٧
الشُّهُودِ، ثُمَّ إمّا أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِيمِيًّا في المَعْنَيَيْنِ أوِ اسْمَ مَكانٍ لَهُما أوِ اسْمَ زَمانٍ لَهُما، أيْ يَوْمٍ فِيهِ ذَلِكَ وغَيْرُهُ.
والوَيْلُ حاصِلٌ لَهم في الِاحْتِمالاتِ كُلِّها وقَدْ دَخَلُوا في عُمُومِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ، أيْ نَفَوْا وحْدانِيَّتَهُ، فَدَخَلُوا في زُمْرَةِ المُشْرِكِينَ لا مَحالَةَ، ولَكِنَّهم أهْلُ كِتابٍ دُونَ المُشْرِكِينَ.
19:38Page 307
أَسۡمِعۡ بِهِمۡ وَأَبۡصِرۡ يَوۡمَ يَأۡتُونَنَا لَٰكِنِ ٱلظَّٰلِمُونَ ٱلۡيَوۡمَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٣٨
How [clearly] they will hear and see the Day they come to Us, but the wrongdoers today are in clear error.
﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾
﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ صِيغَتا تَعَجُّبٍ، وهو تَعَجُّبٌ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ، أوْ هو مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ، والمَعْنَيانِ مُتَقارِبانِ، وهو مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً أيْضًا عَنْ تَهْدِيدِهِمْ؛ فَتَعَيَّنَ أنَّ التَّعْجِيبَ مِن بُلُوغِ حالِهِمْ في السُّوءِ مَبْلَغًا يُتَعَجَّبُ مِن طاقَتِهِمْ عَلى مُشاهَدَةِ مَناظِرِهِ وسَماعِ مَكارِهِهِ. والمَعْنى؛ ما أسْمَعَهم وما أبْصَرَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ، أيْ ما أقْدَرَهم عَلى السَّمْعِ والبَصَرِ بِما يَكْرَهُونَهُ. وقَرِيبٌ هو مِن مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥] .
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ غَيْرَ مُسْتَعْمَلٍ في التَّعَجُّبِ بَلْ صادَفَ أنْ جاءَ عَلى صُورَةِ فِعْلِ التَّعَجُّبِ، وإنَّما هو عَلى أصْلِ وضْعِهِ أمْرٌ لِلْمُخاطَبِ غَيْرِ المُعَيَّنِ بِأنْ يَسْمَعَ ويُبْصِرَ بِسَبَبِهِمْ، ومَعْمُولُ السَّمْعِ والبَصَرِ مَحْذُوفٌ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ لِيَشْمَلَ كُلَّ ما يَصِحُّ أنْ يُسْمَعَ وأنْ يُبْصَرَ. وهَذا كِنايَةٌ عَنِ التَّهْدِيدِ.
وضَمِيرُ الغائِبِينَ عائِدٌ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا، أيْ أعْجِبْ بِحالِهِمْ يَوْمَئِذٍ مِن نَصارى وعَبَدَةِ الأصْنامِ.
صفحة ١٠٨
والِاسْتِدْراكُ الَّذِي أفادَهُ قَوْلُهُ ﴿لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ راجِعٌ إلى ما يُفِيدُهُ التَّقْيِيدُ بِالظَّرْفِ في قَوْلِهِ ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ مِن تَرَقُّبِ سُوءِ حالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ الَّذِي يَقْتَضِي الظَّنَّ بِأنَّهُمُ الآنَ في سَعَةٍ مِنَ الحالِ.
فَأُفِيدَ أنَّهم مُتَلَبِّسُونَ بِالضَّلالِ المُبِينِ وهو مِن سُوءِ الحالِ لَهم لِما يَتْبَعُهُ مِنِ اضْطِرابِ الرَّأْيِ والتِباسِ الحالِ عَلى صاحِبِهِ. وتِلْكَ نُكْتَةُ التَّقْيِيدِ بِالظَّرْفِ في قَوْلِهِ ﴿اليَوْمَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ .
والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِـ (الظّالِمُونَ) إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ. ونُكْتَتُهُ التَّخَلُّصُ إلى خُصُوصِ المُشْرِكِينَ لِأنَّ اصْطِلاحَ القُرْآنِ إطْلاقُ الظّالِمِينَ عَلى عَبَدَةِ الأصْنامِ وإطْلاقُ الظُّلْمِ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ، قالَ تَعالى ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] .
19:39Page 308
وَأَنذِرۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡحَسۡرَةِ إِذۡ قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ وَهُمۡ فِي غَفۡلَةٖ وَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٣٩
And warn them, [O Muḥammad], of the Day of Regret, when the matter will be concluded;1 and [yet], they are in [a state of] heedlessness, and they do not believe.
﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ وهم في غَفْلَةٍ وهم لا يُؤْمِنُونَ﴾
عَقَّبَ تَحْذِيرَهم مِن عَذابِ الآخِرَةِ والنِّداءَ عَلى سُوءِ ضَلالِهِمْ في الدُّنْيا بِالأمْرِ بِإنْذارِهِمِ اسْتِقْصاءً في الإعْذارِ لَهم.
والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الظّالِمِينَ، وهُمُ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ مِن عَبَدَةِ الأصْنامِ لِقَوْلِهِ ﴿وهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ وقَوْلِهِ ﴿وإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم: ٤٠] .
وانْتَصَبَ ﴿يَوْمَ الحَسْرَةِ﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ خَلَفَ عَنِ المَفْعُولِ الثّانِي لِأنْذِرْهم لِأنَّهُ بِمَعْنى أنْذِرْهم عَذابَ يَوْمِ الحَسْرَةِ.
والحَسْرَةُ: النَّدامَةُ الشَّدِيدَةُ الدّاعِيَةُ إلى التَّلَهُّفِ. والمُرادُ بِيَوْمِ الحَسْرَةِ يَوْمُ الحِسابِ، أُضِيفَ اليَوْمُ إلى الحَسْرَةِ لِكَثْرَةِ ما يَحْدُثُ فِيهِ مِن
صفحة ١٠٩
تَحَسُّرِ المُجْرِمِينَ عَلى ما فَرَّطُوا فِيهِ مِن أسْبابِ النَّجاةِ، فَكانَ ذَلِكَ اليَوْمُ كَأنَّهُ مِمّا اخْتَصَّتْ بِهِ الحَسْرَةُ، فَهو يَوْمُ حَسْرَةٍ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ وإنْ كانَ يَوْمَ فَرَحٍ بِالنِّسْبَةِ إلى الصّالِحِينَ.
واللّامُ في الحَسْرَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ لامُ العَهْدِ الذِّهْنِيِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللّامُ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ يَوْمَ حَسْرَةِ الظّالِمِينَ.
ومَعْنى ﴿قُضِيَ الأمْرُ﴾ تُمِّمَ أمْرُ اللَّهِ بِزَجِّهِمْ في العَذابِ فَلا مُعَقِّبَ لَهُ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأمْرِ أمْرَ اللَّهِ بِمَجِيءِ يَوْمِ القِيامَةِ، أيْ إذا حُشِرُوا.
و(إذْ) اسْمُ زَمانٍ، بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ الحَسْرَةِ﴾ .
وجُمْلَةُ ﴿وهم في غَفْلَةٍ﴾ حالٌ مِنَ الأمْرِ وهي حالٌ سَبَبِيَّةٌ، إذِ التَّقْدِيرُ: إذْ قُضِيَ أمْرُهم.
والغَفْلَةُ: الذُّهُولُ عَنْ شَيْءٍ شَأْنُهُ أنْ يُعْلَمَ.
ومَعْنى جُمْلَةِ الحالِ عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ في مَعْنى الأمْرِ الكِنايَةُ عَنْ سُرْعَةِ صُدُورِ الأمْرِ بِتَعْذِيبِهِمْ، أيْ قُضِيَ أمْرُهم عَلى حِينِ أنَّهم في غَفْلَةٍ، أيْ بَهْتٍ. وعَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي تَحْذِيرٌ مِن حُلُولِ يَوْمِ القِيامَةِ بِهِمْ قَبْلَ أنْ يُؤْمِنُوا كَقَوْلِهِ ﴿لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧]، وهَذا ألْيَقُ بِقَوْلِهِ ﴿وهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ .
ومَعْنى ﴿وهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ اسْتِمْرارُ عَدَمِ إيمانِهِمْ إلى حُلُولِ قَضاءِ الأمْرِ يَوْمَ الحَسْرَةِ. فاخْتِيارُ صِيغَةِ المُضارِعِ فِيهِ دُونَ صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ المُضارِعُ مِنِ اسْتِمْرارِ الفِعْلِ وقْتًا فَوَقْتًا اسْتِحْضارًا لِذَلِكَ الِاسْتِمْرارِ العَجِيبِ في طُولِهِ وتَمَكُّنِهِ.
19:40Page 308
إِنَّا نَحۡنُ نَرِثُ ٱلۡأَرۡضَ وَمَنۡ عَلَيۡهَا وَإِلَيۡنَا يُرۡجَعُونَ ٤٠
Indeed, it is We who will inherit the earth and whoever is on it, and to Us they will be returned.
صفحة ١١٠
﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها وإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾
تَذْيِيلٌ لِخَتْمِ القِصَّةِ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَذْيِيلِ الأغْراضِ عِنْدَ الِانْتِقالِ مِنها إلى غَيْرِها. والكَلامُ مُوَجَّهٌ إلى المُشْرِكِينَ لِإبْلاغِهِ إلَيْهِمْ.
وضَمِيرُ يُرْجَعُونَ عائِدٌ إلى مَن عَلَيْها وإلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ الغَيْبَةِ في وأنْذِرْهم.
وحَقِيقَةُ الإرْثِ: مَصِيرُ مالِ المَيِّتِ إلى مَن يَبْقى بَعْدَهُ. وهو هُنا مَجازٌ في تَمَحُّضِ التَّصَرُّفِ في الشَّيْءِ دُونَ مُشارِكٍ، فَإنَّ الأرْضَ كانَتْ في تَصَرُّفِ سُكّانِها مِنَ الإنْسانِ والحَيَوانِ كُلٌّ بِما يُناسِبُهُ. فَإذا هَلَكَ النّاسُ والحَيَوانُ فَقَدْ صارُوا في باطِنِ الأرْضِ وصارَتِ الأرْضُ في غَيْرِ تَصَرُّفِهِمْ فَلَمْ يَبْقَ تَصَرُّفٌ فِيها إلّا لِخالِقِها، وهو تَصَرُّفٌ كانَ في ظاهِرِ الأمْرِ مُشْتَرَكًا بِمِقْدارِ ما خَوَّلَهُمُ اللَّهُ التَّصَرُّفَ فِيها إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ، فَصارَ الجَمِيعُ في مَحْضِ تَصَرُّفِ اللَّهِ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ تَصَرُّفُهُ بِالجَزاءِ.
وتَأْكِيدُ جُمْلَةِ ﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ﴾ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِدَفْعِ الشَّكِّ لِأنَّ المُشْرِكِينَ يُنْكِرُونَ الجَزاءَ، فَهم يُنْكِرُونَ أنَّ اللَّهَ يَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها بِهَذا المَعْنى.
وأمّا ضَمِيرُ الفَصْلِ في قَوْلِهِ ﴿نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ﴾ فَهو لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ ولا يُفِيدُ تَخْصِيصًا، إذْ لا يُفِيدُ رَدَّ اعْتِقادٍ مُخالِفٍ لِذَلِكَ.
وظَهَرَ لِي: أنَّ مَجِيءَ ضَمِيرِ الفَصْلِ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ كَثِيرٌ إذا وقَعَ ضَمِيرُ الفَصْلِ بَعْدَ ضَمِيرٍ آخَرَ نَحْوَ قَوْلِهِ ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ﴾ [طه: ١٤] في سُورَةِ طه، وقَوْلِهِ ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ [يوسف: ٣٧] في سُورَةِ يُوسُفَ.
وأفادَ هَذا التَّذْيِيلُ التَّعْرِيفَ بِتَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ بِأنَّهم لا مَفَرَّ لَهم مِنَ الكَوْنِ في قَبْضَةِ الرَّبِّ الواحِدِ الَّذِي أشْرَكُوا بِعِبادَتِهِ بَعْضَ ما عَلى
صفحة ١١١
الأرْضِ، وأنَّ آلِهَتَهم لَيْسَتْ بِمَرْجُوَّةٍ لِنَفْعِهِمْ إذْ ما هي إلّا مِمّا يَرِثُهُ اللَّهُ. وبِذَلِكَ كانَ مَوْقِعُ جُمْلَةِ ﴿وإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ بَيِّنًا، فالتَّقْدِيمُ مُفِيدٌ القَصْرَ، أيْ لا يَرْجِعُونَ إلى غَيْرِنا. ومَحْمَلُ هَذا التَّقْدِيمِ بِالنِّسْبَةِ إلى المُسْلِمِينَ الِاهْتِمامُ ومَحْمَلُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى المُشْرِكِينَ القَصْرُ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ﴾ .
19:41–42Page 308
وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِبۡرَٰهِيمَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيًّا ٤١
And mention in the Book [the story of] Abraham. Indeed, he was a man of truth and a prophet.
إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ لِمَ تَعۡبُدُ مَا لَا يَسۡمَعُ وَلَا يُبۡصِرُ وَلَا يُغۡنِي عَنكَ شَيۡـٔٗا ٤٢
[Mention] when he said to his father, "O my father, why do you worship that which does not hear and does not see and will not benefit you at all?
﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إبْراهِيمَ إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيئًا﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾
قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ مِن أهَمِّ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ السُّورَةُ التَّنْوِيهَ بِالأنْبِياءِ والرُّسُلِ السّالِفِينَ. وإذا كانَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أبا الأنْبِياءِ وأوَّلَ مَن أعْلَنَ التَّوْحِيدَ إعْلانًا باقِيًا، لِبِنائِهِ لَهُ هَيْكَلَ التَّوْحِيدِ وهو الكَعْبَةُ، كانَ ذِكْرُ إبْراهِيمَ مِن أغْراضِ السُّورَةِ. وذُكِرَ عَقِبَ قِصَّةِ عِيسى لِمُناسَبَةِ وُقُوعِ الرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ في آخِرِ القِصَّةِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [مريم: ٣٧] إلى قَوْلِهِ ﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها﴾ [مريم: ٤٠] . ولَمّا كانَ إبْراهِيمُ قَدْ جاءَ بِالحَنِيفِيَّةِ وخالَفَها العَرَبُ بِالإشْراكِ وهم ورَثَةُ إبْراهِيمَ كانَ لِتَقْدِيمِ ذِكْرِهِ عَلى البَقِيَّةِ المَوْقِعُ الجَلِيلُ مِنَ البَلاغَةِ.
وفِي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ عَلى ما لَقِيَ مِن مُشْرِكِي قَوْمِهِ لِمُشابَهَةِ حالِهِمْ بِحالِ قَوْمِ إبْراهِيمَ.
وقَدْ جَرى سَرْدُ خَبَرِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى أُسْلُوبِ سَرْدِ قِصَّةِ مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - لِما في كُلٍّ مِنَ الأهَمِّيَّةِ كَما تَقَدَّمَ.
صفحة ١١٢
وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ﴾ [مريم: ١٦] في أوَّلِ قِصَّةِ مَرْيَمَ.
والصِّدِّيقُ بِتَشْدِيدِ الدّالِ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ في الِاتِّصافِ، مِثْلُ المَلِكِ الضِّلِّيلِ لَقَبِ امْرِئِ القَيْسِ، وقَوْلِهِمْ: رَجُلٌ مِسِّيكٌ، أيْ شَحِيحٌ، ومِنهُ طَعامٌ حِرِّيفٌ، ويُقالُ: دَلِيلٌ خِرِّيتٌ، إذْ كانَ ذا حِذْقٍ بِالطُّرُقِ الخَفِيَّةِ في المَفاوِزِ، مُشْتَقًّا مِنَ الخَرْتِ وهو ثَقْبُ الشَّيْءِ كَأنَّهُ يَثْقُبُ المَسْدُوداتِ بِبَصَرِهِ.
وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ﴾ [يوسف: ٤٦] . وُصِفَ إبْراهِيمُ بِالصِّدِّيقِ لِفَرْطِ صِدْقِهِ في امْتِثالِ ما يُكَلِّفُهُ اللَّهُ تَعالى لا يَصُدُّهُ عَنْ ذَلِكَ ما قَدْ يَكُونُ عُذْرًا لِلْمُكَلَّفِ مِثْلَ مُبادَرَتِهِ إلى مُحاوَلَةِ ذَبْحِ ولَدِهِ حِينَ أمَرَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ في وحْيِ الرُّؤْيا، فالصِّدْقُ هُنا بِمَعْنى بُلُوغِ نِهايَةِ الصِّفَةِ في المَوْصُوفِ بِها، كَما في قَوْلِ تَأبَّطَ شَرًّا.
إنِّي لَمُهْدٍ مِن ثَنائِي فَقاصِدٌ بِهِ لِابْنِ عَمِّ الصِّدْقِ شَمْسِ بْنِ مالِكِ
وتَأْكِيدُ هَذا الخَبَرِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ وبِإقْحامِ فِعْلِ الكَوْنِ لِلِاهْتِمامِ بِتَحْقِيقِهِ زِيادَةً في الثَّناءِ عَلَيْهِ.
وجُمْلَةُ (إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيئًا) واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِلِاهْتِمامِ بِذِكْرِهِ في التِّلاوَةِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُبْدَلِ مِنهُ والبَدَلِ فَإنَّ إذا اسْمُ زَمانٍ وقَعَ بَدَلًا مِن إبْراهِيمَ، أيِ اذْكُرْ ذَلِكَ خُصُوصًا مِن أحْوالِ إبْراهِيمَ فَإنَّهُ أهَمُّ ما يُذْكَرُ فِيهِ لِأنَّهُ مَظْهَرُ صِدِّيقِيَّتِهِ إذْ خاطَبَ أباهُ بِذَلِكَ الإنْكارِ.
والنَّبِيءُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، مِن أنْبَأهُ بِالخَبَرِ. والمُرادُ هُنا أنَّهُ مُنَبَّأٌ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى بِالوَحْيِ. والأكْثَرُ أنْ يَكُونَ النَّبِيءُ مُرْسَلًا لِلتَّبْلِيغِ، وهو مَعْنًى شَرْعِيٌّ، فالنَّبِيءُ فِيهِ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ. وتَقَدَّمَ
صفحة ١١٣
فِي سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿إذْ قالُوا لِنَبِيءٍ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكًا﴾ [البقرة: ٢٤٦])، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ لِأبِيهِ ﴿يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ﴾ إنَّما كانَ عَنْ وحْيٍ مِنَ اللَّهِ لِيُبَلِّغَ قَوْمَهُ إبْطالَ عِبادَةِ الأصْنامِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (نَبِيئًا) بِياءٍ مُشَدَّدَةٍ بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ ياءً لِثِقَلِها ولِمُناسَبَةِ الكَسْرَةِ.
وقَرَأهُ نافِعٌ وحْدَهُ (نَبِيئًا) بِهَمْزَةٍ آخِرَهُ. وبِذَلِكَ تَصِيرُ الفاصِلَةُ القُرْآنِيَّةُ عَلى حَرْفِ الألِفِ، ومِثْلُ تِلْكَ الفاصِلَةِ كَثِيرٌ في فَواصِلِ القُرْآنِ.
وقَوْلُهُ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ﴾ إلَخْ. . . بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن إبْراهِيمَ. وإذِ اسْمُ زَمانٍ مُجَرَّدٌ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ لِأنَّ إذْ ظَرْفٌ مُتَصَرِّفٌ عَلى التَّحْقِيقِ. والمَعْنى: اذْكُرْ إبْراهِيمَ زَمانَ قَوْلِهِ لِأبِيهِ فَإنَّ ذَلِكَ الوَقْتَ أجْدَرُ أوْقاتِ إبْراهِيمَ بِأنْ يُذْكَرَ. وأبُو إبْراهِيمَ هو (آزارُ) تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في سُورَةِ الأنْعامِ.
وافْتَتَحَ إبْراهِيمُ خِطابَهُ أباهُ بِنِدائِهِ مَعَ أنَّ الحَضْرَةَ مُغْنِيَةٌ عَنِ النِّداءِ قَصْدًا لِإحْضارِ سَمْعِهِ وذِهْنِهِ لِتَلَقِّي ما سَيُلْقِيهِ إلَيْهِ.
قالَ الجَدُّ الوَزِيرُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِيما أمْلاهُ عَلَيَّ ذاتَ لَيْلَةٍ مِن عامِ ١٣١٨ هـ فَقالَ:
عَلِمَ إبْراهِيمُ أنَّ في طَبْعِ أهْلِ الجَهالَةِ تَحْقِيرَهم لِلصَّغِيرِ كَيْفَما بَلَغَ حالُهُ في الحِذْقِ وبِخاصَّةٍ الآباءُ مَعَ أبْنائِهِمْ، فَتَوَجَّهَ إلى أبِيهِ بِخِطابِهِ بِوَصْفِ الأُبُوَّةِ إيماءً إلى أنَّهُ مُخْلِصٌ لَهُ النَّصِيحَةَ، وألْقى إلَيْهِ حُجَّةَ فَسادِ عِبادَتِهِ فَيُصَوِّرُهُ الِاسْتِفْهامُ عَنْ سَبَبِ عِبادَتِهِ وعَمَلِهِ المُخْطِئِ، مُنَبِّهًا عَلى خَطَئِهِ عِنْدَما يَتَأمَّلُ في عَمَلِهِ، فَإنَّهُ إنْ سَمِعَ ذَلِكَ وحاوَلَ بَيانَ سَبَبِ عِبادَةِ أصْنامِهِ لَمْ يَجِدْ لِنَفْسِهِ مَقالًا فَفَطِنَ بِخَطَلِ رَأْيِهِ
صفحة ١١٤
وسَفاهَةِ حِلْمِهِ، فَإنَّهُ لَوْ عَبَدَ حَيًّا مُمَيِّزًا لَكانَتْ لَهُ شُبْهَةٌ ما.
وابْتَدَأ بِالحُجَّةِ الرّاجِعَةِ إلى الحِسِّ إذْ قالَ لَهُ ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ﴾ فَذَلِكَ حُجَّةٌ مَحْسُوسَةٌ، ثُمَّ أتْبَعَها بِقَوْلِهِ ﴿ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى دَفْعِ ما يُخالِجُ عَقْلَ أبِيهِ مِنَ النُّفُورِ عَنْ تَلَقِّي الإرْشادِ مِنِ ابْنِهِ بِقَوْلِهِ ﴿يا أبَتِ إنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فاتَّبِعْنِي أهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ٤٣]، فَلَمّا قَضى حَقَّ ذَلِكَ انْتَقَلَ إلى تَنْبِيهِهِ عَلى أنَّ ما هو فِيهِ أثَرٌ مِن وساوِسِ الشَّيْطانِ، ثُمَّ ألْقى إلَيْهِ حُجَّةً لائِقَةً بِالمُتَصِلِّبِينَ في الضَّلالِ بِقَوْلِهِ ﴿يا أبَتِ إنِّيَ أخافُ أنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا﴾ [مريم: ٤٥]، أيْ إنَّ اللَّهَ أبْلَغَ إلَيْكَ الوَعِيدَ عَلى لِسانِي، فَإنْ كُنْتَ لا تَجْزِمُ بِذَلِكَ فافْرِضْ وُقُوعَهُ فَإنَّ أصْنامَكَ لَمْ تَتَوَعَّدْكَ عَلى أنْ تُفارِقَ عِبادَتَها. وهَذا كَما في الشِّعْرِ المَنسُوبِ إلى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:
زَعَمَ المُنَجِّمُ والطَّبِيبُ كِلاهُما ∗∗∗ لا تُحْشَرُ الأجْسامُ قُلْتُ: إلَيْكُما
إنْ صَحَّ قَوْلُكُما فَلَسْتُ بِخاسِرٍ ∗∗∗ أوْ صَحَّ قَوْلِي فالخَسارُ عَلَيْكُما
قالَ: وفي النِّداءِ بِقَوْلِهِ يا أبَتِ أرْبَعَ مَرّاتٍ تَكْرِيرٌ اقْتَضاهُ مَقامُ اسْتِنْزالِهِ إلى قَبُولِ المَوْعِظَةِ لِأنَّها مَقامُ إطْنابٍ. ونُظِّرَ ذَلِكَ بِتَكْرِيرِ لُقْمانَ قَوْلَهُ يا بُنَيَّ ثَلاثَ مَرّاتٍ، قالَ: بِخِلافِ قَوْلِ نُوحٍ لِابْنِهِ ﴿يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا﴾ [هود: ٤٢] مَرَّةً واحِدَةً دُونَ تَكْرِيرٍ لِأنَّ ضِيقَ المَقامِ يَقْتَضِي الإيجازَ وهَذا مِن طُرُقُ الإعْجازِ. انْتَهى كَلامُهُ بِما يُقارِبُ لَفْظَهُ.
وأقُولُ: الوَجْهُ ما بُنِيَ عَلَيْهِ مِن أنَّ الِاسْتِفْهامَ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ، كَما أشارَ إلَيْهِ صاحِبُ الكَشّافِ، ومُكَنًّى بِهِ عَنْ نَفْيِ العِلَّةِ المَسْئُولِ عَنْها بِقَوْلِهِ لِمَ تَعْبُدُ، فَهو كِنايَةٌ عَنِ التَّعْجِيزِ عَنْ إبْداءِ المَسْئُولِ عَنْهُ، فَهو مِنَ التَّوْرِيَةِ في مَعْنَيَيْنِ يَحْتَمِلُهُما الِاسْتِفْهامُ.
صفحة ١١٥
وأبَتِ: أصْلُهُ أبِي، حَذَفُوا ياءَ المُتَكَلِّمِ وعَوَّضُوا عَنْها تاءً تَعْوِيضًا عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وهو خاصٌّ بِلَفْظِ الأبِ والأُمِّ في النِّداءِ خاصَّةً، ولَعَلَّهُ صِيغَةٌ باقِيَةٌ مِنَ العَرَبِيَّةِ القَدِيمَةِ. ورَأى سِيبَوَيْهِ أنَّ التّاءَ تَصِيرُ في الوَقْفِ هاءً، وخالَفَهُ الفَرّاءُ فَقالَ: بِبَقائِها في الوَقْفِ. والتّاءُ مَكْسُورَةٌ في الغالِبِ لِأنَّها عِوَضٌ عَنِ الياءِ والياءُ بِنْتُ الكَسْرَةِ ولَمّا كَسَرُوها فَتَحُوا الياءَ وبِذَلِكَ قَرَأ الجُمْهُورُ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ (يا أبَتَ) بِفَتْحِ التّاءِ دُونَ ألِفٍ بَعْدَها، بِناءً عَلى أنَّهم يَقُولُونَ (يا أبَتا) بِألِفٍ بَعْدِ التّاءِ لِأنْ ياءَ المُتَكَلِّمِ إذا نُودِيَ يَجُوزُ فَتْحُها وإشْباعُ فَتَحْتِها فَقَرَأهُ عَلى اعْتِبارِ حَذْفِ الألِفِ تَخْفِيفًا وبَقاءِ الفَتْحَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences