Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Maryam 19:43–53
19:43Page 308
يَٰٓأَبَتِ إِنِّي قَدۡ جَآءَنِي مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَمۡ يَأۡتِكَ فَٱتَّبِعۡنِيٓ أَهۡدِكَ صِرَٰطٗا سَوِيّٗا ٤٣
O my father, indeed there has come to me of knowledge that which has not come to you, so follow me; I will guide you to an even path.
﴿يا أبَتِ إنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فاتَّبِعْنِي أهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا﴾
إعادَةُ نِدائِهِ بِوَصْفِ الأُبُوَّةِ تَأْكِيدٌ لِإحْضارِ الذِّهْنِ ولِإمْحاضِ النَّصِيحَةِ المُسْتَفادِ مِنَ النِّداءِ الأوَّلِ. قالَ في الكَشّافِ: ثُمَّ ثَنّى بِدَعْوَتِهِ إلى الحَقِّ مُتَرَفِّقًا بِهِ مُتَلَطِّفًا، فَلَمْ يُسَمِّ أباهُ بِالجَهْلِ المُفْرِطِ ولا نَفْسَهَ بِالعِلْمِ الفائِقِ ولَكِنَّهُ قالَ: إنَّ مَعِي طائِفَةً مِنَ العِلْمِ لَيْسَتْ مَعَكَ، وذَلِكَ عِلْمُ الدَّلالَةِ عَلى الطَّرِيقِ السَّوِيِّ، فَلا تَسْتَنْكِفْ، وهَبْ أنِّي وإيّاكَ في مَسِيرٍ وعِنْدِي مَعْرِفَةٌ بِالهِدايَةِ دُونَكَ فاتَّبِعْنِي أُنْجِكَ مِن أنْ تَضِلَّ وتَتِيهَ اهـ. ذَلِكَ أنَّ أباهُ كانَ يَرى نَفْسَهَ عَلى عِلْمٍ عَظِيمٍ لِأنَّهُ كانَ كَبِيرَ دِيانَةِ قَوْمِهِ. وأرادَ إبْراهِيمُ عِلْمَ الوَحْيِ والنُّبُوءَةِ.وتَفْرِيعُ أمْرِهِ بِأنْ يَتَّبِعَهُ عَلى الإخْبارِ بِما عِنْدَهُ مِنَ العِلْمِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أحَقِّيَّةَ العالَمِ بِأنْ يُتَّبَعَ مَرْكُوزَةٌ في غَرِيزَةِ العُقُولِ لَمْ يَزَلِ
صفحة ١١٦
البَشَرُ يَتَقَصَّوْنَ مَظانَّ المَعْرِفَةِ والعِلْمِ لِجَلْبِ ما يَنْفَعُ واتِّقاءِ ما يَضُرُّ، قالَ تَعالى ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] .
وفِي قَوْلِهِ ﴿أهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا﴾ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ، شُبِّهَ إبْراهِيمُ بِهادِي الطَّرِيقِ البَصِيرِ بِالثَّنايا، وإثْباتُ الصِّراطِ السَّوِيِّ قَرِينَةُ التَّشْبِيهِ، وهو أيْضًا اسْتِعارَةٌ مُصَرِّحَةٌ بِأنْ شُبِّهَ الِاعْتِقادُ المُوصِلُ إلى الحَقِّ والنَّجاةِ بِالطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ المُبَلِّغِ إلى المَقْصُودِ.
ويا أبَتِ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِهِ قَرِيبًا.
19:44Page 308
يَٰٓأَبَتِ لَا تَعۡبُدِ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ كَانَ لِلرَّحۡمَٰنِ عَصِيّٗا ٤٤
O my father, do not worship [i.e., obey] Satan. Indeed Satan has ever been, to the Most Merciful, disobedient.
﴿يا أبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾
إعادَةُ النِّداءِ لِزِيادَةِ تَأْكِيدِ ما أفادَهُ النِّداءُ الأوَّلُ والثّانِي. والمُرادُ بِعِبادَةِ الشَّيْطانِ عِبادَةُ الأصْنامِ، عَبَّرَ عَنْها بِعِبادَةِ الشَّيْطانِ إفْصاحًا عَنْ فَسادِها وضَلالِها، فَإنَّ نِسْبَةَ الضَّلالِ والفَسادِ إلى الشَّيْطانِ مُقَرَّرَةٌ في نُفُوسِ البَشَرِ، ولَكِنِ الَّذِينَ يَتْبَعُونَهُ لا يَفْطِنُونَ إلى حالِهِمْ ويَتَّبِعُونَ وساوِسَهُ تَحْتَ سِتارِ التَّمْوِيهِ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]، فَفي الكَلامِ إيجازٌ لِأنَّ مَعْناهُ: لا تَعْبُدِ الأصْنامَ لِأنَّ اتِّخاذَها مِن تَسْوِيلِ الشَّيْطانِ لِلَّذِينِ اتَّخَذُوها ووَضَعُوها لِلنّاسِ، وعِبادَتَها مِن وساوِسِ الشَّيْطانِ لِلَّذِينِ سَنُّوا سُنَنَ عِبادَتِها، ومِن وساوِسِهِ لِلنّاسِ الَّذِينَ أطاعُوهم في عِبادَتِها، فَمَن عَبَدَ الأصْنامَ فَقَدْ عَبَدَ الشَّيْطانَ وكَفى بِذَلِكَ ضَلالًا مَعْلُومًا.
وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧] . وتَقَدَّمَ في سُورَةِ النِّساءِ. وفي هَذا تَبْغِيضٌ لِعِبادَةِ الأصْنامِ، لِأنَّ في قَرارَةِ نُفُوسِ النّاسِ بُغْضَ الشَّيْطانِ والحَذَرَ مِن كَيْدِهِ.
صفحة ١١٧
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنْ عِبادَتِهِ وعِبادَةِ آثارِ وسْوَسَتِهِ بِأنَّهُ شَدِيدُ العِصْيانِ لِلرَّبِّ الواسِعِ الرَّحْمَةِ. وذِكْرُ وصْفِ عَصِيًّا الَّذِي هو مِن صِيَغِ المُبالَغَةِ في العِصْيانِ مَعَ زِيادَةِ فِعْلِ كانَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا يُفارِقُ عِصْيانَ رَبِّهِ وأنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنهُ، فَلا جَرَمَ أنَّهُ لا يَأْمُرُ إلّا بِما يُنافِي الرَّحْمَةَ، أيْ بِما يُفْضِي إلى النِّقْمَةِ، ولِذَلِكَ اخْتِيرَ وصْفُ الرَّحْمَنِ مِن بَيْنِ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى تَنْبِيهًا عَلى أنَّ عِبادَةَ الأصْنامِ تُوجِبُ غَضَبَ اللَّهِ فَتُفْضِي إلى الحِرْمانِ مِن رَحْمَتِهِ، فَمَن كانَ هَذا حالُهُ فَهو جَدِيرٌ بِأنْ لا يُتْبَعَ.
وإظْهارُ اسْمِ الشَّيْطانِ في مَقامِ الإضْمارِ، إذْ لَمْ يَقُلْ: إنَّهُ كانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا، لِإيضاحِ إسْنادِ الخَبَرِ إلى المُسْنَدِ إلَيْهِ، ولِزِيادَةِ التَّنْفِيرِ مِنَ الشَّيْطانِ، لِأنَّ في ذِكْرِ صَرِيحِ اسْمِهِ تَنْبِيهًا إلى النَّفْرَةِ مِنهُ، ولِتَكُونَ الجُمْلَةُ مَوْعِظَةً قائِمَةً بِنَفْسِها. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى يا أبَتِ قَرِيبًا.
19:45Page 308
يَٰٓأَبَتِ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٞ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيۡطَٰنِ وَلِيّٗا ٤٥
O my father, indeed I fear that there will touch you a punishment from the Most Merciful so you would be to Satan a companion [in Hellfire]."
﴿يا أبَتِ إنِّي أخافُ أنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا﴾
لا جَرَمَ أنَّهُ لَمّا قَرَّرَ أنَّ عِبادَتَهُ الأصْنامَ اتِّباعٌ لِأمْرِ الشَّيْطانِ عَصِيِّ الرَّحْمَنِ انْتَقَلَ إلى تَوَقُّعِ حِرْمانِهِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ بِأنْ يَحُلَّ بِهِ عَذابٌ مِنَ اللَّهِ، فَحَذَّرَهُ مِن عاقِبَةِ أنْ يَصِيرَ مِن أوْلِياءِ الشَّيْطانِ الَّذِينَ لا يَخْتَلِفُ البَشَرُ في مَذَمَّتِهِمْ وسُوءِ عاقِبَتِهِمْ، ولَكِنَّهم يَنْدَمِجُونَ فِيهِمْ عَنْ ضَلالٍ بِمَآلِ حالِهِمْ.
ولِلْإشارَةِ إلى أنَّ أصْلَ حُلُولِ العَذابِ بِمَن يَحُلُّ بِهِ هو الحِرْمانُ مِنَ الرَّحْمَةِ في تِلْكَ الحالَةِ - عَبَّرَ عَنِ الجَلالَةِ بِوَصْفِ الرَّحْمَنِ لِلْإشارَةِ إلى
صفحة ١١٨
أنَّ حُلُولَ العَذابِ مِمَّنْ شَأْنُهُ أنْ يَرْحَمَ إنَّما يَكُونُ لِفَظاعَةِ جُرْمِهِ إلى حَدِّ أنْ يُحْرِمَهُ مِن رَحْمَتِهِ مَن شَأْنُهُ سَعَةُ الرَّحْمَةِ.
والوَلِيُّ: الصّاحِبُ والتّابِعُ ومَن حالُهُما حالٌ واحِدَةٌ وأمْرُهُما جَمِيعٌ، فَكُنِّيَ بِالوِلايَةِ عَنِ المُقارَنَةِ في المَصِيرِ.
والتَّعْبِيرُ بِالخَوْفِ الدّالِّ عَلى الظَّنِّ دُونَ القَطْعِ تَأدُّبٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى بِأنْ لا يُثْبِتَ أمْرًا فِيما هو مِن تَصَرُّفِ اللَّهِ، وإبْقاءً لِلرَّجاءِ في نَفْسِ أبِيهِ لِيَنْظُرَ في التَّخَلُّصِ مِن ذَلِكَ العَذابِ بِالإقْلاعِ عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ. ومَعْنى ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا﴾ فَتَكُونَ في اتِّباعِ الشَّيْطانِ في العَذابِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى يا أبَتِ قَرِيبًا.
19:46Page 308
قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنۡ ءَالِهَتِي يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُۖ لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ لَأَرۡجُمَنَّكَۖ وَٱهۡجُرۡنِي مَلِيّٗا ٤٦
[His father] said, "Have you no desire for my gods, O Abraham? If you do not desist, I will surely stone you, so avoid me a prolonged time."
﴿قالَ أراغِبٌ أنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأرْجُمَنَّكَ واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾
فُصِلَتْ جُمْلَةُ قالَ لِوُقُوعِها في المُحاوَرَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ إنْكارٌ لِتَجافِي إبْراهِيمَ عَنْ عِبادَةِ أصْنامِهِمْ. وإضافَةُ الآلِهَةِ إلى ضَمِيرِ نَفْسِهِ إضافَةُ وِلايَةٍ وانْتِسابٍ إلى المُضافِ لِقَصْدِ تَشْرِيفِ المُضافِ إلَيْهِ. وقَدْ جاءَ في جَوابِهِ دَعْوَةُ ابْنِهِ بِمُنْتَهى الجَفاءِ والعُنْجُهِيَّةِ بِعَكْسِ ما في كَلامِ إبْراهِيمَ مِنَ اللِّينِ والرِّقَّةِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ كانَ قاسِيَ القَلْبِ بَعِيدَ الفَهْمِ، شَدِيدَ التَّصَلُّبِ في الكُفْرِ.
صفحة ١١٩
وجُمْلَةُ ﴿أراغِبٌ أنْتَ﴾ جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وفاعِلٍ سَدَّ مَسَدَّ الخَبَرِ عَلى اصْطِلاحِ النُّحاةِ طَرْدًا لِقَواعِدِ التَّرْكِيبِ اللَّفْظِيِّ، ولَكِنَّهم لَمّا اعْتَبَرُوا الِاسْمَ الواقِعَ ثانِيًا بَعْدَ الوَصْفِ فاعِلًا سادًّا مَسَدَّ الخَبَرِ فَقَدْ أثْبَتُوا لِذَلِكَ الِاسْمِ حُكْمَ المُسْنَدِ إلَيْهِ وصارَ لِلْوَصْفِ المُبْتَدَأِ حُكْمُ المُسْنَدِ. فَمِن أجْلِ ذَلِكَ كانَ المَصِيرُ إلى مِثْلِ هَذا النَّظْمِ في نَظَرِ البُلَغاءِ هو مُقْتَضى كَوْنِ المَقامِ يَتَطَلَّبُ جُمْلَةً اسْمِيَّةً لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ المُسْنَدِ إلَيْهِ، ويَتَطَلَّبُ الِاهْتِمامَ بِالوَصْفِ دُونَ الِاسْمِ لِغَرَضٍ يُوجِبُ الِاهْتِمامَ بِهِ، فَيَلْتَجِئُ البَلِيغُ إلى الإتْيانِ بِالوَصْفِ أوَّلًا والإتْيانِ بِالِاسْمِ ثانِيًا. ولَمّا بَلَغَ الوَصْفُ لَهُ عَمَلَ فِعْلِهِ تَعَيَّنَ عَلى النُّحاةِ اعْتِبارُ الوَصْفِ مُبْتَدَأً لِأنَّ لِلْمُبْتَدَأِ عَراقَةً في الأسْماءِ، واعْتِبارُهُ مَعَ ذَلِكَ مُتَطَلِّبًا فاعِلًا، وجَعَلُوا فاعِلَهُ سادًّا مَسَدَّ الخَبَرِ، فَصارَ لِلتَّرْكِيبِ شَبَهانِ. والتَّحْقِيقُ أنَّهُ في قُوَّةِ خَبَرٍ مُقَدَّمٍ ومُبْتَدَأٍ مُؤَخَّرٍ. ولِهَذا نَظَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ إلى هَذا المَقْصِدِ فَقالَ قُدِّمَ الخَبَرُ عَلى المُبْتَدَأِ في قَوْلِهِ ﴿أراغِبٌ أنْتَ عَنْ آلِهَتِي﴾ لِأنَّهُ كانَ أهَمَّ عِنْدَهَ وهو بِهِ أعْنى اهـ.
ولِلَّهِ دَرُّهُ، وإنْ ضاعَ بَيْنَ أكْثَرِ النّاظِرِينَ دُرُّهُ. فَدَلَّ النَّظْمُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ أبا إبْراهِيمَ يُنْكِرُ عَلى إبْراهِيمَ تَمَكُّنَ الرَّغْبَةِ عَنْ آلِهَتِهِمْ مِن نَفْسِهِ، ويَهْتَمُّ بِأمْرِ الرَّغْبَةِ عَنِ الآلِهَةِ لِأنَّها مَوْضِعُ عَجَبٍ. والنِّداءُ في قَوْلِهِ يا إبْراهِيمُ تَكْمِلَةٌ لِجُمْلَةِ الإنْكارِ والتَّعَجُّبِ، لِأنَّ المُتَعَجَّبَ مِن فِعْلِهِ مَعَ حُضُورِهِ يُقْصَدُ بِنِدائِهِ تَنْبِيهَهُ عَلى سُوءِ فِعْلِهِ، كَأنَّهُ في غَيْبَةٍ عَنْ إدْراكِ فِعْلِهِ، فالمُتَكَلِّمُ يُنْزِلُهُ مَنزِلَةَ الغائِبِ فَيُنادِيهِ لِإرْجاعِ رُشْدِهِ إلَيْهِ، فَيَنْبَغِي الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ يا إبْراهِيمُ.
وجُمْلَةُ ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأرْجُمَنَّكَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ. واللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ تَأْكِيدًا لِكَوْنِهِ راجِمَهُ إنْ لَمْ يَنْتَهِ عَنْ كُفْرِهِ بِآلِهَتِهِمْ.
صفحة ١٢٠
والرَّجْمُ: الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ، وهو كِنايَةٌ مَشْهُورَةٌ في مَعْنى القَتْلِ بِذَلِكَ الرَّمْيِ. وإسْنادُ أبِي إبْراهِيمَ ذَلِكَ إلى نَفْسِهِ يَحْتَمِلُ الحَقِيقَةَ، إمّا لِأنَّهُ كانَ مِن عادَتِهِمْ أنَّ الوالِدَ يَتَحَكَّمُ في عُقُوبَةِ ابْنِهِ، وإمّا لِأنَّهُ كانَ حاكِمًا في قَوْمِهِ. ويَحْتَمِلُ المَجازَ العَقْلِيَّ إذْ لَعَلَّهُ كانَ كَبِيرًا في دِينِهِمْ فَيَرْجُمُ قَوْمُهُ إبْراهِيمَ اسْتِنادًا لِحُكْمِهِ بِمُرُوقِهِ عَنْ دِينِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأرْجُمَنَّكَ﴾، وذَلِكَ أنَّهُ هَدَّدَهُ بِعُقُوبَةٍ آجِلَةٍ إنْ لَمْ يُقْلِعْ عَنْ كُفْرِهِ بِآلِهَتِهِمْ، وبِعُقُوبَةٍ عاجِلَةٍ وهي طَرْدُهُ مِن مُعاشَرَتِهِ وقَطْعُ مُكالَمَتِهِ.
والهَجْرُ: قَطْعُ المُكالَمَةِ وقَطْعُ المُعاشَرَةِ، وإنَّما أمَرَ أبُو إبْراهِيمَ ابْنَهُ بِهِجْرانِهِ ولَمْ يُخْبِرْهُ بِأنَّهُ هو يَهْجُرُهُ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ هَذا الهِجْرانَ في مَعْنى الطَّرْدِ والخَلْعِ إشْعارًا بِتَحْقِيرِهِ.
ومَلِيًّا: طَوِيلًا، وهو فَعِيلٌ، ولا يُعْرَفُ لَهُ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ ولا مَصْدَرٌ. فَمَلِيٌّ مُشْتَقٌّ مِن مَصْدَرٍ مُماتٍ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ لِأنَّهُ يُقالُ: أمْلى لَهُ، إذا أطالَ لَهُ المُدَّةَ، فَيَأْتُونَ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ، فَمَلِيًّا صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ مَنصُوبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ، أيْ هَجْرًا مَلِيًّا، ومِنَ المُلاوَةِ مِنَ الدَّهْرِ لِلْمُدَّةِ المَدِيدَةِ مِنَ الزَّمانِ، وهَذِهِ المادَّةُ تَدُلُّ عَلى كَثْرَةِ الشَّيْءِ. ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الصِّفَةِ لِظَرْفٍ مَحْذُوفٍ، أيْ زَمانًا طَوِيلًا، وبِناءً عَلى أنَّ المَلا - مَقْصُورًا - غالِبٌ في الزَّمانِ فَذِكْرُهُ يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ مَوْصُوفِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ﴾ [القمر: ١٣]، أيْ سَفِينَةٍ ذاتِ ألْواحٍ.
19:47–48Page 308
قَالَ سَلَٰمٌ عَلَيۡكَۖ سَأَسۡتَغۡفِرُ لَكَ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ بِي حَفِيّٗا ٤٧
[Abraham] said, "Peace [i.e., safety] will be upon you.1 I will ask forgiveness for you of my Lord. Indeed, He is ever gracious to me.
وَأَعۡتَزِلُكُمۡ وَمَا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدۡعُواْ رَبِّي عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّٗا ٤٨
And I will leave you and those you invoke other than Allāh and will invoke1 my Lord. I expect that I will not be in invocation to my Lord unhappy [i.e., disappointed]."
صفحة ١٢١
﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيَ إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ ﴿وأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وأدْعُو رَبِّي عَسى ألّا أكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾
سَلامٌ عَلَيْكَ سَلامُ تَوْدِيعٍ ومُشارَكَةٍ. وبادَرَهُ بِهِ قَبْلَ الكَلامِ الَّذِي أعْقَبَهُ بِهِ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَسُوءُهُ ذَلِكَ الهَجْرُ في ذاتِ اللَّهِ تَعالى ومَرْضاتِهِ. ومِن حِلْمِ إبْراهِيمَ أنْ كانَتْ مُشارَكَتُهُ أباهُ مَشُوبَةً بِالإحْسانِ في مُعامَلَتِهِ في آخِرِ لَحْظَةٍ.
والسَّلامُ: السَّلامَةُ: وعَلى لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ وهو التَّمَكُّنُ. وهَذِهِ كَلِمَةُ تَحِيَّةٍ وإكْرامٍ، وتَقَدَّمَتْ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾ [مريم: ١٥] . وأظْهَرَ حِرْصَهُ عَلى هُداهُ فَقالَ ﴿سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ أيْ أطْلُبُ مِنهُ لَكَ المَغْفِرَةَ مِن هَذا الكُفْرِ، بِأنْ يَهْدِيَهُ اللَّهُ إلى التَّوْحِيدِ فَيَغْفِرَ لَهُ الشِّرْكَ الماضِيَ، إذْ لَمْ يَكُنْ إبْراهِيمُ تَلَقّى نَهْيًا مِنَ اللَّهِ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِ. وهَذا ظاهِرُ ما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] . واسْتِغْفارُهُ لَهُ هو المَحْكِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٨٦] . وجُمْلَةُ أسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي مُسْتَأْنَفَةٌ، وعَلّامَةُ الِاسْتِقْبالِ والفِعْلِ المُضارِعِ مُؤْذِنانِ بِأنَّهُ يُكَرِّرُ الِاسْتِغْفارَ في المُسْتَقْبَلِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ تَعْلِيلٌ لِما يَتَضَمَّنُهُ الوَعْدُ بِالِاسْتِغْفارِ مِن رَجاءِ المَغْفِرَةِ اسْتِجابَةً لِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ بِأنْ يُوَفِّقَ اللَّهُ أبا إبْراهِيمَ لِلتَّوْحِيدِ ونَبْذِ الإشْراكِ.
صفحة ١٢٢
والحَفِيُّ: الشَّدِيدُ البِرِّ والإلْطافِ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ [الأعراف: ١٨٧] .
وجُمْلَةُ وأعْتَزِلُكم عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾، أيْ يَقَعُ الِاسْتِغْفارُ في المُسْتَقْبَلِ ويَقَعُ اعْتِزالِي إيّاكُمُ الآنَ، لِأنَّ المُضارِعَ غالِبٌ في الحالِ. أظْهَرَ إبْراهِيمُ العَزْمَ عَلى اعْتِزالِهِمْ وأنَّهُ لا يَتَوانى في ذَلِكَ ولا يَأْسَفُ لَهُ إذا كانَ في ذاتِ اللَّهِ تَعالى، وهو المَحْكِيُّ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩]، وقَدْ خَرَجَ مِن بَلَدِ الكِلْدانِ عازِمًا عَلى الِالتِحاقِ بِالشّامِ حَسَبَ أمْرِ اللَّهِ تَعالى.
رَأى إبْراهِيمُ أنَّ هِجْرانَهُ أباهُ غَيْرُ مُغْنٍ، لِأنَّ بَقِيَّةَ القَوْمِ عَلى رَأْيِ أبِيهِ فَرَأى أنْ يَهْجُرَهم جَمِيعًا، ولِذَلِكَ قالَ لَهُ وأعْتَزِلُكم.
وضَمِيرُ جَماعَةِ المُخاطَبِينَ عائِدٌ إلى إبْراهِيمَ وقَوْمِهِ تَنْزِيلًا لَهم مَنزِلَةَ الحُضُورِ في ذَلِكَ المَجْلِسِ، لِأنَّ أباهُ واحِدٌ مِنهم وأمْرَهم سَواءٌ، أوْ كانَ هَذا المَقالُ جَرى بِمَحْضَرِ جَماعَةٍ مِنهم.
وعُطِفَ عَلى ضَمِيرِ القَوْمِ أصْنامَهم لِلْإشارَةِ إلى عَداوَتِهِ لِتِلْكَ الأصْنامِ إعْلانًا بِتَغْيِيرِ المُنْكَرِ.
وعَبَّرَ عَنِ الأصْنامِ بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ بِقَوْلِهِ ﴿وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ لِلْإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ وعِلَّةِ اعْتِزالِهِ إيّاهم وأصْنامَهم: بِأنَّ تِلْكَ الأصْنامَ تُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ وأنَّ القَوْمَ يَعْبُدُونَها، فَلِذَلِكَ وجْهُ اعْتِزالِهِ إيّاهم وأصْنامَهم.
والدُّعاءُ: العِبادَةُ، لِأنَّها تَسْتَلْزِمُ دُعاءَ المَعْبُودِ.
وزادَ عَلى الإعْلانِ بِاعْتِزالِ أصْنامِهِمُ الإعْلانَ بِأنَّهُ يَدْعُوَ اللَّهَ احْتِراسًا مِن أنْ يَحْسَبُوا أنَّهُ نَوى مُجَرَّدَ اعْتِزالِ عِبادَةِ أصْنامِهِمْ فَرُبَّما
صفحة ١٢٣
اقْتَنَعُوا بِإمْساكِهِ عَنْهم، ولِذا بَيَّنَ لَهم أنَّهُ بِعَكْسِ ذَلِكَ يَدْعُو اللَّهَ الَّذِي لا يَعْبُدُونَهُ.
وعُبِّرَ عَنِ اللَّهِ بِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ المُضافِ إلى ضَمِيرِ نَفْسِهِ لِلْإشارَةِ إلى انْفِرادِهِ مِن بَيْنِهِمْ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى فَهو رَبُّهُ وحْدَهُ مِن بَيْنِهِمْ، فالإضافَةُ هُنا تُفِيدُ مَعْنى القَصْرِ الإضافِيِّ، مَعَ ما تَتَضَمَّنُهُ الإضافَةُ مِنَ الِاعْتِزازِ بِرُبُوبِيَّةِ اللَّهِ إيّاهُ والتَّشْرِيفِ لِنَفْسِهِ بِذَلِكَ. وجُمْلَةُ ﴿عَسى ألّا أكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ وأدْعُو، أيْ راجِيًا أنْ لا أكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا. وتَقَدَّمَ مَعْناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤] في هَذِهِ السُّورَةِ. وفي إعْلانِهِ هَذا الرَّجاءَ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم أشْقِياءُ بِدُعاءِ آلِهَتِهِمْ.
19:49–50Page 308
فَلَمَّا ٱعۡتَزَلَهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۖ وَكُلّٗا جَعَلۡنَا نَبِيّٗا ٤٩
So when he had left them and those they worshipped other than Allāh, We gave him Isaac and Jacob, and each [of them] We made a prophet.
وَوَهَبۡنَا لَهُم مِّن رَّحۡمَتِنَا وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ لِسَانَ صِدۡقٍ عَلِيّٗا ٥٠
And We gave them of Our mercy, and We made for them a mention [i.e., reputation] of high honor.
﴿فَلَمّا اعْتَزَلَهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ وكُلًّا جَعَلْنا نَبِيئًا﴾ ﴿ووَهَبْنا لَهم مِن رَحْمَتِنا وجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ .
طُوِيَ ذِكْرُ اعْتِزالِهِ إيّاهم بَعْدَ أنْ ذُكِرَ عَزْمُهُ عَلَيْهِ إيجازًا في الكَلامِ لِلْعِلْمِ بِأنَّ مِثْلَهُ لا يَعْزِمُ أمْرًا إلّا نَفَّذَ عَزْمَهُ، واكْتِفاءً بِذِكْرِ ما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِن جَعْلِ عَزْمِهِ حَدَثًا واقِعًا قَدْ حَصَلَ جَزاؤُهُ عَلَيْهِ مِن رَبِّهِ، فَلِأنَّهُ لَمّا اعْتَزَلَ أباهُ وقَوْمَهُ واسْتَوْحَشَ بِذَلِكَ الفِراقِ وهَبَهُ اللَّهُ ذَرِّيَّةً يَأْنَسُ لَهم إذْ وهَبَهُ إسْحاقَ ابْنَهُ، ويَعْقُوبَ ابْنَ ابْنِهِ، وجَعَلَهُما نَبِيئَيْنِ. وحَسْبُكَ بِهَذا مَكْرُمَةً لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ.
ولَيْسَ مُجازاةُ اللَّهِ إبْراهِيمَ مَقْصُورَةً عَلى أنْ وهَبَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ، إذْ لَيْسَ في الكَلامِ ما يَقْتَضِي الِانْحِصارُ، فَإنَّهُ قَدْ وهَبَهُ إسْماعِيلَ
صفحة ١٢٤
أيْضًا، وظَهَرَتْ مَوْهِبَتُهُ إيّاهُ قَبْلَ ظُهُورِ مَوْهِبَةِ إسْحاقَ، وكُلُّ ذَلِكَ بَعْدَ أنِ اعْتَزَلَ قَوْمَهُ.
وإنَّما اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ دُونَ ذِكْرِ إسْماعِيلَ فَلَمْ يَقُلْ: وهَبَنا لَهُ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ، لِأنَّ إبْراهِيمَ لَمّا اعْتَزَلَ قَوْمَهُ خَرَجَ بِزَوْجِهِ سارَةَ قَرِيبَتِهِ، فَهي قَدِ اعْتَزَلَتْ قَوْمَها أيْضًا إرْضاءً لِرَبِّها ولِزَوْجِها، فَذَكَرَ اللَّهُ المَوْهِبَةَ الشّامِلَةَ لِإبْراهِيمَ ولِزَوْجِهِ، وهي أنْ وهَبَ لَهُما إسْحاقَ وبَعْدَهُ يَعْقُوبَ، ولِأنَّ هَذِهِ المَوْهِبَةَ لَمّا كانَتْ كِفاءً لِإبْراهِيمَ عَلى مُفارَقَتِهِ أباهُ وقَوْمَهُ كانَتْ مَوْهِبَةَ مَن يُعاشِرُ إبْراهِيمَ ويُؤْنِسُهُ وهُما إسْحاقُ ويَعْقُوبُ. أمّا إسْماعِيلُ فَقَدْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَكُونَ بَعِيدًا عَنْ إبْراهِيمَ في مَكَّةَ لِيَكُونَ جارَ بَيْتِ اللَّهِ. وإنَّهُ لَجِوارٌ أعْظَمُ مِن جِوارِ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ أباهُما.
وقَدْ خُصَّ إسْماعِيلُ بِالذِّكْرِ اسْتِقْلالًا عَقِبَ ذَلِكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ [ص: ٤٥] ثُمَّ قالَ ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ﴾ [ص: ٤٨] في سُورَةِ ص، وقَدْ قالَ في آيَةِ الصّافّاتِ ﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠] ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١] إلى أنْ قالَ (﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيئًا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢]) فَذُكِرَ هُنالِكَ إسْماعِيلُ عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] إذْ هو المُرادُ بِالغُلامِ الحَلِيمِ.
والمُرادُ بِالهِبَةِ هُنا: تَقْدِيرُ ما في الأزَلِ عِنْدَ اللَّهِ لِأنَّ ازْدِيادَ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كانَ بَعْدَ خُرُوجِ إبْراهِيمَ بِمُدَّةٍ بَعْدَ أنْ سَكَنَ أرْضَ كَنْعانَ وبَعْدَ أنِ اجْتازَ بِمِصْرَ ورَجَعَ مِنها. وكَذَلِكَ ازْدِيادُ إسْماعِيلَ كانَ بَعْدَ خُرُوجِهِ بِمُدَّةٍ وبَعْدَ أنِ اجْتازَ بِمِصْرَ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ وفي التَّوْراةِ، أوْ أُرِيدَ حِكايَةُ هِبَةِ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ فِيما مَضى بِالنِّسْبَةِ إلى زَمَنِ نُزُولِ القُرْآنِ تَنْبِيهًا بِأنَّ ذَلِكَ جَزاؤُهُ عَلى إخْلاصِهِ.
صفحة ١٢٥
والنُّكْتَةُ في ذِكْرِ يَعْقُوبَ أنَّ إبْراهِيمَ رَآهُ حَفِيدًا وسُرَّ بِهِ، فَقَدْ وُلِدَ يَعْقُوبُ قَبْلَ مَوْتِ إبْراهِيمَ بِخَمْسَ عَشَرَ سَنَةً، وأنَّ مِن يَعْقُوبَ نَشَأتْ أُمَّةٌ عَظِيمَةٌ.
وحَرْفُ (لَمّا) حَرْفُ وُجُودٍ لِوُجُودٍ، أيْ يَقْتَضِي وُجُودَ جَوابِهِ لِأجْلِ وُجُودِ شَرْطِها، وقَدْ تَكُونُ بَيْنَهُما فَتْرَةٌ فَتَدُلُّ عَلى مُجَرَّدِ الجَزائِيَّةِ، أيِ التَّعْلِيلِ دُونَ تَوْقِيتٍ، وذَلِكَ كَما هُنا.
وضَمِيرُ (لَهم) عائِدٌ إلى إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ و(مِن) في قَوْلِهِ ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ﴾ [الصافات: ١١٣] إمّا حَرْفُ تَبْعِيضٍ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ وهَبْنا، أيْ مَوْهُوبًا مِن رَحْمَتِنا. وإمّا اسْمٌ بِمَعْنى بَعْضٍ بِتَأْوِيلٍ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: ٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وإنْ كانَ النُّحاةُ لَمْ يُثْبِتُوا لِكَلِمَةٍ مِنِ اسْتِعْمالِها اسْمًا كَما أثْبَتُوا ذَلِكَ لِكَلِماتِ الكافِ وعَنْ وعَلى، لَكِنَّ بَعْضَ مَوارِدِ الِاسْتِعْمالِ تَقْتَضِيهِ، كَما قالَهُ التَّفْتَزانِيُّ في حاشِيَةِ الكَشّافِ، وأقَرَّهُ عَبْدُ الحَكِيمِ. وعَلى هَذا تَكُونُ مِن في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِفِعْلِ وهَبْنا، أيْ وهَبْنا لَهم بَعْضَ رَحْمَتِنا، وهي النُّبُوءَةُ لِأنَّها رَحْمَةٌ لَهم ولِمَن أُرْسِلُوا إلَيْهِمْ.
واللِّسانُ: مَجازٌ في الذِّكْرِ والثَّناءِ.
ووَصْفُ ”لِسانَ“ بِ ”صِدْقٍ“ وصْفًا بِالمَصْدَرِ.
الصِّدْقُ: بُلُوغُ كَمالِ نَوْعِهِ، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، فَلِسانُ الصِّدْقِ ثَناءُ الخَيْرِ والتَّبْجِيلُ. ووُصِفَ بِالعُلُوِّ مَجازًا لِشَرَفِ ذَلِكَ الثَّناءِ.
صفحة ١٢٦
وقَدْ رُتِّبَ جَزاءُ اللَّهِ إبْراهِيمَ عَلى نَبْذِهِ أهْلَ الشِّرْكِ تَرْتِيبًا بَدِيعًا إذْ جُوزِيَ بِنِعْمَةِ الدُّنْيا وهي العَقِبُ الشَّرِيفُ، ونِعْمَةِ الآخِرَةِ وهي الرَّحْمَةُ، وبِأثَرِ تَيْنِكَ النِّعْمَتَيْنِ وهو لِسانُ الصِّدْقِ، إذْ لا يُذْكَرُ بِهِ إلّا مَن حَصَّلَ النِّعْمَتَيْنِ.
وتَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في نَبِيئًا عِنْدَ ذِكْرِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
19:51–53Page 308
وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مُوسَىٰٓۚ إِنَّهُۥ كَانَ مُخۡلَصٗا وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا ٥١
And mention in the Book, Moses. Indeed, he was chosen, and he was a messenger and a prophet.1
وَنَٰدَيۡنَٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلۡأَيۡمَنِ وَقَرَّبۡنَٰهُ نَجِيّٗا ٥٢
And We called him from the side of the mount1 at [his] right and brought him near, confiding [to him].
وَوَهَبۡنَا لَهُۥ مِن رَّحۡمَتِنَآ أَخَاهُ هَٰرُونَ نَبِيّٗا ٥٣
And We gave him out of Our mercy his brother Aaron as a prophet.
﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مُوسى إنَّهُ كانَ مُخْلَصًا وكانَ رَسُولًا نَبِيئًا﴾ ﴿ونادَيْناهُ مِن جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ وقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ ﴿ووَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيئًا﴾
أفْضَتْ مُناسَبَةُ ذِكْرِ إبْراهِيمَ ويَعْقُوبَ إلى أنْ يُذْكَرَ مُوسى في هَذا المَوْضِعِ لِأنَّهُ أشْرَفُ نَبِيءٍ مِن ذُرِّيَّةِ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ.والقَوْلُ في جُمْلَةِ واذْكُرْ وجُمْلَةِ إنَّهُ كانَ كالقَوْلِ في نَظِيرَيْهِما في ذِكْرِ إبْراهِيمَ عَدا أنَّ الجُمْلَةَ هُنا غَيْرُ مُعْتَرِضَةٍ بَلْ مُجَرَّدُ اسْتِئْنافٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (مُخْلِصًا) بِكَسْرِ اللّامِ مِن أخْلَصَ القاصِرِ إذا كانَ الإخْلاصُ صِفَتَهُ. والإخْلاصُ في أمْرٍ ما: الإتْيانُ بِهِ غَيْرَ مَشُوبٍ بِتَقْصِيرٍ ولا تَفْرِيطٍ ولا هَوادَةٍ، مُشْتَقٌّ مِنَ الخُلُوصِ، وهو التَّمَحُّضُ وعَدَمُ الخَلْطِ. والمُرادُ هُنا: الإخْلاصُ فِيما هو شَأْنُهُ، وهو الرِّسالَةُ بِقَرِينَةِ المَقامِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِفَتْحِ اللّامِ مِن أخْلَصَهُ، إذا اصْطَفاهُ.
صفحة ١٢٧
وخُصَّ مُوسى بِعُنْوانِ (المُخْلِصِ) عَلى الوَجْهَيْنِ لِأنَّ ذَلِكَ مَزِيَّتُهُ، فَإنَّهُ أخْلَصَ في الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ فاسْتَخَفَّ بِأعْظَمِ جَبّارٍ وهو فِرْعَوْنُ، وجادَلَهُ مُجادَلَةَ الأكْفاءِ، كَما حَكى اللَّهُ عَنْهُ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الشُّعَراءِ ﴿قالَ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٨] ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩] إلى قَوْلِهِ ﴿قالَ أوَ لَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ٢٩] . وكَذَلِكَ ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﴿قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧]، فَكانَ الإخْلاصُ في أداءِ أمانَةِ اللَّهِ تَعالى مِيزَتَهُ.
ولِأنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ لِكَلامِهِ مُباشَرَةً قَبْلَ أنْ يُرْسِلَ إلَيْهِ المَلَكَ بِالوَحْيِ، فَكانَ مُخْلَصًا بِذَلِكَ، أيْ مُصْطَفًى، لِأنَّ ذَلِكَ مَزِيَّتُهُ قالَ تَعالى ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: ٤١] . والجَمْعُ بَيْنَ وصْفِ مُوسى لِأنَّهُ رَسُولٌ ونَبِيءٌ. وعُطِفَ (نَبِيئًا) عَلى رَسُولًا مَعَ أنَّ الرَّسُولَ بِالمَعْنى الشَّرْعِيِّ أخَصُّ مِنَ النَّبِيءِ، فَلِأنَّ الرَّسُولَ هو المُرْسَلُ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ لِيُبَلِّغَ إلى النّاسِ فَلا يَكُونُ الرَّسُولُ إلّا نَبِيئًا، وأمّا النَّبِيءُ فَهو المُنَبَّأُ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ وإنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِتَبْلِيغِهِ، فَإذا لَمْ يُؤْمَرْ بِالتَّبْلِيغِ فَهو نَبِيءٌ ولَيْسَ رَسُولًا، فالجَمْعُ بَيْنَهُما هُنا لِتَأْكِيدِ الوَصْفِ، إشارَةً إلى أنَّ رِسالَتَهُ بَلَغَتْ مَبْلَغًا قَوِيًّا، فَقَوْلُهُ (نَبِيئًا) تَأْكِيدٌ لَوَصْفِ رَسُولًا.
وتَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في لَفْظِ نَبِيئًا عِنْدَ ذِكْرِ إبْراهِيمَ.
وجُمْلَةُ ونادَيْناهُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ إنَّهُ كانَ مُخْلِصًا فَهي مِثْلُها مُسْتَأْنَفَةٌ.
والنِّداءُ: الكَلامُ الدّالُّ عَلى طَلَبِ الإقْبالِ، وأصْلُهُ: جَهْرُ الصَّوْتِ لِإسْماعِ البَعِيدِ، فَأُطْلِقَ عَلى طَلَبِ إقْبالِ أحَدٍ مَجازًا مُرْسَلًا، ومِنهُ
صفحة ١٢٨
﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ النَّدى بِفَتْحِ النُّونِ وبِالقَصْرِ وهو بُعْدُ الصَّوْتِ. ولَمْ يُسْمَعْ فِعْلُهُ إلّا بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ، ولَيْسَتْ بِحُصُولِ فِعْلٍ مِن جانِبَيْنِ بَلِ المُفاعَلَةُ لِلْمُبالَغَةِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلّا دُعاءً ونِداءً﴾ [البقرة: ١٧١] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وعِنْدَ قَوْلِهِ ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإيمانِ﴾ [آل عمران: ١٩٣] في آلِ عِمْرانَ. وهَذا النِّداءُ هو الكَلامُ المُوَجَّهُ إلَيْهِ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى، قالَ تَعالى ﴿إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ بِرِسالاتِي وبِكَلامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] في سُورَةِ الأعْرافِ. وتَقَدَّمَ تَحْقِيقُ صِفَتِهِ هُناكَ وعِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] في سُورَةِ بَراءَةَ.
والطُّورُ: الجَبَلُ الواقِعُ بَيْنَ بِلادِ الشّامِ ومِصْرَ، ويُقالُ: لَهُ طُورُ سَيْناءَ. وجانِبُهُ: ناحِيَتُهُ السُّفْلى، ووَصْفُهُ بِ ”الأيْمَنَ“ لِأنَّهُ الَّذِي عَلى يَمِينِ مُسْتَقْبِلِ مَشْرِقِ الشَّمْسِ، لِأنَّ جِهَةَ الشَّمْسِ هي الجِهَةُ الَّتِي يَضْبُطُ بِها البَشَرُ النَّواحِيَ.
والتَّقْرِيبُ: أصْلُهُ الجَعْلُ بِمَكانِ القُرْبِ، وهو الدُّنُوُّ وهو ضِدُّ البُعْدِ. وأُرِيدَ هُنا القُرْبُ المَجازِيُّ وهو الوَحْيُ. فَقَوْلُهُ (نَجِيًّا) حالٌ مِن ضَمِيرِ (مُوسى)، وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَعْنى التَّقْرِيبِ.
ونَجِيٌّ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِنَ المُناجاةِ. وهي المُحادَثَةُ السِّرِّيَّةُ؛ شُبِّهَ الكَلامُ الَّذِي لَمْ يُكَلِّمْ بِمِثْلِهِ أحَدًا ولا أطْلَعَ عَلَيْهِ أحَدًا، بِالمُناجاةِ. وفَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، يَجِيءُ مِنَ الفِعْلِ المَزِيدِ المُجَرَّدِ بِحَذْفِ حَرْفِ الزِّيادَةِ، مِثْلَ جَلِيسٍ ونَدِيمٍ ورَضِيعٍ.
ومَعْنى هِبَةِ أخِيهِ لَهُ: أنَّ اللَّهَ عَزَّزَهُ بِهِ وأعانَهُ بِهِ، إذْ جَعَلَهُ نَبِيئًا وأمَرَهُ أنْ يُرافِقَهُ في الدَّعْوَةِ، لِأنَّ في لِسانِ مُوسى حُبْسَةً، وكانَ هارُونُ
صفحة ١٢٩
فَصِيحُ اللِّسانِ. فَكانَ يَتَكَلَّمُ عَنْ مُوسى بِما يُرِيدُ إبْلاغَهُ، وكانَ يَسْتَخْلِفُهُ في مُهِمّاتِ الأُمَّةِ. وإنَّما جُعِلَتْ تِلْكَ الهِبَةُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ لِأنَّ اللَّهَ رَحِمَ مُوسى إذْ يَسَّرَ لَهُ أخًا فَصِيحَ اللِّسانِ، وأكْمَلَهُ بِالثَّناءِ حَتّى يَعْلَمَ مُرادَ مُوسى مِمّا يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى. ولَمْ يُوصَفْ هارُونُ بِأنَّهُ رَسُولٌ إذْ لَمْ يُرْسِلْهُ اللَّهُ تَعالى وإنَّما جَعَلَهُ مُبَلِّغًا عَنْ مُوسى. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى (﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧]) فَهو مِنَ التَّغْلِيبِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences