Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:102–104, continued
تَأْثِيرُ حِيَلِهِ بِاخْتِلافِ قابِلِيَّةِ المَسْحُورِ، وتِلْكَ القابِلِيَّةُ مُتَفاوِتَةٌ ولَها أحْوالٌ كَثِيرَةٌ أجْمَلَتْها الآيَةُ بِالِاسْتِثْناءِ مِن قَوْلِهِ: ﴿إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾، أيْ يَجْعَلُ اللَّهُ أسْبابَ القابِلِيَّةِ لِأثَرِ السِّحْرِ في بَعْضِ النُّفُوسِ فَهَذا إجْمالٌ حَسَنٌ مُناسِبٌ لِحالِ المُسْلِمِينَ المُوَجَّهِ إلَيْهِمُ الكَلامُ لِأنَّهم تَخَلَّقُوا بِتَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ، ولَيْسَ المَقامُ مَقامَ تَفْصِيلِ الأسْبابِ والمُؤَثِّراتِ، ولَكِنَّ المَقْصُودَ إبْطالُ أنْ تَكُونَ لِلسِّحْرِ حالَةٌ ذاتِيَّةٌ وقَواعِدُ غَيْرُ مُمَوَّهَةٍ، فالباءُ في قَوْلِهِ بِإذْنِ اللَّهِ لِلْمُلابَسَةِ. وأصْلُ الإذْنِ في اللُّغَةِ هو إباحَةُ الفِعْلِ، واسْتَأْذَنَ طَلَبَ الإذْنَ في الفِعْلِ أوْ في الدُّخُولِ لِلْبَيْتِ وقَدِ اسْتَعْمَلَهُ القُرْآنُ مَجازًا في مَعْنى التَّمْكِينِ إمّا بِخَلْقِ أسْبابِ الفِعْلِ الخارِقَةِ لِلْعادَةِ، نَحْوَ قَوْلِهِ ﴿وتُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ بِإذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠] وإمّا بِاسْتِمْرارِ الأسْبابِ المُودَعَةِ في الأشْياءِ والقُوى، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أصابَكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٦] فَقَوْلُهُ ﴿وما هم بِضارِّينَ بِهِ مِن أحَدٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ إلّا بِما أعَدَّ اللَّهُ في قابِلِ السِّحْرِ مِنِ اسْتِعْدادٍ لِأنْ يُضَرَّ بِهِ فَإنَّ هَذا الِاسْتِعْدادَ وإمْكانَ التَّأثُّرِ مَخْلُوقٌ في صاحِبِهِ فَهو بِإذْنِ اللَّهِ ومَشِيئَتِهِ كَذا قَرَّرَهُ الرّاغِبُ وهو يَرْجِعُ إلى اسْتِعْمالِ مِمّا تُسْتَعْمَلُ فِيهِ كَلِمَةُ إذَنْ ( ومِن هَذا القَبِيلِ ونَظِيرِهِ لَفْظَةُ الأمْرِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] أيْ مِمّا خَلَقَ اللَّهُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تُلْحِقُ أضْرارَها لِلنّاسِ وقَدِ اشْتُهِرَ هَذا الِاسْتِعْمالُ في لِسانِ الشَّرْعِ حَتّى صارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً في مَعْنى المَشِيئَةِ والإرادَةِ فَيَنْبَغِي أنْ يَلْحَقَ بِالألْفاظِ الَّتِي فَرَّقَ المُتَكَلِّمُونَ بَيْنَ مَدْلُولاتِها وهي الرِّضا والمَحَبَّةُ والأمْرُ والمَشِيئَةُ والإرادَةُ. فَلَيْسَ المَعْنى أنَّ السِّحْرَ قَدْ يَضُرُّ وقَدْ لا يَضُرُّ بَلِ المَعْنى أنَّهُ لا يَضُرُّ مِنهُ إلّا ما كانَ إيصالُ أشْياءَ ضارٌّ بِطَبْعِها وقَوْلُهُ ﴿ويَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ يَعْنِي: ما يَضُرُّ النّاسَ ضُرًّا آخَرَ غَيْرَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ فَضَمِيرُ يَضُرُّهم عائِدٌ عَلى غَيْرِ ما عادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ يَتَعَلَّمُونَ والمَعْنى: أنَّ أُمُورَ السِّحْرِ لا يَأْتِي مِنها إلّا الضُّرُّ أيْ في الدُّنْيا فالسّاحِرُ لا يَسْتَطِيعُ سِحْرَ أحَدٍ لِيَصِيرَ ذَكِيًّا بَعْدَ أنْ كانَ بَلِيدًا أوْ لِيَصِيرَ غَنِيًّا بَعْدَ الفَقْرِ وهَذا زِيادَةُ تَنْبِيهٍ عَلى سَخافَةِ عُقُولِ المُشْتَغِلِينَ بِهِ وهو مَقْصِدُ الآيَةِ وبِهَذا التَّفْسِيرِ يَكُونُ عَطْفُ قَوْلِهِ ولا يَنْفَعُهم تَأْسِيسًا لا تَأْكِيدًا والمُلاحَظُ في هَذا الضُّرِّ والنَّفْعِ هو ما يَحْصُلُ في الدُّنْيا وأمّا حالُهم في الآخِرَةِ فَسَيُفِيدُهُ قَوْلُهُ ﴿ولَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ وقَدْ أفادَتِ الآيَةُ بِجَمْعِها بَيْنَ إثْباتِ الضُّرِّ ونَفْيِ النَّفْعِ الَّذِي هو ضِدُّهُ مُفادَ الحَصْرِ كَأنَّهُ قِيلَ: ويَتَعَلَّمُونَ ما لَيْسَ إلّا ضُرًّا كَقَوْلِ السَّمَوْألِ وعَبْدِ المَلِكِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ الحارِثِيِّ:
صفحة ٦٤٦
تَسِيلُ عَلى حَدِّ الظُّباتِ نُفُوسُنا ولَيْسَ عَلى غَيْرِ الظُّباتِ تَسِيلُ
وعَدَلَ عَنْ صِيغَةِ القَصْرِ لِتِلْكَ النُّكْتَةِ المُتَقَدِّمَةِ وهي التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ ضُرٌّ. وإعادَةُ فِعْلِ يَتَعَلَّمُونَ مَعَ حَرْفِ العَطْفِ لِأجْلِ ما وقَعَ مِنَ الفَصْلِ بِالجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ.
* * *
﴿ولَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ ولَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾
عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾ أيِ اتَّبَعُوا ذَلِكَ كُلَّهُ وهم قَدْ عَلِمُوا إلَخْ والضَّمِيرُ لِلْيَهُودِ تَبَعًا لِضَمِيرِ واتَّبَعُوا، أوِ الواوُ لِلْحالِ أيْ في حالِ أنَّهم تَحَقَّقَ عِلْمُهم. واللّامُ في لَقَدْ عَلِمُوا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لامَ القَسَمِ وهي اللّامُ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تَدْخُلَ عَلى جَوابِ القَسَمِ لِرَبْطِهِ بِالقَسَمِ ثُمَّ يَحْذِفُونَ القَسَمَ كَثِيرًا اسْتِغْناءً لِدَلالَةِ الجَوابِ عَلَيْهِ دَلالَةً التِزامِيَّةً؛ لِأنَّهُ لا يَنْتَظِمُ جَوابٌ بِدُونِ مُجابٍ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لامَ الِابْتِداءِ، وهي لامٌ تُفِيدُ تَأْكِيدَ القَسَمِ ويَكْثُرُ دُخُولُها في صَدْرِ الكَلامِ، فَلِذَلِكَ قِيلَ لَها لامُ الِابْتِداءِ والِاحْتِمالانِ حاصِلانِ في كُلِّ كَلامٍ صالِحٍ لِلْقَسَمِ ولَيْسَ فِيهِ قَسَمٌ، فَإنَّ حَذْفَ لَفْظِ القَسَمِ مُشْعِرٌ في المَقامِ الخَطابِيِّ بِأنَّ المُتَكَلِّمَ غَيْرُ حَرِيصٍ عَلى مَزِيدِ التَّأْكِيدِ كَما كانَ ذِكْرُ إنَّ وحْدَها في تَأْكِيدِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ أضْعَفَ تَأْكِيدًا مِنَ الجَمْعِ بَيْنَها وبَيْنَ لامِ الِابْتِداءِ؛ لِأنَّهُما أداتا تَأْكِيدٍ. قالَ الرَّضِيُّ إنَّ مَواقِعَ لامِ القَسَمِ في نَظَرِ الجُمْهُورِ هي كُلُّها لاماتُ الِابْتِداءِ.
والكُوفِيُّونَ لا يُثْبِتُونَ لامَ الِابْتِداءِ ويَحْمِلُونَ مَواقِعَها عَلى مَعْنى القَسَمِ المَحْذُوفِ، والخِلافُ في هَذا مُتَقارِبٌ. واللّامُ في قَوْلِهِ“ ﴿لَمَنِ اشْتَراهُ﴾ ”يَجُوزُ كَوْنُها لامَ قَسَمٍ أيْضًا تَأْكِيدًا لِلْمَعْلُومِ أيْ عَلِمُوا تَحْقِيقَ أنَّهُ لا خَلاقَ لِمُشْتَرِي السِّحْرِ ويَجُوزُ كَوْنُها لامَ ابْتِداءٍ. والِاشْتِراءُ هو اكْتِسابُ شَيْءٍ بِبَذْلِ غَيْرِهِ فالمَعْنى أنَّهُمُ اكْتَسَبُوهُ بِبَذْلِ إيمانِهِمُ المُعَبِّرِ عَنْهُ فِيما يَأْتِي بِقَوْلِهِ“ أنْفُسَهم ”. والخَلاقُ الحَظُّ مِنَ الخَيْرِ خاصَّةً.
فَفِي الحَدِيثِ ( «إنَّما يَلْبَسُ هَذا مِن لا خَلاقَ لَهُ» ( وقالَ البُعَيْثُ بْنُ حُرَيْثٍ:
ولَسْتُ وإنْ قَرُبْتُ يَوْمًا بِبائِعٍ خَلاقِي ولا دِينِي ابْتِغاءَ التَّحَبُّبِ
ونَفْيُ الخَلاقِ وهو نَكِرَةٌ مَعَ تَأْكِيدِ النَّفْيِ بِمِنَ الِاسْتِغْراقِيَّةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ تَعاطِيَ هَذا السِّحْرِ جُرْمُ كُفْرٍ أوْ دُونَهُ فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِمُتَعاطِيهِ حَظٌّ مِنَ الخَيْرِ في الآخِرَةِ وإذا انْتَفى كُلُّ
صفحة ٦٤٧
حَظٍّ مِنَ الخَيْرِ ثَبَتَ الشَّرُّ كُلُّهُ لِأنَّ الرّاحَةَ مِنَ الشَّرِّ خَيْرٌ وهي حالَةُ الكَفافِ وقَدْ تَمَنّاها الفُضَلاءُ أوْ دُونَهُ خَشْيَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى.
قَوْلُهُ ﴿ولَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى“ ولَقَدْ عَلِمُوا ”عَطْفُ الإنْشاءِ عَلى الخَبَرِ و“ شَرَوْا ”بِمَعْنى: باعُوا بِمَعْنى بَذَلُوا وهو مُقابِلُ قَوْلِهِ“ لَمَنِ اشْتَراهُ ”ومَعْنى بَذْلِ النَّفْسِ هو التَّسَبُّبُ لَها في الخَسارِ والبَوارِ.
وقَوْلُهُ“ ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ”مُقْتَضٍ لِنَفْيِ العِلْمِ بِطَرِيقِ لَوِ الِامْتِناعِيَّةِ. والعِلْمُ المَنفِيُّ عَنْهم هُنا هو غَيْرُ العِلْمِ المُثْبَتِ لَهم في قَوْلِهِ“ ولَقَدْ عَلِمُوا ”إلّا أنَّ الَّذِي عَلِمُوهُ هو أنَّ مُكْتَسِبَ السِّحْرِ ما لَهُ خَلاقٌ في الآخِرَةِ والَّذِي جَهِلُوهُ هُنا هو أنَّ السِّحْرَ شَيْءٌ مَذْمُومٌ وفِيهِ تَجْهِيلٌ لَهم حَيْثُ عَلِمُوا أنَّ صاحِبَهُ لا خَلاقَ لَهُ ولَمْ يَهْتَدُوا إلى أنَّ نَفْيَ الخَلاقِ يَسْتَلْزِمُ الخُسْرانَ إذْ ما بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ وهَذا هو الوَجْهُ لِأنَّ“ ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ”ذُيِّلَ بِهِ قَوْلُهُ ﴿ولَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ دَلِيلُ مَفْعُولِهِ، وبِذَلِكَ يَنْدَفِعُ الإشْكالُ عَنْ إثْباتِ العِلْمِ ونَفْيِهِ في مَعْلُومٍ واحِدٍ بِناءً عَلى أنَّ العِلْمَ بِأنَّهُ لا خَلاقَ لِصاحِبِ السِّحْرِ عَيْنُ مَعْنى كَوْنِ السِّحْرِ مَذْمُومًا، فَكَيْفَ يُعَدُّونَ غَيْرَ عالِمَيْنِ بِذَمِّهِ ؟ وقَدْ عَلِمْتَ وجْهَهُ وهَذا هو الَّذِي تُحْمَلُ عَلَيْهِ الآيَةُ.
ولَهم في الجَوابِ عَنْ دَفْعِ الإشْكالِ وُجُوهٌ أُخْرى أحَدُها ما ذَهَبَ إلَيْهِ صاحِبُ الكَشّافِ وتَبِعَهُ صاحِبُ المِفْتاحِ مِن أنَّ المُرادَ مِن نَفْيِ العِلْمِ هو أنَّهم لَمّا كانُوا في عِلْمِهِمْ كَمَن لا يَعْلَمُ بِعَدَمِ عَمَلِهِمْ بِهِ نَفْيُ العِلْمِ عَنْهم لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِهِ، أيْ فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ. الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالعِلْمِ المَنفِيِّ هو عِلْمُ كَوْنِ ما يَتَعاطَوْنَهُ مِن جُمْلَةِ السِّحْرِ المَنهِيِّ عَنْهُ، فَكَأنَّهم عَلِمُوا مَذَمَّةَ السِّحْرِ عِلْمًا كُلِّيًّا، ولَمْ يَتَفَطَّنُوا لِكَوْنِ صَنِيعِهِمْ مِنهُ كَما قالُوا: إنَّ الفَقِيهَ يَعْلَمُ كُبْرى القِياسِ والقاضِيَ والمُفْتِيَ يَعْلَمانِ صُغْراهُ وأنَّ الفَقِيهَ كالصَّيْدَلانِيِّ والقاضِيَ والمُفْتِيَ كالطَّبِيبِ وهَذا الوَجْهُ الَّذِي اخْتَرْناهُ.
الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ“ ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ”ما يَتْبَعُهُ مِنَ العَذابِ في الآخِرَةِ أيْ فَهم ظَنُّوا أنَّ عَدَمَ الخِلافِ لا يَسْتَلْزِمُ العَذابَ وهَذا قَرِيبٌ مِنَ الَّذِي ذَكَرْناهُ. الرّابِعُ: أنَّ المُرادَ مِنَ العِلْمِ المَنفِيِّ التَّفَكُّرُ ومِنَ المُثْبَتِ العِلْمُ الغَرِيزِيُّ وهَذا وجْهٌ بَعِيدٌ جِدًّا إذْ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عِلْمُهم بِأنَّ مَنِ اكْتَسَبَ السِّحْرَ لا خَلاقَ لَهُ عِلْمًا غَرِيزِيًّا فَلَوْ قِيلَ العِلْمُ التَّصَوُّرِيُّ والعِلْمُ التَّصْدِيقِيُّ. وفي الجَمْعِ بَيْنَ لَقَدْ عَلِمُوا ولَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ طِباقٌ عَجِيبٌ.
صفحة ٦٤٨
وهُنالِكَ جَوابٌ آخَرُ مَبْنِيٌّ عَلى اخْتِلافِ مُعادِ ضَمِيرِ“ عَلِمُوا ”وضَمِيرَيِّ“ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ”فَضَمِيرُ“ لَقَدْ عَلِمُوا ”راجِعٌ إلى الجِنِّ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ السِّحْرَ وضَمِيرا“ ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ " راجِعانِ إلى الإنْسِ الَّذِينَ تَعَلَّمُوا السِّحْرَ وشَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم، قالَهُ قُطْرُبٌ والأخْفَشُ وبِذَلِكَ صارَ الَّذِينَ أُثْبِتَ لَهُمُ العِلْمُ غَيْرَ المَنفِيِّ عَنْهم.
2:103Page 16
وَلَوۡ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَمَثُوبَةٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ خَيۡرٞۚ لَّوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ١٠٣
And if they had believed and feared Allāh, then the reward from Allāh would have been [far] better, if they only knew.
﴿ولَوْ أنَّهُمُ آمَنُوا واتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾
أيْ لَوْ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ واتَّقَوُا اللَّهَ فَلَمْ يُقْدِمُوا عَلى إنْكارِ ما بَشَّرَتْ بِهِ كُتُبُهم لَكانَتْ لَهم مَثُوبَةً مِن عِنْدِ اللَّهِ ومَثُوبَةُ اللَّهِ خَيْرٌ مِن كُلِّ نَفْعٍ حَمَلَهم عَلى المُكابَرَةِ.
ولَوْ شَرْطِيَّةٌ امْتِناعِيَّةٌ اقْتَرَنَ شَرْطُها بِأنَّ مَعَ التِزامِ الفِعْلِ الماضِي في جُمْلَتِهِ عَلى حَدِّ قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
ولَوْ أنَّ ما أسْعى لِأدْنى مَعِيشَةٍ كَفانِي ولَمْ أطْلُبْ قَلِيلٌ مِنَ المالِ
وأنَّ مَعَ صِلَتِها في مَحَلِّ مُبْتَدَأٍ عِنْدَ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ وما في جُمْلَةِ الصِّلَةِ مِنَ المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إلَيْهِ أكْمَلَ الفائِدَةَ فَأغْنى عَنِ الخَبَرِ. وقِيلَ: خَبَرُها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ ثابِتٌ أيْ ولَوْ إيمانُهم ثابِتٌ.
وقَوْلُهُ ”لَمَثُوبَةٌ“ يَتَرَجَّحُ أنْ يَكُونَ جَوابَ لَوْ فَإنَّهُ مُقْتَرِنٌ بِاللّامِ الَّتِي يَكْثُرُ اقْتِرانُ جَوابِ لَوِ المُثْبَتِ بِها، والجَوابُ هُنا جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ وهي لا تَقَعُ جَوابًا لِلَوْ في الغالِبِ وكانَ هَذا الجَوابُ غَيْرَ ظاهِرِ التَّرْتِيبِ والتَّعْلِيقِ عَلى جُمْلَةِ الشَّرْطِ لِأنَّ مَثُوبَةَ اللَّهِ خَيْرٌ سَواءٌ آمَنَ اليَهُودُ واتَّقَوْا أمْ لَمْ يَفْعَلُوا.
قالَ بَعْضُ النُّحاةِ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ لا ثِيبُوا ومَثُوبَةً مِن عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ. وعَدَلَ عَنْهُ صاحِبُ الكَشّافِ فَقالَ ؟ أُوثِرَتِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ في جَوابِ لَوْ عَلى الفِعْلِيَّةِ لِما في ذَلِكَ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ المَثُوبَةِ واسْتِقْرارِها كَما عَدَلَ عَنِ النَّصْبِ إلى الرَّفْعِ في (سَلامٌ عَلَيْكم) لِذَلِكَ اهـ.
ومُرادُهُ أنَّ تَقْدِيرَ الجَوابِ لا ثِيبُوا مَثُوبَةً مِنَ اللَّهِ خَيْرًا لَهم مِمّا شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم، أوْ لَمَثُوبَةً بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ بَدَلٌ مِن فِعْلِهِ، وكَيْفَما كانَ فالفِعْلُ أوْ بَدَلُهُ يَدُلّانِ عَلى الحُدُوثِ فَلا دَلالَةَ لَهُ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ.
ولَمّا كانَ المَقامُ يَقْتَضِي حُصُولَ المَثُوبَةِ وثَباتَها وثَباتَ الخَيْرِيَّةِ لَها لِيَحْصُلَ مَجْمُوعُ مَعانٍ عَدَلَ عَنِ النَّصْبِ المُؤَذِّنِ بِالفِعْلِ إلى الرَّفْعِ لِأنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ لا تُفِيدُ الحُدُوثَ بَلِ الثُّبُوتَ
صفحة ٦٤٩
ويَنْتَقِلُ مِن إفادَتِها الثُّبُوتَ إلى إفادَةِ الدَّوامِ والثَّباتِ فَدَلالَةُ الآيَةِ عَلى ثَباتِ المَثُوبَةِ بِالعُدُولِ عَنْ نَصْبِ المَصْدَرِ إلى رَفْعِهِ كَما في ”سَلامٌ عَلَيْكم“ و”الحَمْدُ لِلَّهِ“ ودَلالَتِها عَلى ثَباتِ نِسْبَةِ الخَيْرِيَّةِ لِلْمَثُوبَةِ مِن كَوْنِ النِّسْبَةِ مُسْتَفادَةً مِن جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ فَصارَتِ الجُمْلَةُ بِمَنزِلَةِ جُمْلَتَيْنِ لِأنَّ أصْلَ المَصْدَرِ الآتِي بَدَلًا مِن فِعْلِهِ أنْ يَدُلَّ عَلى نِسْبَةٍ لِفاعِلِهِ فَلَوْ قِيلَ ”لَمَثُوبَةً“ بِالنَّصْبِ لَكانَ تَقْدِيرُهُ لا ثيبوا مَثُوبَةً فَإذا حُوِّلَتْ إلى المَصْدَرِ المَرْفُوعِ لَزِمَ أنْ تُعْتَبَرَ ما كانَ فِيهِ مِنَ النِّسْبَةِ قَبْلَ الرَّفْعِ، ولَمّا كانَ المَصْدَرُ المَرْفُوعُ لا نِسْبَةَ فِيهِ عَلِمَ السّامِعُ أنَّ التَّقْدِيرَ ”لَمَثُوبَةً“ لَهم كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ سَلامًا وحَمْدًا عَلِمَ السّامِعُ أنَّكَ تُرِيدُ سَلَّمْتُ سَلامًا وحَمِدْتُ حَمْدًا، فَإذا قُلْتَ سَلامٌ وحَمْدٌ كانَ التَّقْدِيرُ سَلامٌ مِنِّي وحَمْدٌ مِنِّي، وهَذا وجْهُ تَنْظِيرِ الكَشّافِ وقَرِينَةُ كَوْنِ هَذا المَصْدَرِ في الأصْلِ مَنصُوبًا وُقُوعُهُ جَوابًا لِلَوِ المُتَأصِّلِ في الفِعْلِيَّةِ، ثُمَّ إذا سَمِعَ قَوْلَهُ خَيْرُ عِلْمِ السّامِعِ أنَّهُ خَبَرٌ عَنِ المَثُوبَةِ بَعْدَ تَحْوِيلِها فاسْتَفادَ ثَباتَ الخَيْرِيَّةِ ولِهَذا لَمْ يَتَعَرَّضْ صاحِبُ الكَشّافِ لِبَيانِ إفادَةِ الجُمْلَةِ ثَباتَ الخَيْرِيَّةِ لِلْمَثُوبَةِ لِأنَّهُ لِصَراحَتِهِ لا يَحْتاجُ لِلْبَيانِ فَإنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ تَدُلُّ عَلى ثَباتِ خَبَرِها لِمُبْتَدَئِها.
وبِهَذا ظَهَرَ التَّرْتِيبُ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الإخْبارِ عَنِ المَثُوبَةِ بِأنَّها خَيْرٌ أنَّها تَثْبُتُ لَهم لَوْ آمَنُوا. وعِنْدِي وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يُقالَ: إنَّ قَوْلَهُ ﴿لَمَثُوبَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ دَلِيلُ الجَوابِ بِطَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ فَإنَّهُ لَمّا جُعِلَ مُعَلَّقًا عَلى قَوْلِهِ ﴿ولَوْ أنَّهُمُ آمَنُوا واتَّقَوْا﴾ عُلِمَ أنَّ في هَذا الخَبَرِ شَيْئًا يَهُمُّهم ولَمّا كانَتْ لَوِ امْتِناعِيَّةً ووَقَعَ في مَوْضِعِ جَوابِها جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ تامَّةٌ عَلِمَ السّامِعُ أنَّ هَذا الخَبَرَ مُمْتَنِعٌ ثُبُوتُهُ لِمَنِ امْتَنَعَ مِنهُ شَرْطُ لَوْ، فَيَكُونُ تَنْكِيلًا عَلَيْهِمْ وتَمْلِيحًا بِهِمْ.
وقَدْ قِيلَ إنَّ لَوْ لِلتَّمَنِّي عَلى حَدِّ (﴿لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً﴾ [البقرة: ١٦٧]) . والتَّحْقِيقُ أنْ لَوِ الَّتِي لِلتَّمَنِّي هي لَوِ الشَّرْطِيَّةٌ أُشْرِبَتْ مَعْنى التَّمَنِّي لِأنَّ المُمْتَنِعَ يَتَمَنّى إنَّ كانَ مَحْبُوبًا (وأحَبُّ شَيْءٍ إلى الإنْسانِ ما مُنِعا) واسْتُدِلَّ عَلى هَذا بِأنَّها إذا جاءَتْ لِلتَّمَنِّي أُجِيبَتْ جَوابَيْنِ جَوابًا مَنصُوبًا كَجَوابِ لَيْتَ وجَوابًا مُقْتَرِنًا بِاللّامِ كَجَوابِ الِامْتِناعِيَّةِ، كَقَوْلِ المُهَلْهَلِ:
فَلَوْ نَبَشَ المَقابِرَ عَنْ كُلَيِبٍ ∗∗∗ فَيُخْبِرُ بِالذَّنائِبِ أيُّ زِيرِ
ويَوْمَ الشَّعْثَمَيْنِ لَقَرَّ عَيْنا ∗∗∗ وكَيْفَ لِقاءُ مَن تَحْتَ القُبُورِ
فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ (فَيُخْبِرُ) وقَوْلِهِ لَقَرَّ عَيْنا. والتَّمَنِّي عَلى تَقْدِيرِهِ مَجازٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَنِ الدُّعاءِ لِلْإيمانِ والطّاعَةِ أوْ تَمْثِيلٍ لِحالِ الدّاعِي لِذَلِكَ بِحالِ المُتَمَنِّي فاسْتَعْمَلَ لَهُ المُرَكَّبَ المَوْضُوعَ
صفحة ٦٥٠
لِلتَّمَنِّي أوْ هو ما لَوْ نَطَقَ بِهِ العَرَبِيُّ في هَذا المَقامِ لَنَطَقَ بِالتَّمَنِّي عَلى نَحْوِ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى ”لَعَلَّكم تَتَّقُونَ“ ونَحْوِهِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ قَوْلُهُ ”لَمَثُوبَةٌ“ مُسْتَأْنِفًا، واللّامُ لِلْقَسَمِ.
والمَثُوبَةُ اسْمُ مَصْدَرِ (أثابَ) إذا أعْطى الثَّوابَ، والثَّوابُ الجَزاءُ الَّذِي يُعْطى لِخَيْرِ المُعْطِي، ويُقالُ: ثَوَبَ وأثْوَبَ بِمَعْنى أثابَ فالمَثُوبَةُ عَلى وزْنِ المُفْعُولَةِ كالمَصْدُوقَةِ والمَشُورَةِ والمَكْرُوهَةِ.
وقَوْلُهُ ”لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ“ شَرْطٌ ثانٍ مَحْذُوفُ الجَوابِ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ، وحُذِفَ مَفْعُولُ ”يَعْلَمُونَ“ لِدَلالَةِ لَمَثُوبَةٌ مِنَ اللَّهِ خَيْرٌ، أيْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ مَثُوبَةَ اللَّهِ لَما اشْتَرَوُا السِّحْرَ.
ولَيْسَ تَكْرِيرُ اللَّفْظَةِ أوِ الجُمْلَةِ في فَواصِلِ القُرْآنِ بِإيطاءٍ لِأنَّ الإيطاءَ إنَّما يُعابُ في الشِّعْرِ دُونَ النَّثْرِ لِأنَّ النَّثْرَ إنَّما يَعْتَدُّ فِيهِ بِمُطابَقَةِ مُقْتَضى الحالِ، وفائِدَةُ هَذا التَّكْرِيرِ التَّسْجِيلُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ ما هو النَّفْعُ الحَقُّ.
2:104Page 16
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقُولُواْ رَٰعِنَا وَقُولُواْ ٱنظُرۡنَا وَٱسۡمَعُواْۗ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٠٤
O you who have believed, say not [to Allāh's Messenger], "Rāʿinā" but say, "Unẓurnā"1 and listen. And for the disbelievers is a painful punishment.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وقُولُوا انْظُرْنا واسْمَعُوا ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ ألِيمٌ﴾
يَتَعَيَّنُ في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ تَطَلُّبُ سَبَبِ نُزُولِها لِيَظْهَرَ مَوْقِعُها ووَجْهُ مَعْناها فَإنَّ النَّهْيَ عَنْ أنْ يَقُولَ المُؤْمِنُونَ كَلِمَةَ لا ذَمَّ فِيها ولا سَخَفَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ لِسَبَبٍ وقَدْ ذَكَرُوا في سَبَبِ نُزُولِها أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا إذا ألْقى عَلَيْهِمُ النَّبِيءُ ﷺ الشَّرِيعَةَ والقُرْآنَ يَتَطَلَّبُونَ مِنهُ الإعادَةَ والتَّأنِّيَ في إلْقائِهِ حَتّى يَفْهَمُوهُ ويَعُوهُ فَكانُوا يَقُولُونَ لَهُ: راعِنا يا رَسُولَ اللَّهِ أيْ لا تَتَحَرَّجْ مِنّا وارْفُقْ وكانَ المُنافِقُونَ مِنَ اليَهُودِ يَشْتُمُونَ النَّبِيءَ ﷺ في خَلَواتِهِمْ سِرًّا وكانَتْ لَهم كَلِمَةً بِالعِبْرانِيَّةِ تُشْبِهُ كَلِمَةَ راعِنا بِالعَرَبِيَّةِ ومَعْناها في العِبْرانِيَّةِ سَبٌّ وقِيلَ مَعْناها لا سَمِعْتَ دُعاءً، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ كُنّا نَسُبُّ مُحَمَّدًا سِرًّا فَأعْلِنُوا بِهِ الآنَ أوْ قالُوا هَذا وأرادُوا بِهِ اسْمَ فاعِلٍ مِن رَعَنَ إذا اتَّصَفَ بِالرُّعُونَةِ وسَيَأْتِي فَكانُوا يَقُولُونَ هاتِهِ الكَلِمَةَ مَعَ المُسْلِمِينَ ناوِينَ بِها السَّبَّ فَكَشَفَهُمُ اللَّهُ، وأبْطَلَ عَمَلَهم بِنَهْيِ المُسْلِمِينَ عَنْ قَوْلِ هاتِهِ الكَلِمَةِ حَتّى يَنْتَهِيَ المُنافِقُونَ عَنْها، ويَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ أطْلَعَ نَبِيَّهُ عَلى سِرِّهِمْ.
صفحة ٦٥١
ومُناسَبَةُ نُزُولِ هاتِهِ الآيَةِ عَقِبَ الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ في السِّحْرِ وما نَشَأ عَنْ ذَمِّهِ أنَّ السِّحْرَ كَما قَدَّمْنا راجِعٌ إلى التَّمْوِيهِ وأنَّ مِن ضُرُوبِ السِّحْرِ ما هو تَمْوِيهُ ألْفاظٍ وما مَبْناهُ عَلى اعْتِقادِ تَأْثِيرِ الألْفاظِ في المَسْحُورِ بِحَسَبِ نِيَّةِ السّاحِرِ وتَوْجِيهِهِ النَّفْسِيِّ إلى المَسْحُورِ، وقَدْ تَأصَّلَ هَذا عِنْدَ اليَهُودِ واقْتَنَعُوا بِهِ في مُقاوَمَةِ أعْدائِهِمْ.
ولَمّا كانَ أذى الشَّخْصِ بِقَوْلٍ أوْ فِعْلٍ لا يُعْلَمُ مَغْزاهُما كَخِطابِهِ بِلَفْظٍ يُفِيدُ مَعْنًى، ومَقْصُودُ المُتَكَلِّمِ مِنهُ أذًى، أوْ كَإهانَةٍ صَوَّرَتْهُ أوِ الوَطْءِ عَلى ظِلِّهِ كُلُّ ذَلِكَ راجِعًا إلى الِاكْتِفاءِ بِالنِّيَّةِ والتَّوَجُّهِ في حُصُولِ الأذى كانَ هَذا شَبِيهًا بِبَعْضِ ضُرُوبِ السِّحْرِ، ولِذَلِكَ كانَ مِن شِعارِ مَنِ اسْتَهْواهُمُ السِّحْرُ واشْتَرَوْهُ ناسَبَ ذِكْرَ هاتِهِ الحالَةِ مِن أحْوالِهِمْ عَقِبَ الكَلامِ عَلى افْتِتانِهِمْ بِالسِّحْرِ وحُبِّهِ دُونَ بَقِيَّةِ ما تَقَدَّمَ مِن أحْوالِهِمْ وهاتِهِ المُناسَبَةُ هي مُوجَبُ التَّعْقِيبِ في الذِّكْرِ. وإنَّما فُصِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَمّا قَبْلَها لِاخْتِلافِ الغَرَضَيْنِ لِأنَّ هَذِهِ في تَأْدِيبِ المُؤْمِنِينَ ثُمَّ يَحْصُلُ مِنهُ التَّعْرِيضُ بِاليَهُودِ في نِفاقِهِمْ وأذاهم والإشْعارُ لَهم بِأنَّ كَيْدَهم قَدْ أطْلَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ نَبِيَّهُ وقَدْ كانُوا يَعُدُّونَ تَفَطُّنَ المَسْحُورِ لِلسِّحْرِ يُبْطِلُ أثَرَهُ فَأشْبَهُهُ التَّفَطُّنُ لِلنَّوايا الخَبِيثَةِ وصَرِيحِ الآياتِ قَبْلَها في أحْوالِهِمُ الدِّينِيَّةِ المُنافِيَةِ لِأُصُولِ دِينِهِمْ ولِأنَّ الكَلامَ المُفْتَتَحَ بِالنِّداءِ والتَّنْبِيهِ ونَحْوِهِ نَحْوَ: ”يا أيُّها النّاسُ“ و”يا زَيْدُ“ وألّا ونَحْوَها لا يُناسِبُ عَطْفَهُ عَلى ما قَبْلَهُ ويَنْبَغِي أنْ يُعْتَبَرَ افْتِتاحُ كَلامٍ بِحَيْثُ لا يُعْطَفُ إلّا بِالفاءِ إذا كانَ مُتَرَتِّبًا عَمّا قَبْلَهُ لِأنَّ العَطْفَ بِالفاءِ بَعِيدٌ عَنِ العَطْفِ بِالواوِ وأوْسَعُ مِن جِهَةِ التَّناسُبِ.
”وراعِنا“ أمْرٌ مِن راعاهُ يُراعِيهِ وهو مُبالَغَةٌ في رَعاهُ يَرْعاهُ إذا حَرَسَهُ بِنَظَرِهِ مِنَ الهَلاكِ والتَّلَفِ وراعِي مِثْلَ رَعى قالَ طَرَفَةُ خَذُولٌ تُراعِي رَبْرَبًا بِخَمِيلَةٍ وأُطْلِقَ مَجازًا عَلى حِفْظِ مَصْلَحَةِ الشَّخْصِ والرِّفْقِ بِهِ ومُراقَبَةِ نَفْعِهِ وشاعَ هَذا المَجازُ حَتّى صارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً ومِنهُ رَعاكَ اللَّهُ ورَعى ذِمامَهُ، فَقَوْلُ المُسْلِمِينَ لِلنَّبِيءِ ﷺ راعِنا هو فِعْلُ طَلَبٍ مِنَ الرَّعْيِ بِالمَعْنى المَجازِيِّ أيِ الرِّفْقِ والمُراقَبَةِ أيْ لا تَتَحَرَّجْ مِن طَلَبِنا وارْفُقْ بِنا. وقَوْلُهُ ”﴿وقُولُوا انْظُرْنا﴾“ أبَدَلَهم بِقَوْلِهِمْ ”راعِنا“ كَلِمَةٌ تُساوِيها في الحَقِيقَةِ والمَجازِ وعَدَدِ الحُرُوفِ والمَقْصُودِ مِن غَيْرِ أنْ يَتَذَرَّعَ بِها الكُفّارُ لِأذى النَّبِيءِ ﷺ وهَذا مِن أبْدَعِ البَلاغَةِ فَإنْ نَظَرَ في الحَقِيقَةِ بِمَعْنى حَرَسَ وصارَ مَجازًا عَلى تَدْبِيرِ المَصالِحِ، ومِنهُ قَوْلُ الفُقَهاءِ هَذا مِنَ النَّظَرِ، والمَقْصُودُ مِنهُ الرِّفْقُ والمُراقَبَةُ في التَّيْسِيرِ فَيَتَعَيَّنُ أنَّ قَوْلَهُ ”انْظُرْنا“ بِضَمِّ هَمْزَةِ الوَصْلِ وضَمِّ الظّاءِ وأنَّهُ مِنَ النَّظَرِ لا مِنَ الِانْتِظارِ.
صفحة ٦٥٢
وقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ أصْلٍ مِن أصُولِ الفِقْهِ وهو مِن أصُولِ المَذْهَبِ المالِكِيِّ يُلَقَّبُ بِسَدِّ الذَّرائِعِ وهي الوَسائِلُ الَّتِي يُتَوَسَّلُ بِها إلى أمْرٍ مَحْظُورٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى ”واسْمَعُوا“ أُرِيدَ بِهِ سَماعٌ خاصٌّ وهو الوَعْيُ ومَزِيدُ التَّلَقِّي حَتّى لا يَحْتاجُوا إلى طَلَبِ المُراعاةِ أوِ النَّظَرِ وقِيلَ أرادَ مِنِ ”اسْمَعُوا“ امْتَثِلُوا لِأوامِرِ الرَّسُولِ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وهو أظْهَرُ.
وقَوْلُهُ ﴿ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ التَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ والمُرادُ بِالكافِرِينَ اليَهُودُ خاصَّةً أيْ تَأدَّبُوا أنْتُمْ مَعَ الرَّسُولِ ولا تَتَأسَّوْا بِاليَهُودِ في أقْوالِهِمْ فَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ، والتَّعْبِيرُ بِالكافِرِينَ دُونَ اليَهُودِ زِيادَةٌ في ذَمِّهِمْ ولَيْسَ هُنا مِنَ التَّذْيِيلِ لِأنَّ الكَلامَ السّابِقَ مَعَ المُؤْمِنِينَ فَلا يَصْلُحُ ما بَعْدَهُ مِن تَعْمِيمِ حُكْمِ الكافِرِينَ لِتَذْيِيلِ ما قَبْلَهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences