Ibn 'AshurAl‑Baqarah · 2:102

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:102

2:102Page 16

وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتۡلُواْ ٱلشَّيَٰطِينُ عَلَىٰ مُلۡكِ سُلَيۡمَٰنَۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيۡمَٰنُ وَلَٰكِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحۡرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلۡمَلَكَيۡنِ بِبَابِلَ هَٰرُوتَ وَمَٰرُوتَۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنۡ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحۡنُ فِتۡنَةٞ فَلَا تَكۡفُرۡۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنۡهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَزَوۡجِهِۦۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنۡ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡۚ وَلَقَدۡ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشۡتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖۚ وَلَبِئۡسَ مَا شَرَوۡاْ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمۡۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ١٠٢

And they followed [instead] what the devils had recited during the reign of Solomon. It was not Solomon who disbelieved, but the devils disbelieved, teaching people magic and that which was revealed to the two angels at Babylon, Hārūt and Mārūt. But they [i.e., the two angels] do not teach anyone unless they say, "We are a trial, so do not disbelieve [by practicing magic]."1 And [yet] they learn from them that by which they cause separation between a man and his wife. But they do not harm anyone through it except by permission of Allāh. And they [i.e., people] learn what harms them and does not benefit them. But they [i.e., the Children of Israel] certainly knew that whoever purchased it [i.e., magic] would not have in the Hereafter any share. And wretched is that for which they sold themselves, if they only knew.

﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وما كَفَرَ سُلَيْمانُ ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾ قَوْلُهُ ”واتَّبَعُوا“ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ الشَّرْطِ وجَوابُهُ في قَوْلِهِ ﴿ولَمّا جاءَهم رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠١] الآيَةَ بِذِكْرِ خَصْلَةٍ لَهم عَجِيبَةٍ وهي أخْذُهم بِالأباطِيلِ بَعْدَ ذِكْرِ خَصْلَةٍ أُخْرى وهي نَبْذُهم لِلْكِتابِ الحَقِّ فَذَلِكَ هو مُناسَبَةُ عَطْفِ هَذا الخَبَرِ عَلى الَّذِي قَبْلَهُ. فَإنْ كانَ المُرادُ بِكِتابِ اللَّهِ في قَوْلِهِ ”﴿كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠١]“ القُرْآنَ فالمَعْنى أنَّهم لَمّا جاءَهم رَسُولُ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم نَبَذُوا كِتابَهُ بِعِلَّةِ أنَّهم مُتَمَسِّكُونَ بِالتَّوْراةِ فَلا يَتَّبِعُونَ ما خالَفَ أحْكامَها وقَدِ اتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وهو مُخالِفٌ لِلتَّوْراةِ لِأنَّها تَنْهى عَنِ السِّحْرِ والشِّرْكِ فَكَما قِيلَ لَهم فِيما مَضى أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ يُقالُ لَهم أفَتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ تارَةً وتَكْفُرُونَ بِهِ تارَةً أُخْرى.

صفحة ٦٢٧

وإنْ كانَ المُرادُ بِكِتابِ اللَّهِ التَّوْراةَ فالمَعْنى لَمّا جاءَهم رَسُولُ اللَّهِ نَبَذُوا ما في التَّوْراةِ مِن دَلائِلِ صِدْقِ هَذا الرَّسُولِ وهم مَعَ ذَلِكَ قَدْ نَبَذُوها مِن قَبْلُ حِينَ اتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ مَعَ أنَّ ذَلِكَ مُخالِفٌ لِأحْكامِ التَّوْراةِ. قالَ القُرْطُبِيُّ قالَ ابْنُ إسْحاقَ لَمّا ذَكَرَ النَّبِيءُ ﷺ سُلَيْمانَ في الأنْبِياءِ قالَتِ اليَهُودُ إنَّ مُحَمَّدًا يَزْعُمُ أنَّ سُلَيْمانَ نَبِيٌّ وما هو بِنَبِيٍّ ولَكِنَّهُ ساحِرٌ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

‌‌‌ و”الشَّياطِينُ“ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا شَياطِينَ مِنَ الجِنِّ وهو الإطْلاقُ المَشْهُورُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ ناسٌ تَمَرَّدُوا وكَفَرُوا وأتَوْا بِالفَظائِعِ الخَفِيَّةِ فَأطْلَقَ عَلَيْهِمُ الشَّياطِينَ عَلى وجْهِ التَّشْبِيهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢] وقَرِينَةُ ذَلِكَ قَوْلُهُ ”يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ“ فَإنَّهُ ظاهِرٌ في أنَّهم يُدَرِّسُونَهُ لِلنّاسِ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: (ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا) إذْ هَذا الِاسْتِدْراكُ في الإخْبارِ يَدُلُّ عَلى أنَّهم مِنِ الإنْسِ لِأنَّ كُفْرَ الشَّياطِينِ مِنَ الجِنِّ أمْرٌ مُقَرَّرٌ لا يَحْتاجُ لِلْإخْبارِ عَنْهُ.

وعَنِ ابْنِ إسْحاقَ أيْضًا أنَّهُ لَمّا ماتَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَمَدَتِ الشَّياطِينُ فَكَتَبُوا أصْنافًا مِنَ السِّحْرِ وقالُوا: مَن أحَبَّ أنْ يَبْلُغَ كَذا وكَذا فَلْيَفْعَلْ كَذا لِأصْنافٍ مِنَ السِّحْرِ وخَتَمُوهُ بِخاتَمٍ يُشْبِهُ نَقْشَ خاتَمِ سُلَيْمانَ ونَسَبُوهُ إلَيْهِ ودَفَنُوهُ وزَعَمُوا أنَّ سُلَيْمانَ دَفَنَهُ وأنَّهم يَعْلَمُونَ مَدْفِنَهُ ودَلُّوا النّاسَ عَلى ذَلِكَ المَوْضِعِ فَأخْرَجُوهُ، فَقالَتِ اليَهُودُ: ما كانَ سُلَيْمانُ إلّا ساحِرًا وما تَمَّ لَهُ المُلْكُ إلّا بِهَذا. وقِيلَ كانَ آصَفُ بْنُ بَرَخْيا كاتِبُ سُلَيْمانَ يَكْتُبُ الحِكْمَةَ بِأمْرِ سُلَيْمانَ ويَدْفِنُ كُتُبَهُ تَحْتَ كُرْسِيِّ سُلَيْمانَ لِتَجِدَها الأجْيالُ فَلَمّا ماتَ سُلَيْمانُ أغَرْتِ الشَّياطِينُ النّاسَ عَلى إخْراجِ تِلْكَ الكُتُبِ وزادُوا في خِلالِ سُطُورِها سِحْرًا وكُفْرًا ونَسَبُوا الجَمِيعَ لِسُلَيْمانَ فَقالَتِ اليَهُودُ: كَفَرَ سُلَيْمانُ.

والمُرادُ مِنَ الآيَةِ مَعَ سَبَبِ نُزُولِها إنْ نَزَلَتْ عَنْ سَبَبٍ أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ماتَ انْقَسَمَتْ مَمْلَكَةُ إسْرائِيلَ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ إلى مَمْلَكَتَيْنِ إحْداهُما مَمْلَكَةُ يَهُوذا ومَلِكُها رَحْبَعامُ بْنُ سُلَيْمانَ جَعَلُوهُ مَلِكًا بَعْدَ أبِيهِ وكانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ قَدْ سَئِمَتْ مُلْكَ سُلَيْمانَ لِحَمْلِهِ إيّاهم عَلى

صفحة ٦٢٨

ما يُخالِفُ هَواهم فَجاءَتْ أعْيانُهم وفي مُقَدِّمَتِهِمْ يَرْبَعامُ بْنُ نَباطَ مَوْلى سُلَيْمانَ لِيُكَلِّمُوا رَحْبَعامَ قائِلِينَ إنَّ أباكَ قاسٍ عَلَيْنا وأمّا أنْتَ فَخَفِّفْ عَنّا مِن عُبُودِيَّةِ أبِيكَ لِنُطِيعَكَ فَأجابَهُمُ اذْهَبُوا ثُمَّ ارْجِعُوا إلَيَّ بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ واسْتَشارَ رَحْبَعامُ أصْحابَ أبِيهِ ووُزَراءَهُ فَأشارُوا عَلَيْهِ بِمُلايَنَةِ الأُمَّةِ لِتُطِيعَهُ.

واسْتَشارَ أصْحابَهُ مِنَ الفِتْيانِ فَأشارُوا عَلَيْهِ أنْ يَقُولَ لِلْأُمَّةِ إنَّ خِنْصَرِي أغْلَظُ مِن مَتْنِ أبِي فَإذا كانَ أبِي قَدْ أدَّبَكم بِالسِّياطِ فَأنا أُؤَدِّبُكم بِالعَقارِبِ فَلَمّا رَجَعَ إلَيْهِ شُيُوخُ بَنِي إسْرائِيلَ في اليَوْمِ الثّالِثِ وأجابَهم بِما أشارَ بِهِ الأحْداثُ خَلَعَتْ بَنُو إسْرائِيلَ طاعَتَهُ ومَلَّكُوا عَلَيْهِمْ يَرْبَعامَ ولَمْ يَبْقَ عَلى طاعَةِ رَحْبَعامَ إلّا سِبْطا يَهُوذَ وبِنْيامِينَ واعْتَصَمَ رَحْبَعامُ بِأُورَشْلِيمَ وكُلُّ أُمَّتِهِ لا تَزِيدُ عَلى مِائَةٍ وثَمانِينَ ألْفَ مُحارِبٍ يَعْنِي رِجالًا قادِرِينَ عَلى حَمْلِ السِّلاحِ وانْقَسَمَتِ المَمْلَكَةُ مِن يَؤْمِئِذٍ إلى مَمْلَكَتَيْنِ مَمْلَكَةُ يَهُوذا وقاعِدَتُها أُورَشْلِيمُ. ومَمْلَكَةُ إسْرائِيلَ ومَقَرُّها السّامِرَةُ. وذَلِكَ سَنَةَ ٩٧٥ قَبْلَ المَسِيحِ كَما قَدَّمْناهُ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى (﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والنَّصارى والصّابِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٢]) الآيَةَ ولا يَخْفى ما تَكُونُ عَلَيْهِ حالَةُ أُمَّةٍ في هَذا الِانْتِقالِ فَإنَّ خُصُومَ رَحْبَعامَ لَمّا سَلَبُوا مِنهُ القُوَّةَ المادِّيَّةَ لَمْ يَغْفُلُوا عَمّا يَعْتَضِدُ بِهِ مِنَ القُوَّةِ الأدَبِيَّةِ وهي كَوْنُهُ ابْنَ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ مِن بَيْتِ المُلْكِ والنُّبُوءَةِ والسُّمْعَةِ الحَسَنَةِ فَلَمْ يَأْلُ أعْداؤُهُ جُهْدَهم مِن إسْقاطِ هاتِهِ القُوَّةِ الأدَبِيَّةِ وذَلِكَ بِأنِ اجْتَمَعَ مُدَبِّرُو الأمْرِ عَلى أنْ يَضَعُوا أكاذِيبَ عَنْ سُلَيْمانَ يَبُثُّونَها في العامَّةِ لِيَقْضُوا بِها وطَرَيْنِ: أحَدُهُما نِسْبَةُ سُلَيْمانَ إلى السِّحْرِ والكُفْرِ لِتَنْقِيصِ سُمْعَةِ ابْنِهِ رَحْبَعامَ كَما صَنَعَ دُعاةُ الدَّوْلَةِ العَبّاسِيَّةِ فِيما وضَعُوهُ مِنَ الأخْبارِ عَنْ بَنِي أُمَيَّةَ والثّانِي: تَشْجِيعُ العامَّةِ الَّذِينَ كانُوا يَسْتَعْظِمُونَ مُلْكَ سُلَيْمانَ وابْنِهِ عَلى الخُرُوجِ عَنْ طاعَةِ ابْنِهِ بِأنَّ سُلَيْمانَ ما تَمَّ لَهُ المُلْكُ إلّا بِتِلْكَ الأسْحارِ والطَّلاسِمِ وأنَّهم لَمّا ظَفِرُوا بِها فَإنَّهم يَسْتَطِيعُونَ أنْ يُؤَسِّسُوا مُلْكًا يُماثِلُ مُلْكَ سُلَيْمانَ كَما صَنَعَ دُعاةُ انْقِلابِ الدُّوَلِ في تارِيخِ الإسْلامِ مِن وضْعِ أحادِيثِ انْتِظارِ المَهْدِيِّ وكَما يَفْعَلُونَهُ مِن بَثِّ أخْبارٍ عَنِ الصّالِحِينَ تُؤْذِنُ بِقُرْبِ زَوالِ الدَّوْلَةِ.

ولا يَخْفَي ما تُثِيرُهُ هَذِهِ الأوْهامُ في نُفُوسِ العامَّةِ مِنَ الجَزْمِ بِنَجاحِ السَّعْيِ وجَعْلِهِمْ في مَأْمَنٍ مِن خَيْبَةِ أعْمالِهِمْ ولَحاقِ التَّنْكِيلِ بِهِمْ فَإذا قُضِيَ الوَطَرُ بِذَلِكَ الخَبَرِ التَصَقَ أثَرُهُ في النّاسِ فَيَبْقى ضُرُّ ضَلالِهِ بَعْدَ اجْتِناءِ ثِمارِهِ.

والِاتِّباعُ في الأصْلِ هو المَشْيُ وراءَ الغَيْرِ ويَكُونُ مَجازًا في العَمَلِ بِقَوْلِ الغَيْرِ وبِرَأْيهِ وفي الِاعْتِقادِ بِاعْتِقادِ الغَيْرِ تَقُولُ: اتَّبَعَ مَذْهَبَ مالِكٍ واتَّبَعَ عَقِيدَةَ الأشْعَرِيِّ، والِاتِّباعُ هُنا مَجازٌ

صفحة ٦٢٩

لا مَحالَةَ لِوُقُوعِ مَفْعُولِهِ مِمّا لا يَصِحُّ اتِّباعُهُ حَقِيقَةً. والتِّلاوَةُ قِراءَةُ المَكْتُوبِ والكِتابِ وعَرْضِ المَحْفُوظِ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ وفِعْلُها يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ ”يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِي“ فَتَعْدِيَتُهُ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ يَدُلُّ عَلى تَضَمُّنِهِ مَعْنى تَكْذِبُ أيْ تَتْلُو تِلاوَةَ كَذِبٍ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ كَما يُقالُ، تَقُولُ عَلى فُلانٍ أيْ قالَ عَلَيْهِ ما لَمْ يَقُلْهُ، وإنَّما فُهِمَ ذَلِكَ مِن حَرْفِ (عَلى) .

والمُرادُ بِالمُلْكِ هُنا مُدَّةُ المُلْكِ أوْ سَبَبُ المُلْكِ بِقَرِينَةِ أنَّ التِّلاوَةَ لا تَتَعَلَّقُ بِنَفْسِ المُلْكِ، وحَذْفُ المُضافِ مَعَ ما يَدُلُّ عَلى تَعْيِينِ الوَقْتِ شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ كَقَوْلِهِمْ وقَعَ هَذا في حَياةِ رَسُولِ اللَّهِ أوْ في خِلافَةِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وقَوْلُ حُمَيْدِ بْنِ ثَوْرٍ:

وما هي إلّا في إزارٍ وعِلْقَةٍ مُغارَ ابْنِ هَمّامٍ عَلى حَيِّ خَثْعَما

يُرِيدُ أزْمانَ مُغارِ ابْنِ هَمّامٍ. وكَذَلِكَ حَذَفَ المُضافَ إذا أُرِيدَ بِهِ الحَوادِثَ أوِ الأسْبابَ كَما تَقُولُ تَكَلَّمَ فُلانٌ عَلى خِلافَةِ عُمَرَ أوْ هَذا كِتابٌ في مُلْكِ العَبّاسِيِّينَ، وذَلِكَ أنَّ الِاسْمَ إذا اشْتُهِرَ بِصِفَةٍ أوْ قِصَّةٍ صَحَّ إطْلاقُهُ وإرادَةُ تِلْكَ الصِّفَةِ أوِ القِصَّةِ بِحَيْثُ لَوْ ظَهَرَتْ لَكانَتْ مُضافَةً إلى الِاسْمِ، قالَ النّابِغَةُ:

ولَيْلٍ أُقاسِيهِ بَطِيءِ الكَواكِبِ

أرادَ مَتاعِبَ لَيْلٍ لِأنَّ اللَّيْلَ قَدِ اشْتُهِرَ عِنْدَ أهْلِ الغَرامِ بِأنَّهُ وقْتُ الشَّوْقِ والأرَقِ.

والشَّياطِينُ قِيلَ أُرِيدَ بِها شَياطِينَ الإنْسِ أيِ المُضَلِّلُونَ وهو الظّاهِرُ. وقِيلَ أُرِيدَتْ شَياطِينَ الجِنِّ وألْ لِلْجِنْسِ عَلى الوَجْهَيْنِ. وعِنْدِي أنَّ المُرادَ بِالشَّياطِينِ أهْلُ الحِيَلِ والسَّحَرَةُ كَما يَقُولُونَ: فُلانٌ مِن شَياطِينِ العَرَبِ وقَدْ عُدَّ مِن أُولَئِكَ ناشِبٌ الأعْوَرُ أحَدُ رِجالِ يَوْمِ الوَقِيطِ.

وقَوْلُهُ ”تَتْلُو“ جاءَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ عَلى ما قالَهُ الجَماعَةُ. أوْ هو مُضارِعٌ عَلى بابِهِ عَلى ما اخْتَرْناهُ مِن أنَّ الشَّياطِينَ هم أحْبارُهم فَإنَّهم لَمْ يَزالُوا يَتْلُونَ ذَلِكَ فَيَكُونُ المَعْنى أنَّهُمُ اتَّبَعُوا أيِ اعْتَقَدُوا ما تَلَتْهُ الشَّياطِينُ ولَمْ تَزَلْ تَتْلُوهُ.

وسُلَيْمانُ هو النَّبِيءُ سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ بْنِ يَسِي مِن سِبْطِ يَهُوذا وُلِدَ سَنَةَ ١٠٣٢ اثْنَتَيْنِ وثَلاثِينَ وألْفٍ قَبْلَ المَسِيحِ وتُوُفِّيَ في أُورَشْلِيمَ سَنَةَ ٩٧٥ خَمْسٍ وسَبْعِينَ وتِسْعِمِائَةٍ قَبْلَ المَسِيحِ ووَلِيَ

صفحة ٦٣٠

مُلْكَ إسْرائِيلَ سَنَةَ ١٠١٤ أرْبَعَ عَشْرَةَ وألْفٍ قَبْلَ المَسِيحِ بَعْدَ وفاةِ أبِيهِ داوُدَ النَّبِيءِ مَلِكِ إسْرائِيلَ، وعَظُمَ مُلْكُ بَنِي إسْرائِيلَ في مُدَّتِهِ وهو الَّذِي أمَرَ بِبِناءِ مَسْجِدِ بَيْتِ المَقْدِسِ وكانَ نَبِيًّا حَكِيمًا شاعِرًا، وجَعَلَ لِمَمْلَكَتِهِ أُسْطُولًا بَحْرِيًّا عَظِيمًا كانَتْ تَمْخُرُ سُفُنُهُ البِحارَ إلى جِهاتٍ قاصِيَةٍ مِثْلَ شَرْقِ إفْرِيقْيا.

وقَوْلُهُ: (﴿وما كَفَرَ سُلَيْمانُ﴾) جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ أثارَ اعْتِراضُها ما أشْعَرَ بِهِ قَوْلُهُ ﴿ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ مِن مَعْنى أنَّهم كَذَبُوا عَلى سُلَيْمانَ ونَسَبُوهُ إلى الكُفْرِ، فَهي مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ”واتَّبَعُوا“ وبَيْنَ قَوْلِهِ ”وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ“ إنَّ كانَ ”وما أُنْزِلَ“ مَعْطُوفًا عَلى (ما تَتْلُو) وبَيْنَ ”اتَّبَعُوا“ وبَيْنَ ”ولَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ“ إلَخْ إنْ كانَ ”وما أُنْزِلَ“ مَعْطُوفًا عَلى السِّحْرِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ مَعْطُوفًا عَلى ”واتَّبَعُوا“ إذا كانَ المُرادُ مِنَ الشَّياطِينِ أحْبارَ اليَهُودِ لِأنَّ هَذا الحُكْمَ حِينَئِذٍ مِن جُمْلَةِ أحْوالِ اليَهُودِ لِأنَّ مَآلَهُ (واتَّبَعُوا وكَفَرُوا) وما كَفَرَ سُلَيْمانُ ولَكِنَّهُ قَدَّمَ نَفْيَ كُفْرِ سُلَيْمانَ لِأنَّهُ الأهَمُّ تَعْجِيلًا بِإثْباتِ نَزاهَتِهِ وعِصْمَتِهِ ولِأنَّ اعْتِقادَ كُفْرِهِ كانَ سَبَبَ ضَلالٍ لِلَّذِينَ اتَّبَعُوا ما كَتَبَتْهُ الشَّياطِينُ، فَلا شَكَّ أنَّ حُكْمَ الأتْباعِ وحُكْمَ المَتْبُوعِينَ واحِدٌ، فَكانَ خَبَرًا عَنِ اليَهُودِ كَذَلِكَ.

وقَدْ كانَ اليَهُودُ يَعْتَقِدُونَ كُفْرَ سُلَيْمانَ في كُتُبِهِمْ فَقَدْ جاءَ في سِفْرِ المُلُوكِ الأوَّلِ أنَّ سُلَيْمانَ في زَمَنِ شَيْخُوخَتِهِ أمالَتْ نِساؤُهُ المِصْرِيّاتُ والصَّيْدَوِنِيّاتُ والعَمُونِيّاتُ قَلْبَهُ إلى آلِهَتِهِنَّ مِثْلَ عَشْتَرُوتَ إلَهِ الصَّيدَوَنِيِّينَ (ومُولُوكَ) إلَهِ العَمُونِيِّينَ (الفِينِيقِيِّينَ) وبَنى لِهاتِهِ الآلِهَةِ هَياكِلَ فَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ لِأنَّ قَلْبَهُ مالَ عَنْ إلَهِ إسْرائِيلَ الَّذِي أوْصاهُ أنْ لا يَتَّبِعَ آلِهَةً أُخْرى.

وقَوْلُهُ ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ كَفَرُوا والمَقْصِدُ مِنهُ تَشْنِيعُ حالِ كُفْرِهِمْ إذْ كانَ مَصْحُوبًا بِتَعْلِيمِ السِّحْرِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ فَهي حالٌ مُؤَسِّسَةٌ.

والسِّحْرُ الشَّعْوَذَةُ وهي تَمْوِيهُ الحِيَلِ بِإخْفائِها تَحْتَ حَرَكاتٍ وأحْوالٍ يَظُنُّ الرّائِي أنَّها هي المُؤَثِّرَةُ مَعَ أنَّ المُؤَثِّرَ خَفِيَ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقالُوا إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٤] ولِذَلِكَ أُطْلِقَ السِّحْرُ عَلى الخَدِيعَةِ تَقُولُ: سَحَرْتُ الصَّبِيَّ إذا عَلَلْتَهُ بِشَيْءٍ. قالَ لَبِيدٌ:

فَإنْ تَسْألِينا فِيمَ نَحْنُ فِإنَّنا ∗∗∗ عَصافِيرُ مِن هَذا الأنامِ المُسَحَّرِ

ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى ما عُلِمَ ظاهِرُهُ وخَفِيَ سَبَبُهُ وهو التَّمْوِيهُ والتَّلْبِيسُ وتَخَيُّيلُ غَيْرِ الواقِعِ واقِعًا

صفحة ٦٣١

وتَرْوِيجُ المُحالِ، تَقُولُ العَرَبُ: عَنْزٌ مَسْحُورَةٌ إذا عَظُمَ ضَرْعُها وقَلَّ لَبَنُها، وأرْضٌ مَسْحُورَةٌ لا تَنْبُتُ قالَ أبُو عَطاءٍ:

فَواللَّهِ ما أدْرِي وإنِّي لَصادِقٌ ∗∗∗ أداءٌ عَرانِي مِن حُبابِكِ أمْ سِحْرُ

أيْ: شَيْءٌ لا يُعْرَفُ سَبَبُهُ. والعَرَبُ تَزْعُمُ أنَّ الغِيلانَ سَحَرَةُ الجِنِّ لِما تَتَشَكَّلُ بِهِ مِنَ الأشْكالِ وتَعْرِضُها لِلْإنْسانِ. والسِّحْرُ مِنَ المَعارِفِ القَدِيمَةِ الَّتِي ظَهَرَتْ في مَنبَعِ المَدِينَةِ الأُولى أعْنِي بِبِلادِ المَشْرِقِ فَإنَّهُ ظَهَرَ في بِلادِ الكَلْدانِ والبابِلِيِّنَ وفي مِصْرَ في عَصْرٍ واحِدٍ وذَلِكَ في القَرْنِ الأرْبَعِينَ قَبْلَ المَسِيحِ مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّها كانَتْ في تَيْنِكَ الأُمَّتَيْنِ مِن تَعالِيمِ قَوْمٍ نَشَئُوا قَبْلَهُما فَقَدْ وُجِدَتْ آثارٌ مِصْرِيَّةٌ سِحْرِيَّةٌ في عَصْرِ العائِلَةِ الخامِسَةِ مِنَ الفَراعِنَةِ والعائِلَةِ السّادِسَةِ ٣٩٥١ - ٣٧٠٣ ق. م.

ولِلْعَرَبِ في السِّحْرِ خَيالٌ واسِعٌ وهو أنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّ السِّحْرَ يُقَلِّبُ الأعْيانَ ويُقَلِّبُ القُلُوبَ ويُطَوِّعُ المَسْحُورَ لِلسّاحِرِ ولِذَلِكَ كانُوا يَقُولُونَ إنَّ الغُولَ ساحِرَةُ الجِنِّ ولِذَلِكَ تَتَشَكَّلُ لِلرّائِي بِأشْكالٍ مُخْتَلِفَةٍ. وقالَتْ قُرَيْشٌ لَمّا رَأوْا مُعْجِزاتِ رَسُولِ اللَّهِ: إنَّهُ ساحِرٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢] وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ [الحجر: ١٤] ﴿لَقالُوا إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٥] وفي حَدِيثِ البُخارِيِّ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أنَّ القَوْمَ عَطِشُوا في سَفَرٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فَطَلَبُوا الماءَ فَوَجَدُوا امْرَأةً عَلى بَعِيرٍ لَها مَزاداتانِ مِن ماءٍ فَأتَيا بِها رَسُولَ اللَّهِ فَسَقى رَسُولُ اللَّهِ جَمِيعَ الجَيْشِ ثُمَّ رَدَّ إلَيْها مَزادَتَيْها كامِلَتَيْنِ فَقالَتْ لِقَوْمِها: فَواللَّهِ إنَّهُ لَأسْحَرُ مَن بَيْنَ هَذِهِ وهَذِهِ، تَعْنِي السَّماءَ والأرْضَ» وفي الحَدِيثِ «إنَّ مِنَ البَيانِ لَسِحْرًا» . ولَمْ أرَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ العَرَبَ كانُوا يَتَعاطَوْنَ السِّحْرَ فَإنَّ السِّحْرَ مُسْتَمَدٌّ مِن خَصائِصِ الأُمُورِ الطَّبِيعِيَّةِ والتَّرْكِيبِ ولَمْ يَكُنْ لِلْعَرَبِ ضَلاعَةٌ في الأُمُورِ اليَدَوِيَّةِ بَلْ كانَتْ ضَلاعَتُهم فِكْرِيَّةً مَحْضَةً، وكانَ العَرَبُ يَزْعُمُونَ أنَّ أعْلَمُ النّاسِ بِالسِّحْرِ اليَهُودَ والصّابِئَةَ وهم أهْلُ بابِلَ، ومَساقُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى شُهْرَةِ هَؤُلاءِ بِالسِّحْرِ عِنْدَ العَرَبِ.

وقَدِ اعْتَقَدَ المُسْلِمُونَ أنَّ اليَهُودَ في يَثْرِبَ سَحَرُوهم فَلا يُولَدُ لَهم فَلِذَلِكَ اسْتَبْشَرُوا لَمّا وُلِدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وهو أوَّلُ مَوْلُودٍ لِلْمُهاجِرِينَ بِالمَدِينَةِ كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ. ولِذَلِكَ لَمْ يَكْثُرْ ذِكْرُ السِّحْرِ بَيْنَ

صفحة ٦٣٢

العَرَبِ المُسْلِمِينَ إلّا بَعْدَ أنْ هاجَرُوا إلى المَدِينَةِ إذْ قَدْ كانَ فِيها اليَهُودُ وكانُوا يُوهِمُونَ بِأنَّهم يَسْحَرُونَ النّاسَ. ويُداوِي مِنَ السِّحْرِ العَرّافُ ودَواءُ السِّحْرِ السَّلْوَةُ وهي خَرَزاتٌ مَعْرُوفَةٌ تُحَكُّ في الماءِ ويُشْرَبُ ماؤُها.

ووَرَدَ في التَّوْراةِ النَّهْيُ عَنِ السِّحْرِ فَهو مَعْدُودٌ مِن خِصالِ الشِّرْكِ وقَدْ وصَفَتِ التَّوْراةُ بِهِ أهْلَ الأصْنامِ فَقَدْ جاءَ في سِفْرِ التَّثْنِيَةِ في الإصْحاحِ ١٨ إذا دَخَلْتَ الأرْضَ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إلَهُكَ لا تَتَعَلَّمْ أنْ تَفْعَلَ مِثْلَ رِجْسِ أُولَئِكَ الأُمَمِ لا يُوجَدُ فِيكَ مَن يَزُجُّ ابْنَهُ أوِ ابْنَتَهُ في النّارِ ولا مَن يَعْرُفُ عِرافَةً ولا عائِفٌ ولا مُتَفائِلٌ ولا ساحِرٌ ولا مَن يَرْقى رُقْيَةً ولا مَن يَسْألُ جانًّا أوْ تابِعَةً ولا مَن يَسْتَشِيرُ المَوْتى لِأنَّ كُلَّ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ عِنْدَ الرَّبِّ.

وفِي سِفْرِ اللّاوِيِّينَ الإصْحاحِ ٢٠ ”(٦) والنَّفْسُ الَّتِي تَلْتَفِتُ إلى الجانِّ وإلى التَّوابِعِ لِتَزْنِيَ وراءَهم أجْعَلُ وجْهِي ضِدَّ تِلْكَ النَّفْسِ وأقْطَعُها مِن شِعْبِها (٢٧) وإذا كانَ في رَجُلٍ أوِ امْرَأةٍ جانٌّ أوْ تابِعَةٌ فَإنَّهُ يُقْتَلُ بِالحِجارَةِ يَرْجُمُونَهُ دَمُهُ عَلَيْهِ.

وكانُوا يَجْعَلُونَهُ أصْلًا دِينِيًّا لِمُخاطَبَةِ أرْواحِ المَوْتى وتَسْخِيرِ الشَّياطِينِ وشِفاءِ الأمْراضِ وقَدِ اسْتَفْحَلَ أمْرُهُ في بَلَدِ الكَلْدانِ وخَلَطُوهُ بِعُلُومِ النُّجُومِ وعِلْمِ الطِّبِّ. وأرْجَعَ المِصْرِيُّونَ المَعارِفَ السِّحْرِيَّةَ إلى جُمْلَةِ العُلُومِ الرِّياضِيَّةِ الَّتِي أفاضَها عَلَيْهِمْ“ طُوطٌ ”الَّذِي يَزْعُمُونَ أنَّهُ إدْرِيسُ وهو هَرْمَسَ عِنْدَ اليُونانِ.

وقَدِ اسْتَخْدَمَ الكَلْدانُ والمِصْرِيُّونَ فِيهِ أسْرارًا مِنَ العُلُومِ الطَّبِيعِيَّةِ والفَلْسَفِيَّةِ والرُّوحِيَّةِ قَصْدًا لِإخْراجِ الأشْياءِ في أبْهَرِ مَظاهِرِها حَتّى تَكُونَ فاتِنَةً أوْ خادِعَةً وظاهِرَةً، كَخَوارِقِ عاداتٍ، إلّا أنَّهُ شاعَ عِنْدَ عامَّتِهِمْ وبَعْدَ ضَلالِهِمْ عَنِ المَقْصِدِ العِلْمِيِّ مِنهُ فَصارَ عِبارَةً عَنِ التَّمْوِيهِ والتَّضْلِيلِ وإخْراجِ الباطِلِ في صُورَةِ الحَقِّ، أوِ القَبِيحِ في صُورَةٍ حَسَنَةٍ أوِ المُضِرِّ في صُورَةِ النّافِعِ.

وقَدْ صارَ عِنْدَ الكَلْدانِ والمِصْرِيِّينَ خاصِّيَّةً في يَدِ الكَهَنَةِ وهم يَوْمَئِذٍ أهْلُ العِلْمِ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ يَجْمَعُونَ في ذَواتِهِمُ الرِّئاسَةَ الدِّينِيَّةَ والعِلْمِيَّةَ فاتَّخَذُوا قَواعِدَ العُلُومِ الرِّياضِيَّةِ والفَلْسَفِيَّةِ والأخْلاقِيَّةِ لِتَسْخِيرِ العامَّةِ إلَيْهِمْ وإخْضاعِهِمْ بِما يُظْهِرُونَهُ مِنَ المَقْدِرَةِ عَلى عِلاجِ الأمْراضِ والِاطِّلاعِ عَلى الضَّمائِرِ بِواسِطَةِ الفِراسَةِ والتَّأْثِيرِ بِالعَيْنِ وبِالمَكائِدِ.

وقَدْ نَقَلَتْهُ الأُمَمُ عَنْ هاتَيْنِ الأُمَّتَيْنِ وأكْثَرُ ما نَقَلُوهُ عَنِ الكَلْدانِيِّينَ فاقْتَبَسَهُ مِنهُمُ السُّرْيانُ (الأشُورِيُّونَ) واليَهُودُ والعَرَبُ وسائِرُ الأُمَمِ المُتَدَيِّنَةِ والفُرْسُ واليُونانُ والرُّومانُ.

صفحة ٦٣٣

وأُصُولُ السِّحْرِ ثَلاثَةٌ: الأوَّلُ زَجْرُ النُّفُوسِ بِمُقْدِماتٍ تَوْهِيمِيَّةٍ وإرْهابِيَّةٍ بِما يَعْتادُهُ السّاحِرُ مِنَ التَّأْثِيرِ النَّفْسانِيِّ في نَفْسِهِ ومِنَ الضَّعْفِ في نَفْسِ المَسْحُورِ ومِن سَوابِقَ شاهَدَها المَسْحُورُ واعْتَقَدَها فَإذا تَوَجَّهَ إلَيْهِ السّاحِرُ سُخِّرَ لَهُ وإلى هَذا الأصْلِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى في ذِكْرِ سَحَرَةِ فِرْعَوْنَ ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ واسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ [الأعراف: ١١٦] .

الثّانِي اسْتِخْدامُ مُؤَثِّراتٍ مِن خَصائِصِ الأجْسامِ مِنَ الحَيَوانِ والمَعْدِنِ وهَذا يَرْجِعُ إلى خَصائِصَ طَبِيعِيَّةٍ كَخاصِّيَّةِ الزِّئْبَقِ ومِن ذَلِكَ العَقاقِيرُ المُؤَثِّرَةُ في العُقُولِ صَلاحًا أوْ فَسادًا والمُفْتِرَةُ لِلْعَزائِمِ والمُخَدِّراتُ والمُرْقِداتُ عَلى تَفاوُتِ تَأْثِيرِها وإلى هَذا الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى في سَحَرَةِ فِرْعَوْنَ ﴿إنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ﴾ [طه: ٦٩] .

الثّالِثُ: الشَّعْوَذَةُ واسْتِخْدامُ خَفايا الحَرَكَةِ والسُّرْعَةِ والتَّمَوُّجِ حَتّى يُخَيَّلَ الجَمادُ مُتَحَرِّكًا وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمُ أنَّها تَسْعى﴾ [طه: ٦٦] .

هَذِهِ أصُولُ السِّحْرِ بِالِاسْتِقْراءِ وقَدْ قَسَّمَها الفَخْرُ في التَّفْسِيرِ إلى ثَمانِيَةِ أقْسامٍ لا تَعْدُو هَذِهِ الأُصُولَ الثَّلاثَةَ وفي بَعْضِها تَداخَلٌ. ولِعُلَماءِ الإفْرِنْجِ تَقْسِيمٌ آخَرَ لَيْسَ فِيهِ كَبِيرُ جَدْوى.

وهَذِهِ الأُصُولُ الثَّلاثَةُ كُلُّها أعْمالٌ مُباشِرَةٌ لِلْمَسْحُورِ ومُتَّصِلَةٌ بِهِ ولَها تَأْثِيرٌ عَلَيْهِ بِمِقْدارِ قابِلِيَّةِ نَفْسِهِ الضَّعِيفَةِ وهو لا يَتَفَطَّنُ لَها، ومَجْمُوعُها هو الَّذِي أشارَتْ إلَيْهِ الآيَةُ، وهو الَّذِي لا خِلافَ في إثْباتِهِ عَلى الجُمْلَةِ دُونَ تَفْصِيلٍ، وما عَداها مِنَ الأوْهامِ والمَزاعِمِ هو شَيْءٌ لا أثَرَ لَهُ وذَلِكَ كُلُّ عَمَلٍ لا مُباشَرَةَ لَهُ بِذاتِ مَن يُرادُ سِحْرُهُ ويَكُونُ غائِبًا عَنْهُ فَيَدَّعِي أنَّهُ يُؤَثِّرُ فِيهِ، وهَذا مِثْلَ رَسْمِ أشْكالٍ يُعَبَّرُ عَنْها بِالطَّلاسِمِ، أوْ عَقْدِ خُيُوطٍ والنَّفْثُ عَلَيْها بَرُقْياتٍ مُعَيَّنَةٍ تَتَضَمَّنُ الِاسْتِنْجادَ بِالكَواكِبِ أوْ بِأسْماءِ الشَّياطِينِ والجِنِّ وآلِهَةِ الأقْدَمِينَ، وكَذا كِتابَةُ اسْمِ المَسْحُورِ في أشْكالٍ. أوْ وضْعِ صُورَتِهِ أوْ بَعْضِ ثِيابِهِ وعَلائِقِهِ وتَوْجِيهِ كَلامٍ إلَيْها بِزَعْمِ أنَّهُ يُؤَثِّرُ ذَلِكَ في حَقِيقَةِ ذاتِ المَسْحُورِ، أوْ يَسْتَعْمِلُونَ إشاراتٍ خاصَّةً نَحْوَ جِهَتِهِ أوْ نَحْوَ بَلَدِهِ وهو ما يُسَمُّونَهُ بِالأرْصادِ وذَكَرَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ في القَبَسِ أنَّ قُرَيْشًا لَمّا أشارَ النَّبِيءُ ﷺ بِأُصْبُعِهِ في التَّشَهُّدِ قالُوا: هَذا مُحَمَّدٌ يَسْحَرُ النّاسَ، أوْ جَمْعِ أجْزاءٍ مُعَيَّنَةٍ وضَمِّ بَعْضِها إلى بَعْضٍ مَعَ نِيَّةٍ أنَّ ذَلِكَ الرَّسْمَ أوِ الجَمْعَ لِتَأْثِيرِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ بِضُرٍّ أوْ خَيْرٍ أوْ مَحَبَّةٍ أوْ بُغْضَةٍ

صفحة ٦٣٤

أوْ مَرَضٍ أوْ سَلامَةٍ، ولا سِيَّما إذا قُرِنَ بِاسْمِ المَسْحُورِ وصُورَتِهِ أوْ بِطالِعِ مِيلادِهِ، فَذَلِكَ كُلُّهُ مِنَ التَّوَهُّماتِ ولَيْسَ عَلى تَأْثِيرِها دَلِيلٌ مِنَ العَقْلِ ولا مِنَ الطَّبْعِ ولا ما يُثْبِتُهُ مِنَ الشَّرْعِ، وقَدِ انْحَصَرَتْ أدِلَّةُ إثْباتِ الحَقائِقِ في هَذِهِ الأدِلَّةِ، ومِنَ العَجائِبِ أنَّ الفَخْرَ في التَّفْسِيرِ حاوَلَ إثْباتَهُ بِما لَيْسَ بِمُقْنِعٍ.

وقَدْ تَمَسَّكَ جَماعَةٌ لِإثْباتِ تَأْثِيرِ هَذا النَّوْعِ مِنَ السِّحْرِ بِما رُوِيَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ «قَوْلِ عائِشَةَ أنَّ لَبِيدَ بْنَ الأعْصَمِ سَحَرَ النَّبِيءَ ﷺ ورُؤْيا النَّبِيءِ ﷺ أنَّ مَلَكَيْنِ أخْبَراهُ بِذَلِكَ السِّحْرِ»، وفي النَّسائِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ مِثْلَهُ مُخْتَصَرًا، ويَنْبَغِي التَّثَبُّتُ في عِباراتِهِ ثُمَّ في تَأْوِيلِهِ، ولا شَكَّ أنَّ لَبِيدًا حاوَلَ أنْ يَسْحَرَ النَّبِيءَ ﷺ فَقَدْ كانَ اليَهُودُ سَحَرَةً في المَدِينَةِ وأنَّ اللَّهَ أطْلَعَ رَسُولَهُ عَلى ما فَعَلَهُ لَبِيدٌ لِتَكُونَ مُعْجِزَةً لِلنَّبِيءِ ﷺ في إبْطالِ سِحْرِ لَبِيدٍ ولِيَعْلَمَ اليَهُودُ أنَّهُ نَبِيءٌ لا تَلْحَقُهُ أضْرارُهم وكَما لَمْ يُؤَثِّرْ سِحْرُ السَّحَرَةِ عَلى مُوسى كَذَلِكَ لَمْ يُؤَثِّرْ سِحْرُ لَبِيدٍ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإنَّما عَرَضَ لِلنَّبِيءِ ﷺ عارِضٌ جَسَدِيٌّ شَفاهُ اللَّهُ مِنهُ فَصادَفَ أنْ كانَ مُقارَنًا لِما عَمِلَهُ لَبِيدُ بْنُ الأعْصَمِ مِن مُحاوَلَةِ سِحْرِهِ وكانَتْ رُؤْيا النَّبِيءِ ﷺ إنْباءً مِنَ اللَّهِ لَهُ بِما صَنَعَ لَبِيدٌ، والعِبارَةُ عَنْ صُورَةِ تِلْكَ الرُّؤْيا كانَتْ مُجْمَلَةً فَإنَّ الرَّأْيَ رُمُوزٌ ولَمْ يَرِدْ في الخَبَرِ تَعْبِيرُ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ فَلا تَكُونُ أصْلًا لِتَفْصِيلِ القِصَّةِ.

ثُمَّ إنَّ لِتَأْثِيرِ هاتِهِ الأسْبابِ أوِ الأُصُولِ الثَّلاثَةِ شُرُوطًا وأحْوالًا بَعْضُها في ذاتِ السّاحِرِ وبَعْضُها في ذاتِ المَسْحُورِ، فَيَلْزَمُ في السّاحِرِ أنْ يَكُونَ مُفْرِطَ الذَّكاءِ مُنْقَطِعًا لِتَجْدِيدِ المُحاوَلاتِ السِّحْرِيَّةِ جَسُورًا قَوِيَّ الإرادَةِ كَتُومًا لِلسِّرِّ قَلِيلَ الِاضْطِرابِ لِلْحَوادِثِ سالِمَ البِنْيَةِ مُرْتاضَ الفِكْرِ خَفِيَّ الكَيْدِ والحِيلَةِ، ولِذَلِكَ كانَ غالِبُ السَّحَرَةِ رِجالًا ولَكِنْ كانَ الحَبَشَةُ يَجْعَلُونَ السَّواحِرَ نِساءً وكَذَلِكَ كانَ الغالِبُ في الفُرْسِ والعَرَبِ، قالَ تَعالى ﴿ومِن شَرِّ النَّفّاثاتِ في العُقَدِ﴾ [الفلق: ٤] فَجاءَ بِجَمْعِ الإناثِ وكانَتِ الجاهِلِيَّةُ تَقُولُ: إنَّ الغِيلانَ عَجائِزُ مِنَ الجِنِّ ساحِراتٌ فَلِذَلِكَ تَسْتَطِيعُ التَّشَكُّلَ بِأشْكالٍ مُخْتَلِفَةٍ، وكانَ مُعَلِّمُو السِّحْرِ يَمْتَحِنُونَ صَلاحِيَةَ تَلامِذَتِهِمْ لِهَذا العِلْمِ بِتَعْرِيضِهِمْ لِلْمَخاوِفِ وأمْرِهِمْ بِارْتِكابِ المَشاقِّ تَجْرِبَةً لِمِقْدارِ عَزائِمِهِمْ وطاعَتِهِمْ.

وأمّا ما يَلْزَمُ في المَسْحُورِ فَخَوْرُ العَقْلِ، وضَعْفُ العَزِيمَةِ، ولَطافَةُ البِنْيَةِ، وجَهالَةُ العَقْلِ

صفحة ٦٣٥

ولِذَلِكَ كانَ أكْثَرَ النّاسِ قابِلِيَّةً لَهُ النِّساءُ والصِّبْيانُ والعامَّةُ ومَن يَتَعَجَّبُ في كُلِّ شَيْءٍ. ولِذَلِكَ كانَ مِن أصُولِ السِّحْرِ إلْقاءُ أقْوالٍ كاذِبَةٍ عَلى المَسْحُورِ لِاخْتِبارِ مِقْدارِ عَقْلِهِ في التَّصْدِيقِ بِالأشْياءِ الواهِيَةِ والثِّقَةِ بِالسّاحِرِ، قالَ تَعالى ﴿ولَئِنْ قُلْتَ إنَّكم مَبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ المَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [هود: ٧] فَجَعَلُوا ذَلِكَ القَوْلَ الغَرِيبَ سِحْرًا.

ثُمَّ تَحُفُّ بِالسِّحْرِ أعْمالٌ القَصْدُ مِنها التَّمْوِيهُ وهَذِهِ الأعْمالُ أنْواعٌ.

نَوْعٌ الغَرَضُ مِنهُ تَقْوِيَةُ اعْتِقادِ السّاحِرِ في نَجاحِ عَمَلِهِ لِتَقْوى عَزِيمَتُهُ فَيَشْتَدُّ تَأْثِيرُهُ عَلى النُّفُوسِ وهَذا مِثْلُ تَلْقِينِ مُعَلِّمِي هَذا الفَنِّ تَلامِذَتَهم عِبادَةَ كَواكِبَ ومُناجاتِها لِاسْتِخْدامِ أرْواحِها والِاسْتِنْجادِ بِتِلْكَ الأرْواحِ عَلى اسْتِخْدامِ الجِنِّ والقُوى المُتَعاصِيَةِ لِيَعْتَقِدَ المُتَعَلِّمُ أنَّ ذَلِكَ سَبَبُ نَجاحِ عَمَلِهِ فَيُقْدِمَ عَلَيْهِ بِعَزْمٍ، وفي ذَلِكَ تَأْثِيرٌ نَفْسانِيٌّ عَجِيبٌ، ولِذَلِكَ يُسَمُّونَ تِلْكَ الأقْوالَ والمُناجاةَ عَزائِمَ جَمْعُ عَزِيمَةٍ، ويَقُولُونَ فُلانٌ يَعْزِمُ إذا كانَ يَسْحَرُ، ثُمَّ هو إذا اسْتَكْمَلَ المَعْرِفَةَ قَدْ يَتَفَطَّنُ لِقِلَّةِ جَدْوى تِلْكَ العَزائِمِ وقَدْ لا يَتَفَطَّنُ وعَلى كِلْتا الحالَتَيْنِ فَمُعَلِّمُوهُ لا يَتَعَرَّضُونَ لَهُ في نِهايَةِ التَّعْلِيمِ بِالتَّنْبِيهِ عَلى فَسادِ ذَلِكَ لِئَلّا يُدْخِلُوا عَلَيْهِ الشُّكُوكَ في مَقْدِرَتِهِ، فَلِذَلِكَ بَقِيَتْ تِلْكَ الأوْهامُ يَتَلَقّاها الأخْلافُ عَنْ أسْلافِهِمْ، ومِن هَذا النَّوْعِ ضُرُوبٌ هي في الأصْلِ تَجارِبُ لِمِقْدارِ طاعَةِ المُتَعَلِّمِ لِمُعَلِّمِهِ، بَقِيَتْ مُتَلَقّاةً عِنْدَهم عَنْ غَيْرِ بَصِيرَةٍ مِثْلَ ارْتِكابِ الخَبائِثِ وإهانَةِ الصّالِحاتِ والأُمُورِ المُقَدَّسَةِ إيهامًا بِأنَّها تُبَلِّغُ إلى مَرْضاةِ الشَّياطِينِ وتَسْخِيرِها، وذَلِكَ في الواقِعِ اخْتِبارٌ لِمِقْدارِ خُضُوعِ المُتَعَلِّمِ، لِأنَّ أكْبَرَ شَيْءٍ عَلى النَّفْسِ نَبْذُ أعَزِّ الأشْياءِ وهو الدِّينُ، ولِأنَّ السَّحَرَةَ لَيْسُوا مِنَ المِلِّيِّينَ فَهم يَبْلُغُونَ بِمُرِيدِيهِمْ إلى مَبالِغِهِمُ السّافِلَةِ، وقَدْ سَمِعْنا أنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ يَتَعاطَوْنَ السِّحْرَ في المُسْلِمِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم لا يَتَأتّى لَهم نَجاحٌ إلّا بَعْدَ أنْ يُلَطِّخُوا أيْدِيَهم بِالنَّجاساتِ أوْ نَحْوٍ مِن هَذا الضَّلالِ.

ونَوْعٌ الغَرَضُ مِنهُ إخْفاءُ الأسْبابِ الحَقِيقِيَّةِ لِتَمْوِيهاتِهِمْ حَتّى لا يَطَّلِعَ النّاسُ عَلى كُنْهِها، فَيَسْتَنِدُونَ في تَعْلِيلِ أعْمالِهِمْ إلى أسْبابٍ كاذِبَةٍ كَنِدائِهِمْ بِأسْماءٍ سَمَّوْها لا مُسَمَّياتِ لَها، ووَضْعِهِمْ أشْكالًا عَلى الوَرَقِ أوْ في الجُدْرانِ يَزْعُمُونَ أنَّ لَها خَصائِصَ التَّأْثِيرِ، واسْتِنادِهِمْ لِطَوالِعِ كَواكِبَ في أوْقاتٍ مُعَيَّنَةٍ لا سِيَّما القَمَرِ، ومِن هَذا تَظاهُرُهم لِلنّاسِ بِمَظْهَرِ الزُّهْدِ والهِمَّةِ.

ونَوْعٌ يُسْتَعانُ بِهِ عَلى نُفُوذِ السِّحْرِ وهو التَّجَسُّسُ والتَّطَلُّعُ عَلى خَفايا الأشْياءِ وأسْرارِ النّاسِ بِواسِطَةِ السَّعْيِ بِالنَّمِيمَةِ وإلْقاءِ العَداواتِ بَيْنَ الأقارِبِ والأصْحابِ والأزْواجِ

صفحة ٦٣٦

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском