Ibn 'AshurAl‑Baqarah · 2:106–110

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:106–110, continued

عَلى مَصالِحِهِمْ في سائِرِ الأحْوالِ. ومِمّا يَزِيدُ هَذا العُدُولَ تَوْجِيهًا أنَّ التَّصَدِّيَ لِلْبَيانِ يَفَتْحُ بابَ الجِدالِ في إثْباتِ المَصْلَحَةِ وتَفاوُتِ ذَلِكَ بِحَسَبِ اخْتِلافِ القَرائِحِ والفُهُومِ.

ولِأنَّ أسْبابَ التَّشْرِيعِ والنَّسْخِ أقْسامٌ مِنهُ ما ظَهَرَ وجْهُهُ بِالنَّصِّ فَيُمْكِنُ إفْهامُهم إيّاهُ نَحْوَ قَوْلِهِ ﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ [المائدة: ٩١] الآيَةَ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] الآيَةَ، ونَحْوَ ﴿وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا﴾ [الأنفال: ٦٦] الآيَةَ. ومِنها ما يَعْسُرُ إفْهامُهم إيّاهُ لِأنَّهُ يَحْتاجُ إلى عِلْمٍ وتَفْصِيلٍ مِن شَأْنِ المُشَرِّعِينَ وعُلَماءِ الأُصُولِ كالأشْياءِ الَّتِي عُرِفَتْ بِالقِياسِ وأُصُولِ التَّشْرِيعِ.

ومِنها ما لَمْ يُطْلَعْ عَلى حِكْمَتِهِ في ذَلِكَ الزَّمانِ أوْ فِيما يَلِيهِ ولَمّا كانَ مُعْظَمُ هاتِهِ التَّفاصِيلِ يَعْسُرُ أوْ يَعْتَذِرُ إفْهامُهم إيّاهُ وقَعَ العُدُولُ المَذْكُورُ. ولِكَوْنِ هاتِهِ الجُمْلَةِ تَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ البَيانِ لِلْأُولى فُصِلَتْ عَنْها.

والخِطابُ في ”تَعْلَمْ“ لَيْسَ مُرادًا مِنهُ ظاهِرَةُ الواحِدِ وهو النَّبِيءُ ﷺ بَلْ هو إمّا خِطابٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ خارِجٍ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ بِتَشْبِيهِ مَن لَيْسَ حاضِرًا لِلْخِطابِ وهو الغائِبُ مَنزِلَةَ المُخاطَبِ في كَوْنِهِ بِحَيْثُ يَصِيرُ مُخاطَبًا لِشُهْرَةِ هَذا الأمْرِ والمَقْصِدُ مِن ذَلِكَ لِيَعُمَّ كُلَّ مُخاطَبٍ صالِحٍ لَهُ وهو كُلُّ مَن يَظُنُّ بِهِ أوْ يَتَوَهَّمُ مِنهُ أنَّهُ لا يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ولَوْ بِعَدَمِ جَرَيانِهِ عَلى مُوجِبِ عِلْمِهِ، وإلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ مالَ القُطْبُ والطِّيبِيُّ مِن شُرّاحِ الكَشّافِ وعَلَيْها يَشْمَلُ هَذا الخِطابُ ابْتِداءَ اليَهُودِ والمُشْرِكِينَ ومَن عَسى أنْ يَشْتَبِهَ عَلَيْهِ الأمْرُ وتُرَوَّجَ عَلَيْهِ الشُّبْهَةُ مِن ضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ، أمّا غَيْرُهم فَغَنِيٌّ عَنِ التَّقْرِيرِ في الظّاهِرِ وإنَّما أُدْخِلَ فِيهِ لِيَسْمَعَ غَيْرُهُ.

وإمّا مُرادٌ بِهِ ظاهِرُهُ وهو الواحِدُ فَيَكُونُ المُخاطَبُ هو النَّبِيءَ ﷺ لَكِنَّ المَقْصُودَ مِنهُ المُسْلِمُونَ فَيَنْتَقِلُ مِن خِطابِ النَّبِيءِ إلى مُخاطَبَةِ أُمَّتِهِ انْتِقالًا كِنائِيًّا لِأنَّ عِلْمَ الأُمَّةِ مِن لَوازِمِ عِلْمِ الرَّسُولِ مِن حَيْثُ إنَّهُ رَسُولٌ لُزُومًا عُرْفِيًّا فَكُلُّ حُكْمٍ تَعَلَّقَ بِهِ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ فالمُرادُ مِنهُ أُمَّتُهُ لِأنَّ ما يَثْبُتُ لَهُ مِنَ المَعْلُوماتِ في بابِ العَقائِدِ والتَّشْرِيعِ فَهو حاصِلٌ لَهم فَتارَةً يُرادُ مِنَ الخِطابِ تَوَجُّهُ مَضْمُونِ الخِطابِ إلَيْهِ ولِأُمَّتِهِ وتارَةً يُقْصَدُ مِنهُ تَوَجُّهُ المَضْمُونِ لِأُمَّتِهِ فَقَطْ عَلى قاعِدَةِ الكِتابَةِ في جَوازِ إرادَةِ المَعْنى الأصْلِيِّ مَعَ الكِنائِيِّ، وهاهُنا لا يَصْلُحُ تَوَجُّهُ المَضْمُونِ لِلرَّسُولِ لِأنَّهُ لا يُقَرِّرُ عَلى الِاعْتِرافِ بِأنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فَضْلًا عَنْ أنْ يُنْكِرَ عَنْهُ، وإنَّما التَّقْرِيرُ لِلْأُمَّةِ، والمَقْصِدُ مِن تِلْكَ الكِنايَةِ التَّعْرِيضُ بِاليَهُودِ. وإنَّما سَلَكَ هَذا الطَّرِيقَ

صفحة ٦٦٥

دُونَ أنْ يُؤْتى بِضَمِيرِ الجَماعَةِ المُخاطَبِينَ لِما في سُلُوكِ طَرِيقِ الكِنايَةِ مِنَ البَلاغَةِ والمُبالَغَةِ مَعَ الإيجازِ في لَفْظِ الضَّمِيرِ.

والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ عَلى الوَجْهَيْنِ وهو شَأْنُ الِاسْتِفْهامِ الدّاخِلِ عَلى النَّفْيِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّيَ أعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [البقرة: ٣٣] أيْ أنَّكم تَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ قَدِيرٌ وتَعْلَمُونَ أنَّهُ مالِكُ السَّماواتِ والأرْضِ بِما يَجْرِي فِيهِما مِنَ الأحْوالِ، فَهو مُلْكُهُ أيْضًا فَهو يُصَرِّفُ الخَلْقَ كَيْفَ يَشاءُ. وقَدْ أشارَ في الكَشّافِ إلى أنَّهُ تَقْرِيرِيٌّ وصَرَّحَ بِهِ القُطْبُ في شَرْحِهِ ولَمْ يُسْمَعْ في كَلامِ العَرَبِ اسْتِفْهامٌ دَخَلَ عَلى النَّفْيِ إلّا وهو مُرادٌ بِهِ التَّقْرِيرُ.

وقَوْلُهُ ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ البَيْضاوِيُّ: هو مُتَنَزِّلٌ مِنَ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ مَنزِلَةَ الدَّلِيلِ لِأنَّ الَّذِي يَكُونُ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ لا جَرَمَ أنْ يَكُونَ قَدِيرًا عَلى كُلِّ شَيْءٍ ولِذا فُصِلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَنِ الَّتِي قَبْلَها. وعِنْدِي أنَّ مُوجِبَ الفَصْلِ هو أنْ هاتِهِ الجُمْلَةَ بِمَنزِلَةِ التَّكْرِيرِ لِلْأُولى لِأنَّ مَقامَ التَّقْرِيرِ ومَقامَ التَّوْبِيخِ كِلاهُما مَقامُ تَكْرِيرٍ لِما بِهِ التَّقْرِيرُ والإنْكارُ تَعْدِيدًا عَلى المُخاطَبِ.

2:108Page 17

أَمۡ تُرِيدُونَ أَن تَسۡـَٔلُواْ رَسُولَكُمۡ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبۡلُۗ وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلۡكُفۡرَ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ١٠٨

Or do you intend to ask1 your Messenger as Moses was asked before? And whoever exchanges faith for disbelief has certainly strayed from the soundness of the way.

﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكم كَما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾

أمْ حَرْفُ عَطْفٍ مُخْتَصٌّ بِالِاسْتِفْهامِ وما في مَعْناهُ وهو التَّسْوِيَةُ فَإذا عَطَفْتَ أحَدَ مُفْرَدَيْنِ مُسْتَفْهِمًا عَنْ تَعْيِينِ أحَدِهِما اسْتِفْهامًا حَقِيقِيًّا أوْ مُسَوًّى بَيْنَهُما في احْتِمالِ الحُصُولِ فَهي بِمَعْنى أوِ العاطِفَةِ ويُسَمِّيها النُّحاةُ مُتَّصِلَةً، وإذا وقَعَتْ عاطِفَةً جُمْلَةً دَلَّتْ عَلى انْتِقالٍ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ إلى اسْتِفْهامٍ فَتَكُونُ بِمَعْنى بَلِ الِانْتِقالِيَّةِ ويُسَمِّيها النُّحاةُ مُنْقَطِعَةً والِاسْتِفْهامُ مُلازِمٌ لِما بَعْدَها في الحالَيْنِ. وهي هُنا مُنْقَطِعَةٌ لا مَحالَةَ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَيْنِ اللَّذَيْنِ قَبْلَها في مَعْنى الخَبَرُ لِأنَّهُما لِلتَّقْرِيرِ كَما تَقَدَّمَ إلّا أنَّ وُقُوعَهُما في صُورَةِ الِاسْتِفْهامِ ولَوْ لِلتَّقْرِيرِ يَحْسُنُ مَوْقِعُ أمْ بَعْدَها كَما هو الغالِبُ، والِاسْتِفْهامُ الَّذِي بَعْدَهُما هُنا إنْكارٌ وتَحْذِيرٌ، والمُناسَبَةُ في هَذا الِانْتِقالِ تامَّةٌ فَإنَّ التَّقْرِيرَ

صفحة ٦٦٦

الَّذِي قَبْلَها مُرادٌ مِنهُ التَّحْذِيرُ مِنَ الغَلَطِ وأنْ يَكُونُوا كَمَن لا يَعْلَمُ، والِاسْتِفْهامُ الَّذِي بَعْدَها مُرادٌ مِنهُ التَّحْذِيرُ كَذَلِكَ والمُحَذَّرُ مِنهُ في الجَمِيعِ مُشْتَرَكٌ في كَوْنِهِ مِن أحْوالِ اليَهُودِ المَذْمُومَةِ ولا يَصِحُّ كَوْنُ أمْ هُنا مُتَّصِلَةً لِأنَّ الِاسْتِفْهامَيْنِ اللَّذَيْنِ قَبْلَها لَيْسا عَلى حَقِيقَتِهِما لا مَحالَةَ كَما تَقَدَّمَ.

وقَدْ جَوَّزَ القَزْوِينِيُّ في الكَشْفِ عَلى الكَشّافِ كَوْنَ أمْ هُنا مُتَّصِلَةً بِوَجْهٍ مَرْجُوحٍ وتَبِعَهُ البَيْضاوِيُّ وتَكَلَّفا لِذَلِكَ مِمّا لا يُساعِدُ اسْتِعْمالَ الكَلامِ العَرَبِيِّ، وأفْرَطَ عَبْدُ الحَكِيمِ في حاشِيَةِ البَيْضاوِيِّ فَزَعَمَ أنَّ حَمْلَها عَلى المُتَّصِلَةِ أرْجَحُ لِأنَّهُ الأصْلُ لا سِيَّما مَعَ اتِّحادِ فاعِلِ الفِعْلَيْنِ المُتَعاطِفَيْنِ بِأمْ ولِدَلالَتِهِ عَلى أنَّهم إذا سَألُوا سُؤالَ قَوْمِ مُوسى فَقَدْ عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وإنَّما قَصَدُوا التَّعَنُّتَ وكانَ الجَمِيعُ في غَفْلَةٍ عَنْ عَدَمِ صَلُوحِيَّةِ الِاسْتِفْهامَيْنِ السّابِقَيْنِ لِلْحَمْلِ عَلى حَقِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ.

وقَوْلُهُ ”تُرِيدُونَ“ خِطابٌ لِلْمُسْلِمِينَ لا مَحالَةَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ”رَسُولَكم“ ولَيْسَ كَوْنِهِ كَذَلِكَ بِمُرَجَّحٍ كَوْنَ الخِطابَيْنِ اللَّذَيْنِ قَبْلَهُ مُتَوَجِّهَيْنِ إلى المُسْلِمِينَ لِأنَّ انْتِقالَ الكَلامِ بَعْدَ أمِ المُنْقَطِعَةِ يَسْمَحُ بِانْتِقالِ الخِطابِ. وقَوْلُهُ تُرِيدُونَ يُؤْذَنُ بِأنَّ السُّؤالَ لَمْ يَقَعْ ولَكِنَّهُ رُبَّما جاشَ في نُفُوسِ بَعْضِهِمْ أوْ رُبَّما أثارَتْهُ في نُفُوسِهِمْ شُبَهُ اليَهُودِ في إنْكارِهِمُ النَّسْخَ وإلْقائِهِمْ شُبْهَةَ البَداءِ ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا قَدْ يَبْعَثُ بَعْضَ المُسْلِمِينَ عَلى سُؤالِ النَّبِيءِ ﷺ . وقَوْلُهُ ﴿كَما سُئِلَ مُوسى﴾ تَشْبِيةٌ وجْهُهُ أنَّ في أسْئِلَةِ بَنِي إسْرائِيلَ مُوسى كَثِيرًا مِنَ الأسْئِلَةِ الَّتِي تُفْضِي بِهِمْ إلى الكُفْرِ كَقَوْلِهِمُ ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهُمُ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] أوْ مِنَ العَجْرَفَةِ كَقَوْلِهِمْ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] فَيَكُونُ التَّحْذِيرُ مِن تَسَلْسُلِ الأسْئِلَةِ المُفْضِيَ إلى مِثْلِ ذَلِكَ. ويَجُوزُ كَوْنُهُ راجِعًا إلى أسْئِلَةِ بَنِي إسْرائِيلَ عَمّا لا يَعْنِيهِمْ وعَمّا يَجُرُّ لَهُمُ المَشَقَّةَ كَقَوْلِهِمْ ما لَوْنُها ؟ وما هي ؟، قالَ الفَخْرُ: إنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا يَسْألُونَ النَّبِيءَ ﷺ عَنْ أُمُورٍ لا خَيْرَ لَهم في البَحْثِ عَنْها لِيَعْلَمُوها كَما سَألَ اليَهُودُ مُوسى اهـ.

وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُهُ أسْبابًا أُخْرى لِلنُّزُولِ، مِنها: أنَّ المُسْلِمِينَ سَألُوا النَّبِيءَ ﷺ في غَزْوَةِ خَيْبَرَ لَمّا مَرُّوا بِذاتِ الأنْواطِ الَّتِي كانَتْ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَجْعَلَ لَهم مِثْلَها ونَحْوَ هَذا مِمّا هو مَبْنِيٌّ عَلى أخْبارٍ ضَعِيفَةٍ، وكُلُّ ذَلِكَ تَكَلُّفٌ لِما لا حاجَةَ إلَيْهِ فَإنَّ الآيَةَ مَسُوقَةٌ مَساقَ الإنْكارِ التَّحْذِيرِيِّ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ”تُرِيدُونَ“ قَصْدًا لِلْوِصايَةِ بِالثِّقَةِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والوِصايَةِ والتَّحْذِيرِ لا يَقْتَضِيانِ

صفحة ٦٦٧

وُقُوعَ الفِعْلِ بَلْ يَقْتَضِيانِ عَدَمَهُ. والمَقْصُودُ التَّحْذِيرُ مِن تَطَرُّقِ الشَّكِّ في صَلاحِيَّةِ الأحْكامِ المَنسُوخَةِ قَبْلَ نَسْخِها لا في صَلاحِيَّةِ الأحْكامِ النّاسِخَةِ عِنْدَ وُقُوعِها. وقَوْلُهُ ﴿ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ تَذْيِيلٌ لِلتَّحْذِيرِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُحَذَّرَ مِنهُ كُفْرٌ أوْ يُفْضِي إلى الكُفْرِ لِأنَّهُ يُنافِي حُرْمَةَ الرَّسُولِ والثِّقَةَ بِهِ وبِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ بِالكُفْرِ أحْوالُ أهْلِ الكُفْرِ أيْ لا تَتَبَدَّلُوا بِآدابِكم تَقَلُّدَ عَوائِدِ أهْلِ الكُفْرِ في سُؤالِهِمْ كَما قالَ ﷺ في حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ: «فَإنَّما أهْلَكَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم كَثْرَةُ مَسائِلِهِمْ واخْتِلافُهم عَلى أنْبِيائِهِمْ» وإطْلاقُ الكُفْرِ عَلى أحْوالِ أهْلِهِ وإنْ لَمْ تَكُنْ كُفْرًا شائِعٌ في ألْفاظِ الشَّرِيعَةِ وألْفاظِ السَّلَفِ كَما قالَتْ جَمِيلَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ زَوْجَةُ ثابِتِ بْنِ قَيْسٍ: إنِّي أكْرَهُ الكُفْرَ تُرِيدُ الزِّنا، فَإنَّ ذِكْرَ جُمْلَةٍ بَعْدَ جُمْلَةٍ يُؤْذِنُ بِمُناسَبَةٍ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ فَإذا لَمْ يَكُنْ مَدْلُولُ الجُمْلَتَيْنِ واضِحَ التَّناسُبِ عَلِمَ المُخاطَبُ أنَّ هُنالِكَ مُناسَبَةً يَرْمُزُ إلَيْها البَلِيغُ فَهُنا تَعْلَمُ أنَّ الِارْتِدادَ عَنِ الإيمانِ إلى الكُفْرِ مَعْنًى كُلِّيٌّ عامٌّ يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ سُؤالُهُمُ الرَّسُولَ كَما سَألَ بَنُو إسْرائِيلَ مُوسى فَتَكُونُ تِلْكَ القَضِيَّةُ كُفْرًا وهو المَقْصُودُ مِنَ التَّذْيِيلِ المُعَرَّفِ في بابِ الإطْنابِ بِأنَّهُ تَعْقِيبُ الجُمْلَةِ بِجُمْلَةٍ مُشْتَمِلَةٍ عَلى مَعْناها تَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ الحُجَّةِ عَلى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ وبِذَلِكَ يَحْصُلُ تَأْكِيدُ مَعْنى الجُمْلَةِ الأُولى وزِيادَةٌ، فالتَّذْيِيلُ ضَرْبٌ مِن ضُرُوبِ الإطْنابِ مِن حَيْثُ يَشْتَمِلُ عَلى تَقْرِيرِ مَعْنى الجُمْلَةِ الأُولى ويَزِيدُ عَلَيْهِ بِفائِدَةٍ جَدِيدَةٍ لَها تَعَلُّقٌ بِفائِدَةِ الجُمْلَةِ الأُولى. وأبْدَعُهُ ما أُخْرِجَ مُخْرَجَ الأمْثالِ لِما فِيهِ مِن عُمُومِ الحُكْمِ ووَجِيزِ اللَّفْظِ مِثْلَ هاتِهِ الآيَةِ، وقَوْلِ النّابِغَةِ:

ولَسْتَ بِمُسْتَبْقٍ أخًا لا تَلُمُّهُ عَلى شَعَثٍ أيُّ الرِّجالِ المُهَذَّبُ

والمُؤَكَّدُ بِجُمْلَةِ ﴿ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ﴾ هو مَفْهُومُ جُمْلَةِ ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكُمْ﴾ مَفْهُومُ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها لا مَنطُوقُها فَهي كالتَّذْيِيلِ الَّذِي في بَيْتِ النّابِغَةِ. والقَوْلُ في تَعْدِيَةِ فِعْلِ ”يَتَبَدَّلُ“ مَضى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٦١] وقَدْ جُعِلَ قَوْلُهُ ”فَقَدْ ضَلَّ“ جَوابًا لِمَنِ الشَّرْطِيَّةِ لِأنَّ المُرادَ مِنَ الضَّلالِ أعْظَمُهُ وهو الحاصِلُ عَقِبَ تَبَدُّلِ الكُفْرِ بِالإيمانِ ولا شُبْهَةَ في كَوْنِ الجَوابِ مُتَرَتِّبًا عَلى الشَّرْطِ ولا يُرِيبُكَ في ذَلِكَ وُقُوعُ جَوابِ الشَّرْطِ فِعْلًا ماضِيًا مَعَ أنَّ الشَّرْطَ إنَّما هو تَعْلِيقٌ عَلى المُسْتَقْبَلِ ولا اقْتِرانُ الماضِي بِقَدِ الدّالَّةِ عَلى تَحَقُّقِ المُضِيِّ لِأنَّ هَذا اسْتِعْمالٌ عَرَبِيٌّ جَيِّدٌ يَأْتُونَ بِالجَزاءِ ماضِيًا لِقَصْدِ

صفحة ٦٦٨

الدَّلالَةِ عَلى شِدَّةِ تَرَتُّبِ الجَزاءِ عَلى الشَّرْطِ وتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ مَعَهُ حَتّى أنَّهُ عِنْدَما يَحْصُلُ مَضْمُونُ الشَّرْطِ يَكُونُ الجَزاءُ قَدْ حَصَلَ فَكَأنَّهُ حاصِلٌ مِن قَبْلِ الشَّرْطِ نَحْوَ ”﴿ومَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى﴾ [طه: ٨١]“ وعَلى مِثْلِ هَذا يُحْمَلُ كُلُّ جَزاءٍ جاءَ ماضِيًا فَإنَّ القَرِينَةَ عَلَيْهِ أنَّ مَضْمُونَ الجَوابِ لا يَحْصُلُ إلّا بَعْدَ حُصُولِ الشَّرْطِ وهم يَجْعَلُونَ قَدْ عَلامَةً عَلى هَذا القَصْدِ ولِهَذا قَلَّما خَلا جَوابٌ ماضٍ لِشَرْطٍ مُضارِعٍ إلّا والجَوابُ مُقْتَرِنٌ بِقَدْ حَتّى قِيلَ إنَّ غَيْرَ ذَلِكَ ضَرُورَةٌ ولَمْ يَقَعْ في القُرْآنِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ الرَّضِيُّ بِخِلافِهِ مَعَ قَدْ فَكَثِيرٌ في القُرْآنِ.

وقَدْ يَجْعَلُونَ الجَزاءَ ماضِيًا مُرِيدِينَ أنَّ حُصُولَ مَضْمُونِ الشَّرْطِ كاشِفٌ عَنْ كَوْنِ مَضْمُونِ الجَزاءِ قَدْ حَصَلَ أوْ قَدْ تَذَكَّرَهُ النّاسُ نَحْوَ ﴿إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧] وعَلَيْهِ فَيَكُونُ تَحْقِيقُ الجَزاءِ في مِثْلِهِ هو ما يَتَضَمَّنُهُ الجَوابُ مِن مَعْنى الِانْكِشافِ أوِ السَّبْقِ أوْ غَيْرِهِما بِحَسَبِ المَقاماتِ قَبْلَ أنْ يُقَدَّرَ، فَلا تَعْجَبْ إذْ قَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ ويُمْكِنُ تَخْرِيجُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ بِأنْ يُقَدَّرَ ﴿ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ﴾ فالسَّبَبُ فِيهِ أنَّهُ قَدْ كانَ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ حَتّى وقَعَ في الِارْتِدادِ كَما تَقُولُ مَن وقَعَ في المَهْواةِ فَقَدْ خَبَطَ خَبْطَ عَشْواءٍ إنْ أُرِيدَ بِالماضِي أنَّهُ حَصُلَ، وأُرِيدَ بِالضَّلالِ ما حَفَّ بِالمُرْتَدِّ مِنَ الشُّبُهاتِ والخِذْلانِ الَّذِي أوْصَلَهُ إلى الِارْتِدادِ وهو بَعِيدٌ مِن غَرَضِ الآيَةِ. والسَّواءُ الوَسَطُ مِن كُلِّ شَيْءٍ قالَ بَلْعاءُ بْنُ قَيْسٍ:

غَشَّيْتُهُ وهو في جَأْواءَ باسِلَةٍ ∗∗∗ عَضْبًا أصابَ سَواءَ الرَّأْسِ فانْفَلَقا

ووَسَطُ الطَّرِيقِ هو الطَّرِيقُ الجادَّةُ الواضِحَةُ لِأنَّهُ يَكُونُ بَيْنَ بُنَيّاتِ الطَّرِيقِ الَّتِي لا تَنْتَهِي إلى الغايَةِ.

2:109–110Page 17

وَدَّ كَثِيرٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِكُمۡ كُفَّارًا حَسَدٗا مِّنۡ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡحَقُّۖ فَٱعۡفُواْ وَٱصۡفَحُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٠٩

Many of the People of the Scripture wish they could turn you back to disbelief after you have believed, out of envy from themselves [even] after the truth has become clear to them. So pardon and overlook until Allāh delivers His command. Indeed, Allāh is over all things competent.

وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَمَا تُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُم مِّنۡ خَيۡرٖ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ١١٠

And establish prayer and give zakāh, and whatever good you put forward for yourselves - you will find it with Allāh. Indeed Allāh, of what you do, is Seeing.

صفحة ٦٦٩

﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ فاعْفُوا واصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾

مُناسَبَتُهُ لِما قَبْلَهُ أنَّ ما تَقَدَّمَ إخْبارٌ عَنْ حَسَدِ أهْلِ الكِتابِ وخاصَّةً اليَهُودَ مِنهم، وآخِرَتُها شُبْهَةُ النَّسْخِ. فَجِيءَ في هَذِهِ الآيَةِ بِتَصْرِيحٍ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ [البقرة: ١٠٥] الآيَةَ لِأنَّهم إذا لَمْ يَوَدُّوا مَجِيءَ هَذا الدِّينِ الَّذِي اتَّبَعَهُ المُسْلِمُونَ فَهم يَوَدُّونَ بَقاءَ مَن أسْلَمَ عَلى كُفْرِهِ ويَوَدُّونَ أنْ يَرْجِعَ بَعْدَ إسْلامِهِ إلى الكُفْرِ. وقَدِ اسْتَطْرَدَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الآيَةِ السّابِقَةِ بِقَوْلِهِ ”ما نَنْسَخْ“ الآياتِ لِلْوُجُوهِ المُتَقَدِّمَةِ.

فَلِأجْلِ ذَلِكَ فُصِلَتْ هاتِهِ الجُمْلَةُ لِكَوْنِها مِنَ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها بِمَنزِلَةِ البَيانِ إذْ هي بَيانٌ لِمَنطُوقِها ولِمَفْهُومِها، وفي تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ والكَشّافِ وأسْبابِ النُّزُولِ لِلْواحِدِيِّ أنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمانِ وعَمّارَ بْنَ ياسِرٍ أتَيا بَيْتَ المِدْراسِ وفِيهِ فِنْحاصُ بْنُ عازُوراءَ وزَيْدُ بْنُ قَيْسٍ وغَيْرُهُما مِنَ اليَهُودِ فَقالُوا لِحُذَيْفَةَ وعَمّارٍ ألَمْ تَرَوْا ما أصابَكم يَوْمَ أُحُدٍ ولَوْ كُنْتُمْ عَلى الحَقِّ ما هُزِمْتُمْ فارْجِعُوا إلى دِينِنا فَهو خَيْرٌ ونَحْنُ أهْدى مِنكم فَرَدّا عَلَيْهِمْ وثَبَتا عَلى الإسْلامِ. والوُدُّ تَقَدَّمَ في الآيَةِ السّالِفَةِ.

وإنَّما أسْنَدَ هَذا الحُكْمَ إلى الكَثِيرِ مِنهم وقَدْ أسْنَدَ قَوْلَهُ ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ [البقرة: ١٠٥] إلى جَمِيعِهِمْ لِأنَّ تَمَنِّيَهم أنْ لا يَنْزِلَ دِينٌ إلى المُسْلِمِينَ يَسْتَلْزِمُ تَمَنِّيهِمْ أنْ يَتَّبِعَ المُشْرِكُونَ دِينَ اليَهُودِ أوِ النَّصارى حَتّى يَعُمَّ ذَلِكَ الدِّينُ جَمِيعَ بِلادِ العَرَبِ فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ شَرِقَتْ لِذَلِكَ صُدُورُهم جَمِيعًا فَأمّا عُلَماؤُهم وأحْبارُهم فَخابُوا وعَلِمُوا أنَّ ما صارَ إلَيْهِ المُسْلِمُونَ خَيْرٌ مِمّا كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الإشْراكِ لِأنَّهم صارُوا إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ والإيمانِ بِأنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ وكُتُبِهِ وفي ذَلِكَ إيمانٌ بِمُوسى وعِيسى وإنْ لَمْ يَتَّبِعُوا دِينَنا، فَهم لا يَوَدُّونَ رُجُوعَ المُسْلِمِينَ إلى الشِّرْكِ القَدِيمِ لِأنَّ في مَوَدَّةِ ذَلِكَ تَمَنِّي الكُفْرِ وهو رَضِيَ بِهِ. وأمّا عامَّةُ اليَهُودِ وجَهَلَتُهم فَقَدْ بَلَغَ بِهِمُ الحَسَدُ والغَيْظُ

صفحة ٦٧٠

إلى مَوَدَّةِ أنْ يَرْجِعَ المُسْلِمُونَ إلى الشِّرْكِ ولا يَبْقُوا عَلى هَذِهِ الحالَةِ الحَسَنَةِ المُوافِقَةِ لِدِينِ مُوسى في مُعْظَمِهِ نِكايَةً بِالمُسْلِمِينَ وبِالنَّبِيءِ ﷺ قالَ تَعالى ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء: ٥١] وفي هَذا المَعْنى المُكْتَنِزِ ما يَدُلُّكم عَلى وجْهِ التَّعْبِيرِ بِ ”يَرُدُّونَكم“ دُونَ لَوْ كَفَرْتُمْ لِيُشارَ إلى أنَّ وُدادَتِهِمْ أنْ يَرْجِعَ المُسْلِمُونَ إلى الشِّرْكِ لِأنَّ الرَّدَّ إنَّما يَكُونُ إلى أمْرٍ سابِقٍ ولَوْ قِيلَ لَوْ كَفَرْتُمْ لَكانَ فِيهِ بَعْضُ العُذْرِ لِأهْلِ الكِتابِ لِاحْتِمالِهِ أنَّهم يَوَدُّونَ مَصِيرَ المُسْلِمِينَ إلى اليَهُودِيَّةِ. وبِهِ يَظْهَرُ وجْهُ مَجِيءِ ”كُفّارًا“ مَعْمُولًا لِمَعْمُولِ ”ودَّ كَثِيرٌ“ لِيُشارَ إلى أنَّهم ودُّوا أنْ يَرْجِعَ المُسْلِمُونَ كُفّارًا بِاللَّهِ أيْ كُفّارًا كُفْرًا مُتَّفَقًا عَلَيْهِ حَتّى عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ وهو الإشْراكُ فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنَ التَّعْبِيرِ عَنْ ماصَدَقَ ما ودُّوهُ بَلْ هو مِنَ التَّعْبِيرِ عَنْ مَفْهُومِ ما ودُّوهُ. وبِهِ يَظْهَرُ أيْضًا وجْهُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾ فَإنَّهُ تَبَيَّنَ أنَّ ما عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ حَقٌّ مِن جِهَةِ التَّوْحِيدِ والإيمانِ بِالرُّسُلِ بِخِلافِ الشِّرْكِ، أوْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم صِدْقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَهم إذا كانَ المُرادُ بِالكَثِيرِ مِنهم خاصَّةً عُلَمائَهم واللَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِمْ.

و”لَوْ“ هُنا بِمَعْنى أنِ المَصْدَرِيَّةِ ولِذَلِكَ يُؤَوَّلُ ما بَعْدَها بِمَصْدَرٍ.

و”حَسَدًا“ حالٌ مِن ضَمِيرِ ”ودَّ“ أيْ أنَّ هَذا الوُدَّ لا سَبَبَ لَهُ إلّا الحَسَدُ لا الرَّغْبَةُ في الكُفْرِ.

وقَوْلُهُ ”﴿مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾“ جِيءَ فِيهِ بِمِنِ الِابْتِدائِيَّةِ لِلْإشارَةِ إلى تَأصُّلِ هَذا الحَسَدِ فِيهِمْ وصُدُورِهِ عَنْ نُفُوسِهِمْ. وأكَّدَ ذَلِكَ بِكَلِمَةِ ”عِنْدِ“ الدّالَّةِ عَلى الِاسْتِقْرارِ لِيَزْدادَ بَيانُ تَمَكُّنِهِ وهو مُتَعَلِّقٌ بِحَسَدًا لا بِقَوْلِهِ ”ودَّ“ وإنَّما أُمِرَ المُسْلِمُونَ بِالعَفْوِ والصَّفْحِ عَنْهم في هَذا المَوْضِعِ خاصَّةً لِأنَّ ما حُكِيَ عَنْ أهْلِ الكِتابِ هُنا مِمّا يُثِيرُ غَضَبَ المُسْلِمِينَ لِشِدَّةِ كَراهِيَتِهِمْ لِلْكُفْرِ قالَ تَعالى ﴿وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ﴾ [الحجرات: ٧] فَلا جَرَمَ أنْ كانَ مَن يَوَدُّ لَهم ذَلِكَ يَعُدُّونَهُ أكْبَرَ أعْدائِهِمْ فَلَمّا كانَ هَذا الخَبَرُ مُثِيرًا لِلْغَضَبِ خِيفَ أنْ يَفْتِكُوا بِاليَهُودِ وذَلِكَ ما لا يُرِيدُهُ اللَّهُ مِنهم لِأنَّ اللَّهَ أرادَ مِنهم أنْ يَكُونُوا مُسْتَوْدَعَ عَفْوٍ وحِلْمٍ حَتّى يَكُونُوا قُدْوَةً في الفَضائِلِ.

صفحة ٦٧١

والعَفْوُ تَرْكُ عُقُوبَةِ المُذْنِبِ. والصَّفْحُ بِفَتْحِ الصّادِّ مَصْدَرُ صَفْحًا إذا أعْرَضَ لِأنَّ الإنْسانَ إذا أعْرَضَ عَنْ شَيْءٍ ولّاهُ مِن صَفْحَةِ وجْهِهِ، وصَفَحَ وجْهَهُ أيُّ جانِبَهُ وعَرْضَهُ وهو مَجازٌ في عَدَمِ مُواجَهَتِهِ بِذِكْرِ ذَلِكَ الذَّنْبِ أيْ عَدَمِ لَوْمِهِ وتَثْرِيبِهِ عَلَيْهِ وهو أبْلَغُ مِنَ العَفْوِ كَما نُقِلَ عَنِ الرّاغِبِ ولِذَلِكَ عَطَفَ الأمْرَ بِهِ عَلى الأمْرِ بِالعَفْوِ لِأنَّ الأمْرَ بِالعَفْوِ لا يَسْتَلْزِمُهُ ولَمْ يَسْتَغْنَ بِاصْفَحُوا لِقَصْدِ التَّدْرِيجِ في أمْرِهِمْ بِما قَدْ يُخالِفُ ما تَمِيلُ إلَيْهِ أنْفُسُهم مِنَ الِانْتِقامِ تَلَطُّفًا مِنَ اللَّهِ مَعَ المُسْلِمِينَ في حَمْلِهِمْ عَلى مَكارِمِ الأخْلاقِ.

وقَوْلُهُ ﴿حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ أيْ حَتّى يَجِيءَ ما فِيهِ شِفاءُ غَلِيلِكم، قِيلَ هو إجْلاءُ بَنِي النَّضِيرِ وقَتْلِ قُرَيْظَةَ، وقِيلَ الأمْرُ بِقِتالِ الكِتابِيِّينَ أوْ ضَرْبِ الجِزْيَةِ.

والظّاهِرُ أنَّهُ غايَةٌ مُبْهَمَةٌ لِلْعَفْوِ والصَّفْحِ تَطْمِينًا لِخَواطِرِ المَأْمُورَيْنِ حَتّى لا يَيْأسُوا مِن ذَهابِ أذى المُجْرِمِينَ لَهم بَطَلًا وهَذا أُسْلُوبٌ مَسْلُوكٌ في حَمْلِ الشَّخْصِ عَلى شَيْءٍ لا يُلائِمُهُ كَقَوْلِ النّاسِ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ بِتَرْكِ العَفْوِ انْتَهَتِ الغايَةُ ومِن ذَلِكَ إجْلاءُ بُنِيَ النَّضِيرِ.

ولَعَلَّ في قَوْلِهِ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تَعْلِيمًا لِلْمُسْلِمِينَ فَضِيلَةَ العَفْوِ أيْ فَإنَّ اللَّهَ قَدِيرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وهو يَعْفُو ويَصْفَحُ وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «لا أحَدَ أصْبَرُ عَلى أذًى يَسْمَعُهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ يَدَّعُونَ لَهُ نِدًّا وهو يَرْزُقُهم»، أوْ أرادَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فَلَوْ شاءَ لَأهْلَكَهُمُ الآنَ ولَكِنَّهُ لِحِكْمَتِهِ أمَرَكم بِالعَفْوِ عَنْهم وكُلُّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلى الِائْتِساءِ بِصُنْعِ اللَّهِ تَعالى وقَدْ قِيلَ إنَّ الحِكْمَةَ كُلُّها هي التَّشَبُّهُ بِالخالِقِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ. فَجُمْلَةُ ”إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ“ تَذْيِيلٌ مَسُوقٌ مَساقَ التَّعْلِيلِ. وجُمْلَةُ ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا﴾ إلى قَوْلِهِ ”﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ﴾ [البقرة: ١١١]“ تَفْرِيعٌ مَعَ اعْتِراضٍ فَإنَّ الجُمْلَةَ المُعْتَرِضَةَ هي الواقِعَةُ بَيْنَ جُمْلَتَيْنِ شَدِيدَتَي الِاتِّصالِ مِن حَيْثُ الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ والِاعْتِراضُ هو مَجِيءُ ما لَمْ يُسَقْ غَرَضُ الكَلامِ لَهُ ولَكِنْ لِلْكَلامِ والغَرَضِ بِهِ عَلاقَةً وتَكْمِيلًا وقَدْ جاءَ التَّفْرِيعُ بِالفاءِ هُنا في مَعْنى تَفْرِيعِ الكَلامِ عَلى الكَلامِ لا تَفْرِيعَ مَعْنى المَدْلُولِ عَلى المَدْلُولِ لِأنَّ مَعْنى العَفْوِ لا يَتَفَرَّعُ عَنْ ودِّ أهْلِ الكِتابِ ولَكِنَّ الأمْرَ بِهِ تَفَرَّعَ عَنْ ذِكْرِ هَذا الوِدِّ الَّذِي هو أذًى وتَجِيءُ الجُمْلَةُ المُعْتَرِضَةُ بِالواوِ وبِالفاءِ بِأنْ يَكُونَ المَعْطُوفُ اعْتِراضًا. وقَدْ جَوَّزَهُ صاحِبُ الكَشّافِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] في سُورَةِ النَّحْلِ، وجَوَّزَهُ ابْنُ هِشامٍ في مُغْنِي اللَّبِيبِ واحْتَجَّ لَهُ

صفحة ٦٧٢

بِقَوْلِهِ تَعالى ”﴿فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾ [النساء: ١٣٥]“ عَلى قَوْلِ ونَقْلِ بَعْضِ تَلامِذَةِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ عَبَسَ ﴿كَلّا إنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ [عبس: ١١] . ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس: ١٢] . ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ [عبس: ١٣] أنَّهُ قالَ لا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ جُمْلَةَ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس: ١٢] اعْتِراضًا لِأنَّ الِاعْتِراضَ لا يَكُونُ مَعَ الفاءِ ورَدَّهُ صاحِبُ الكَشّافِ بِأنَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُ لِمُنافاتِهِ كَلامَهُ في آيَةِ سُورَةِ النَّحْلِ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ أُرِيدَ بِهِ الأمْرَ بِالثَّباتِ عَلى الإسْلامِ فَإنَّ الصَّلاةَ والزَّكاةَ رُكْناهُ فالأمْرُ بِهِما يَسْتَلْزِمُ الأمْرَ بِالدَّوامِ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ.

وقَوْلُهُ ﴿وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ مُناسِبٌ لِلْأمْرِ بِالثَّباتِ عَلى الإسْلامِ ولِلْأمْرِ بِالعَفْوِ والصَّفْحِ وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِاليَهُودِ بِأنَّهم لا يَقْدِرُونَ قَدْرَ عَفْوِكم وصَفْحِكم ولَكِنَّهُ لا يَضِيعُ عِنْدَ اللَّهِ ولِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلى قَوْلِهِ عِنْدَ اللَّهِ قالَ الحُطَيْئَةُ:

مَن يَفْعَلِ الخَيْرَ لا يَعْدَمُ جَوائِزَهُ لا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَهُ والبَصِيرُ العَلِيمُ كَما تَقَدَّمَ وهو كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ إضافَةِ جَزاءِ المُحْسِنِ والمُسِيءِ لِأنَّ العَلِيمَ القَدِيرَ إذا عَلِمَ شَيْئًا فَهو يُرَتِّبُ عَلَيْهِ ما يُناسِبُهُ إذْ لا يُذْهِلُهُ جَهْلٌ ولا يَعُوزُهُ عَجْزٌ وفي هَذا وعْدٌ لَهم يَتَضَمَّنُ وعِيدًا لِغَيْرِهِمْ لِأنَّهُ إذا كانَ بَصِيرًا بِما يَعْمَلُ المُسْلِمُونَ كانَ بَصِيرًا بِما يَعْمَلُ غَيْرُهم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском