Ibn 'AshurAl‑Baqarah · 2:111–113

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:111–113

2:111–112Page 17

وَقَالُواْ لَن يَدۡخُلَ ٱلۡجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰۗ تِلۡكَ أَمَانِيُّهُمۡۗ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١١١

And they say, "None will enter Paradise except one who is a Jew or a Christian." That is [merely] their wishful thinking. Say, "Produce your proof, if you should be truthful."

بَلَىٰۚ مَنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ فَلَهُۥٓ أَجۡرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ١١٢

Yes, [on the contrary], whoever submits his face [i.e., self] in Islām to Allāh while being a doer of good will have his reward with his Lord. And no fear will there be concerning them, nor will they grieve.

﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى تِلْكَ أمانِيُّهم قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ . ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهْوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى ”ودَّ كَثِيرٌ“ وما بَيْنَهُما مِن قَوْلِهِ ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا﴾ [البقرة: ١٠٩] الآيَةَ اعْتِراضٌ كَما تَقَدَّمَ. والضَّمِيرُ لِأهْلِ الكِتابِ كُلِّهِمْ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ ”إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى ومَقُولُ القَوْلِ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلافِ القائِلِ فاليَهُودُ قالَتْ لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا، والنَّصارى قالَتْ لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ نَصارى فَجَمَعَ القُرْآنُ بَيْنَ قَوْلَيْهِما عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ بِجَمْعِ ما اشْتَرَكا فِيهِ وهو نَفْي دُخُولِ الجَنَّةِ عَنِ المُسْتَثْنى مِنهُ المَحْذُوفِ لِأجْلِ تَفْرِيعِ الِاسْتِثْناءِ. ثُمَّ جاءَ بَعْدَهُ تَفْرِيقٌ ما اخْتَصَّ بِهِ كُلُّ فَرِيقٍ وهو قَوْلُهُ هُودًا أوْ نَصارى

صفحة ٦٧٣

فَكَلِمَةُ أوْ مِن كَلامِ الحاكِي في حِكايَتِهِ ولَيْسَتْ مِنَ الكَلامِ المَحْكِيِّ فَأوْ هُنا لِتَقْسِيمِ القَوْلَيْنِ لِيُرْجِعَ السّامِعُ كُلَّ قَوْلٍ إلى قائِلِهِ والقَرِينَةُ عَلى أنَّ أوْ لَيْسَتْ مِن مِقُولِهِمُ المَحْكِيَّ أنَّهُ لَوْ كانَ مِن مِقْوَلِهِمْ لاقْتَضى أنَّ كِلا الفَرِيقَيْنِ لا ثِقَةَ لَهُ بِالنَّجاةِ وأنَّهُ يَعْتَقِدُ إمْكانَ نَجاةِ مُخالِفِهِ، والمَعْلُومُ مِن حالِ أهْلِ كُلِّ دِينٍ خِلافَ ذَلِكَ فَإنَّ كُلًّا مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى لا يَشُكُّ في نَجاةِ نَفْسِهِ ولا يَشُكُّ في ضَلالِ مُخالِفِهِ وهي أيْضًا قَرِينَةٌ عَلى تَعْيِينِ كُلٍّ مِن خَبَرَيْ كانَ لِبَقِيَّةِ الجُمْلَةِ المُشْتَرِكَةِ الَّتِي قالَها كُلُّ فَرِيقٍ بِإرْجاعِ هُودًا إلى مَقُولِ اليَهُودِ وإرْجاعِ نَصارى إلى مَقُولِ النَّصارى.

فَأوْ هاهُنا لِلتَّوْزِيعِ وهو ضَرْبٌ مِنَ التَّقْسِيمِ الَّذِي هو مِن فُرُوعِ كَوْنِها لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ وذَلِكَ أنَّهُ إيجازٌ مُرَكَّبٌ مِن إيجازِ الحَذْفِ لِحَذْفِ المُسْتَثْنى مِنهُ ولِجَمْعِ القَوْلَيْنِ في فِعْلٍ واحِدٍ وهو قالُوا ومِن إيجازِ القَصْرِ لِأنَّ هَذا الحَذْفَ لَمّا لَمْ يَعْتَمِدْ فِيهِ عَلى مُجَرَّدِ القَرِينَةِ المَحُوجَةِ لِتَقْدِيرٍ وإنَّما دَلَّ عَلى المَحْذُوفِ مِنَ القَوْلَيْنِ بِجَلْبِ حَرْفٍ أوْ كانَتْ أوْ تَعْبِيرًا عَنِ المَحْذُوفِ بِأقَلِّ عِبارَةٍ فَيَنْبَغِي أنْ يُعَدَّ قِسْمًا ثالِثًا مِن أقْسامِ الإيجازِ وهو إيجازُ حَذْفٍ وقَصْرٍ مَعًا.

وقَدْ جَعَلَ القَزْوِينِيُّ في تَلْخِيصِ المِفْتاحِ هاتِهِ الآيَةَ مِن قَبِيلِ اللَّفِّ والنَّشْرِ الإجْمالِيِّ أخَذًا مِن كَلامِ الكَشّافِ لِقَوْلِ صاحِبِ الكَشّافِ فَلَفَّ بَيْنَ القَوْلَيْنِ ثِقَةً بِأنَّ السّامِعَ يَرُدُّ إلى كُلِّ فَرِيقِ قَوْلَهُ وأمِنّا مِنَ الإلْباسِ لِما عُلِمَ مِنَ التَّعادِي بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ فَقَوْلُهُ فَلَفَّ بَيْنَ القَوْلَيْنِ أرادَ بِهِ اللَّفَّ الَّذِي هو لَقَبٌ لِلْمُحَسِّنِ البَدِيعِيِّ المُسَمّى اللَّفُّ والنَّشْرُ ولِذَلِكَ تَطَلَّبُوا لِهَذا اللَّفِّ نَشْرًا وتَصْوِيرًا لِلَّفِّ في الآيَةِ مِن قَوْلِهِ قالُوا مَعَ ما بَيَّنَهُ وهو لَفٌّ إجْمالِيٌّ يُبَيِّنُهُ نَشْرَهُ الآتِي بَعْدَهُ ولِذَلِكَ لَقَّبُوهُ اللَّفُّ الإجْمالِيُّ. ثُمَّ وقَعَ نَشْرُ هَذا اللَّفِّ بِقَوْلِهِ“ ﴿إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ ”فَعُلِمَ مِن حَرْفِ“ أوْ ”تَوْزِيعُ النَّشْرِ إلى ما يَلِيقُ بِكُلِّ فَرِيقٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ. وقالَ التَّفْتَزانِيُّ في شَرْحِ المِفْتاحِ جَرى الِاسْتِعْمالُ في النَّفْيِ الإجْمالِيِّ أنْ يُذْكَرَ نَشْرُهُ بِكَلِمَةِ (أوْ) .

والهُودُ جَمْعُ هائِدٍ أيْ مُتَّبِعِ اليَهُودِيَّةِ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا﴾ [البقرة: ٦٢] الآيَةَ وجَمْعُ فاعِلٍ عَلى فِعْلٍ غَيْرُ كَثِيرٍ وهو سَماعِيٌّ مِنهُ قَوْلُهم عَوَّذَ جَمْعُ عائِذٍ وهي الحَدِيثَةُ النِّتاجِ مِنَ الظِّباءِ والخَيْلِ والإبِلِ ومِنهُ أيْضًا عائِطٌ وعَوْطٌ لِلْمَرْأةِ الَّتِي بَقِيَتْ سِنِينَ لَمْ تَلِدْ. وحائِلٌ وحَوْلٌ، وبازِلٌ وبَزْلٌ، وفارِهٌ وفُرْهٌ، وإنَّما جاءَ هُودًا جَمْعًا مَعَ أنَّهُ خَبَّرَ عَنْ ضَمِيرِهِ كانَ وهو مُفْرَدٌ لِأنَّ مِن مُفْرَدًا لَفَظًا ومُرادُ بِهِ الجَماعَةُ فَجَرى ضَمِيرُهُ عَلى مُراعاةِ لَفْظِهِ وجَرى خَبَرًا وضَمِيرًا عَلى مُراعاةِ المَعْنى. والإشارَةُ بِتِلْكَ إلى القَوْلَةِ الصّادِرَةِ مِنهم لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى

صفحة ٦٧٤

كَما هو الظّاهِرُ فالإخْبارُ عَنْها بِصِيغَةِ الجَمْعِ إمّا لِأنَّها لَمّا كانَتْ أُمْنِيَةَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم صارَتْ إلى أمانِيَّ كَثِيرَةٍ وإمّا إرادَةُ أنَّ كُلَّ أمانِيهِمْ كَهَذِهِ ومُعْتادِهِمْ فِيها فَيَكُونُ مِنَ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ.

والأمانِيُّ تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ ﴿لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا أمانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨] وجُمْلَةُ تِلْكَ أمانِيُّهم مُعْتَرِضَةٌ. وقَوْلُهُ ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ أمْرٌ بِأنْ يُجابُّوا بِهَذا ولِذَلِكَ فَصَلَهُ لِأنَّهُ في سِياقِ المُحاوَرَةِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ قالُوا“ أتَجْعَلُ فِيها ”الآيَةَ وأتى بِإنَّ المُفِيدَةَ لِلشَّكِّ في صِدْقِهِمْ مَعَ القَطْعِ بِعَدَمِ الصِّدْقِ لِاسْتِدْراجِهِمْ حَتّى يَعْلَمُوا أنَّهم غَيْرُ صادِقِينَ حِينَ يَعْجِزُونَ عَنِ البُرْهانِ لِأنَّ كُلَّ اعْتِقادٍ لا يُقِيمُ مُعْتَقِدِهِ دَلِيلَ اعْتِقادِهِ فَهو اعْتِقادٌ كاذِبٌ لِأنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ دَلِيلٌ لاسْتَطاعَ التَّعْبِيرَ عَنْهُ ومِن بابِ أوْلى لا يَكُونُ صادِقًا عِنْدَ مَن يُرِيدُ أنْ يُرَوِّجَ عَلَيْهِ اعْتِقادَهُ.

و“ بَلى ”إبْطالٌ لِدَعْواهُما. و“ بَلى ”كَلِمَةٌ يُجابُ بِها المَنفِيُّ لِإثْباتِ نَقِيضِ النَّفْيِ وهو الإثْباتُ سَواءٌ وقَعَتْ بَعْدَ اسْتِفْهامٍ عَنْ نَفْيِ وهو الغالِبُ أوْ بَعْدَ خَبَرٍ مَنفِيٍّ نَحْوَ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ بَلى﴾ [القيامة: ٣]، وقَوْلُ أبِي حَيَّةَ النُّمَيْرِيِّ:

يُخْبِرُكَ الواشُونَ أنْ لَنْ أُحِبُّكم بَلى وسُتُورُ اللَّهِ ذاتُ المَحارِمِ

وقَوْلُهُ“ مَن أسْلَمَ ”جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ عَنْ بَلى لِجَوابِ سُؤالِ مَن يَتَطَلَّبُ كَيْفَ نَقَضَ نَفْيَ دُخُولِ الجَنَّةِ عَنْ غَيْرِ هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ أُرِيدَ بِها بَيانُ أنَّ الجَنَّةَ لَيْسَتْ حِكْرَةً لِأحَدٍ ولَكِنْ إنَّما يَسْتَحِقُّها مَن أسْلَمَ إلَخْ لِأنَّ قَوْلَهُ فَلَهُ أجْرُهُ هو في مَعْنى لَهُ دُخُولُ الجَنَّةِ وهو جَوابُ الشَّرْطِ لِأنَّ مَن شَرْطِيَّةٌ لا مَحالَةَ. ومَن قُدِّرَ هُنا فِعْلًا بَعْدَ بَلى أيْ يَدْخُلُها مَن أسْلَمَ فَإنَّما أرادَ تَقْدِيرَ مَعْنى لا تَقْدِيرَ إعْرابٍ إذْ لا حاجَةَ لِلتَّقْدِيرٍ هُنا.

وإسْلامُ الوَجْهِ لِلَّهِ هو تَسْلِيمُ الذّاتِ لِأوامِرِ اللَّهِ تَعالى أيْ شِدَّةُ الِامْتِثالِ لِأنَّ أسْلَمَ بِمَعْنى ألْقى السِّلاحَ وتَرَكَ المُقاوَمَةَ قالَ تَعالى ﴿فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ومَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران: ٢٠] والوَجْهُ هُنا الذّاتُ عَبَّرَ عَنِ الذّاتِ بِالوَجْهِ لِأنَّهُ البَعْضُ الأشْرَفُ مِنَ الذّاتِ كَما قالَ الشَّنْفَرِيُّ:

إذا قَطَعُوا رَأْسِي وفي الرَّأْسِ أكْثَرِيُّ

صفحة ٦٧٥

ومِن إطْلاقِ الوَجْهِ عَلى الذّاتِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] وأُطْلِقَ الوَجْهُ عَلى الحَقِيقَةِ تَقُولُ: جاءَ بِالأمْرِ عَلى وجْهِهِ أيْ عَلى حَقِيقَتِهِ قالَ الأعْشى:

وأوَّلُ الحُكْمِ عَلى وجْهِهِ ∗∗∗ لَيْسَ قَضاءٌ بِالهَوى الجائِرِ

ووُجُوهُ النّاسِ أشْرافُهم ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أسْلَمَ بِمَعْنى أخْلَصَ مُشْتَقًّا مِنَ السَّلامَةِ أيْ جَعْلِهِ سالِمًا ومِنهُ ﴿ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ [الزمر: ٢٩] .

وقَوْلُهُ“ وهو مُحْسِنٌ " جِيءَ بِهِ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ لِإظْهارِ أنَّهُ لا يُغْنِي إسْلامُ القَلْبِ وحْدَهُ ولا العَمَلُ بِدُونِ إخْلاصٍ بَلْ لا نَجاةَ إلّا بِهِما ورَحْمَةُ اللَّهِ فَوْقَ ذَلِكَ إذْ لا يَخْلُو امْرِؤٌ عَنْ تَقْصِيرٍ.

وجَمْعُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ ﴿ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ اعْتِبارًا بِعُمُومِ مَن، كَما أفْرَدَ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ ﴿وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ﴾ اعْتِبارًا بِإفْرادِ اللَّفْظِ وهَذا مِن تَفَنُّنِ العَرَبِيَّةِ لِدَفْعِ سَآمَةِ التَّكْرارِ.

2:113Page 18

وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ لَيۡسَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ لَيۡسَتِ ٱلۡيَهُودُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَهُمۡ يَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ مِثۡلَ قَوۡلِهِمۡۚ فَٱللَّهُ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ١١٣

The Jews say, "The Christians have nothing [true] to stand on," and the Christians say, "The Jews have nothing to stand on," although they [both] recite the Scripture. Thus do those who know not [i.e., the polytheists] speak the same as their words. But Allāh will judge between them on the Day of Resurrection concerning that over which they used to differ.

﴿وقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ وهم يَتْلُونَ الكِتابَ كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾

مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ”﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١]“ لِزِيادَةِ بَيانِ أنَّ المُجازَفَةَ دَأْبُهم وأنَّ رَمْيَ المُخالِفِ لَهم بِأنَّهُ ضالٌّ شَنْشَنَةٌ قَدِيمَةٌ فِيهِمْ فَهم يَرْمُونَ المُخالِفِينَ بِالضَّلالِ لِمُجَرَّدِ المُخالِفَةِ فَقَدِيمًا ما رَمَتِ اليَهُودُ النَّصارى بِالضَّلالِ ورَمَتِ النَّصارى اليَهُودَ بِمِثْلِهِ فَلا تَعْجَبُوا مِن حُكْمِ كُلِّ فَرِيقٍ مِنهم بِأنَّ المُسْلِمِينَ لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ وفي ذَلِكَ إنْحاءٌ عَلى أهْلِ الكِتابِ وتَطْمِينٍ لِخَواطِرِ المُسْلِمِينَ ودَفْعِ الشُّبْهَةِ عَنِ المُشْرِكِينَ بِأنَّهم يَتَّخِذُونَ مِن طَعْنِ أهْلِ الكِتابِ في الإسْلامِ حُجَّةً لِأنْفُسِهِمْ عَلى مُناوَأتِهِ وثَباتًا عَلى شِرْكِهِمْ.

والمُرادُ مِنَ القَوْلِ التَّصْرِيحُ بِالكَلامِ الدّالِّ فَهم قَدْ قالُوا هَذا بِالصَّراحَةِ حِينَ جاءَ وفْدُ نَجْرانَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفِيهِمْ أعْيانُ دِينِهِمْ مِنَ النَّصارى فَلَمّا بَلَغَ مَقْدِمُهُمُ

صفحة ٦٧٦

اليَهُودَ أتَوْهم وهم عِنْدَ النَّبِيءِ ﷺ فَناظَرُوهم في الدِّينِ وجادَلُوهم حَتّى تَسابُّوا فَكَفَرَ اليَهُودُ بِعِيسى وبِالإنْجِيلِ وقالُوا لِلنَّصارى ما أنْتُمْ عَلى شَيْءٍ، فَكَفَرَ وفْدُ نَجْرانَ بِمُوسى وبِالتَّوْراةِ وقالُوا لِلْيَهُودِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ.

وقَوْلُهم ”عَلى شَيْءٍ“ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ والشَّيْءُ المَوْجُودُ هُنا مُبالَغَةٌ أيْ لَيْسُوا عَلى أمْرٍ يُعْتَدُّ بِهِ. فالشَّيْءُ المَنفِيُّ هو الشَّيْءُ العُرْفِيُّ أوْ بِاعْتِبارِ صِفَةٍ مَحْذُوفَةٍ عَلى حَدِّ قَوْلِ عَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ:

وقَدْ كُنْتُ في الحَرْبِ ذا تُدْرَأِ فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا ولَمْ أُمْنَعْ

أيْ لَمْ أُعْطَ شَيْئًا نافِعًا مُغْنِيًا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ولَمْ أُمْنَعْ، وسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ عَنِ الكُهّانِ فَقالَ: لَيْسُوا بِشَيْءٍ، فالصِّيغَةُ صِيغَةُ عُمُومٍ والمُرادُ بِها في مَجارِي الكَلامِ نَفِيُ شَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ في الغَرَضِ الجارِي فِيهِ الكَلامُ بِحَسَبِ المَقاماتِ فَهي مُسْتَعْمَلَةٌ مَجازًا كالعامِّ المُرادُ بِهِ الخُصُوصُ أيْ لَيْسُوا عَلى حَظٍّ مِنَ الحَقِّ فالمُرادُ هُنا لَيْسَتْ عَلى شَيْءٍ مِنَ الحَقِّ وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ صِحَّةِ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِنَ الكِتابِ الشَّرْعِيِّ فَكُلُّ فَرِيقٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ رَمى الآخَرَ بِأنَّ ما عِنْدَهُ مِنَ الكِتابِ لا حَظَ فِيهِ مِنَ الخَيْرِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿وهم يَتْلُونَ الكِتابَ﴾ فَإنَّ قَوْلَهُ ”﴿وهم يَتْلُونَ الكِتابَ﴾“ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ جِيءَ بِها لِمَزِيدِ التَّعَجُّبِ مِن شَأْنِهِمْ أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ وكُلُّ فَرِيقٍ مِنهم يَتْلُونَ الكِتابَ وكُلُّ كِتابٍ يَتْلُونَهُ مُشْتَمِلٌ عَلى الحَقِّ لَوِ اتَّبَعَهُ أهْلُهُ حَقَّ اتِّباعِهِ ولا يَخْلُو أهْلُ كِتابِ حَقٍّ مِن أنْ يَتَّبِعُوا بَعْضَ ما في كِتابِهِمْ أوْ جُلَّ ما فِيهِ فَلا يُصَدَّقُ قَوْلُ غَيْرِهِمْ أنَّهم لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ. وجِيءَ بِالجُمْلَةِ الحالِيَّةِ لِأنَّ دَلالَتَها عَلى الهَيْئَةِ أقْوى مِن دَلالَةِ الحالِ المُفْرَدَةِ لِأنَّ الجُمْلَةَ الحالِيَّةَ بِسَبَبِ اشْتِمالِها عَلى نِسْبَةٍ خَبَرِيَّةٍ تُفِيدُ أنَّ ما كانَ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عُدِلَ بِهِ عَنِ الخَبَرِ لِادِّعاءِ أنَّهُ مَعْلُومٌ اتِّصافُ المُخْبَرِ عَنْهُ بِهِ فَيُؤْتى بِهِ في مَوْقِعِ الحالِ المُفْرَدَةِ عَلى اعْتِبارِ التَّذْكِيرِ بِهِ ولَفْتِ الذِّهْنِ إلَيْهِ فَصارَ حالًا لَهُ. وضَمِيرُ قَوْلِهِ ”هم“ عائِدٌ إلى الفَرِيقَيْنِ وقِيلَ عائِدٌ إلى النَّصارى لِأنَّهم أقْرَبُ مَذْكُورٍ. والتَّعْرِيفُ في الكِتابِ جَعَلَهُ صاحِبُ الكَشّافِ تَعْرِيفَ الجِنْسِ وهو يَرْمِي بِذَلِكَ إلى أنَّ المَقْصُودَ أنَّهم أهْلُ عِلْمٍ كَما يُقالُ لَهم أهْلُ الكِتابِ في مُقابَلَةِ الأُمِّيِّينَ، وحَداهُ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ عَقِبَهُ كَذَلِكَ ”قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ“ فالمَعْنى أنَّهم تَراجَمُوا بِالنِّسْبَةِ

صفحة ٦٧٧

إلى نِهايَةِ الضَّلالِ وهم مِن أهْلِ العِلْمِ الَّذِينَ لا يَلِيقُ بِهِمُ المُجازَفَةُ ومِن حَقِّهِمُ الإنْصافُ بِأنْ يُبَيِّنُوا مَواقِعَ الخَطَأِ عِنْدَ مُخالِفِيهِمْ. وجَعَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ التَّعْرِيفَ لِلْعَهْدِ وجَعَلَ المَعْهُودَ التَّوْراةَ أيْ لِأنَّها الكِتابُ الَّذِي يَقْرَأهُ الفَرِيقانِ ووَجْهُ التَّعْجِيبِ عَلى هَذا الوَجْهِ أنَّ التَّوْراةَ هي أصْلٌ لِلنَّصْرانِيَّةِ والإنْجِيلَ ناطِقٌ بِحَقِّيَّتِها فَكَيْفَ يَسُوغُ لِلنَّصارى ادِّعاءُ أنَّها لَيْسَتْ بِشَيْءٍ كَما فَعَلَتْ نَصارى نَجْرانَ. وأنَّ التَّوْراةَ ناطِقَةٌ بِمَجِيءِ رُسُلٍ بَعْدَ مُوسى فَكَيْفَ ساغَ لِلْيَهُودِ تَكْذِيبُ رَسُولِ النَّصارى.

وإذا جُعِلَ الضَّمِيرُ عائِدًا لِلنَّصارى خاصَّةً يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْهُودُ التَّوْراةَ كَما ذَكَرْنا أوِ الإنْجِيلَ النّاطِقَ بِأحَقِّيَّةِ التَّوْراةِ، وفي ”يَتْلُونَ“ دَلالَةٌ عَلى هَذا لِأنَّهُ يَصِيرُ التَّعَجُّبُ مُشْرَبًا بِضَرْبٍ مِنَ الِاعْتِذارِ أعْنِي: أنَّهم يَقْرَأُونَ دُونَ تَدَبُّرٍ وهَذا مِنَ التَّهَكُّمِ وإلّا لَقالَ وهم يَعْلَمُونَ الكِتابَ وبِهَذا يَتَبَيَّنُ أنَّ لَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ وارِدَةً لِلِانْتِصارِ لِأحَدِ الفَرِيقَيْنِ أوْ كِلَيْهِما.

وقَوْلُهُ ”﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾“ أيْ يُشْبِهُ هَذا القَوْلُ قَوْلَ فَرِيقٍ آخَرَ غَيْرَ الفَرِيقَيْنِ وهَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ هم مُقابِلُ الَّذِينَ يَتْلُونَ الكِتابَ وأُرِيدَ بِهِمْ مُشْرِكُو العَرَبِ وهم لا يَعْلَمُونَ لِأنَّهم أُمِّيُّونَ، وإطْلاقُ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ عَلى المُشْرِكِينَ وارِدٌ في القُرْآنِ مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ الآتِي ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ أوْ تَأْتِينا آيَةٌ﴾ [البقرة: ١١٨] بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [البقرة: ١١٨] يَعْنِي كَذَلِكَ قالَ اليَهُودُ والنَّصارى، والمَعْنى هُنا أنَّ المُشْرِكِينَ كَذَّبُوا الأدْيانَ كُلَّها اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ والإسْلامَ والمَقْصُودُ مِنَ التَّشْبِيهِ تَشْوِيهُ المُشَبَّهِ بِهِ بِأنَّهُ مُشابِهٌ لِقَوْلِ أهْلِ الضَّلالِ البَحْتِ.

وهَذا اسْتِطْرادٌ لِلْإنْحاءِ عَلى المُشْرِكِينَ فِيما قابَلُوا بِهِ الدَّعْوَةَ الإسْلامِيَّةَ أيْ قالُوا لِلْمُسْلِمِينَ مِثْلَ مَقالَةِ أهْلِ الكِتابَيْنِ بَعْضُهم لِبَعْضٍ وقَدْ حَكى القُرْآنُ مَقالَتَهم في قَوْلِهِ إذْ قالُوا ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] والتَّشْبِيهُ المُسْتَفادُ مِنَ الكافِ في ”كَذَلِكَ“ تَشْبِيهٌ في الِادِّعاءِ عَلى أنَّهم لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ والتَّقْدِيرُ مِثْلَ ذَلِكَ القَوْلِ الَّذِي قالَتْهُ اليَهُودُ والنَّصارى، قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ولِهَذا يَكُونُ لَفْظُ ”مِثْلَ قَوْلِهِمْ“ تَأْكِيدًا لِما أفادَهُ كافُ التَّشْبِيهِ وهو تَأْكِيدٌ يُشِيرُ إلى أنَّ المُشابَهَةَ بَيْنَ قَوْلِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ وبَيْنَ قَوْلِ اليَهُودِ والنَّصارى مُشابَهَةٌ تامَّةٌ لِأنَّهم لَمّا قالُوا ”ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ“ قَدْ كَذَّبُوا اليَهُودَ والنَّصارى والمُسْلِمِينَ.

صفحة ٦٧٨

وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ وهو قالَ إمّا لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِبَيانِ المُماثِلَةِ وإمّا لِيُغْنِيَ عَنْ حَرْفِ العَطْفِ في الِانْتِقالِ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ إيجازًا بَدِيعًا لِأنَّ مُفادَ حَرْفِ العَطْفِ التَّشْرِيكُ ومُفادَ كافِ التَّشْبِيهِ التَّشْرِيكُ إذِ التَّشْبِيهُ تَشْرِيكٌ في الصِّفَةِ. ولِأجْلِ الِاهْتِمامِ أوْ لِزِيادَتِهِ أكَّدَ قَوْلَهُ ”كَذَلِكَ“ بِقَوْلِهِ ”مِثْلَ قَوْلِهِمْ“ فَهو صِفَةٌ أيْضًا لِمَعْمُولِ ”قالُوا“ المَحْذُوفِ أيْ قالُوا مَقُولًا مِثْلَ قَوْلِهِمْ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ ”كَذَلِكَ“ تَأْكِيدًا لِمِثْلِ قَوْلِهِمْ وتَعْتَبِرَ تَقْدِيمَهُ مِن تَأْخِيرٍ والأوَّلُ أظْهَرُ.

وجَوَّزَ صاحِبُ الكَشّافِ وجَماعَةٌ أنْ لا يَكُونَ قَوْلُهُ ”مِثْلَ قَوْلِهِمْ“ أوْ قَوْلُهُ ”كَذَلِكَ“ تَأْكِيدًا لِلْآخَرِ وأنَّ مَرْجِعَ التَّشْبِيهِ إلى كَيْفِيَّةِ القَوْلِ ومَنهَجِهِ في صُدُورِهِ عَنْ هَوًى، ومَرْجِعَ المُماثَلَةِ إلى المُماثَلَةِ في اللَّفْظِ فَيَكُونُ عَلى كَلامِهِ تَكْرِيرًا في التَّشْبِيهِ مِن جِهَتَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ التَّشابُهِ.

وقَوْلُهُ ”﴿فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾“ الآيَةَ جاءَ بِالفاءِ لِأنَّ التَّوَعُّدَ بِالحُكْمِ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ وإظْهارُ ما أكَنَّتْهُ ضَمائِرهم مِنَ الهَوى والحَسَدِ مُتَفَرِّعٌ عَنْ هَذِهِ المَقالاتِ ومُسَبَّبٌ عَنْها وهو خَبَرٌ مُرادٌ بِهِ التَّوْبِيخُ والوَعِيدُ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِإضافَةِ بَيْنَ راجِعٌ إلى الفِرَقِ الثَّلاثِ وما ”كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ“ يَعُمُّ ما ذُكِرَ وغَيْرُهُ والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском