Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:114–116
2:114Page 18
وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ مَا كَانَ لَهُمۡ أَن يَدۡخُلُوهَآ إِلَّا خَآئِفِينَۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١١٤
And who are more unjust than those who prevent the name of Allāh from being mentioned [i.e., praised] in His mosques and strive toward their destruction. It is not for them to enter them except in fear. For them in this world is disgrace, and they will have in the Hereafter a great punishment.
﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ وسَعى في خَرابِها أُولَئِكَ ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلّا خائِفِينَ لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿وقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣] بِاعْتِبارِ ما سَبَقَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أفانِينِ أهْلِ الكِتابِ في الجُرْاءَةِ وسُوءِ المَقالَةِ أيْ أنَّ قَوْلَهم هَذا وما تَقَدَّمُهُ ظُلْمٌ ولا كَظُلْمِ مَن مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ وهَذا اسْتِطْرادٌ واقِعٌ مُعْتَرِضًا بَيْنَ ذِكْرِ أحْوالِ اليَهُودِ والنَّصارى لِذِكْرِ مَساوِئِ المُشْرِكِينَ في سُوءِ تَلَقِّيهم دَعْوَةَ الإسْلامِ الَّذِي جاءَ لِهَدْيِهِمْ ونَجاتِهِمْ.
والآيَةُ نازِلَةٌ في مُشْرِكِي العَرَبِ كَما في رِوايَةِ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلّا خائِفِينَ﴾ الآيَةَ كَما سَيَأْتِي وهي تُشِيرُ إلى مَنعِ أهْلِ مَكَّةَ النَّبِيءَ ﷺ والمُسْلِمِينَ مِنَ الدُّخُولِ لِمَكَّةَ كَما جاءَ في حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ
صفحة ٦٧٩
حِينَ دَخَلَ مَكَّةَ خِفْيَةً وقالَ لَهُ أبُو جَهْلٍ: ألا أراكَ تَطُوفُ بِالبَيْتِ آمِنًا وقَدْ أوَيْتُمُ الصِّباءَ، وتَكَرَّرَ ذَلِكَ في عامِ الحُدَيْبِيَةِ.
وقِيلَ نَزَلَتْ في بُخْتُنَصَّرَ مَلِكِ أشُورَ وغَزْوِهِ بَيْتَ المَقْدِسِ ثَلاثَ غَزَواتٍ أوَّلاها في سَنَةِ ٦٠٦ قَبْلَ المَسِيحِ زَمَنَ المَلِكِ يَهُوياقِيمَ مَلِكِ اليَهُودِ سَبى فِيها جَمْعًا مِن شَعْبِ إسْرائِيلَ. والثّانِيَةُ بَعْدَ ثَمانِ سِنِينَ سَبى فِيها رُؤَساءَ المَمْلَكَةِ والمَلِكَ يَهُوا كِينَ بْنَ يَهُوياقِيمَ ونَهَبَ المَسْجِدَ المُقَدَّسَ مِن جَمِيعِ نَفائِسِهِ وكُنُوزِهِ. والثّالِثَةُ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ في زَمَنِ المَلِكِ صِدْقِيا فَأسَرَ المَلِكَ وسَمَلَ عَيْنَيْهِ وأحْرَقَ المَسْجِدَ الأقْصى وجَمِيعَ المَدِينَةِ وسَبى جَمِيعَ بَنِي إسْرائِيلَ وانْقَرَضَتْ بِذَلِكَ مَمْلَكَةُ يَهُوذا وذَلِكَ سَنَةَ ٥٧٨ قَبْلَ المَسِيحِ وتُسَمّى هَذِهِ الواقِعَةُ بِالسَّبْيِ الثّالِثِ فَهو في كُلِّ ذَلِكَ قَدْ مَنَعَ مَسْجِدَ بَيْتِ المَقْدِسِ مِن أنْ يَذْكُرَ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ وتَسَبَّبَ في خَرابِهِ.
وقِيلَ: نَزَلَتْ في غَزْوِ طَيْطَسَ الرُّومانِيِّ لِأُورَشْلِيمَ سَنَةَ ٧٩ قَبْلَ المَسِيحِ فَخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ وأحْرَقَ التَّوْراةَ وتَرَكَ بَيْتَ المَقْدِسِ خَرابًا إلى أنْ بَناهُ المُسْلِمُونَ بَعْدَ فَتْحِ البِلادِ الشّامِيَّةِ. وعَلى هاتَيْنِ الرِّوايَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ لا تَظْهَرُ مُناسَبَةٌ لِذِكْرِها عَقِبَ ما تَقَدَّمَ فَلا يَنْبَغِي بِناءُ التَّفْسِيرِ عَلَيْهِما.
والوَجْهُ هو التَّعْوِيلُ عَلى الرِّوايَةِ الأُولى وهي المَأْثُورَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فالمُناسِبَةُ أنَّهُ بَعْدَ أنْ وُفِّيَ أهْلُ الكِتابِ حَقَّهم مَن فَضْحِ نَواياهم في دِينِ الإسْلامِ وأهْلِهِ وبَيانِ أنَّ تِلْكَ شَنْشَنَةٌ مُتَأصِّلَةٌ فِيهِمْ مَعَ كُلِّ مَن جاءَهم بِما يُخالِفُ هَواهم وكانَ قَدْ أشارَ إلى أنَّ المُشْرِكِينَ شابُهُوهم في ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٥] عَطَفَ الكَلامَ إلى بَيانِ ما تَفَرَّعَ عَنْ عَدَمِ وِدادَةِ المُشْرِكِينَ نُزُولِ القُرْآنِ فَبَيَّنَ أنَّ ظُلْمَهم في ذَلِكَ لَمْ يَبْلُغْهُ أحَدٌ مِمَّنْ قَبْلَهم إذْ مَنَعُوا مَساجِدَ اللَّهِ وسَدُّوا طَرِيقَ الهُدى وحالُوا بَيْنَ النّاسِ وبَيْنَ زِيارَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ الَّذِي هو فَخْرُهم وسَبَبُ مَكانَتِهِمْ ولَيْسَ هَذا شَأْنُ طالِبِ صَلاحِ الخَلْقِ بَلْ هَذا شَأْنُ الحاسِدِ المُغْتاظِ.والِاسْتِفْهامُ بِمَن إنْكارِيٌّ ولَمّا كانَ أصْلُ مَن أنَّها نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ أشُرِبَتْ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ وكانَ الِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ في مَعْنى النَّفْيِ صارَ الكَلامُ مِن وُقُوعِ النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ فَلِذَلِكَ فَسَّرُوهُ بِمَعْنى لا أحَدَ أظْلَمُ.
صفحة ٦٨٠
والظُّلْمُ الِاعْتِداءُ عَلى حَقِّ الغَيْرِ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ بِما لا يَرْضى بِهِ، ويُطْلَقُ عَلى وضْعِ الشَّيْءِ في غَيْرِ ما يَسْتَحِقُّ أنْ يُوضَعَ فِيهِ والمَعْنَيانِ صالِحانِ هُنا.
وإنَّما كانُوا أظْلَمَ النّاسِ لِأنَّهم أتَوْا بِظُلْمٍ عَجِيبٍ فَقَدْ ظَلَمُوا المُسْلِمِينَ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ وهم أحَقُّ النّاسِ بِهِ وظَلَمُوا أنْفُسَهم بِسُوءِ السُّمْعَةِ بَيْنَ الأُمَمِ.
وجَمَعَ المَساجِدَ وإنْ كانَ المُشْرِكُونَ مَنَعُوا الكَعْبَةَ فَقَطْ إمّا لِلتَّعْظِيمِ فَإنَّ الجَمْعَ يَجِيءُ لِلتَّعْظِيمِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهُمْ﴾ [الفرقان: ٣٧] وإمّا لِما فِيهِ مِن أماكِنِ العِبادَةِ وهي البَيْتُ والمَسْجِدُ الحَرامُ ومَقامُ إبْراهِيمَ والحَطِيمُ، وإمّا لِما يَتَّصِلُ بِهِ أيْضًا مِنَ الخَيْفِ ومِنًى والمَشْعَرِ الحَرامِ وكُلُّها مَساجِدُ والإضافَةُ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ عَلى مَعْنى لامِ التَّعْرِيفِ العَهْدِيِّ، وإمّا لِقَصْدِ دُخُولِ جَمِيعِ مَساجِدِ اللَّهِ لِأنَّهُ جَمْعٌ تَعَرَّفَ بِالإضافَةِ ووَقَعَ في سِياقِ مَنعِ الَّذِي هو في مَعْنى النَّفْيِ لِيَشْمَلَ الوَعِيدُ كُلَّ مُخَرِّبٍ لِمَسْجِدٍ أوْ مانِعٍ مِنَ العِبادَةِ بِتَعْطِيلِهِ عَنْ إقامَةِ العِباداتِ ويَدْخُلُ المُشْرِكُونَ في ذَلِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا عَلى حُكْمِ وُرُودِ العامِّ عَلى سَبَبٍ خاصٍّ، والإضافَةُ عَلى هَذا الوَجْهِ عَلى مَعْنى لامِ الِاسْتِغْراقِ ولَعَلَّ ضَمِيرَ الجَمْعِ المَنصُوبَ في قَوْلِهِ ”أنْ يَدْخُلُوها“ يُؤَيِّدُ أنَّ المُرادَ مِنَ المَساجِدِ مَساجِدُ مَعْلُومَةٌ لِأنَّ هَذا الوَعِيدَ لا يَتَعَدّى لِكُلِّ مَن مَنَعَ مَسْجِدًا إذْ هو عِقابٌ دُنْيَوِيٌّ لا يَلْزَمُ اطِّرادُهُ في أمْثالِ المُعاقَبِ.
والمُرادُ مِنَ المَنعِ مَنعُ العِبادَةِ في أوْقاتِها الخاصَّةِ بِها كالطَّوافِ والجَماعَةِ إذا قُصِدَ بِالمَنعِ حِرْمانُ فَرِيقٍ مِنَ المُتَأهِّلِينَ لَها مِنها. ولَيْسَ مِنهُ غَلْقُ المَساجِدِ في غَيْرِ أوْقاتِ الجَماعَةِ لِأنَّ صَلاةَ الفَذِّ لا تُفَضَّلُ في المَسْجِدِ عَلى غَيْرِهِ، وكَذَلِكَ غَلْقُها مِن دُخُولِ الصِّبْيانِ والمُسافِرِينَ لِلنَّوْمِ، وقَدْ سُئِلَ ابْنُ عَرَفَةَ في دَرْسِ التَّفْسِيرِ عَنْ هَذا فَقالَ: غَلْقُ بابِ المَسْجِدِ في غَيْرِ أوْقاتِ الصَّلاةِ حِفْظٌ وصِيانَةٌ ا ه. وكَذَلِكَ مَنعُ غَيْرِ المُتَأهِّلِ لِدُخُولِهِ وقَدْ مَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ المُشْرِكِينَ الطَّوافَ والحَجَّ ومَنَعَ مالِكٌ الكافِرَ مِن دُخُولِ المَسْجِدِ ومَعْلُومٌ مَنعُ الجُنُبِ والحائِضِ.
والسَّعْيُ أصْلُهُ المَشْيُ ثُمَّ صارَ مَجازًا مَشْهُورًا في التَّسَبُّبِ المَقْصُودِ كالحَقِيقَةِ العُرْفِيَّةِ نَحْوَ ﴿ثُمَّ أدْبَرَ يَسْعى﴾ [النازعات: ٢٢] ويُعَدّى بِفي الدّالَّةِ عَلى التَّعْلِيلِ نَحْوَ: سَعَيْتُ في حاجَتِكَ فالمَنعُ هُنا حَقِيقَةٌ عَلى الرِّوايَةِ الأُولى المُتَقَدِّمَةِ في سَبَبِ النُّزُولِ والسَّعْيُ مَجازٌ في التَّسَبُّبِ غَيْرِ المَقْصُودِ فَهو مَجازٌ عَلى مَجازٍ. وأمّا عَلى الرِّوايَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ فالمَنعُ مَجازٌ والسَّعْيُ حَقِيقَةٌ لِأنَّ بُخْتُنَصَّرَ وطِيطَسَ لَمْ يَمْنَعا أحَدًا مِنَ الذِّكْرِ ولَكِنَّهُما تَسَبَّبا في الخَرابِ بِالأمْرِ بِالتَّخْرِيبِ فَأفْضى ذَلِكَ إلى المَنعِ وآلَ إلَيْهِ.
صفحة ٦٨١
وقَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلّا خائِفِينَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ تُغْنِي عَنْ سُؤالٍ ناشِئٍ عَنْ قَوْلِهِ ”مَن أظْلَمُ“ أوْ عَنْ قَوْلِهِ ”سَعى“ لِأنَّ السّامِعَ إذا عَلِمَ أنَّ فاعِلَ هَذا أظْلَمُ النّاسِ أوْ سَمِعَ هَذِهِ الجُرْأةَ وهي السَّعْيُ في الخَرابِ تَطَلَّبَ بَيانُ جَزاءِ مَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ أوْ فَعَلَ هَذا. ويَجُوزُ كَوْنُها اعْتِراضًا بَيْنَ ”مَن أظْلَمُ“ وقَوْلِهِ ﴿لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ والإشارَةُ بِـ ”أُولَئِكَ“ بَعْدَ إجْراءِ الأوْصافِ الثَّلاثَةِ عَلَيْهِمْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُمُ اسْتُحْضِرُوا بِتِلْكَ الأوْصافِ لِيُخْبَرَ عَنْهم بَعْدَ تِلْكَ الإشارَةِ بِخَبَرِهِمْ جَدِيرُونَ بِمَضْمُونِهِ عَلى حَدِّ ما تَقَدَّمَ في ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الجُمَلِ لَيْسَ هو بَيانُ جَزاءِ فِعْلِهِمْ أوِ التَّحْذِيرِ مِنهُ بَلِ المَقْصُودُ بَيانُ هاتِهِ الحالَةِ العَجِيبَةِ مِن أحْوالِ المُشْرِكِينَ بَعْدَ بَيانِ عَجائِبِ أهْلِ الكِتابِ ثُمَّ يُرَتِّبُ العِقابَ عَلى ذَلِكَ حَتّى تَعْلَمَ جَدارَتَهم بِهِ وقَدْ ذَكَرَ لَهم عُقُوبَتَيْنِ دُنْيَوِيَّةً وهي الخَوْفُ والخِزْيُ وأُخْرَوِيَّةً وهي العَذابُ العَظِيمُ.
ومَعْنى ﴿ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلّا خائِفِينَ﴾ أنَّهم لا يَكُونُ لَهم بَعْدَ هَذِهِ الفِعْلَةِ أنْ يَدْخُلُوا تِلْكَ المَساجِدَ الَّتِي مَنَعُوها إلّا وهم خائِفُونَ فَإنَّ ”ما كانَ“ إذا وقَعَ أنْ والمُضارِعُ في خَبَرِها تَدُلُّ عَلى نَفْيِ المُسْتَقْبَلِ وإنَّ كانَ لَفْظُ ”كانَ“ لَفْظَ الماضِي، وأنْ هَذِهِ هي الَّتِي تَسْتَتِرُ عِنْدَ مَجِيءِ اللّامِ نَحْوَ ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم فَلا إشْعارَ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ بِمُضِيٍّ. واللّامُ في قَوْلِهِ لَهم لِلِاسْتِحْقاقِ أيْ ما كانَ يَحِقُّ لَهُمُ الدُّخُولُ في حالَةٍ إلّا في حالَةِ الخَوْفِ فَهم حَقِيقُونَ بِها وأحْرِياءُ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وهَذا وعِيدٌ بِأنَّهم قَدَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أنْ تُرْفَعَ أيْدِيهِمْ مِنَ التَّصَرُّفِ في المَسْجِدِ الحَرامِ وشَعائِرِ اللَّهِ هُناكَ وتَصِيرَ لِلْمُسْلِمِينَ فَيَكُونُوا بَعْدَ ذَلِكَ لا يَدْخُلُونَ المَسْجِدَ الحَرامَ إلّا خائِفِينَ، ووَعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وقَدْ صَدَقَ اللَّهُ وعْدَهُ فَكانُوا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ خائِفِينَ وجِلِينَ حَتّى نادى مُنادِي النَّبِيءِ ﷺ مَن دَخَلَ المَسْجِدَ الحَرامَ فَهو آمِنٌ فَدَخَلَهُ الكَثِيرُ مِنهم مَذْعُورِينَ أنْ يُؤْخَذُوا بِالسَّيْفِ قَبْلَ دُخُولِهِمْ.
وعَلى تَفْسِيرِ ”مَساجِدَ اللَّهِ“ بِالعُمُومِ يَكُونُ قَوْلُهُ ﴿ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها﴾ أيْ مَنَعُوا مَساجِدَ اللَّهِ في حالِ أنَّهم كانَ يَنْبَغِي لَهم أنْ يُدْخُلُوها خاشِعِينَ مِنَ اللَّهِ فَيُفَسَّرُ الخَوْفُ بِالخَشْيَةِ مِنَ اللَّهِ فَلِذَلِكَ كانُوا ظالِمِينَ بِوَضْعِ الجَبَرُوتِ في مَوْضِعِ الخُضُوعِ فاللّامُ عَلى هَذا في قَوْلِهِ ”ما كانَ لَهم“ لِلِاخْتِصاصِ وهَذا الوَجْهُ وإنْ فَرَضَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلّا أنَّ مَكانَ اسْمِ الإشارَةِ المُؤْذِنِ بِأنَّ ما بَعْدَهُ تَرَتَّبَ عَمّا قَبْلَهُ يُنافِيهِ لِأنَّ هَذا الِابْتِغاءَ مُتَقَرِّرٌ وسابِقٌ عَلى المَنعِ والسَّعْيِ في الخَرابِ.
صفحة ٦٨٢
وقَوْلُهُ ﴿لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ اسْتِئْنافٌ ثانٍ ولَمْ يَعْطِفْ عَلى ما قَبْلَهُ لِيَكُونَ مَقْصُودًا بِالِاسْتِئْنافِ اهْتِمامًا بِهِ لِأنَّ المَعْطُوفَ لِكَوْنِهِ تابِعًا لا يَهْتَمُّ بِهِ السّامِعُونَ كَمالَ الِاهْتِمامِ ولِأنَّهُ يَجْرِي مِنَ الِاسْتِئْنافِ الَّذِي قَبْلَهُ مَجْرى البَيانِ مِنَ المُبِينِ فَإنَّ الخِزْيَ خَوْفٌ، والخِزْيُ الذُّلُّ والهَوانُ وذَلِكَ ما نالَ صَنادِيدَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ القَتْلِ الشَّنِيعِ والأسْرِ، وما نالَهم يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ مِن خِزْيِ الِانْهِزامِ. وقَوْلُهُ ﴿ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ عُطِفَتْ عَلى ما قَبْلَها لِأنَّها تَتْمِيمٌ لَها إذِ المَقْصُودُ مِن مَجْمُوعِهِما أنَّ لَهم عَذابَيْنِ عَذابًا في الدُّنْيا وعَذابًا في الآخِرَةِ.
وعِنْدِي أنَّ نُزُولَ هَذِهِ الآيَةِ مُؤْذِنٌ بِالِاحْتِجاجِ عَلى المُشْرِكِينَ مِن سَبَبِ انْصِرافِ النَّبِيءِ عَنِ اسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ بَعْدَ هِجْرَتِهِ فَإنَّ مَنعَهُمُ المُسْلِمِينَ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ أشَدُّ مِنَ اسْتِقْبالِ غَيْرِ الكَعْبَةِ في الصَّلاةِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٌ بِهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ وإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]
2:115Page 18
وَلِلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ فَأَيۡنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجۡهُ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ١١٥
And to Allāh belongs the east and the west. So wherever you [might] turn, there is the Face1 of Allāh. Indeed, Allāh is all-Encompassing and Knowing.
﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾
لَمّا جاءَ بِوَعِيدِهِمْ ووَعَدَ المُؤْمِنِينَ عَطَفَ عَلى ذَلِكَ تَسْلِيَةَ المُؤْمِنِينَ عَلى خُرُوجِهِمْ مِن مَكَّةَ ونِكايَةَ المُشْرِكِينَ بِفَسْخِ ابْتِهاجِهِمْ بِخُرُوجِ المُؤْمِنِينَ مِنها وانْفِرادِهِمْ هم بِمَزِيَّةِ جِوارِ الكَعْبَةِ فَبَيَّنَ أنَّ الأرْضَ كُلَّها لِلَّهِ تَعالى وأنَّها ما تَفاضَلَتْ جِهاتُها إلّا بِكَوْنِها مَظِنَّةً لِلتَّقَرُّبِ إلَيْهِ تَعالى وتَذَكُّرِ نِعَمِهِ وآياتِهِ العَظِيمَةِ فَإذا كانَتْ وِجْهَةُ الإنْسانِ نَحْوَ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى فَأيْنَما تَوَلّى فَقَدْ صادَفَ رِضى اللَّهِ تَعالى، وإذا كانَتْ وِجْهَتَهُ الكُفْرُ والغُرُورُ والظُّلْمُ فَما يُغْنِي عَنْهُ العِياذُ بِالمَواضِعِ المُقَدَّسَةِ بَلْ هو فِيها دَخِيلٌ لا يَلْبَثُ أنْ يُقْلَعَ مِنها قالَ تَعالى ﴿وما كانُوا أوْلِياءَهُ إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤] «وقالَ ﷺ في بَنِي إسْرائِيلَ: نَحْنُ أحَقُّ بِمُوسى مِنهم» . فالمُرادُ مِنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ في الآيَةِ تَعْمِيمُ جِهاتِ الأرْضِ لِأنَّها تَنْقَسِمُ بِالنِّسْبَةِ إلى مَسِيرِ الشَّمْسِ قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ يَبْتَدِئُ مِن حَيْثُ تَطْلُعُ الشَّمْسُ، وقِسْمٌ يَنْتَهِي في حَيْثُ تَغْرُبُ، وهو تَقْسِيمٌ اعْتِبارِيٌّ كانَ مَشْهُورًا عِنْدَ المُتَقَدِّمِينَ لِأنَّهُ المَبْنِيُّ عَلى المُشاهَدَةِ مُناسِبٌ لِجَمِيعِ النّاسِ والتَّقْسِيمُ الذّاتِيُّ لِلْأرْضِ هو تَقْسِيمُها إلى شَمالِيٍّ وجَنُوبِيٍّ لِأنَّهُ تَقْسِيمٌ يَنْبَنِي عَلى اخْتِلافِ آثارِ الحَرَكَةِ الأرْضِيَّةِ.
صفحة ٦٨٣
وقَدْ قِيلَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ إذْنٌ لِلرَّسُولِ ﷺ بِأنْ يَتَوَجَّهَ في الصَّلاةِ إلى أيَّةِ جِهَةٍ شاءَ، ولَعَلَّ مُرادَ هَذا القائِلِ أنَّ الآيَةَ تُشِيرُ إلى تِلْكَ المَشْرُوعِيَّةِ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ قُبَيْلَ نَسْخِ اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ إذِ الشَّأْنُ تَوالِي نُزُولِ الآياتِ، وآيَةُ نَسْخِ القِبْلَةِ قَرِيبَةُ المَوْقِعِ مِن هَذِهِ، والوَجْهُ أنْ يَكُونَ مَقْصِدُ الآيَةِ عامًّا كَما هو الشَّأْنُ فَتَشْمَلُ الهِجْرَةَ مِن مَكَّةَ والِانْصِرافَ عَنِ اسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ.
وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلِاخْتِصاصِ أيْ أنَّ الأرْضَ لِلَّهِ تَعالى فَقَطْ لا لَهم، فَلَيْسَ لَهم حَقٌّ في مَنعِ شَيْءٍ مِنها عَنْ عِبادِ اللَّهِ المُخْلِصِينَ.
و”وجْهُ اللَّهِ“ بِمَعْنى الذّاتِ وهو حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ تَقُولُ: لِوَجْهِ زَيْدٍ أيْ ذاتِهِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ”مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ“ وهو هُنا كِنايَةٌ عَنْ عَمَلِهِ فَحَيْثُ أمَرَهم بِاسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ فَرِضاهُ مَنُوطٌ بِالِامْتِثالِ لِذَلِكَ. وهو أيْضًا كِنايَةٌ رَمْزِيَّةٌ عَنْ رِضاهُ بِهِجْرَةِ المُؤْمِنِينَ في سَبِيلِ الدِّينِ لِبِلادِ الحَبَشَةِ ثُمَّ لِلْمَدِينَةِ ويُؤَيِّدُ كَوْنَ الوَجْهِ بِهَذا المَعْنى قَوْلُهُ في التَّذْيِيلِ إنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ فَقَوْلُهُ ”واسِعٌ“ تَذْيِيلٌ لِمَدْلُولٍ ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ والمُرادُ سَعَةُ مُلْكِهِ أوْ سَعَةُ تَيْسِيرِهِ والمَقْصُودُ عَظَمَةُ اللَّهِ وأنَّهُ لا جِهَةَ لَهُ وإنَّما الجِهاتُ الَّتِي يُقْصَدُ مِنها رِضى اللَّهِ تَفْضُلُ غَيْرَها وهو عَلِيمٌ بِمَن يَتَوَجَّهُ لِقَصْدِ مَرْضاتِهِ وقَدْ فُسِّرَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِأنَّها المُرادُ بِها القِبْلَةُ في الصَّلاةِ.
2:116Page 18
وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗاۗ سُبۡحَٰنَهُۥۖ بَل لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ كُلّٞ لَّهُۥ قَٰنِتُونَ ١١٦
They say, "Allāh has taken a son." Exalted is He!1 Rather, to Him belongs whatever is in the heavens and the earth. All are devoutly obedient to Him,
﴿وقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾
الضَّمِيرُ المَرْفُوعُ بِقالُوا عائِدٌ إلى جَمِيعِ الفِرَقِ الثَّلاثِ وهي اليَهُودُ والنَّصارى والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إشارَةً إلى ضَلالٍ آخَرَ اتَّفَقَ فِيهِ الفِرَقُ الثَّلاثُ، وقَدْ قُرِئَ بِالواوِ وقالُوا عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ”وقالَتِ اليَهُودُ“ وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ بِدُونِ واوِ عَطْفٍ وكَذَلِكَ ثَبَتَتِ الآيَةُ في المُصْحَفِ الإمامِ المُوَجَّهِ إلى الشّامِ فَتَكُونُ اسْتِئْنافًا كَأنَّ السّامِعَ بَعْدَ أنْ سَمِعَ ما مَرَّ مِن عَجائِبِ هَؤُلاءِ الفِرَقِ الثَّلاثِ جَمْعًا وتَفْرِيقًا تَسَنّى لَهُ أنْ يَقُولَ لَقَدْ أسْمَعْتَنا مِن مُساوِيهِمْ عَجَبًا فَهَلِ انْتَهَتْ مُساوِيهِمْ أمْ لَهم مَساوٍ أُخْرى لِأنَّ ما سَمِعْناهُ مُؤْذِنٌ بِأنَّها مَساوٍ لا تَصْدُرُ إلّا عَنْ فِطَرٍ خَبِيثَةٍ.
صفحة ٦٨٤
وقَدِ اجْتَمَعَ عَلى هَذِهِ الضَّلالَةِ الفِرَقُ الثَّلاثُ كَما اتَّفَقُوا عَلى ما قَبْلَها، فَقالَتِ اليَهُودُ: (عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ) وقالَ المُشْرِكُونَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ فَتَكُونُ هاتِهِ الآيَةُ رُجُوعًا إلى جَمْعِهِمْ في قَرَنٍ إتْمامًا لِجَمْعِ أحْوالِهِمُ الواقِعِ في قَوْلِهِ ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٠٥] وفي قَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [البقرة: ١١٣] وقَدْ خُتِمَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِآيَةٍ جَمَعَتِ الفَرِيقَ الثّالِثَ في مَقالَةٍ أُخْرى وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ﴾ [البقرة: ١١٨] إلى قَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: ١١٨] والقَوْلُ هُنا عَلى حَقِيقَتِهِ وهو الكَلامُ اللِّسانِيُّ ولِذَلِكَ نَصَبَ الجُمْلَةَ وأُرِيدَ أنَّهُمُ اعْتَقَدُوا ذَلِكَ أيْضًا لِأنَّ الغالِبَ في الكَلامِ أنْ يَكُونَ عَلى وفْقِ الِاعْتِقادِ. وقَوْلُهُ اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا جاءَ بِلَفْظِ ”اتَّخَذَ“ تَعْرِيضًا بِالِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ بِأنَّ كَلامَهم لا يَلْتَئِمُ لِأنَّهم أثْبَتُوا ولَدًا لِلَّهِ ويَقُولُونَ اتَّخَذَهُ اللَّهُ. والِاتِّخاذُ الِاكْتِسابُ وهو يُنافِي الوَلَدِيَّةَ إذِ الوَلَدِيَّةُ تُولَدُ بِدُونِ صُنْعٍ فَإذا جاءَ الصُّنْعُ جاءَتِ العُبُودِيَّةُ لا مَحالَةَ وهَذا التَّخالُفُ هو ما يُعَبَّرُ عَنْهُ في عِلْمِ الجَدَلِ بِفَسادِ الوَضْعِ وهو أنْ يَسْتَنْتِجَ وُجُودَ الشَّيْءِ مِن وُجُودِ ضِدِّهِ كَما يَقُولُ قائِلٌ: القَتْلُ جِنايَةٌ عَظِيمَةٌ فَلا تُكَفَّرُ مِثْلُ الرِّدَّةِ.
وأصْلُ هَذِهِ المَقالَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُشْرِكِينَ ناشِئٌ عَنْ جَهالَةٍ وبِالنِّسْبَةِ لِأهْلِ الكِتابَيْنِ ناشِئٌ عَنْ تَوَغُّلِهِما في سُوءِ فَهْمِ الدِّينِ حَتّى تَوَهَّمُوا التَّشْبِيهاتِ والمَجازاتِ حَقائِقَ فَقَدْ ورَدَ وصْفُ الصّالِحِينَ بِأنَّهم أبْناءُ اللَّهِ عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ ووَرَدَ في كِتابِ النَّصارى وصْفُ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ أبُو عِيسى وأبُو الأُمَّةِ فَتَلَقَّفَتْهُ عُقُولٌ لا تَعْرِفُ التَّأْوِيلَ ولا تُؤَيِّدُ اعْتِقادَها بِواضِحِ الدَّلِيلِ فَظَنَّتْهُ عَلى حَقِيقَتِهِ.
جاءَ في التَّوْراةِ في الإصْحاحِ ١٤ مِن سِفْرِ التَّثْنِيَةِ ”أنْتُمْ أوْلادٌ لِلرَّبِّ إلَهِكم لا تَخْمِشُوا أجْسامَكم“ وفي إنْجِيلِ مَتّى الإصْحاحِ ٥ ”طُوبى لِصانِعِي السَّلامِ لِأنَّهم أبْناءُ اللَّهِ يُدْعَوْنَ“ وفِيهِ ”وصَلُّوا لِأجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إلَيْكم ويَطْرُدُونَكم لِكَيْ تَكُونُوا أبْناءَ أبِيكُمُ الَّذِي في السَّماواتِ“ وفي الإصْحاحِ ٦ ”انْظُرُوا إلى طُيُورِ السَّماءِ إنَّها لا تَزْرَعُ ولا تَحْصُدُ ولا تَجْمَعُ إلى مَخازِنَ وأبُوكُمُ السَّماوِيُّ يَقُوتُها“ وتَكَرَّرَ ذَلِكَ في الأناجِيلِ غَيْرَ مَرَّةٍ فَفَهِمُوها بِسُوءِ الفَهْمِ عَلى ظاهِرِ عِبارَتِها ولَمْ يُراعُوا أُصُولَ الدِّيانَةِ الَّتِي تُوجِبُ تَأْوِيلَها، ألا تَرى أنَّ المُسْلِمِينَ لَمّا جاءَتْهم أمْثالُ هاتِهِ العِباراتِ أحْسَنُوا تَأْوِيلَها وتَبَيَّنُوا دَلِيلَها كَما في الحَدِيثِ: «الخَلْقُ عِيالُ اللَّهِ» .
صفحة ٦٨٥
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ تَنْزِيهٌ لِلَّهِ عَنْ شَنِيعِ هَذا القَوْلِ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الوَلَدِيَّةَ نَقْصٌ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى وإنْ كانَتْ كَمالًا في الشّاهِدِ لِأنَّها إنَّما كانَتْ كَمالًا في الشّاهِدِ مِن حَيْثُ إنَّها تَسُدُّ بَعْضَ نَقائِصِهِ عِنْدَ العَجْزِ والفَقْرِ وتَسُدُّ مَكانَهُ عِنْدَ الِاضْمِحْلالِ، واللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ، فَلَوْ كانَ لَهُ ولَدٌ لَآذَنَ بِالحُدُوثِ وبِالحاجَةِ إلَيْهِ.
وقَوْلُهُ ﴿بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ إضْرابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ لِإبْطالِهِ، وأقامَ الدَّلِيلَ عَلى الإبْطالِ بِقَوْلِهِ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ واللّامُ لِلْمُلْكِ و”ما في السَّماواتِ والأرْضِ“ أيْ ما هو مَوْجُودٌ فَإنَّ السَّماواتِ والأرْضَ هي مَجْمُوعُ العَوالِمِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ. وما مِن صِيَغِ العُمُومِ تَقَعُ عَلى العاقِلِ وغَيْرِهِ وعَلى المَجْمُوعِ، وهَذا هو الأصَحُّ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ في المُفَصَّلِ واخْتارَهُ الرَّضِيُّ.
وقِيلَ ما تَغْلِبُ أوْ تَخْتَصُّ بِغَيْرِ العُقَلاءِ ومَن يَخْتَصُّ بِالعُقَلاءِ ورُبَّما اسْتُعْمِلَ كُلٌّ مِنهُما في الآخَرِ، وهَذا هو المُشْتَهَرُ بَيْنَ النُّحاةِ، وإنْ كانَ ضَعِيفًا وعَلَيْهِ فَهم يُجِيبُونَ عَلى نَحْوِ هاتِهِ الآيَةِ بِأنَّها مِن قَبِيلِ التَّغْلِيبِ تَنْزِيلًا لِلْعُقَلاءِ في كَوْنِهِمْ مِن صُنْعِ اللَّهِ بِمَنزِلَةٍ مُساوِيَةٍ لِغَيْرِهِ مِن بَقِيَّةِ المَوْجُوداتِ تَصْغِيرًا لِشَأْنِ كُلِّ مَوْجُودٍ.
والقُنُوتُ الخُضُوعُ والِانْقِيادُ مَعَ خَوْفٍ وإنَّما جاءَ ”قانِتُونَ“ بِجَمْعِ المُذَكَّرِ السّالِمِ المُخْتَصِّ بِالعُقَلاءِ تَغْلِيبًا لِأنَّهم أهْلُ القُنُوتِ عَنْ إرادَةٍ وبَصِيرَةٍ.
والمُضافُ إلَيْهِ المَحْذُوفُ بَعْدَ كُلٍّ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ أيْ كُلُّ ما في السَّماواتِ والأرْضِ أيِ العُقَلاءُ ”لَهُ قانِتُونَ“ وتَنْوِينُ كُلٍّ تَنْوِينُ عِوَضٍ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ وسَيَأْتِي بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها﴾ [البقرة: ١٤٨] في هَذِهِ السُّورَةِ. وفي قَوْلِهِ ”لَهُ قانِتُونَ“ حُجَّةٌ ثالِثَةٌ عَلى انْتِفاءِ الوَلَدِ لِأنَّ الخُضُوعَ مِن شِعارِ العَبِيدِ أمّا الوَلَدُ فَلَهُ إدْلالٌ عَلى الوالِدِ وإنَّما يَبَرُّ بِهِ ولا يَقْنُتُ، فَكانَ إثْباتُ القُنُوتِ كِنايَةً عَنِ انْتِفاءِ الوَلَدِيَّةِ بِانْتِفاءِ لازِمِها لِثُبُوتِ مُساوِي نَقِيضِهِ، ومُساوِي النَّقِيضِ نَقِيضٌ، وإثْباتُ النَّقِيضِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ ما هو نَقِيضٌ لَهُ.
وفَصْلُ جُمْلَةِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ لِقَصْدِ اسْتِقْلالِها بِالِاسْتِدْلالِ حَتّى لا يَظُنَّ السّامِعُ أنَّها مُكَمِّلَةٌ لِلدَّلِيلِ المَسُوقِ لَهُ قَوْلُهُ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ وقَدِ اسْتَدَلَّ بِها بَعْضُ الفُقَهاءِ عَلى أنَّ مَن مَلَكَ ولَدَهُ أعْتَقَ عَلَيْهِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ نَفْيَ الوَلَدِيَّةِ بِإثْباتِ العُبُودِيَّةِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى تَنافِي الماهِيَّتَيْنِ وهو اسْتِرْواحٌ حَسَنٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences