Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
مريم
Maryam
Mary · Meccan · 98 ayahs
﴿كهيعص﴾
حُرُوفُ هِجاءٍ مَرْسُومَةٌ بِمُسَمَّياتِها ومَقْرُوءَةٌ بِأسْمائِها فَكَأنَّها كُتِبَتْ لِمَن يَتَهَجّاها. وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَجْمُوعِ نَظائِرِها. وفي المُخْتارِ مِنَ الأقْوالِ مِنها في سُورَةِ البَقَرَةِ وكَذَلِكَ مَوْقِعُها مِنَ الكَلامِ.
والأصْلُ في النُّطْقِ بِهَذِهِ الحُرُوفِ أنْ يَكُونَ كُلُّ حَرْفٍ مِنها مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، لِأنَّ الأصْلَ فِيها أنَّها تِعْدادُ حُرُوفٍ مُسْتَقِلَّةٍ أوْ مُخْتَزَلَةٍ مِن كَلِماتٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ جَمِيعَ أسْماءِ هَذِهِ الحُرُوفِ الخَمْسَةِ بِإخْلاصِ الحَرَكاتِ والسُّكُونِ بِإسْكانِ أواخِرِ أسْمائِها.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبُ اسْمَ الحَرْفِ الثّانِي وهو (ها) بِالإمالَةِ. وفي رِوايَةٍ عَنْ نافِعٍ وابْنِ كَثِيرٍ قَرَأ (ها) بِحَرَكَةٍ بَيْنَ الكَسْرِ والفَتْحِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ (يا) بِالإمالَةِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ بِإظْهارِ دالِ (صادْ) . وقَرَأ الباقُونَ بِإدْغامِهِ في ذالِ ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٢] . وإنَّما لَمْ يُمَدْ (ها) و(يا) مَعَ أنَّ القارِئَ إنَّما يَنْطِقُ بِأسْماءِ هَذِهِ الحُرُوفِ
صفحة ٦١
الَّتِي في أوائِلِ السُّورِ لا بِمُسَمَّياتِها المَكْتُوبَةِ أشْكالُها، واسْما هَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ مَخْتُومانِ بِهَمْزَةٍ مُخَفَّفَةٍ لِلْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ في طالِعِ سُورَةِ يُونُسَ وهو التَّخْفِيفُ بِإزالَةٍ لِأجْلِ السَّكْتِ.
واعْلَمْ أنَّكَ إنْ جَرَيْتَ عَلى غَيْرِ المُخْتارِ في مَعانِي فَواتِحِ السُّوَرِ، فَأمّا الأقْوالُ الَّتِي جَعَلَتِ الفَواتِحَ كُلَّها مُتَّحِدَةً في المُرادِ فالأمْرُ ظاهِرٌ، وأمّا الأقْوالُ الَّتِي خَصَّتْ بَعْضَها بِمَعانٍ، فَقِيلَ في مَعْنى ﴿كهيعص﴾ إنَّ حُرُوفَها مُقْتَضَبَةٌ مِن أسْمائِهِ تَعالى: الكافِي أوِ الكَرِيمِ أوَ الكَبِيرِ، والهاءُ مِن هادِي، والياءُ مِن حَكِيمٍ أوْ رَحِيمٍ، والعَيْنُ مِنَ العَلِيمِ أوَ العَظِيمِ، والصّادُ مِنَ الصّادِقِ، وقِيلَ مَجْمُوعُها اسْمٌ مِن أسْمائِهِ تَعالى، حَتّى قِيلَ هو الِاسْمُ الأعْظَمُ الَّذِي إذا دُعِيَ بِهِ أجابَ، وقِيلَ اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، أيْ بِتَسْمِيَةٍ جَدِيدَةٍ، ولَيْسَ في ذَلِكَ حَدِيثٌ يُعْتَمَدُ.
19:2–3Page 305
ذِكۡرُ رَحۡمَتِ رَبِّكَ عَبۡدَهُۥ زَكَرِيَّآ ٢
[This is] a mention of the mercy of your Lord to His servant Zechariah
إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥ نِدَآءً خَفِيّٗا ٣
When he called to his Lord a private call [i.e., supplication].
﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّاءَ﴾ ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾
افْتِتاحُ كَلامٍ، فَيَتَعَيَّنُ أنَّ ذِكْرُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، مِثْلُهُ شائِعُ الحَذْفِ في أمْثالِ هَذا مِنَ العَناوِينِ. والتَّقْدِيرُ: هَذا ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ. وهو بِمَعْنى: اذْكُرْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ أصْلُهُ مَفْعُولًا مُطْلَقًا نائِبًا عَنْ عامِلِهِ بِمَعْنى الأمْرِ، أيِ اذْكُرْ ذِكْرًا، ثُمَّ حُوِّلَ عَنِ النَّصْبِ إلى الرَّفْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ كَما حُوِّلَ في قَوْلِهِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢] . وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الفاتِحَةِ. ويُرَجِّحُهُ عَطْفُ ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ﴾ [مريم: ١٦] ونَظائِرُهُ.
وقَدْ جاءَ نَظْمُ هَذا الكَلامِ عَلى طَرِيقَةٍ بَدِيعَةٍ مِنَ الإيجازِ والعُدُولِ عَنِ الأُسْلُوبِ المُتَعارَفِ في الإخْبارِ، وأصْلُ الكَلامِ: ذِكْرُ عَبْدِنا
صفحة ٦٢
زَكَرِيّاءَ إذْ نادى رَبَّهُ فَقالَ: رَبِّ إلَخْ. . . فَرَحْمَةُ رَبِّكَ، فَكانَ في تَقْدِيمِ الخَبَرِ بِأنَّ اللَّهَ رَحِمَهُ اهْتِمامٌ بِهَذِهِ المَنقَبَةِ لَهُ، والإنْباءُ بِأنَّ اللَّهَ يَرْحَمُ مَنِ التَجَأ إلَيْهِ، مَعَ ما في إضافَةِ رَبِّ إلى ضَمِيرِ النَّبِيءِ ﷺ وإلى ضَمِيرِ زَكَرِيّاءَ مِنَ التَّنْوِيهِ بِهِما.
وافْتُتِحَتْ قِصَّةُ مَرْيَمَ وعِيسى بِما يَتَّصِلُ بِها مِن شُئُونِ آلِ بَيْتِ مَرْيَمَ وكافِلِها لِأنَّ في تِلْكَ الأحْوالِ كُلِّها تَذْكِيرًا بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وكَرامَتِهِ لِأوْلِيائِهِ.
وزَكَرِيّاءُ نَبِيءٌ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، وهو زَكَرِيّاءُ الثّانِي زَوْجُ خالَةِ مَرْيَمَ، ولَيْسَ لَهُ كِتابٌ في أسْفارِ التَّوْراةِ، وأمّا الَّذِي لَهُ كِتابٌ فَهو زَكَرِيّاءُ بْنُ بَرْخِيا الَّذِي كانَ مَوْجُودًا في القَرْنِ السّادِسِ قَبْلَ المَسِيحِ. وقَدْ مَضَتْ تَرْجَمَةُ زَكَرِيّاءَ الثّانِي في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ ومَضَتْ قِصَّةُ دُعائِهِ هُنالِكَ.
و﴿إذْ نادى رَبَّهُ﴾ ظَرْفٌ لِـ رَحْمَةِ، أيْ رَحْمَةِ اللَّهِ إيّاهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، أوْ بَدَلٌ مِن ذِكْرُ، أيِ اذْكُرْ ذَلِكَ الوَقْتَ.
والنِّداءُ: أصْلُهُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِطَلَبِ الإقْبالِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإيمانِ﴾ [آل عمران: ١٩٣] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وقَوْلِهِ ﴿ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها﴾ [الأعراف: ٤٣] في سُورَةِ الأعْرافِ. ويُطْلَقُ النِّداءُ كَثِيرًا عَلى الكَلامِ الَّذِي فِيهِ طَلَبُ إقْبالِ الذّاتِ لِعَمَلٍ أوْ إقْبالِ الذِّهْنِ لِوَعْيِ كَلامٍ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ الحُرُوفُ الَّتِي يُفْتَتَحُ بِها طَلَبُ الإقْبالِ حُرُوفَ النِّداءِ. ويُطْلَقُ عَلى الدُّعاءِ بِطَلَبِ حاجَةٍ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ نِداءٌ لِأنَّ شَأْنَ الدُّعاءِ في المُتَعارَفِ أنْ يَكُونَ جَهْرًا، أيْ تَضَرُّعًا لِأنَّهُ أوْقَعُ في نَفْسِ المَدْعُوِّ. ومَعْنى الكَلامِ: أنَّ زَكَرِيّاءَ قالَ: يا رَبِّ، بِصَوْتٍ خَفِيٍّ. وإنَّما كانَ خَفِيًّا لِأنَّ زَكَرِيّاءَ رَأى أنَّهُ أدْخَلَ في الإخْلاصِ مَعَ رَجائِهِ أنَّ اللَّهَ يُجِيبُ دَعْوَتَهُ لِئَلّا تَكُونَ اسْتِجابَتُهُ مِمّا يَتَحَدَّثُ بِهِ النّاسُ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَدْعُهُ تَضَرُّعًا وإنْ كانَ التَّضَرُّعُ أعْوَنَ عَلى صِدْقِ
صفحة ٦٣
التَّوَجُّهِ غالِبًا. فَلَعَلَّ يَقِينَ زَكَرِيّاءَ كافٍ في تَقْوِيَةِ التَّوَجُّهِ. فاخْتارَ لِدُعائِهِ السَّلامَةَ مِن مُخالَطَةِ الرِّياءِ. ولا مُنافاةَ بَيْنَ كَوْنِهِ نِداءً وكَوْنِهِ خَفِيًّا، لِأنَّهُ نِداءُ مَن يَسْمَعُ الخَفاءَ.
والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ: اسْتِجابَةُ دُعائِهِ، كَما سَيُصَرِّحُ بِهِ بِقَوْلِهِ (﴿يا زَكَرِيّاءُ إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى﴾ [مريم: ٧]) وإنَّما حُكِيَ في الآيَةِ وصْفُ دُعاءِ زَكَرِيّاءَ كَما وقَعَ فَلَيْسَ فِيها إشْعارٌ بِالثَّناءِ عَلى إخْفاءِ الدُّعاءِ.
19:4–6Page 305
قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ ٱلۡعَظۡمُ مِنِّي وَٱشۡتَعَلَ ٱلرَّأۡسُ شَيۡبٗا وَلَمۡ أَكُنۢ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّٗا ٤
He said, "My Lord, indeed my bones have weakened, and my head has filled1 with white, and never have I been in my supplication to You, my Lord, unhappy [i.e., disappointed].
وَإِنِّي خِفۡتُ ٱلۡمَوَٰلِيَ مِن وَرَآءِي وَكَانَتِ ٱمۡرَأَتِي عَاقِرٗا فَهَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا ٥
And indeed, I fear the successors1 after me, and my wife has been barren, so give me from Yourself an heir
يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنۡ ءَالِ يَعۡقُوبَۖ وَٱجۡعَلۡهُ رَبِّ رَضِيّٗا ٦
Who will inherit me1 and inherit from the family of Jacob. And make him, my Lord, pleasing [to You]."
﴿قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ ﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِيَ وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ ﴿يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾
جُمْلَةُ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿نادى رَبَّهُ﴾ [مريم: ٣] . وهي وما بَعْدَها تَمْهِيدٌ لِلْمَقْصُودِ مِنَ الدُّعاءِ وهو قَوْلُهُ ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ . وإنَّما كانَ ذَلِكَ تَمْهِيدًا لِما يَتَضَمَّنُهُ مِنِ اضْطِرارِهِ لِسُؤالِ الوَلَدِ. واللَّهُ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ. فَلَيْسَ سُؤالُهُ الوَلَدَ سُؤالَ تَوَسُّعٍ لِمُجَرَّدِ تَمَتُّعٍ أوْ فَخْرٍ.
ووَصَفَ مِن حالِهِ ما تَشْتَدُّ مَعَهُ الحاجَةُ إلى الوَلَدِ حالًا ومَآلًا. فَكانَ وهَنُ العَظْمِ وعُمُومُ الشَّيْبِ حالًا مُقْتَضِيًا لِلِاسْتِعانَةِ بِالوَلَدِ مَعَ ما يَقْتَضِيهِ مِنِ اقْتِرابٍ إبّانَ المَوْتِ عادَةً. فَذَلِكَ مَقْصُودٌ لِنَفْسِهِ ووَسِيلَةٌ
صفحة ٦٤
لِغَيْرِهِ وهو المِيراثُ بَعْدَ المَوْتِ. والخَبَرانِ مِن قَوْلِهِ ﴿وهَنَ العَظْمُ مِنِّي واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ مُسْتَعْمَلانِ مَجازًا في لازِمِ الإخْبارِ. وهو الِاسْتِرْحامُ لِحالِهِ. لِأنَّ المُخْبَرَ بِفَتْحِ الباءِ عالِمٌ بِما تَضَمَّنَهُ الخَبَرانِ.
والوَهْنُ: الضَّعْفُ. وإسْنادُهُ إلى العَظْمِ دُونَ غَيْرِهِ مِمّا شَمِلَهُ الوَهْنُ في جَسَدِهِ لِأنَّهُ أوْجَزُ في الدَّلالَةِ عَلى عُمُومِ الوَهْنِ جَمِيعَ بَدَنِهِ لِأنَّ العَظْمَ هو قِوامُ البَدَنِ وهو أصْلَبُ شَيْءٍ فِيهِ فَلا يَبْلَغُهُ الوَهْنُ إلّا وقَدْ بَلَغَ ما فَوْقَهُ.
والتَّعْرِيفُ في العَظْمُ تَعْرِيفُ الجِنْسِ دالٌّ عَلى عُمُومِ العِظامِ مِنهُ. وشُبِّهَ عُمُومُ الشَّيْبِ شَعْرَ رَأْسِهِ أوْ غَلَبَتُهُ عَلَيْهِ بِاشْتِعالِ النّارِ في الفَحْمِ بِجامِعِ انْتِشارِ شَيْءٍ لامِعٍ في جِسْمٍ أسْوَدَ. تَشْبِيهًا مُرَكَّبًا تَمْثِيلِيًّا قابِلًا لِاعْتِبارِ التَّفْرِيقِ في التَّشْبِيهِ. وهو أبْدَعُ أنْواعِ المُرَكَّبِ. فَشُبِّهَ الشَّعْرُ الأسْوَدُ بِفَحْمٍ والشَّعْرُ الأبْيَضُ بِنارٍ عَلى طَرِيقِ التَّمْثِيلِيَّةِ المَكْنِيَّةِ ورُمِزَ إلى الأمْرَيْنِ بِفِعْلِ اشْتَعَلَ. وأُسْنِدَ الِاشْتِعالُ إلى الرَّأْسِ. وهو مَكانُ الشَّعْرِ الَّذِي عَمَّهَ الشَّيْبُ. لِأنَّ الرَّأْسَ لا يَعُمُّهُ الشَّيْبُ إلّا بَعْدَ أنْ يَعُمَّ اللِّحْيَةَ غالِبًا. فَعُمُومُ الشَّيْبِ في الرَّأْسِ أمارَةُ التَّوَغُّلِ في كِبَرِ السِّنِّ.
وإسْنادُ الِاشْتِعالِ إلى الرَّأْسِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، لِأنَّ الِاشْتِعالَ مِن صِفاتِ النّارِ المُشَبَّهِ بِها الشَّيْبُ فَكانَ الظّاهِرُ إسْنادَهُ إلى الشَّيْبِ. فَلَمّا جِيءَ بِاسْمِ الشَّيْبِ تَمْيِيزًا لِنِسْبَةِ الِاشْتِعالِ حَصَلَ بِذَلِكَ خُصُوصِيَّةُ المَجازِ وغَرابَتُهُ، وخُصُوصِيَّةُ التَّفْضِيلِ بَعْدَ الِاحْتِمالِ. مَعَ إفادَةِ تَنْكِيرِ شَيْبًا مِنَ التَّعْظِيمِ فَحَصَلَ إيجازٌ بَدِيعٌ. وأصْلُ النَّظْمِ المُعْتادِ: واشْتَعَلَ الشَّيْبُ في شَعْرِ الرَّأْسِ.
ولِما في هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ الخُصُوصِيّاتِ مِن مَبْنِيِّ المَعانِي والبَيانِ كانَ لَها أعْظَمُ وقْعٍ عِنْدَ أهْلِ البَلاغَةِ نَبَّهَ عَلَيْهِ صاحِبُ الكَشّافِ ووَضَّحَهُ صاحِبُ المِفْتاحِ فانْظُرْهُما.
صفحة ٦٥
وقَدِ اقْتَبَسَ مَعْناها أبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ في قَوْلِهِ:
واشْتَعَلَ المُبْيَضُّ في مُسَوَّدِهِ مِثْلَ اشْتِعالِ النّارِ في جَزْلِ الغَضا
ولَكِنَّهُ خَلِيقٌ بِأنْ يَكُونَ مَضْرِبَ قَوْلِهِمْ في المَثَلِ: ماءٌ ولا كَصَدّى.
والشَّيْبُ: بَياضُ الشَّعْرِ. ويَعْرِضُ لِلشَّعْرِ البَياضُ بِسَبَبِ نُقْصانِ المادَّةِ الَّتِي تُعْطِي اللَّوْنَ الأصْلِيَّ لِلشَّعْرِ، ونُقْصانُها بِسَبَبِ كِبَرِ السِّنِّ غالِبًا، فَلِذَلِكَ كانَ الشَّيْبُ عَلامَةً عَلى الكِبَرِ، وقَدْ يَبْيَضُّ الشَّعْرُ مِن مَرَضٍ.
وجُمْلَةُ ﴿ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمَلِ التَّمْهِيدِيَّةِ. والباءُ في قَوْلِهِ بِدُعائِكَ لِلْمُصاحَبَةِ.
والشَّقِيُّ: الَّذِي أصابَتْهُ الشِّقْوَةُ، وهي ضِدُّ السَّعادَةِ، أيْ هي الحِرْمانُ مِنَ المَأْمُولِ وضَلالُ السَّعْيِ. وأُطْلِقَ نَفْيُ الشَّقاوَةِ والمُرادُ حُصُولِ ضِدِّها وهو السَّعادَةُ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ إذْ لا واسِطَةَ بَيْنَهُما عُرْفًا.
ومِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ جَرى في كَلامِهِمْ مَجْرى المَثَلِ في حُصُولِ السَّعادَةِ مِن شَيْءٍ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ ﴿عَسى أنْ لا أكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤٨] أيْ عَسى أنْ أكُونَ سَعِيدًا، أيْ مُسْتَجابَ الدَّعْوَةِ. وفي حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ فِيما يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ في شَأْنِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ ومَن جالَسَهم «هُمُ الجُلَساءُ لا يَشْقى بِهِمْ جَلِيسُهم» أيْ يَسْعَدُ مَعَهم. وقالَ بَعْضُ الشُّعَراءِ، لَمْ نَعْرِفِ اسْمَهُ وهو إسْلامِيٌّ:
وكُنْتُ جَلِيسَ قَعْقاعِ بْنِ شَوْرٍ ∗∗∗ ولا يَشْقى بِقَعْقاعٍ جَلِيسُ
أيْ يَسْعَدُ بِهِ جَلِيسُهُ.
صفحة ٦٦
والمَعْنى: لَمْ أكُنْ فِيما دَعَوْتُكَ مِن قَبْلُ مَرْدُودٌ مِنكَ، أيْ أنَّهُ قَدْ عَهِدَ مِنَ اللَّهِ الِاسْتِجابَةَ كُلَّما دَعاهُ.
وهَذا تَمْهِيدٌ لِلْإجابَةِ مِن طَرِيقٍ غَيْرِ طَرِيقِ التَّمْهِيدِ الَّذِي في الجُمَلِ المُصاحِبَةِ لَهُ بَلْ طَرِيقُ الحَثِّ عَلى اسْتِمْرارِ جَمِيلِ صُنْعِ اللَّهِ مَعَهُ، وتَوَسُّلٌ إلَيْهِ بِما سَلَفَ لَهُ مَعَهُ مِنَ الِاسْتِجابَةِ.
رُوِيَ أنَّ مُحْتاجًا سَألَ حاتِمًا الطّائِيَّ أوْ مَعْنَ بْنَ زائِدَةٍ قائِلًا: أنا الَّذِي أحْسَنْتَ إلَيَّ يَوْمَ كَذا فَقالَ: مَرْحَبًا بِمَن تَوَسَّلَ بِنا إلَيْنا.
وجُمْلَةُ ﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾، أيْ قارَبْتُ الوَفاةَ وخِفْتُ المَوالِيَ مِن بَعْدِي.
وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وأبِي صالِحٍ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ مُرْسَلًا أنَّهُ قالَ: «يَرْحَمُ اللَّهُ زَكَرِيّاءَ ما كانَ عَلَيْهِ مِن وِراثَةِ مالِهِ» فَلَعَلَّهُ خَشِيَ سُوءَ مَعْرِفَتِهِمْ بِما يُخَلِّفُهُ مِنَ الآثارِ الدِّينِيَّةِ والعِلْمِيَّةِ. وتِلْكَ أعْلاقٌ يَعِزُّ عَلى المُؤْمِنِ تَلاشِيها، ولِذَلِكَ قالَ ﴿يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ﴾ فَإنَّ نُفُوسَ الأنْبِياءِ لا تَطْمَحُ إلّا لِمَعالِي الأُمُورِ ومَصالِحِ الدِّينِ وما سِوى ذَلِكَ فَهو تَبَعٌ.
فَقَوْلُهُ يَرِثُنِي يَعْنِي بِهِ وِراثَةَ مالِهِ. ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ قَتادَةَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «يَرْحَمُ اللَّهُ زَكَرِيّاءَ ما كانَ عَلَيْهِ مِن وِراثَةِ مالِهِ» .
والظَّواهِرُ تُؤْذِنُ بِأنَّ الأنْبِياءَ كانُوا يُورَثُونَ، قالَ تَعالى ﴿ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾ [النمل: ١٦] . وأمّا قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ: «نَحْنُ مَعْشَرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ ما تَرَكْنا صَدَقَةٌ» فَإنَّما يُرِيدُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ نَفْسَهُ، كَما حَمَلَهُ عَلَيْهِ عُمَرُ في حَدِيثِهِ مَعَ العَبّاسِ وعَلِيٍّ في صَحِيحِ البُخارِيِّ إذْ قالَ عُمَرُ: يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ بِذَلِكَ نَفْسَهُ. فَيَكُونُ ذَلِكَ
صفحة ٦٧
مِن خُصُوصِيّاتِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَإنْ كانَ ذَلِكَ حُكْمًا سابِقًا كانَ مُرادُ زَكَرِيّاءَ إرْثَ آثارِ النُّبُوءَةِ خاصَّةً مِنَ الكُتُبِ المُقَدَّسَةِ وتَقايِيدِهِ عَلَيْها.
والمَوالِي: العُصْبَةُ وأقْرَبُ القَرابَةِ، جَمْعُ مَوْلًى بِمَعْنى الوَلِيِّ.
ومَعْنى ﴿مِن ورائِي﴾ مِن بَعْدِي، فَإنَّ الوَراءَ يُطْلَقُ ويُرادُ بِهِ ما بَعْدَ الشَّيْءِ. كَما قالَ النّابِغَةُ:
ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَطْلَبُ
أيْ بَعْدَ اللَّهِ. فَمَعْنى ﴿مِن ورائِي﴾ مِن بَعْدِ حَياتِي.
و﴿مِن ورائِي﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ المَوالِيَ أوَ الحالِ.
وامْرَأةُ زَكَرِيّاءَ اسْمُها ألِيصاباتُ مِن نَسْلِ هارُونَ أخِي مُوسى فَهي مَن سَبْطِ لاوِي.
والعاقِرُ: الأُنْثى الَّتِي لا تَلِدُ، فَهو وصْفٌ خاصٌّ بِالمَرْأةِ.
ولِذَلِكَ جُرِّدَ مِن عَلامَةِ التَّأْنِيثِ إذْ لا لَبْسَ. ومَصْدَرُهُ: العَقْرُ بِفَتْحِ العَيْنِ وضَمِّها مَعَ سُكُونِ القافِ. وأتى بِفِعْلِ كانَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ العُقْرَ مُتَمَكِّنٌ مِنها وثابِتٌ لَها فَلِذَلِكَ حُرِمَ مِنَ الوَلَدِ مِنها.
ومَعْنى ﴿مِن لَدُنْكَ﴾ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ عِنْدِيَّةٌ خاصَّةٌ، لِأنَّ المُتَكَلِّمَ يَعْلَمُ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِتَقْدِيرِهِ وخَلْقِهِ الأسْبابَ ومُسَبَّباتِها تَبَعًا لِخَلْقِها، فَلَمّا قالَ مِن عِنْدِكَ دَلَّ عَلى أنَّهُ سَألَ ولِيًّا غَيْرَ جارٍ أمْرُهُ عَلى المُعْتادِ مِن إيجادِ الأوْلادِ لِانْعِدامِ الأسْبابِ المُعْتادَةِ، فَتَكُونُ هِبَتُهُ كَرامَةً لَهُ.
ويَتَعَلَّقُ لِي و﴿مِن لَدُنْكَ﴾ بِفِعْلِ هَبْ. وإنَّما قُدِّمَ لِي عَلى ﴿مِن لَدُنْكَ﴾ لِأنَّهُ الأهَمُّ مِن غَرَضِ الدّاعِي، وهو غَرَضٌ خاصٌّ يُقَدَّمُ عَلى الغَرَضِ العامِّ.
صفحة ٦٨
ويَرِثُنِي قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ عَلى الصِّفَةِ لِـ ولِيًّا.
وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِالجَزْمِ عَلى أنَّهُ جَوابُ الدُّعاءِ في قَوْلِهِ هَبْ لِي لِإرادَةِ التَّسَبُّبِ لِأنَّ أصْلَ الأجْوِبَةِ الثَّمانِيَةِ أنَّها عَلى تَقْدِيرِ فاءِ السَّبَبِ.
و﴿آلِ يَعْقُوبَ﴾ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِمْ خاصَّةً بَنِي إسْرائِيلَ كَما يَقْتَضِيهِ لَفْظُ (آلِ) المُشْعِرِ بِالفَضِيلَةِ والشَّرَفِ، فَيَكُونَ يَعْقُوبُ هو إسْرائِيلُ، كَأنَّهُ قالَ: ويَرِثُ مِن آلِ إسْرائِيلَ، أيْ حَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ وأحْبارِ اليَهُودِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ [النساء: ٥٤] . وإنَّما يُذْكَرُ آلُ الرَّجُلِ في مِثْلِ هَذا السِّياقِ إذا كانُوا عَلى سُنَّتِهِ، ومِن هَذا القَبِيلِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ [آل عمران: ٦٨]، وقَوْلُهُ ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ٣] . مَعَ أنَّ النّاسَ كُلَّهم ذَرِّيَّةُ مَن حُمِلُوا مَعَهُ.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ يَعْقُوبُ آخَرُ غَيْرُ إسْرائِيلَ. وهو يَعْقُوبُ بْنُ ماثانَ، قالَهُ: مَعْقِلٌ والكَلْبِيُّ. وهو عَمُّ مَرْيَمَ أخُو عِمْرانَ أبِيها.
وقِيلَ: هو أخُو زَكَرِيّاءَ، أيْ لَيْسَ لَهُ أوْلادٌ فَيَكُونَ ابْنُ زَكَرِيّاءَ وارِثًا لِيَعْقُوبَ لِأنَّهُ ابْنُ أخِيهِ، فَيَعْقُوبُ عَلى هَذِهِ هو مِن جُمْلَةِ المَوالِيَ الَّذِينَ خافَهم زَكَرِيّاءُ مِن ورائِهِ.
19:7–8Page 305
يَٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَٰمٍ ٱسۡمُهُۥ يَحۡيَىٰ لَمۡ نَجۡعَل لَّهُۥ مِن قَبۡلُ سَمِيّٗا ٧
[He was told],1 "O Zechariah, indeed We give you good tidings of a boy whose name will be John. We have not assigned to any before [this] name."
قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَكَانَتِ ٱمۡرَأَتِي عَاقِرٗا وَقَدۡ بَلَغۡتُ مِنَ ٱلۡكِبَرِ عِتِيّٗا ٨
He said, "My Lord, how will I have a boy when my wife has been barren and I have reached extreme old age?"
﴿يا زَكَرِيّاءُ إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عُتِيًّا﴾
مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ عَقِبَ الدُّعاءِ إيجازًا، أيْ قُلْنا يا زَكَرِيّاءُ إلَخْ. . .
صفحة ٦٩
والتَّبْشِيرُ: الوَعْدُ بِالعَطاءِ. وفي الحَدِيثِ: أنَّهُ «قالَ لِلْأنْصارِ فَأبْشِرُوا وأمِّلُوا» . وفي حَدِيثِ وفْدِ بَنِي تَمِيمٍ: «اقْبَلُوا البُشْرى، فَقالُوا بَشَّرْتَنا فَأعْطَيْتَنا» .
ومَعْنى اسْمُهُ يَحْيى سَمِّهِ يَحْيى، فالكَلامُ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في الأمْرِ.
والسَّمِيُّ فَسَّرُوهُ بِالمُوافِقِ في الِاسْمِ، أيْ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مَن يُوافِقُهُ في هَذا الِاسْمِ مِن قَبْلِ وُجُودِهِ. فَعَلَيْهِ يَكُونُ هَذا الإخْبارُ سِرًّا مِنَ اللَّهِ أوْدَعَهُ زَكَرِيّاءَ فَلا يَظُنُّ أنَّهُ قَدْ يُسَمِّي أحَدٌ ابْنَهُ يَحْيى فِيما بَيْنَ هَذِهِ البِشارَةِ وبَيْنَ ازْدِيادِ الوَلَدِ. وهَذِهِ مِنَّةٌ مِنَ اللَّهِ وإكْرامٌ لِزَكَرِيّاءَ إذْ جَعَلَ اسْمَ ابْنِهِ مُبْتَكَرًا. ولِلْأسْماءِ المُبْتَكَرَةِ مَزِيَّةُ قُوَّةِ تَعْرِيفِ المُسَمّى لِقِلَّةِ الِاشْتِراكِ، إذْ لا يَكُونُ مِثْلُهُ كَثِيرًا مُدَّةَ وُجُودِهِ. ولَهُ مَزِيَّةُ اقْتِداءِ النّاسِ بِهِ مِن بَعْدُ حِينِ يُسَمُّونَ أبْناءَهم ذَلِكَ الِاسْمَ تَيَمُّنًا واسْتِجادَةً.
وعِنْدِي: أنَّ السَّمِيَّ هُنا هو المُوافِقُ في الِاسْمِ الوَصْفِيِّ بِإطْلاقِ الِاسْمِ عَلى الوَصْفِ فَإنَّ الِاسْمَ أصْلُهُ في الِاشْتِقاقِ (وسَمَ) والسِّمَةُ: أصْلُها وسْمَةٌ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَيُسَمُّونَ المَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثى﴾ [النجم: ٢٧]، أيْ يَصِفُونَهم أنَّهم إناثٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ الآتِي ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] أيْ لا مَثِيلَ لِلَّهِ تَعالى في أسْمائِهِ. وهَذا أظْهَرُ في الثَّناءِ عَلى يَحْيى والِامْتِنانِ عَلى أبِيهِ. والمَعْنى: أنَّهُ لَمْ يَجِئْ قَبْلَ يَحْيى مِنَ الأنْبِياءِ مَنِ اجْتَمَعَ لَهُ ما اجْتَمَعَ لِيَحْيى فَإنَّهُ أُعْطِيَ النُّبُوءَةَ وهو صَبِيٌّ، قالَ تَعالى ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢] . وجُعِلَ حَصُورًا لِيَكُونَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ في عِصْمَتِهِ عَنِ الحَرامِ، ولِئَلّا تَكُونَ لَهُ مَشَقَّةٌ في الجَمْعِ بَيْنَ حُقُوقِ العِبادَةِ وحُقُوقِ الزَّوْجَةِ، ووُلِدَ لِأبِيهِ بَعْدَ الشَّيْخُوخَةِ ولِأُمِّهِ بَعْدَ العُقْرِ. وبُعِثَ مُبَشِّرًا بِرِسالَةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ولَمْ يَكُنْ هو
صفحة ٧٠
رَسُولًا، وجُعِلَ اسْمُهُ العَلَمُ مُبْتَكَرًا غَيْرَ سابِقٍ مِن قَبْلِهِ. وهَذِهِ مَزايا وفَضائِلُ وُهِبَتْ لَهُ ولِأبِيهِ، وهي لا تَقْتَضِي أنَّهُ أفْضَلُ الأنْبِياءِ لِأنَّ الأفْضَلِيَّةَ تَكُونُ بِمَجْمُوعِ فَضائِلَ لا بِبَعْضِها وإنْ جَلَّتْ، ولِذَلِكَ قِيلَ المَزِيَّةُ لا تَقْتَضِي الأفْضَلِيَّةَ وهي كَلِمَةُ صِدْقٍ. وجُمْلَةُ ﴿قالَ رَبِّ﴾ جَوابٌ لِلْبِشارَةِ.
وأنّى اسْتِفْهامٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعَجُّبِ. والتَّعَجُّبُ مُكَنّى بِهِ عَنِ الشُّكْرِ، فَهو اعْتِرافٌ بِأنَّها عَطِيَّةٌ عَزِيزَةٌ غَيْرُ مَأْلُوفَةٍ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَسْألَ اللَّهَ أنْ يَهَبَ لَهُ ولَدًا ثُمَّ يَتَعَجَّبَ مِنِ اسْتِجابَةِ اللَّهِ لَهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ ظَنَّ اللَّهَ يَهَبُ لَهُ ولَدًا مِنِ امْرَأةٍ أُخْرى بِأنْ يَأْذَنَهُ بِتَزَوُّجِ امْرَأةٍ غَيْرِ عاقِرٍ، وتَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وجُمْلَةُ ﴿وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ حالٌ مِن ياءِ التَّكَلُّمِ وكُرِّرَ ذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِ في دُعائِهِ ﴿وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ . وهو يَقْتَضِي أنَّ زَكَرِيّاءَ كانَ يَظُنُّ أنَّ عَدَمَ الوِلادَةِ بِسَبَبِ عُقْرِ امْرَأتِهِ، وكانَ النّاسُ يَحْسَبُونَ ذَلِكَ إذا لَمْ يَكُنْ بِالرَّجُلِ عُنَّةٌ ولا خِصاءٌ ولا اعْتِراضٌ، لِأنَّهم يَحْسَبُونَ الإنْعاضَ والإنْزالَ هُما سَبَبُ الحَمْلِ إنْ لَمْ تَكُنْ بِالمَرْأةِ عاهَةُ العُقْرِ. وهَذا خَطَأٌ فَإنَّ عَدَمَ الوِلادَةِ يَكُونُ إمّا لِعِلَّةٍ بِالمَرْأةِ في رَحِمِها أوْ لِعِلَّةٍ في ماءِ الرَّجُلِ يَكُونُ غَيْرَ صالِحٍ لِنَماءِ البُوَيْضاتِ الَّتِي تُبْرِزُها رَحِمُ المَرْأةِ.
ومِن في قَوْلِهِ ﴿مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ لِلِابْتِداءِ، وهو مَجازٌ في مَعْنى التَّعْلِيلِ.
والكِبَرُ: كَثْرَةُ سِنِي العُمْرِ. لِأنَّهُ يُقارِنُهُ ظُهُورُ قِلَّةِ النَّشاطِ واخْتِلالِ نِظامِ الجِسْمِ. وعُتِيًّا مَفْعُولُ بَلَغْتُ.
صفحة ٧١
والبُلُوغُ: مَجازٌ في حُلُولِ الإبّانِ. وجَعَلَ نَفْسَهَ هُنا بالِغًا الكِبَرَ وفي آيَةِ آلِ عِمْرانَ قالَ ﴿وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ﴾ [آل عمران: ٤٠] لِأنَّ البُلُوغَ لَمّا كانَ مَجازًا في حُصُولِ الوَصْفِ صَحَّ أنْ يُسْنَدَ إلى الوَصْفِ وإلى المَوْصُوفِ.
والعُتِيُّ بِضَمِّ العَيْنِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ: مَصْدَرُ عَتا العُودُ إذا يَبُسَ، وهو بِوَزْنِ فُعُولٍ أصْلُهُ عُتُووٌ، والقِياسُ فِيهِ أنْ تُصَحَّحَ الواوُ لِأنَّها إثْرَ ضَمَّةٍ ولَكِنَّهم لَمّا اسْتَثْقَلُوا تَوالِيَ ضَمَّتَيْنِ بَعْدَهُما واوانِ وهُما بِمَنزِلَةِ ضَمَّتَيْنِ تَخَلَّصُوا مِن ذَلِكَ الثِّقَلِ بِإبْدالِ ضَمَّةِ العَيْنِ كَسْرَةً ثُمَّ قَلَبُوا الواوَ الأُولى ياءً لِوُقُوعِها ساكِنَةً إثْرَ كَسْرَةٍ فَلَمّا قُلِبَتْ ياءً اجْتَمَعَتْ تِلْكَ الياءُ مَعَ الواوِ الَّتِي هي لامٌ. وكَأنَّهم ما كَسَرُوا التّاءَ في عُتِيٍّ بِمَعْنى اليُبْسِ إلّا لِدَفْعِ الِالتِباسِ بَيْنَهُ وبَيْنَ العُتُوِّ الَّذِي هو الطُّغْيانُ فَلا مُوجِبَ لِطَلَبِ تَخْفِيفِ أحَدِهِما دُونَ الآخَرِ. شَبَّهَ عِظامَهُ بِالأعْوادِ اليابِسَةِ عَلى طَرِيقَةِ المَكْنِيَّةِ، وإثْباتُ وصْفِ العُتِيِّ لَها اسْتِعارَةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ.
19:9Page 305
قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٞ وَقَدۡ خَلَقۡتُكَ مِن قَبۡلُ وَلَمۡ تَكُ شَيۡـٔٗا ٩
[An angel] said, "Thus [it will be]; your Lord says, 'It is easy for Me, for I created you before, while you were nothing.'"
﴿قالَ كَذَلِكَ قالَ رَبُّكَ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾
فُصِلَتْ جُمْلَةُ ﴿قالَ كَذَلِكَ﴾ لِأنَّها جَرَتْ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ وهي جَوابٌ عَنْ تَعَجُّبِهِ. والمَقْصُودُ مِنهُ إبْطالُ التَّعَجُّبِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٨] . فَضَمِيرُ قالَ عائِدٌ إلى الرَّبِّ مِن قَوْلِهِ ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ [مريم: ٨] . والإشارَةُ في قَوْلِهِ كَذَلِكَ إلى قَوْلِ زَكَرِيّاءَ ﴿وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٨] . والجارُّ والمَجْرُورُ مَفْعُولٌ لِفِعْلِ ﴿قالَ رَبُّكَ﴾،
صفحة ٧٢
أيْ كَذَلِكَ الحالُ مِن كِبَرِكَ وعُقْرِ امْرَأتِكَ قَدَّرَ رَبُّكَ، فَفِعْلُ ﴿قالَ رَبُّكَ﴾ مُرادٌ بِهِ القَوْلُ التَّكْوِينِيُّ، أيِ التَّقْدِيرِيُّ، أيْ تَعَلُّقُ الإرادَةِ والقُدْرَةِ. والمَقْصُودُ مِن تَقْرِيرِهِ التَّمْهِيدُ لِإبْطالِ التَّعَجُّبِ الدّالِّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾، فَجُمْلَةُ ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ جَوابًا لِسُؤالٍ ناشِئٍ عَنْ قَوْلِهِ كَذَلِكَ لِأنْ تَقْرِيرَ مَنشَأِ التَّعَجُّبِ يُثِيرُ تَرَقُّبَ السّامِعِ أنْ يَعْرِفَ ما يُبْطِلُ ذَلِكَ التَّعَجُّبَ المُقَرَّرَ، وذَلِكَ كَوْنُهُ هَيِّنًا في جانِبِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى العَظِيمَةِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِ كَذَلِكَ هو القَوْلُ المَأْخُوذُ مِن ﴿قالَ رَبُّكَ﴾، أيْ أنَّ قَوْلَ رَبِّكَ ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ بَلَغَ غايَةَ الوُضُوحِ في بابِهِ بِحَيْثُ لا يَبِينُ بِأكْثَرِ ما عَلِمْتَ، فَيَكُونَ جارِيًا عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ فَجُمْلَةُ ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِإبْطالِ التَّعَجُّبِ إبْطالًا مُسْتَفادًا مِن قَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ قالَ رَبُّكَ﴾، ويَكُونُ الِانْتِقالُ مِنَ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ ﴿قالَ رَبُّكَ﴾ إلى التَّكَلُّمِ في قَوْلِهِ ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم: ٢١] - التِفاتًا. ومُقْتَضى الظّاهِرِ: هو عَلَيْهِ هَيِّنٌ. والهَيِّنُ بِتَشْدِيدِ الياءِ: السَّهْلُ حُصُولُهُ.
وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ﴾ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ هي في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ الغَيْبَةِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾، أيْ إيجادُ الغُلامِ لَكَ هَيِّنٌ عَلَيَّ في حالِ كَوْنِي قَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلِ هَذا الغُلامِ ولَمْ تَكُنْ مَوْجُودًا، أيْ في حالِ كَوْنِهِ مُماثِلًا لِخَلْقِي إيّاكَ، فَكَما لا عَجَبَ مِن خَلْقِ الوَلَدِ في الأحْوالِ المَأْلُوفَةِ كَذَلِكَ لا عَجَبَ مِن خَلْقِ الوَلَدِ في الأحْوالِ النّادِرَةِ إذْ هُما إيجادٌ بَعْدَ عَدَمٍ. ومَعْنى ﴿ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾: لَمْ تَكُنْ مَوْجُودًا.
صفحة ٧٣
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ﴾ بِتاءِ المُتَكَلِّمِ.
وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ (وقَدْ خَلَقْناكَ) بِنُونِ العَظَمَةِ.
19:10Page 305
قَالَ رَبِّ ٱجۡعَل لِّيٓ ءَايَةٗۖ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَ لَيَالٖ سَوِيّٗا ١٠
[Zechariah] said, "My Lord, make for me a sign." He said, "Your sign is that you will not speak to the people for three nights, [being] sound."1
﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِيَ آيَةً قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾
أرادَ نَصْبَ عَلامَةٍ عَلى وُقُوعِ الحَمْلِ بِالغُلامِ، لِأنَّ البِشارَةَ لَمْ تُعَيَّنْ زَمَنًا، وقَدْ يَتَأخَّرُ المَوْعُودُ بِهِ لِحِكْمَةٍ، فَأرادَ زَكَرِيّاءُ أنْ يَعْلَمَ وقْتَ المَوْعُودِ بِهِ. وفي هَذا الِاسْتِعْجالِ تَعْرِيضٌ بِطَلَبِ المُبادَرَةِ بِهِ، ولِذَلِكَ حُذِفَ مُتَعَلِّقُ آيَةً. وإضافَةُ آيَتُكَ عَلى مَعْنى اللّامِ، أيْ آيَةٌ لَكَ، أيْ جَعَلْنا عَلامَةً لَكَ.
ومَعْنى ﴿أنْ لا تُكَلِّمَ النّاسَ﴾ أنْ لا تَقْدِرَ عَلى الكَلامِ، لِأنَّ ذَلِكَ هو المُناسِبُ لِكَوْنِهِ آيَةً مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى. ولَيْسَ المُرادُ نَهْيَهُ عَنْ كَلامِ النّاسِ، إذْ لا مُناسَبَةَ في ذَلِكَ لِلْكَوْنِ آيَةً، وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ ذَلِكَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وجُعِلَتْ مُدَّةُ انْتِفاءِ تَكْلِيمِهِ النّاسَ هُنا ثَلاثَ لَيالٍ، وجُعِلَتْ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ ثَلاثَةَ أيّامٍ فَعُلِمَ أنَّ المُرادَ هُنا لَيالٍ بِأيّامِها وأنَّ المُرادَ في آلِ عِمْرانَ أيّامٌ بِلَيالِيها. وأكَّدَ ذَلِكَ هُنا بِوَصْفِها بِـ سَوِيًّا أيْ ثَلاثَ لَيالٍ كامِلَةٍ، أيْ بِأيّامِها. وسَوِيٌّ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، يَسْتَوِي الوَصْفُ بِهِ الواحِدُ والواحِدَةُ والمُتَعَدِّدُ مِنهُما.
صفحة ٧٤
وفُسِّرَ أيْضًا سَوِيًّا بِأنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِ، أيْ حالَ كَوْنِكَ سَوِيًّا، أيْ بِدُونِ عاهَةِ الخَرَسِ والبَكَمِ. ولَكِنَّها آيَةٌ لَكَ اقْتَضَتْها الحِكْمَةُ، الَّتِي بَيَّنّاها في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وعَلى هَذا فَذِكْرُ الوَصْفِ لِمُجَرَّدِ تَأْكِيدِ الطُّمَأْنِينَةِ، وإلّا فَإنَّ تَأْجِيلَهُ بِثَلاثِ لَيالٍ كافٍ في الِاطْمِئْنانِ عَلى انْتِفاءِ العاهَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences